إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 14-08-2005, 11:00 PM
عبد الباسط خلف عبد الباسط خلف غير متواجد حالياً
كاتب وصحافي فلسطيني
 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
الدولة: فلسطين
المشاركات: 1,513
Post "كلوس أَب" فلسطيني من أميركا وأوروبا....

"كلوس أَب" فلسطيني من أميركا وأوروبا....


كتب عبد الباسط خلف:

لا تخلو الطريق إلى الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا من مشاهد يمكن تحويلها لمصنوعات صحافية، تتيح لمن لم يزر العالم الجديد الشاسع والقارة الأوروبية الباردة تكوين انطباع عنهما.
لا يمكن الحديث من بعيد عن الأمكنة، ولا بد من العيش فيها، والتفاعل معها وتشخيص حياتها وترفها وفنها ومناخها وحضارتها وسياستها وفوضويتها وكل مكوناتها بالعين والقلم والأذن.

على شرف البرنامج الـتدريبي السنوي الذي تعكف دائرة الإعلام في الأمم المتحدة تنظيمه كل عام، تعيش مجموعة من الصحافيين والصحافيات في نيويورك وجنيف وواشنطن، فيحضرون حيزاً من مداولات الجمعية العامة على هامش مناقشة ما يسمى بالحالة في الشرق الأوسط وفلسطين، ويلتقون بشخصيات سياسية ودبلوماسيين ومدراء الوكالات والمنظمات المنبثقة عن الأمم المتحدة، ويزورون مؤسسات رسمية وأهلية أمريكية، ويعيشون في ردهات الجمعية العامة لحفنة من الأسابيع، ويحيون اليوم الدولي للتضامن معهم في القاعة نفسها التي شهدت تقسيم وطنهم العام 1947.

في النسخة التاسعة من برنامج الأمم المتحدة أفلح عشرة إعلاميين، وهي المرة الأولى التي يكتمل فيها عقد المدعوين، نصفهم جاء من الضفة الغربية بما فيها القدس المحتلة، والنصف الآخر من غزة، وتركيبتهم " الجندرية" تعترف بالمناصفة بين الجنسين أيضاً، وهو الشيء الغائب الحاضر في وطنهم، استراحت عيونهم مؤقتاً من الحواجز، وغابت عن آذانهم أصوات الرصاص و هدير طائرات الاستطلاع و" الأباتشي" التي تجوب السماء هنا للنقل لا القتل، وعاشوا "حرية "مؤقتة غابت عن بلدهم.

كان لك واحد من هؤلاء قصة وحكاية لا تخلو من إشارات، وفي أوراقهم الكثير من الهموم والآمال، وقصة كل واحد أو واحدة منها تدلل على حالة الفلسطيني ووطنه المضطهد.

تنحاز بدورك للكتابة عن الفن والسياسة والنساء والبيئة والتاريخ والوطن وتؤلف بين أفئدة الأحرف والعبارات لتقدما مشهداً مركباً بلقطات مقَـرِّبة من أمريكا وأوروبا.

والبرنامج الذي لم تكن نهايته طبيعية أيضاً بالنسبة لبعضنا القادم من غزة،إذ شهدت القاهرة تمديداً إجبارياً له، كان على مقربة جنبات الجامعة العربية، حيث شرع ثلاثة منا في انتظار طال بعدد أيام إغلاق معبر رفح لأكثر من خمسين يوماً، بعد يوم واحد من وصولهم إلى القاهرة، فيما أفلحت زميلتنا الرابعة بالعودة في اللحظة الأخيرة قبل إقفال المعبر لحفنة من الأسابيع. وهذه خلاصة ما سجلته العين الفلسطينية الطبيعية.

لقطة تجريبية( بروفا):

"التفاحة الكبيرة"بعيون فلسطينية


أخذت طائرة "الإيرباص" تجافي الأرض وتصادق السماء في رحلة الــ 1882 ميلا من عمان إلى فرانكفورت هذه المسافة ليست بالكبيرة فهي في أسوأ الأحوال أقل من المدة التي يحتاجها أي شاب أو امرأة أو عجوز من مدن شمال الضفة إلى رام الله، أو من غزة لجارتها رفح.

قليلا قليلا، اكتمل عقد المغادرين، كان بوسعنا تحديد جنسيات جيراننا المؤقتين دون الحاجة لاستخدام اللغة و التخاطب، فجين فو القريب من مقعدنا صيني يدرس الرياضيات في تورنتو، يعرف القليل عن فلسطين وقوانين صراعها مع الاحتلال لكنه في الوقت نفسه يقدم وجهة نظر مختلفة للحديث عن "الجندر" في بلاده العظيمة سكانا وجغرافية فيقول إنهم يحرمون الأمهات من الاستمتاع بأمومتهم عبر تحديد النسل لاعتبارات كثيرة.

تقارن حالة أمهاتنا الفلسطينيات اللواتي يمنعهن الاحتلال من ممارسة حياتهن عبر تحجيم عدد أفراد الأسرة بالرصاص و وقضبان الحديد.

في السماء لا يغيب الحديث عن الأرض و شؤونها و شجونها، فجيراننا بالناحية الشمالية من الطائرة يتحدثون عن جدار الفصل العنصري وذكرياتهم في جبل أبو غنيم، فيما ينشط زميلنا علي صوافطة في إقناع جليسه الطارئ بعدالة قضيتنا ويسمعه شيئا عن غزة ورام الله.

حتى في الأجواء سيتذكر المغادرون المستعمرات الإسرائيلية فأضواء عمان والقاهرة ونظيراتها تقودنا من علٍ لأضواء المستوطنات الظلماء.

نصل فرانكفورت في الصباح، وتتأخر المدينة في وضع نهاية لنومها الهانئ، نبحث عن شيء من حوار لتجاوز بضع ساعات من انتظار، نفتح حديثا مع الكوافير البرازيلي الذي شد الرحال إلى لندن، فيسرنا أنه يعرف شيئا عن فلسطين وصراعها وعذابها، مثلما يتحدثون عن وانغاري ميتاي ، المرأة التي نالت النسخة الأخيرة من جوائز نوبل للسلام لحرصها وشغفها ببيئة قارتها السمراء.

نلتقط بعد اكتملت مجموعتنا الأولى القادمة من الوطن عبر عمان إلى هنا، صحفاً ومجلات مستعينين بجارنا الألماني عن جريدة عملاقة تتعدى المائة والخمسين صفحة وتضم عشرة أجزاء، لكن المرأة وشؤونها لا تقدم إلا سلعة لا تخلو من عريّ...

نصعد إلى الإيرباص الثانية في الطريق إلى نيويورك ونتذكر أن تسعتنا نحن المشاركين في برنامج تدريب للصحافيين الفلسطينيين التي تنظمها دائرة الإعلام في الأمم المتحدة نحتاج إلى خارطة طريق لجمع شتاتنا، فمها مطر وهيام حسان أكرهوا على السفر إلى القاهرة والمكوث فيها بنسب متفاوته فرارا من القيود والحواجز والمفاجآت، وعرفت هبة الطحان طريقها إلى نيويورك عبر مطار اللد، فيما تأخر سفر يوسف عطوة لأسبوع بعد أن استهلكته الحواجز ليصل القاهرة، وقدم المثنى القاضي من الصين حيث يعمل.

تسأل الهندي في رحلة نيويورك عن صراعنا مع الاحتلال فيخبرك بأن المسألة في فلسطين مجرد حرب أهلية أو "سفيل وار" .

في ارتفاعات السماء ذات الثلاثة آلاف وسبعمائة قدم عن الأرض والمحيط تطول الرحلة لثمان ساعات وخمس وعشرين دقيقة لكنها المدة نفسها التي احتاجتها الحاجة علياء حسين وولدها سامي ذات نهار للسفر من جنين إلى رام الله حيث مستشفى الرعاية العربية لإجراء فحوصات مخبريه غير متاحة في بلدهما.

نسترق قليلا السمع ونعثر على محطة عربية تجود بغناء شرقي في عنان السماء وينشط المغادرون في نوم مستقطع وحكايات متفاوتة عن حالهم واهتماماتهم.

تصلا مطار جون كندي الذي يذكرنا بالاغتيالات القذرة، فنمضي قليلا في التفتيش وإجراءات الأمن الكثيرة، ندرك أم أجزاء من نهارنا قد تبخر ونهبط مسرعين إلى قلب شارع رقم 45 في "منهاتن" بحثاً عن الراحة...

في يوم الدورة الأول يمنحنا نائب مديرها القادم من اليابان والعارف قليلا بالعربية هيرو ياكي، بطاقات دعوة لحضور حفل الأمم المتحدة لمناسبة عامها الخمسين نصل مقر الجمعية العمومية فتستقبلنا عروض الأوركسترا الكويتية الوطنية، وفرقة التلفزيون الكويتية نستمتع قليلا بالغناء الصامت القادم من الصحراء الثرية، لكننا لا نرى إلا أي يد خشنة مع أن المندوب الدائم لدولة الكويت نبيلة عبد الله الملة هي ذاتها الراعية للحفل إلى جانب السكرتير العام للمنظمة كوفي عنان.

هنا في نيويورك أو المدينة التي يطلق عليها سكانها لقب" التفاحة الكبيرة"لا يتحدثون عن "الجندر" والديمقراطية والجماعات المهمشة، فالنساء هنا يحظين بعدالة في التوظيف حتى أن جيش الأمم المتحدة الذي يقترب من الخمسة آلاف يعج بحواء، وتمارس هنا المرأة في الطوابق الـ39 وظائف قيادية وإشرافية، في الشوارع القريبة من المبنى تقود النساء الحافلات العامة، وتمضي بعضهن الكثير من الوقت في مداعبة كلابهن والترفيه، ولا يعني ذلك أن الشوارع تخلو من متسولات.
في الدروب الواسعة تنتشر شاشات عملاقة على عمارات شاهقة لبث الأخبار العاجلة، فتحتل أخبار الرئيس عرفات الصحية الواجهة وتتكاثر التحليلات في التلفزة الأمريكية، حتى أن محطة فوكس نيوز تقدم صورا غير بريئة وتعرض موسيقى حزن توحي وكأن الرئيس رحل عن الدنيا.

تستوقفك الفرنسية – الأمريكية مارسيل، المرأة التي تعمل في برنامج الإعلام، فهي كتلة من النشاط تعمل من التاسعة إلى الخامسة والنصف دون انقطاع ورغم ذلك فهي متزوجة وأم لطفلين أصغرهما لم يكمل الثامنة أشهر.

على مائدة الإفطار الرمضانية تنتشر الأحاديث الجانبية عن الوضع الصحي للرئيس الفلسطيني ويبدي التونسيون والسودانيون الذين التقيناهم خوفا على الرئيس ويتمنون سلامته قبل أيام من رحيله.

في بناية الأمم المتحدة الإنمائي حيث تلقينا شرحا عن اللاجئين ومعاناتهم يخبرونا بأن فرقة فلسطينية من الأشبال ستأتي يوم التضامن مع شعبنا نهار التاسع والعشرين من نوفمبر، نستعد لذلك ونمضي لأروقة الأمم المتحدة لاستكمال مناقشتنا السياسية والصحافية، ونرى حجم الصور الضئيلة التي تتعرض لنكبة شعبنا، كن الترتيبات تلغى بعد وفاة الرئيس عرفات ...
لقطة من المهجر:

كرولاينا الشمالية :فلسطيني وبيئة ومهجر ومفارقات…

في رحلة الذهاب إلى ولاية كرولاينا الشمالية أو نورث كرولاينا كما هو شائع، يمكن للمرء أن يفكر في عشرات المحاور، قبل أن يصل هدفه، فالرحيل من واشنطن العاصمة إلى هذا المكان الساحر بطبيعته يحتاج لسبع ساعات، فيما تنتظرنا عودة لنيويورك ذات ثلاث عشرة ساعة في القطار السريع، نفتح مع إيرن مورو دارس السياسة حوارا عن القضية الفلسطينية، وسر الانتخابات الأمريكية، وأسباب أخفاق الأحزاب الخضراء في الولايات المتحدة، يمطرنا جارنا الطارئ بطائفة كبيرة من الأسئلة، التي لا تخلو من إشارات لبيئة فلسطين المضطهدة.

يعترف مورو بأن السواد الأعظم من أبناء شعبه لا يهتمون بالسياسة، فالمال والنساء وعلب الليل وأسعار النفط وكرة القدم الأمريكيةهي قضايا أكثر ما يستهويهم.نتحدث عن الطبقية والنخب السياسية والمصالح والشركات متعددة الجنسيات، وتعرج من جديد على المرشح الخاسر رولف نادر.

ويعرف أيضاً أن المستعمرات الإسرائيلية في مدن الضفة وغزة قد شوهت الأراضي الفلسطينية ودمرت الحياة البئية فيها، فلا الشجر والأراضي الزراعية سمح لها بالحياة الحرة.

يغالبنا النعاس في الشطر الأخير من الليل، فنذعن قليلاً لرغباته، لكن سحر الحوار الذي فتحه الزميل وليد اللوح القادم من غزة، مع بروفيسيرة الكيمياء تجعل النوم خيار يمكن التنازل عنه.
في الصباح التالي نستيقظ على منبه مضيفنا الغزي المغترب أبو يوسف الذي جاء إلى هنا قبل حفنة وعشرين سنة، ولا زال يستذكر برتقال بلده البعيدة المحتلة.

من نافذة البيت الذي يختلف في طابعه عن منازل الأمريكيين الشاسعة الضيقة، يمكن لنا التحليق في أفق مختلف عن المنتشر في نيويورك ونظيراتها، حيث البناء المرتفع والشمس الخجولة والمساحات الخضراء المفقودة، تأسرنا مشاهد أشجار الغابة مختلفة الألوان، فهنا أشجار الخريف الصفراء والحمراء والبرتقالية والأرجوانية، وأيضاً بحيرة مدينة جرينزبورو التي تغري الناظر وتدفعه
للتأمل والحلم والمقارنة، فعندنا في وطننا المحاصر بحيرات من فصيلة مختلفة، ولدينا أشجار اجتثت لغير سبب.

نسبح في فضاءات المدينة لا الماء، فيسرقنا الحديث مع الشاب الفلسطيني المغترب مسعود عورتاني الذي رأى النور العام 1962 في بلدة عنبتا القريبة من طولكرم، ودرس الهندسة الزراعية في الجامعة الأردنية، ولا زال يستذكر كل تفاصيل أطروحة الماجيستير التي عالج فيها حكاية الحمضيات في فلسطين، وكيف تبخر هذا القطاع.

يغرقنا عورتاني بحكاية سوق مزارعي مدينة جرينزبورو، الذين أسسوا قبل مائة عام تجمعاً لمناصرة الطبيعة، فرحوا في كل يوم سبت يحضرون منتجاتهم العضوية والخالية من السموم التي راحت تشاركنا في ما نأكل، ويستأجرون طاولات لعرض محاصيلهم، ويبدأون في هذه المعرض الدائم من السادسة صباحاً إلى أن ينتصف النهار عند الثانية عشرة ظهراً.

إلى هذا المكان الأخضر في المدينة الخضراء أيضاً، صار يتقاطر إليه قضاة ومحامون ورجال اقتصاد وتجار ومثقفون، فيبتاعون ما يستهوي أفئدتهم.

وليس سراً أن يكون عوتاني وزوجته آنا من رواد المكان، لدرجة لاحقت فيها صحيفة المدينة الأسبوعية الفلسطينية المحجبة، وألتقط لها صورا في السوق.

يعكف الزوجان عورتاني على اطلاق مشروع pough-remi mediterirn، سيعيان من خلاله لتقديم وجبات طعام علاجية،أو المعالجة بالطعام، عبر توفير مواد عضوية تساهم في تخفيف آلام من يعانون أمراض العصر كالسكري والسمنة.

يقول مسعود: العودة إلى الطبيعة تشغلني منذ فترة طويلة، وساعدني في ذلك تشجيع زوجتي واهتمامها، فشرعنا في تجهيز العديد من الأطباق الآمنة، وسننطلق في القريب لتوفير أطعمة عضوية خالية من المواد الكيماوية.

يضيف: هنا مثلاً تٌسوق أحد المتاجر س الصينية زيت الزيتون المستخرج بطريقة بدائية عبر عصره باستخدام الحجارة الكبيرة، بعشرين دولاراً لكل لتر، مقابل خمسة دولارات للتر المستخرج آلياً.
كان حلم عورتاني أن يتناول في طعامة زيتاً خالصاً من تلك الشجرات التي زرعها في بلدته قبل 22 سنة، لكن التكنولوجيا أفسدت كل شيء، إذ أرسل إليه أهله عبوات منها بالبريد السريع ، لكن طعمها لم يعجبه، ولم يكن مثلما توقع..

يعادي مسعود الأدوية والكيماويات، ويقول إن الله خلق جسم الإنسان وفيه خاصية كبيرة لاستيعاب الأجسام التي يتناولها، لكن مواد التحلية غير الطبيعية مثلاً تخزن في الدماغ، ولا يتعرف عليها الجسم كمادة واضحة، ومن هنا يبدأ الشقاء..

فإذا ما نظرنا إلى علبة بسكويت أنيقة قد خط عليها أن الزيت المهدرج هو أحد مكوناتها، فإن ذلك يعني أن الزيت المقصود هو من أرخص الأصناف ، يدخل إلى مصانع تغير تركيبته حتى يصبح سميكاً، كي يكون أيضاً من السهولة بمكان تخزين المنتوج.

ولكن المشكلة أن إدخال الهيدروجين على الزيت أو " هدرجته" ، ورغم كونها رخيصة ومنتشرة إلا أنها تسبب متاعب صحية، فالجسم الإنساني لا يمكنه التعرف على كل المواد.

يرى عورتاني أن الوضع البيئي في الولايات المتحدة لا يقع في مقدمة اهتمامات الأمريكيين، فإذا مقارنا الحالة البيئية بين واشنطن وجارتها أوتاوا نجد أن كندا تحتوي على نسبة وعي بيئي مرتفعة.

.
لقطة خريفية:
أخبار ساخنة
وانتخابات فاترة

تعتلي بنايات "التايم سكوير "دعايات انتخابية غير عشوائية تنادي بشكل غير مباشر لاختيار رئيس قادم للولايات المتحدة.

بمقدور من يمر في شوارع المدينة ذات الأرقام 26و33و40و32وسواها قراءة أخبار عاجلة ساخنة وباردة كانت تمزج بين صحة الرئيس عرفات ونفي إصابته باللوكيميا والترويج لاختيار دباليو يوش الولايات المتحدة وكذلك "الديمقراطية كاعتقاد أفضل" من نموذج الحرب" ….
في ظلمة الليل النهارية يتنكر مواطنو المدينة وسكانها قبل يوم من تحول الساعة لسباتها الشتوي، الليل وبرده لا يمنعان من الكشف عن السيقان والصدور، مثلما الانتخابات التي لا تخفف من صخب المدينة.

على جنبات "التايم سكوير" يتموضع قادمون من جنوب شرق أسيا لبيع مهاراتهم، فيجهدون في رسم الأزواج والأصدقاء من المارة ويقرأ آخرون الكف على طرائقهم، وتنهمك طائفة ثالثة في السحر والشعوذة، تقول إحداهن: نقطع المحيط بحثا عن الخبز …

بالانتقال سريعا لمكان ثان يجلس شاب أسود البشرة، يتخذ من دلاء متواضعة كطبول فيحدث حركة غنائية لا تحتل حيزاً كبيراً من فراغات منهاتن الصغيرة.

توقف حركات الشاب الموسيقية القليل من المارة ويفضل آخرون الفرار بعيدا كي لا يتورطون في دفع مبالغ مالية وإن قلت ثمنا للإعجاب.

في منهاتن التي لا تنام يستطيع الزائر مشاهدة خليط من شعوب الأرض فيتعرف على أصحاب الوجوه ذات البشرة الصفراء والسمراء والشقراء، ويمارس قليلا من الانحياز للجاليات العربية التي تبدو بملامح شرقية تتعامل بحذر مع نيويورك و أشائيها.

على قارعة الطريق يتخذ الشاب المصري أشرف العفيفي القادم للولايات المتحدة منذ حفنة منذ السنوات، فيجهز على عربته النقالة موائد الشواء وتختلط روائح لحوم البقر والحبش بغناء كوكب الشرق التي تحاول أصوات غناء غربي الطغيان عليها.

بعيدا عن أشرف يجلس مصطفى حسن المغربي ، فيتعرف إلينا و يشرح لنا طريقته الخاصة في تجهيز "الباربيكيو" ، يتحدث إلينا و يرحب بنا، ويطلق لنا دعوة مجانية للانضمام إليه في "عشاء قومي".

تعيد عربات الخيول البيضاء الضخمة شيئا من التاريخ الغائب عن المدينة لكن أصوات حوافرها تكافح التغطية على كوابح المركبات وصرخات سائقيها، الحناطير في الدول الرأسمالية لها ما يميزها ولها روادها أيضا.

يروج آخرون لأجهزة كشف الكذب، فيضعون يافطات تخبر المارة بمجانية الفحص في محاولة لإغراء الزبائن. تخاطب ذاتك: أيهما أكثر حاجة لأجهزة من مثل هذا الطراز؟

تدهشك التبرعات لإنقاذ حياة أطفال تلاحقهم أنواع السرطانات القاتلة، فيثبتون على بوابة مطاعم مختارة تقويما شهريا تخصص في كل يوم منه دائرة بوسعها استيعاب نقطة نقد من عيار الربع دولار.
في الحافلة العامة تتوقف المركبة فجأة ويسرع سائقها لثنى مقعدها الخلفي، يأمر أحد رفاقنا بإعادة الانتشار عنه، فنترقب لنرى انه يخصص المكان لامرأة معاقة صعدت بعربتها إلى الحافلة.تحتاج عملية إجلاس المرأة الكثير من الدقائق في عملية احترام لإنسانية الإنسان، وتتمنى أن نجد في بلدنا حافلة تضع في حساباتها أصحاب الاحتياجات الخاصة.

هنا كذلك تفوق المطبوعات والمواد الدعائية والإخبارية والنشرات غدد سكان وطننا المضطهد والممزق، وتنتشر عادة القراءة التى لا تعترف بحدود العمر وأوراقه ودلالة الشيب وانحناء الظهر.
قريبا من شارع رقم 2 نتعرف على متطوعين صينيين يجهدون في إحياء تراث بلدهم والعودة إلى جذورهم، فيوزعون النشرات ويطلقون العنان لمبادئهم: المصداقية والشفقة والتسامح وفضح النظام وجوره وسياسته القمعية، ولا يكاد الملل يعرف كلمة المرور إلى أجسادهم النحيلة.

في الشارع ذاته ننظر إلى الحيز الأيسر المزدحم بالناس والساعين إلى الحياة، وما أن نبدل زاوية نظرنا إلا ونجد شاشة ضخمة تنقل أخبارا سريعة قادمة من العراق تتحدث عن نقيض الحياة، تقول في أعماقك هنا تنتج أساليب الحياة وهناك تسرع ثقافة الموت بنشر قواتها.

في أحياء المدينة يرتفع منسوب تواجد المحال التجارية الفاخرة المخصصة للترويج إلى أطعمة الثعالب والكلاب والقطط، مثلما تعلو كثافة مصطحبي الكلاب ومعظمهن من السيدات.

نجادل قليلا عامل الفندق القادم من بورتريكو قبل يوم من سباق الرئاسة، فيخبرنا بان المال أهم من صناديق الاقتراع، يصل بنا في النهاية لحقيقة أن الفرق بين الأحزاب الحاكمة الكبيرة في الولايات العظيمة وسواها لا يعدو مجرد فرق بين الكوكاكولا والبيبسى ....

هنا لا نلاحظ وجودا للغبار على العكس من بلدنا المنهك، وفى جانب حاويات القمامة تسيطر دعايات تجارية وتثقيفية، ويمارسون بسرعة الحب و مشتقاته.

كل شيء في منهاتن وبروكلين وكوينز وسواها مكشوف ، حتى المصارف لا تمارس السرية في عملها وكذا صالونات التجميل وعلب الليل .

حتى في الشوارع المؤهلة للولايات القريبة من نيويورك كنيوجيرسى يتحتم على السائق الذي يستخدم الشارع دفع بدل مرور والحجة هنا استعمال المعابر والجسور وتمويل نفقات إصلاحها .
فوق نهر "هنري هاستون" يستلقي اكبر جسر في العالم ويمتد جسر واشنطن للميل ونصف الميل نتحدث على شرفات الجسر عن المعابر المحطمة في بلدنا وخرائط الطرق المصنوعة في هذا البلد .

داخل النفق الذي يطول لزهاء خمسة كيلو مترات تحت الماء نطلق العنان للحديث عن الممر الآمن الذي عفا عليه الدهر بين شطري وطننا، وننتقل لصديقنا المهجري جيمس الذي يستغرب صعوبة تنقلنا بين الشمال والجنوب .

داخل حرم الأمم المتحدة يحكم مصممون على مسدس ضخم بالإعدام فيربطون مقدمة أداة القتل كدليل علي نزع فنيل النيران والكراهية، والأمل بسلام وافر بين شعوب الأرض.

على جدران المبنى الرئيس للجميعة العامة تتموضع حفنة من اللوحات الفنية تشير لنساء وأطفال وضحايا ألغام أرضية وتخصص ردهات واسعة لهدايا الشعوب والحكومات من بين 191 دولة هي التي تشكل طيف الأمم في أصقاع الأرض.

إيفوري أو عاج الفيلة هدية رائعة جادت بها الصين لكن ريتا جون ناشطة البيئة تقول ليتهم رفضوا استقبالها وانتصروا للفيلة .

قبالة مبنى الأمم المتحدة تظاهر قبل أيام من الانتخابات حفنة من المعارضين للحرب جاءوا يسمعوا العالم صوتهم ، مثلما تؤكد اللوحة العملاقة الإلكترونية رقم تكلفة الحرب وهو أربع وعشرين ساعة من الصراع الديموقراطي 142829275دولار والرقم يتصاعد لحظة في اثر لحظة .


لقطة مزدوجة:

حكايات متعددة
و معرض واحد

في أعماق مقر الجمعية العامة الرئيس بقلب نيويورك التي راح الشتاء يزحف إليها يمكن للمرء في يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني أن يقع في أسر معرض الفن الفلسطيني الذي يظهر هامشاً من الحلم والعذاب لشعب لا زال ينتظر الحرية الغائبة.

الفن هنا يرتبط بعلاقة حمية بالسياسة، ليس لشغفه بها وإنما لتعبيره عن حالة الاضطهاد التي يحياها الشعب الأخير بين دول الأرض الـ 191 الرازح تحت نير الاحتلال.

في الركن تأسر الناظر مفاتيح ذات منسوب عالٍ من الخيال، فهي رغم دلالتها لعودة اللاجئين لديارهم راحت تحمل أسماء من طراز هوليود ومصنع "كريستيانديور للأحذية" ومزرعة للنباتات ذات صيت.

قريباً من المفاتيح ترقد خريطة للوطن الفلسطيني صنعت من حلويات ذات ألوان أربع تمثل العلم الفلسطيني، ولكن الحلويات إما مجهولة الصنع أو ذاتا منشأ بريطاني من ماركة "كوناكس".

في ركن آخر يقدم الفنان شريف واكد عرض أزياء رجالية لأجساد عارية ونصف عارية تدفع من أجسادها ثمن المرور من الحواجز الإسرائيلية، في إشارة لطلب جنود الاحتلال التعسفي من الشبان الفلسطينيين الكشف عن بطونهم، ورفع ملابسهم كشرط للمرور، ويلتقط المرء كيف يرتدى أحد الشباب قميص مقعرا يحمل عبارة: بحبك نيويورك في قلب نيويورك.

في " تشيك بيونتس" أو نقاط التفتيش محاولة من جانب الفن لكشف فظاعات الاحتلال.
وفي بورتريه هاني زعرب حفنة من الدلالات، فيظهر نفسه وكأنه أسير يقبع عند حاجز صار يشارك الشعب الفلسطيني في حياته.

فوق أرض رخامية في ممر الأمم المتحدة، أختار منظمو المعرض استيراد رماد وأرض محروقة ونباتات برية من طراز النتش الشوكي، وقضبان حديدية وحجارة تشير إلى حال الأرض الفلسطينية المضطهدة وفق رؤية الفنانة حنين أبو دية.

ينقل معن حسونة بفن إضافي طريقة الحياة في مربعات، تشير للسجون الفلسطينية الكبيرة، ويعرض رائد باشا مجموعة أطفال يبتسمون أو يتجهمون أو يضعون أصابعهم في أفواههم العارية أو يختفون وراء زرقة عيونهم فيما ملابسهم رثة غير متناسقة، وبعضهم يفضل الاختباء وراء قبعة ذات صنع رخيص.

يستشف الزائر مئات المعاني من وراء ملامح الأطفال الذين سرقت طفولتهم.

يصطدم المرء في ركن آخر بوجوه صنعها من الجبص الفنان واكد أبو صبيح، وتعبر عن نفسها بغير لغة، مثلما تفعل ذلك أسلاك القفص التي أبتكرها جواد المانحي.

أما إيمان أبو حميد فتقدم في مشهد بالأبيض والأسود غنائية تردد الحنين للبرتقال والتاريخ والثورة والحدود والجدار واللجوء والرحيل و دير ياسين والكفاح والثورة و الضياع والمخيم و النكبة، وتنهي الألواح المربوطة بخيوط سوداء والمتدلية من أعلى لأسفل بجدارة حملت كلمة السلام.

تتساءل إيناس حماد في مرآتها عن اعتياديتها في النظر لنفسها في مرآة لبضع سنين، لكنها لم تستطع رؤية نفسها إلى أن نجحت في ذلك، وهذا كله يرشح بالمعنى والصور.

وتجد أيضاً فكرة الحجاب وصورة الفتاة ذات الهيئتين، و قيم الصراع الداخلي والبحث عن الهوية.
يعرض سليمان منصور في مجموعاته الثلاثة مشاهد عن العائلة والتقاليد وحفل الزواج، حيث الوجوه الفاترة والدلالات المشوهة والضبابية والتداخل.

واختزلت أعمال جاد سليمان المرأة بأجزاء من الحجارة المقطعة المنفية الأطراف والحس والأنوثة والحياة والضحك والبكاء والقهر، في تعبير يغص بالدلالات، على غرار كرسي الأب الزرقاء لنبيل عناني، إذ ترحل النظرات في محاور الكرسيين الكبيرة والصغيرة والأشياء الخاصة للأب صاحب الرمزية والعالم الخاص.

ويوصف الفنان يوسف عواد قريته بحجارتها وخشبها المتواضع وشبابيكها العشوائية وشجرها غير المثمر، لكنه غفل عن وضع إشارات للهدم والحصار التي تحياها فلسطين مقطعة الأوصال والأحلام.
يغرق المعرض في تضاريس الشعب الفلسطيني، ويسير في اتجاهات قراءة الوجوه وتجاعيدها وملامحها المسروقة.

يروي سليمان منصور وقد بدا الشيب يحتل قطاعات من رأسه الحديث، فيقول المعرض من إنتاج جيل الشباب، الذي استطاع سرقة الجمهور وتنال ثقته، فلغة الفن عالمية و لم تعد مركزة بالسياسة.

ويرى أن الفن الممتلئ بالدلالات يمكنه خدمة القضية الفلسطينية، مثلما يفعل السياسيون وملفاتهم.

ويضيف، تحدث الفنان هاني زعرب المولود في رفح و الساكن لرام الله عن مأساته الشخصية وحصار شعبة في الوقت نفسه، فاستطاعت لوحته تتبع المأساة الإنسانية.

ويعتقد أن اللوحات التي استطاعت الوصول لمنهاتن بسهولة أكبر من تنقلها بين رام الله وغزة، من الممكن أن تكون تحمل تأييداً أو نقداً أو تعبيراً عن فكرتها كضحية.

يتابع: الجزر الأكبر من الفنانين المشاركين في المعرض عملوا معاً في أكاديمية نرويجية، نحلم بأن ننشئ واحدة مثلها في فلسطين.

يقول منصور الذي رأى النور العام 1947، وقبل سنة واحدة من نكبة الشعب الفلسطيني، أن المعهد الذي درس فيه والذي يحمل اسم "بيتسئال إل"، أوجدته الحركة الصهيونية العام 1905، قبل قيام الدولة اليهودية وتأسيس جامعتها العبرية.

ولعل الحرص الإسرائيلي على افتتاح كلية للفنون قبل قرن من الزمان، قوبل بـحظر على مؤسسات فلسطينية شبيهة في الفترة التي سبقت قيام السلطة الفلسطينية، والسر في ذلك كون الفن يعبر عن الذات ويعمق الارتباط بالأرض.

ونال منصور جائزة فلسطين للفنون العام 1998، والجائزة الكبرى في منالي القاهرة الدولي.
يمزج الفن بالسياسة دائماً، وحتى عندما تقدم شاب لخطبة ابنته الطبيبة ، كان سؤاله لوالدتها: هل يسكن قبل جدار الفصل العنصري أم بعده!!

لقطة حزينة:

الحادي عشر من نوفمبر
في الجمعية العامة

راحت خطوات ممثلة فلسطين بالإنابة، سمية البرغوثي تدنو بحزن من المنصة الرئيسة للجمعية العمومية للأمم المتحدة، لرثاء الرئيس ياسر عرفات، البعض هنا في القاعة الضخمة، ذات السجاد الأخضر تذكر الرابع عشر من تشرين الثاني أو اليوم الذي سيكون الذكرى الثلاثين للخطاب التاريخي للزعيم الفلسطيني الذي كان أول ممثل لمنظمة غير حكومية يصل لقاعة الجمعية العمومية، وتحدث أمام جلستها المفتوحة.

كان وشاح البرغوثي المنحوت من مطرزات تشير إلى التراث الفلسطيني المسلوب، وخطواتها البطيئة يشكلان دليلا على مقدار الصدمة التي تشعر بها كواحدة من أبناء الشعب الفلسطيني، فيما رئيس بعثتها، والمراقب الدائم ناصر القدوة فقد خاله وزعيم دولته والمنظمة التي ينتمي إليها.
خاطبت الحضور، وذكرتهم أن الرئيس الراحل رأى النور العام 1929 في القدس وترعرع في حواريها، وها هو جسده اليوم يمنع من أن يستريح جثمانه فيها، ونقل تراب المدينة التي أحب إلى قبره المؤقت في مقر المقاطعة في رام الله، حيث أخضعه الاحتلال الإسرائيلي لحصار استمر ثلاث سنوات...

أخذ الأمين العام للمنظمة الدولية، كوفي عنان يعيد الحياة لشريط الذكريات القديمة، في كلمة رثاء الرئيس الراحل الذي أختطفه موت غامض في المشفى العسكري الفرنسي، من الكلمات التي تحدث بها الأمين العام بنبرة حزن كأجواء القاعة: بعد خطاب عرفات بعام أصدرت الجمعية قرار 3237، الذي منح منظمة التحرير الفلسطينية صفة المراقب.

أنشد الحاضرون لكلمة وداع الرئيس التي أطلقتها البرغوثي، ورسمت لوحة لأحزان شعبها، فالرئيس القائد والمعلم ابن فلسطين وصانع حركتها الوطنية، وقاد كل معاركها، الرئيس الذي أغمض عينيه عن هذا الدنيا، وسكن قلبه الكبير، وانتقلت روحه الطاهرة إلى بارئها...

تناوب ممثلون عن وفود من أرجاء الأرض على المنصة التي شهدت مقولة تاريخية أطلقها الرئيس الراحل، عن غصن الزيتون والبندقية والاستعداد للسلام والتضحية.

ممثلو تركيا وغامبيا وبيلاروسيا و ماليزيا والسودان ومصر وآسيا والمجموعة الأوروبية ومصر رشح الحزن من كلماتهم وتذكروا الرئيس الراحل الذي حاز على نسخة نوبل للسلام العام 1994....
ليس بعيداً عن أروقة الأمم المتحدة، طغت أنباء رحيل الرئيس على عناوين الصحف، في قلب منهاتن يقف بعض أبناء الجالية العربية والمتضامنين مع قضية الشعب الفلسطيني يطالعون عناوين الصحف الصادرة في صبيحة نهار الخميس المر، جو نجار الشاب الذي رأى النور في نيويورك من لأب مصري وأم لبنانية، أختار أن يلف رقبته بكوفية فلسطينية بالرغم من أن ليل الخميس الجمعة المنهاتني لم يكن بارداً بخلاف عادة المدينة الأغلى في العالم.

يعلق جو عند عنوان الصحيفة الرئيس المنحازة التي تقول" عرفات مات ولم يًًِفتقد".

فالصحيفة الرخيصة في ثمنها( 25 سنتاُ)عمد لإلقاء نسخ منها في حاويات القمامة، وسكبت فوق بعضها مواد نتنة.

في صحف أخرى، " يتعثر" المرء على عناوين أقل تحيزاً، ويتوقف مراسل قناة الجزيرة في الأمم المتحدة عبد الرحيم فقراء عند حقيقة أن الكثير من وسائل الإعلام الأمريكية تعاملت مع رحيل الزعيم بفتور كبير، وقطع بعضها برامجه الاعتيادية لدقائق معدودة لبث الخبر الساخن، لكنها سرعان ما عادت إلى إعتياديتها.

نقف قليلاً، لنتعرف إلى مجدي الشيشكلي ( حفيد الرئيس السوري الأسبق أديب الشيشكلي الذي خسر كرسي الحكم بانقلاب في فترة الستينيات التي عصفت بسوريا)، يبدو من كلام أديب مقدراً كبيراً من التعاطف مع الشعب الفلسطيني في اليوم الذي تلا رحيل الرئيس الراحل.


نهار الجمعة الباكر، الثاني عشر من تشرين الثاني، بتوقيت نيويورك، نسرع نحن أعضاء الوفد الإعلامي الفلسطيني المشارك في برنامج تدريبي تنظمه الجمعية العمومية للأمم المتحدة، إلى شاشة التلفاز، بعد أن استنفذنا كل جهودنا لمشاهدة قناة عربية، في هذه اللحظة القاسية.
بثت شبكة( السي،إن، إن) في نقل مباشر جنازة الرئيس ياسر عرفات، وأظهرت الحشد الهائل الذي جاء يلقي نظرة الوداع على قائده.

تقول مها مطر: راقبنا بألم عبر الشاشة الصغيرة جنازة الرئيس عرفات، و شعرنا بالحسرة أننا خارج فضاءات وطننا، في لحظة حاسمة ومصيرية في مسيرة نضال شعب عاني وما زال يعاني نير الاحتلال الأقدم في العالم في التاريخ الحديث.

تختلط أحزان الأمريكية إليزابيث ديسمثيا الصامتة وهي تترقب بحذر جديد الأخبار المتصلة بحياة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، بسرعة بحث الفرنسية مارسيل جديد الأنباء المتضاربة القادمة من المشفى العسكري في بلدها، وتتمنى أن لو يتوقف ضخ الشائعات حول وفاة الرئيس، لكن أمنيتها سرعان وما تبخرت.

هنا في ساحة الجمعية العامة أعيد تنكيس العلم الأممي مرة أخرى برحيل الرئيس عرفات، بعد أيام قليلة من وفاة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رئيس الإمارات العربية المتحدة.

لقطة خضراء:

أوراق بيئية وشتاء حار

بعد أن أقلعنا من مطار الملكة علياء في العاصمة الأردنية صوب فرانكفورت في ألمانيا، بدأت عملية إعادة ترتيب الأوراق تتخذ مساراً خاصاً، فهنا لا بد من تدوين عدد كبير من الإشارات ذات الصلة ببيئتنا وبكوكبنا.

بدون أدنى شك سينفق الصحافي وسواه وقتاً طويلاً في الحديث عن الحال البائس لبيئتنا، فالاحتلال أسرف في استهداف الغطاء الأخضر الذي يحيط بوطننا الممزق.
ستكون أول الإشارات قبل التخلي عن أخفض بقعة في الدنيا، حيث استراحة أريحا متعلقة بالمناخ القائظ في أواخر الخريفـ، و الأمر كجرس إنذار يتصل بحكايتنا مع التصحر، وبدء زحف الصيف نحو الشتاء.

تتحدث والطبيب المتجه من بلدته في غرب رام الله حمزة محمد عن الغبار الذي يجعلك تفكر ألف مرة قبل اختيار لون الحذاء واللابس الذي ستنحاز إليه على امتداد نهارك، فيخبرك أن القاهرة تبكي الغبار والتلوث.

ترتقي قليلاُ لمرتفعات غرب عمان المولودة من سبعة جبال، فتشعر بفارق مناخي كبير، لكنك لا تكف عن توجيه أسئلة كثيرة للسائق بأنه يدرك التلوث الحاصل من عوادم المركبات ويتمنى أن يأتي اليوم الذي نعامل فيه بيتنا بلطف وأخلاق.

أبو العبد، الساكن في أربد منحدر في أصله من سهل بيسان، ويدرك أهميه التنوع المناخي في بلده الممنوع عليه دخولها.

في السماء بين عمان ومطار فرانكفورت تسأله جارك المؤقت الراحل من بلده الصين إلى كندا حيث يمارس تدريس الرياضيات، عن الفرق الكامن بين بكين وأوتاوا على صعيد البيئة، يرد عليك بأن المسألة لا تعنيه كثيرة، فربما الأرقام لا تصادق البيئة.

ما أن نهبط لمطار ألمانيا، حيث أنفض معرض فرانكفورت الدولي للكتاب إلا ونبحث عن الفرق، هنا في أرضية المطار حيث أنفقنا ثلاث ساعات بانتظار " لوفتهانزا" جديدة تؤهل لنيويورك، تشاهد أربع أنواع من حاويات القمامة نحاذي بعضها بعضا، والمسـألة هنا تصنيف النفايات لفئات في المرحلة التمهيدية لمعالجتها والتخلص منها بشكل متزن وسلمي للبيئة.

تتعرف لكوافير الشعر القادم من البرازيل صوب لندن، فيخبرك بأن البيئة مهمة له، لكن تجار المخدرات العصابات والفساد الحكومي والكرة الساحرة ومنافسات كاس العالم مسألة أهم في بلاده.

مع ارتفاع الطائرة في أفق ألمانيا الباردةـ، إلا ويشرع المغادر من بلد محطم الشوارع ومغبر ومنتهك بيئياً، بمشاهدة الفرق، وتنهال عليه الأمنيات بالتعرف ذات نهار لبيئة سالمة مصانة الجانب.
في الطريق إلى نيويورك، تقرأ تحليلاً عن سر تفوق الأحزاب الخضراء في القارة الأوروبية وتراجعها في الولايات المتحدة، التي كانت تستعد لجولة جديدة من ممارسة الحرب الديمقراطية، ورالف نادر أحد المرشحين الثلاثة الذي يركز على جودة البيئة في بلد رأسمالي صناعي.

الفارق الرئيس وفق رمزي جودة، الصيدلاني، هو أن الخضر في أمريكا لا يملكون الكثير من المالـ، وفي عصر العولمة تتلاشى المفاهيم ذات الصلة بالبيئة، لأنها تتعارض ومصالح الشركات العملاقة.
تقرأ في أروقة الأمم المتحدة، حيث نشارك في دورة للصحافيين الفلسطينيين، عن الاتفاقات التي أبرمتها المنظمة الدولية ومدى مساعدتها في تخفيض المطر الحمضي في أوروبا وأمريكا الشمالية، وحدت من التلوث البحري على نطاق العالم، وسعيها عبر مراحل لإنهاء إنتاج الغازات المدمرة لطبقة الأوزون المحيطة بالكرة الأرضية.

وتعرف إن المنظمة أنفقت 6 بلايين دولار سنويا على الأنشطة التنفيذية من اجل التنمية للبرامج الاقتصادية و الاجتماعية والإنسانية لمساعدة بلدان العالم، وهذا يمثل مجرد،75 0( أقل من واحد)،في المائة من النفقات العسكرية العالمية التي تتجاوز 800 بليون دولار.

تحاول نسج قصص عن وكالات المنظمة الدولية المتخصصة ذات الصلة بالبيئة كمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة( الفاو)، والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية والمنظمة البحرية الدولية.
ليس بعيداً من مقر الأمم المتحدة تتصاعد بين الفينة والأخرى أعمدة دخان من مصنع عملاق، ولكن ذلك لا يلفت الأنظار.

هنا أيضاً يقللون من عوادم المركباتـ، فالمترو الذي أطلق قبل قرن من الزمن بالتمام والكمال يقلل من عوادم السيارات.

في شارع استوريا بقلب كوينز العربية في نيويورك، تسخر مطولاًً كون أحد المقاهي المصرية تمنع التدخين وتسرف في استخدام النرجيلة.

لكن إياد الأسعد الشاب الفلسطيني الأمريكي يرى أن البيئية في الولايات المتحدة بخير، فإذا ما ألقت الشرطة القبض على أحد السابقين وبرفقته طفله دون الثامنة عشرة فإنها تأخذه منه.
هنا أيضاً تصنف القمامة ومن يخالف يدفع 500 دولار غرامة لذلك التصرف، وكذا إن وجدت نفايات أمام المنازل والمتاجر. تقفل أوراقك وتحزم أمتعتك وتتمنى ….





لقطة ناعمة:
يوميات نسوية في
الأمم المتحدة


رويداً رويداً، راحت خطواتنا تقترب من مقر المنظمة الأممية، في قلب منهاتن التي تشكل واحدة من أربع جزر رئيسة تتربع عليها المدينة الأغلى في العالم.

للوهلة الأولى تستقطبك جدارية كبيرة تسمح للنساء حول العالم من ممارسة حضورهن، فتتحدث أفغانيات بلغة الصورة عن معاناتهن، ويمكن أيضا اشتقاق معاناة نساء بفعل الألغام التي تحصد حياة الآلاف من الأبرياء حول العالم

في قسم هدايا الشعوب المقدمة إلى الجمعية العامة من حكومات الأرض، يتعرف الزائر على لوحات فلسطينية تتحدث عن حكاية اللجوء والتشرد، فتشاهد الخيمة ويتفاعل الحاضرون مع دلالاتها، وبالانتقال خطوات إلى الأمام تشاهد بعض ما يطرق جدران ذاكرة اليابانيين من كارثتي هيروشيما وناغازاكي التي عصفت بالشعب الياباني العام 1945.

تتحدث زائرة يابانية عن الضحايا وتقول إن غالبيتهم من النساء، فهن إما ضحايا أو أمهات وأخوات لمن فارقوا الحياة بشكل صناعي.وهذا بالضبط ما تخبرك به لوحة ضخمة قررت التأكيد على أن 80% من ضحايا الألغام هم من المدنيين، الأمر الذي يؤكد على حقيقة أن نساء الأرض يدفعن الضريبة على الحياة بأشكال مختلفة، وبالطبع للدموع تمثيل قوي وكذا الدماء.

في حفل يوم السادس والعشرين من نوفمبر حيث جادت الفرقة الوطنية الكويتية للموسيقى وفرقة التلفزيون بالألحان لمناسبة يوم الأمم المتحدة والمفاجأة أن مندوبة الكويت الدائمة لدى المنظمة الدولية، نبيلة عبد الله الملا هي التي رعت إلى جانب الأمين العام الاحتفال من دون أن تتمكن الأيادي الناعمة من التعبير عن صوتها، كما لا يعترف به في صناديق الاقتراع.


نلتقي في اليوم الثاني من برنامج التدريب الإعلامي الذي تنظمه للسنة الثامنة على التوالي دائرة الإعلام، بالمسؤولة عن موقع الأمم المتحدة الإلكترونيٍ سعاد سومريني، فتحدثنا عن برنامجها ونشأة موقع الأمم المتحدة قبل حفنة من السنوات بالفرنسية والإنجليزية، قبل أن يعترف بالعربية وثلاث لغات أخرى رسمياً.


تبدي سعاد المصرية الأصل، مقداراً من الحنين للقاء صحافيين وصحافيات قادمون من الأراضي المحتلة، وتجد الفرصة مناسبة للتعبير عن مشاعرها تجاهنا.


وفي اليوم نفسه نلتقي بمدير قسم الاتصال الاستراتيجي، سوزان مرخام ورئيسة قسم السلام والأمن سوزان منويل، نحاورهن ونسعى لفهم دور منظمة طالما توجه إليها اتهامات بالعجز، ونبرز لها كوننا نحن الأكثر تضرراً من ترهل الأمم المتحدة، التي قسمت وطننا ومنحت شطراً منه لدولة صارت تتحدى الشرعية الدولية.

ننتقل لشطر آخر من المكان ونستمع لحديث مسؤولة برنامج التعليم الثانوي، ماريا لويسا التي تشير لمحاولات إطارها الانتصار لتعليم المرء حول العالم.


نستمع لمادة فيلمية تلخص السيرة والمسار للبرنامج، وننحاز رغم عجزنا على فهم لغات مجهولة لحركات الوجه ونقرأ البؤس بإمعان في وجوه المهمشين.


يوم السابع والعشرين من أكتوبر نلتقي مراسلة وكالة الأنباء السعودية في الأمم المتحدة لوريا أنجيلا، التي تشير لنا لحكاية عملها، ونقدم لها شرحاً عن الحال الفلسطيني المحاصر، وننقل لها بعض من الفظائع التي تحدث بعيداً عن عدسات الصحافة.

نجتمع حول طاولة مستديرة أخرى ومسؤولة في برنامج تطوير الخدمات وحملات الاتصال براجاتي باسكالي، نسألها عن الفئات التي تستهدفها، ونعنى كثيراُ بطرائق التقييم ومراقبة الأداء بعد أن غزتنا موجات التفنن في البحث عن بنود التفافية لبعثرة المنح والهبات والمساعدات.

في إحدى قاعات الجمعية العامة، تترأس لويسا فريتشت جلسة إطلاق مشروع حقوق الإنسان، نستمع لمداخلات الكثير من الوفود ويسحرنا الأداء السريع الذي قامت به لويسا.

نبحر ونحن نجاور النهر الذي تتربع على جنباته البناية الأممية المستطيلة، في حديث مع مسؤولة في قسم عمليات حفظ السلام سوسن أليا، التي تتحدث عن الثمن الكبير الذي تقدمه الإنسانية بفعل الحرب، نحاورها ونتعرف على حال الأرض وصراعاتها.

بخلاف البرنامج، يبدل اللقاء بالمديرة المساعدة في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وتقرير التنمية البشرية، ريما خلف، بزميلها، فهي بدلت جدول عملها في رحلة عمل للعاصمة عمان حيث كانت ترأس وزارة التخطيط الأردنية.

نتعرف من مدير برنامج مساعدة الشعب الفلسطيني أن التاسع والعشرين من تشرين الثاني، أو يوم التضامن مع شعبنا، سيحيا من قبل فرقة الفنون الفلسطينية.

في الثامن من نوفمبر، نلتقي ومديرة البرنامج العربي في صندوق الأمم المتحدة للسكان لينا موسى، فتشير لنا لحجم المعاناة الذي يقع على نساء الدنيا، وتتحدث عن الضحايا الفلسطينيات للحصار، نقتطع القليل من الوقت ونشاهد فيلم "ولادات على الحواجز" للمخرجة علياء أرصغلي، وتقول لنا إن الفيلم استطاع أن يقدم كوثيقة تشهد على القمع المنظم الممارس ضد الفلسطينيات.

وتقول وفقاً للإحصاءات إن 56 امرأة توفين عند الحواجز الإسرائيلية لحظة المخاض.

تنحاز الفرنسية مارسيل للفيلم وتتحدث عن الألم الذي ينتج في لحظة بحث الأم عن وليدها، فتجده قد فارق الحياة بسبب جندي.

يتحدث حميد عبد الجابر مدير القسم العربي في إذاعة وتلفزيون الأمم المتحدة، عن الحال العراقي، فيخلط عاطفته بموقعه الرسمي عندما يتحدث عن حكاية تفجير مقر الأمم المتحدة بالعراق، حيث كان يعمل نائباً للناطق الرسمي عندما غادر المبنى قبل ثلاث ساعات من تفجيره، حيث قدمت الفلسطينية رهام الفرا للعمل مكانه، وقبل أن تستلم عملها في اليوم التالي سقطت وممثل الأمم المتحدة في العراق سيرجيو ديميلو ورفاقه.

تختلط أحزان الأمريكية إليزابيث ديسمثيا الصامتة وهي تترقب بحذر جديد الأخبار المتصلة بحياة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، بسرعة بحث الفرنسية مارسيل عن جديد الأنباء المتضاربة القادمة من المشفى العسكري في بلدها، وتتمنى أن لو يتوقف ضخ الشائعات حول وفاة الرئيس، لكن أمنيتها سرعان وما تبخرت يوم الحادي والعشرين من تشرين الثاني.

لقطات متحررة:
تمثال وحريتان

ودلالات......
راحت سفينة " تيرسيل" البيضاء تشق خطاها في المحيط الأطلسي في رحلة الوصول لجزيرة "جوفيرنسر"، قبل الانطلاق يمكن استقبال العديد من الإشارات الفردية والجماعية المتشعبة، فكل الساعين لهذه الرحلة يضعون نصب أعينهم الوصول للتمثال الأشهر في العالم أو تمثال الحرية الذي قدمه الشعب الفرنسي لنظيره الأمريكي ذات يوم من العام1876: يتسابق حشد من أمم الأرض لابتياع تذاكر الرحلة القصيرة وينتظرون الدور للصعود إلى طبقات مركبة المحيط، الكل هنا تقريباً بدل زوايا الرؤية الخاصة به من تمثال الحرية البعيد نسبياً لتلك العجوز المحمولة على عربة رباعية، فهي كما علق فرنسي قريب منا تريد التمتع بالحرية قبل منيتها.

في المكان أيضاً يمتلك كل واحد من المنطلقين للتمثال تفسيرا لسبب الزيارة، بين اللهو وركوب البحر والتمتع بدخول تمثال عملاق كان الوصول إليه مهمة مستحيلة قبل أغسطس من العام الحالي، وهذا ما تحفظه الفرنسية مارسيل عن ظهر قلب، أيضاً يسير الطفل كريستوفر الأمريكي الأشقر وكأنه المكتشف الجديد لبلاده بخطى بطيئة صوب التمثال الأخضرـ الذي يظهر فتاة تحمل شعلة بيمنها وتنظر صوب أرجاء من منهاتن ونيوجيرسي وسواها....

على ظهر السفينة لم يمنع المنظر الخلاب أعضاء الوفد الإعلامي الفلسطيني المشارك في التدريب الإعلامي الذي تعقده الأمم المتحدة من تفسير قيمة الحرية و قراءة ما وراء التمثال الجميل: هنا يشعر القادم من غزة بما يفقده ويرفع يده كصاحبة الحرية فيما يده الأخرى على قلبه لأن معبر رفح مقفل و ذلك يعنى أن العودة ورغم كونها بعيدة المنال تحتاج للدخول في تكهنات وتوقعات كثيرة، ومثل هذا الشعور يستلقي في أعماق يوسف عطوة ومها مطر وألفت الحداد وهيام حسان، أما القادمون من الضفة الغربية والقدس فتمنينا لو أن نرى في بلدنا المحاط بأسوار ومعازل تمثالا للحرية الغائبةـ بدلا من مشاهدة جدران وأسلاك شائكة، فعلي صوافطة وربى رجب و هبة الطحان والمثنى القاضي يتمنون أن تتذكرهم الحرية ذات نهار...

نرى الكندي القادم في رحلة عائلية التمثال ولا يمنعه المكان الساحر من تقديم صورة رائعة لشراكه زوجية راقية، فهو الذي شرع في تبديل حفاظات ابنته الصغيرة، فيما زوجته تمتع ابنتيها في سحر الحرية.

تقتحمك فكرة تسبق قليلاً يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني، فتفترض لو أن أطفالاً من وطننا الممزق صعدوا السفينة وسألهم أي قادم من ماليزيا كالذي يعتقد أن فلسطين إيران: ما الذي يرمز إليه المجسم الكبير الذي يحمل اسم الحرية...

ليس بعيداً عن التمثال، راح الطفل" إروا" ابن الثالثة يملأ قطار "الصاب وي" شغباً، تارة يتمرد على حضن والده، وأخرى يحاول تسلق قضبان القطار السريع، تقترب من والد الطفل و تسأله عن صغيره، تصافح الطفل تستفز براءته بسؤال عن لون عيونه، تخبره عن لون عيونه، يرد عليك بلغته العذبة "بلو"، تحاور ثانية والده، فتقول له ماذا لو حكمت براءة أطفالنا العالم يرد إليك كلماته، بالطبع لن تكون هناك مجازر ولا حروب ولا دماء.

في المترو ذاته المتجه لاختراق شارع 42 يتذكر صديقك وليد اللوح مترو القاهرة وذاك اليوم الذي أكره على دفع غرامة مالية لأنه صعد في العربة المخصصة للنساء كونه يجهل بقوانين المترو في القاهرة.
يضحك وليد وهو يراقب سيدات منهاتن وفتياتها بالقول كل واحدة تنشغل بما يعنيها فمنهن من يسرفن في استخدام أدوات التجميل وتقرأ طائفة ثانية منهن الصحف والمجلات وتأثر أخريات محادثة أصدقائهن أو أزواجهن، وتنحاز فئات أخرى للصمت.

نودع المترو فنصطدم بعازف آسيوي راح يبعث الحياة لأدوات موسيقية خشبية، وقلبه ينظر إلى الكرماء والسميعة علهم يغدقون عليه بأوراق من ذات فئة أوراق الدولار الواحد.

تتسلل للعازف طفلة بريئة تمنحه ورقة نقدية والفرح يملئ وجهها، فتتمنى أن يحظى أطفالنا بأصوات موسيقى عذبة بدلا من الرصاص الأعمى والطيران الذي لا يكف عن استهداف سماءنا أو الدبابات التي تملأ أرضنا شغبا وموتاً.

لمحمود الأسعد الفلسطيني القادم قسراً من بلدته المدمرة قالونيا "قرب القدس"، فهو الذي حرم من العيش في بلده وتقاذفته الظروف العصيبة إلى العالم الجديد أمريكا.

لازالت ذاكرة أبو إياد تحفل بمحطات كثيرة من بلده، مثلما يحتفظ لسانه بلهجة محلية متقنة الصنع، ولم تذهب "إنجليزيات" أمريكا حنينه للممارسة ما اعتاد عليه من كرم وبشاشة وجه وطيب خلق.

يعود أبو إياد إلى العام 2001 حيث عاد برفقة زوجته التي تكالبت عليها أوجاع السرطان في وداع شبه رسمي لبلدهما وما تبقى لهما من أقارب، غير أن زوجته فارقت الحياة قبل فترة قصيرة من العودة إلى كوينز.

كان حلم الأسعد إطلاق جمعية لمساعدة السقماء الذين طاردتهم اللعنة ذاتها التي اختطفت زوجته من الدنيا.لكن الرياح تجافي رغبة قبطان البحر.

لأولاد أبو إياد الستة حكاية لا تختلف كثيرا عن حنان والدهم لمسقط الرأس المسلوب، فيتمنون أن لو بقيت أحلامهم قائمة في قالنويا المدمرة.


بكل تأكيد إن زيارة أبو إياد لتمثال الحرية ستعيد فتح الحنين إلى قلبه، ولن يتمكن من تحقيق أحلامه في إضاءة شعلة التي تستقطب أنظار السائحين من كل أقطاب الأرض، ومع ذلك فهو ينعم هنا بالحرية.



"زووم":
جيسكا: القلب أمريكي
و اللسان عربي…

هنا في قلب واشنطن دي سي، مترامية الأطراف، وفي إحدى الشوارع الفاخرة تجاهد لوحة تحمل اسم مؤسسة القدس للتراث والتطوير الاجتماعي للصمود وسط أحرف لاتينية لها أول ولا آخر لها.

تستوقفنا اليافطة الصفراء و تسترق عيوننا نحن القادمين إلى أمريكا في برنامج لتدريب الإعلاميين الفلسطينيين تنظمه الأمم المتحدة، ونبدأ في نقاش يخلط السياسة بالاغتراب وبصحافة المهجر والبيت الأبيض وبالشجون الخاصة بالعرب الأمريكيين.

يتشعب الحوار ويطول، قبل أن نشرع في التعرف على مؤسسة القدس والإبحار في أوراقها الخاصة، وتمتلكنا الدهشة ونحن نستكشف معرضاً حمل اسم " حصاد الزيتون"، فهنا ما لا يتوقعه زائر واشنطن: لوحات عربية وصور لفلسطينيات يعهدن أشجار الزيتون التي ترمز في دلالاتها للصراع والتجذر بالأرض والارتباط بها، وفي ناحية أخرى ترتدي " مليكان" أمريكية الصنع ثوباً تراثياً فلسطينياً قادم من قرى القدس المضطهدة، وفي زاوية ثالثة تختلط منتوجات تراثية وأكياس مصنوعة من الخيش وقائمة طويلة مما يدخل الانتعاش إلى القلب…

نلقي بالسياسة جانباً، ونسأل عن الجندي المجهول الذي يقف وراء هذا العمل وكل هذه التراثيات، فنعرف أنه أحد منجزات الأمريكية جيسكا رايت، وكاستهلال للتعريف بهذه المرأة الثلاثينية الشقراء، فإنها لأبوين أمريكيين، خرجت إلى الحياة مطلع السبعينيات في العاصمة الأردنية، وترعرعت في جبال عمان ودرست على مقاعدها، وحصلت على 97% في حصاد الثانوية العامة،وفق كل هذا تتقن العربية بطلاقة نحواً وصرفاً.

ندخل مع جيسكا بحوار عربي خال من دسم اللغة الإنجليزية وإيقاعاتها السريعة التي راحت تغزو آذاننا، فتخبرنا بأن فكرة معرض حصاد الزيتون بدأت بالتشكل الصيف الماضي، عندما كلفت طلبة أمريكان قدموا إلى المركز للتعرف على السجايا العربية، بإعداد بحث عن الشجرة الأغلى والأشهر في فلسطين، وبحكم عملها في تنسيق النشاط الثقافي للمركز، أسرعت في إخراج ما دار في خلدها إلى واقع.

تروي: رحت أبحث عن الزيت الفلسطيني والأطباق التراثية والمطرزات، وساعدني في جمعها وإعدادها الأمريكيتان جودي كلون وكورتيس تيوولرد، ونظمنا معرضاً مفتوحاً للزيت الفلسطيني.
وجيسكا التي أكملت دراستها في جامعة برستون بنيوجيرسي القريبة من نيويورك في فرع تاريخ الفنون، رغم كونها خريجة الفرع العلمي، متزوجة من مواطن أمريكي وأم أيضاً.

بعد العودة من عمان إلى بلدها العام 1995، راح الحنين إلى اللغة العربية يطارد قلبها ولسانها، فجمعتها الصدفة ببائع فلسطيني منحدر من مدينة بيت لحم، وشرعت بإحياء لغتها في بلد لا يعرف أسرار اللغة المكتنزة بالبديع والتعابير الجميلة.

أخذت رايت بعدها تدرس الطلبة الأمريكان العرب لغتهم التي ترعرعوا بعيدين عن حاضنتهم، وصارت تستذكر جمع المؤنث السالم، والممنوع من الصرف ، ونائب الفاعل ونظيراتها.

تقسم جيسكا الجيل العربي في الولايات المتحدة لثلاث فئات، أولهما محافظ على تقاليده وتراثه، ومنطو على ثقافته، والثاني متناقض وتائه، فيما الطائفة الثالثة تحاول إعادة استكشاف الذات والعودة إلى التراث..

في المعرض ذاته، جمعت جيسكيا أسلاكاً شائكة وكتلاً أسمنتية وجسدت الجدار العنصري الذي يقيمه إسرائيل في الأراضي المحتلة.

تقول: وجدت صعوبة في جمع الأسلاك الشائكة، وساعدني وزوجي في إعدادها وجمعها من ولاية بعيدة عنا.

تضيف بقليل من السخرية والتهكم الذين لا يخلوان من دلالات، فكرت كثيراً الاتصال بالسفارة الإسرائيلية، وطلب مساعدتهم في بناء جدار مصغر هنا في قلب مركز" القدس" ليس في الأرض المحتلة وإنما بواشنطن.

تهوى جيسكا العربية وتراثها وتسرف في الاستماع للطائفة القديمة من أغاني الجيل الأول من طراز أم كلثوم وعبد الحليم ومشتقاتها.

مشهد وثائقي:
نساء فلسطينيات
في الأمم المتحدة …
في شارع 42، وفي الأفينيو رقم 2، تحتل عمارة عالية الشارع القريب من الأمم المتحدة، يبدأ مشروع الدخول للمبنى بسلسلة إجراءات أمنية مشددة، قبل أن يصل الزائر هدفه لصندوق الأمم المتحدة للسكان، في الطابق الثالث والعشرين تنشط مديرة البرامج في القسم العربي لصندوق الأمم المتحدة للسكان لينا موسى لاستعراض نشاطاتها و برامجها فهي المسوؤلة عن 18 بلدا في المنطقة العربية و أوروبا تحتل القاعة المستطيلة من المبنى مساحة كبيرة و تنتشر على جنبته شاشات عرض و لوحات تستعرض إنجازات الصندوق و ترسم سلسة الأحلام العريضة للمشروع الذي بدأ منذ أكثر من 35 عاماً، و راح يقوم بدور أساسي في مساعدة العالم على التصدي للتحديات السكانية، و كان إطلاقه وفر معلومات و خدمات الصحة الإنجابية لملايين نساء الأرض و فتياتها، و برهن الصندوق على أن تطوير حياة المرأة و الأسرة يساعد على الحد من الفقر و إبطاء النمو السكاني.

راحت موسى تبحر في الغايات الإنمائية بحلول سنة 2015، بعد أن أعطى الصندوق الأولوية العام الماضي لتوجيه الاهتمام إلى الصلات بين هذه الغايات، و تطبيق برامج عمل المؤتمر الدولي للسكان و التنمية الذي انعقد قبل 10 سنوات في القاهرة.

بعد وقت قصير من دخول الوفد الإعلامي الفلسطيني أرض المكان أطفأت الأنوار و بدأنا بمتابعة فلمين وثائقيين، واحد عن برنامج صندوق السكان و تطوره و أهدافه و الثاني لفيلم ولادات على الحواجز للمخرجة الفلسطينية علياء أرصغلي. في المحطة الفيلمية الأولى تعرفنا على صندوق الأمم المتحدة للسكان و عرفنا أنه يهدف للقضاء على الفقر المدقع و الجوع، عبر تقليل نسبة السكان الذين يقل دخلهم عن دولار واحد يوميا، ويعانون الجوع.

إلى جانب تعميم التعليم الابتدائي وتمكين الذكور والإناث من إتمام مرحله التعليم بعيداً عن التمييز. عدا عن تعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة وإزالة التفاوت بين الجنسين في التعليم، وتقليل معدل وفيات الأطفال دون سن الخامسة بمقدار الثلثين، وتحسين الصحة النفسية وتخفيض وفياتها بنحو ثلاثة أرباع. إضافة إلى مكافحة فيروس الإيدز والملاريا وغيرهما من الأمراض.

والاهتمام بكفالة الاستدامة البيئية، وإدماج مبادئ التنمية المستدامة في السياسات والبرامج الوطنية، وتقليل نسبة الأشخاص الذين لا يتمكنون من الحصول على مياه الشرب النظيفة، وتطوير حياة سكان الأحياء الفقيرة. وصولاً في النهاية لإقامة شراكة عالمية من أجل التنمية، والتصدي لقضايا الحد من الفقر والحكم الصالح والتجارة المفتوحة وتوفير الاحتياجات الخاصة لأقل البلدان نموا والدول غير الساحلية والجزرية الصغيرة.

قبل الشروع في متابعة الفيلم الثاني، تستقطبك مقولات معلقة على ركن بازر تقول في إحداها المديرة التنفيذية لصندوق السكان ثريا عبيد: يجب أن نعمل معاٌ من أجل عالم تجلب فيه ولادة الفتيات ذات البهجة والسرور التي تأتي بها ولادة الفتى.

في ناحية أخرى تسلل للوحة تقول إن ممارسة المرأة لحقها في الشراكة بموضوع الحمل يجعل المستقبل أفضل.

في أخرى تطالع أرقاماُ وخرائط تتحدث عن الأمن السكاني الذي لا يقل في أزماته عن صراعات السياسة، ونتذكر أن النساء والأطفال يدفعون الثمن الباهظ للحرب.

وما أن اقتربت الساعة من الواحدة إلا وعادت الأنوار ثانية للصمت، وبدأت مشاهد المعاناة للنساء الفلسطينيات تعكر قليلاً من صفو المدينة التي تحصل المرأة فيها على كل ما تريد، وتسرف في استخدام حريتها الشخصية في مناسبات كثيرة.

في خضم شهادات ثريا وسميرة وشفيقة المرة عن رحلة الولادة المحتلة، يمكن لك أن تسترق النظر قليلاً إلى سكرتيرة مدير برنامج التدريب الفرنسية مارسيل، التي تنشد للفيلم وتبدي مقدراً من التعاطف، فالنساء هنا لا يدخلن في نقاش سياسي قد يثير الجدل ـ ولكنهن يتحدث عن واقع مر لا تسمح فيه الحواجز من الوصول للمشفى، وتجبر الفلسطينية على إدمان الحزن في يوم هو الأكثر سعادة في لحطة تتويج الأمومة.

يؤثر الفيلم أيضاً على من سبق له و شاهد مقاطعه، ولكن المقارنة بعد دقائق من إعادة الانتشار لمبنى الجمعية العامة للأمم المتحدة ستكون سوداوية، ف56 امرأة وفق أرقام أوردتها لينا موسى دفعن حياتهن على الحواجز في لحظة إنتاج حياة أخرى كما هو مفترض.

قبل الرحيل تتوقف عند أرقام الصندوق، فهناك على امتداد العالم 350 مليون زوج ما زالوا يفتقرون لوسائل تنظيم أسرهم والتباعد بين مواليدهم، مثلما تفتقر الفلسطينيات في بلدنا لوسائل الوصول إلى المشافي لولادة ما حلمن به لتسعة أشهر، مثلما يباعد الاحتلال بين الأمهات وأولادهن إما في القبور أو المنافي الحديدية.


لقطات رقمية:

جدار و حواجز في
قاعة الجمعية العامة

صبيحة الاثنين أو التاسع والعشرون من تشرين الثاني، تمنح شمس خجولة فراغات منهاتن القليلة دفئاً مستقطعا ًفي يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني الذي شطرت فيه الجمعية العامة عبر قرار 181 فلسطين لكيانين عربي ويهودي..

السماء في هذا اليوم تمرح فيها طائرات عمودية تقترب قلياً من مبنى الأمم المتحدة الرئيس والساعة الواقعة قبالته معطلة أيضاً، وكأنها تنقل للفلسطينيين أن الزمن ليس مهماً بالنسبة لهم.
تدخل المبنى، فتسرقك لبعض الوقت لوحات فنية لمعرض يتحدث عن فلسطين الأرض والوطن والحلم والواقع، تسرع ورفاقك إلى حيث قاعة اجتماعات سيتحدث ضيوفها عن تضامنهم مع الشعب الذي يعاني آخر احتلال على الأرض.

في القاعة هذه، التي لا تبعد عدة خطوات عن الجمعية العمومية التي شهدت التصويت على قرار التقسيم، راح يستلقي علم فلسطيني وآخر أممي تتوسطهما خريطة الوطن ، ويعتليهما مجسم لامرأة وطائر لا يخلوان من دلالات.

ينهمك المتحدثون في الإشارة إلى المناسبة الأولى التي تعقد بعد رحيل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، فهنا كوفي عنان الأمين العام للمنظمة الدولية و بول باجي رئيس لجنة ممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف، وبون بينج رئيس الجمعية العامة ورئيس اللجنة الخاصة للتحقيق في الممارسات الإسرائيلية برنار تكالي، ومندوب بعثة المراقبة الدائمة لفلسطين في الأمم المتحدة ناصر القدوة، وممثلون عن عدة كتل دولية وإقليمية.

وسط صخب الحديث، وتداخلات الترجمة الفورية، تحاول النظر لزاوية أخرى فالقاعة ليست هي التي شهدت التصويت على القرار 181، والغائبون كثر، وأبرزهم الدولة التي أعلن عن ميلادها، والأنصار والمنشغلون بقضايا إقليمية والغارقون في " سبات شتوي".

أيضاً تجلس ممثلة عمان بحجاب تقليدي ، فيما يدور جدل و حوار بين حاخامات من حركة يهود ضد الصهيونية، الحركة التي تصلي وفق شعارها من أجل تفكيك سلمي للدولة الصهيونية وامرأة محجبة، وتروج هنا سوزان بايل من الحركة العالمية للشيخوخة لبضاعتها، فهي تعبأ نماذج لمن يرغب في الحصول على نشرات مؤسستها، والعجوز الذي يحتل الشعر رأسه ولحيته ويتكئ على عصاه يلتقط بين الفينة و الفينة مشاهد من لقاءات اليوم ليبثها كما يحلو له، مثلما تفعل أناتيل الصحافية السمينة الشقراء على جهاز حاسوبها المتنقل.

في الترجمة الفورية لكلمة رئيس الدائرة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية فاروق القدومي، تورد المترجمة عبارة: " منظمة التحقيق" قبل أن تعيد تصويبها، وقبل الكلمة الأقصر للسيد القدومي وبعدها يعيد الحضور تكرر فكرة رئيسية حول الدولة والصراع واللاجئين والضحايا والتعنت الإسرائيلي والسلام الضائع ورحيل ياسر عرفات.

نسرع بعد انتصاف نهار نيويورك لمبنى المكتبة التي تحمل اسم أول أمين عام للمنظمة الدوليةحيث تستلقي شاشة عملاقة راحت تسرف إيجابياً في سرد تفاصيل ما بعد التقسيم، فهنا يشرح فيلم أنتجه محامون أمريكيون زاروا الضفة الغربية ويحمل عنوان" باسم الأمن" المأساة، فالمنازل تهدم والقذائف تثقب جدران البيوت الهشة في غزة ونابلس وجنين، وشهود العيان يتحدثون عن قتل الأطفال وحرمان الجرحى من تلقي علاج ربما يمدهم بحياة مشوهة.
الحرب التي تجد ما يبررها من وجه نظر المحتل، تدفع جيف هيلبر الإسرائيلي للانخراط في حركة سلمية ضد هدم المنازل الفلسطينية تسعى لإعادة تشيدها، لكن أصوات البلدوزرات الصفراء والوقحة تعلوه ورفاقه، وتعرض الشاشة والظلام ينتشر في أجواء القاعة الحرب ضد مؤسسات فلسطينية، إذ لم يوفر المحتلون الحواسيب والملفات الطبية ووثائق وزارة الصحة.

في نيويورك، يتحدث محامون من الولايات المتحدة عن نابلس ومصانع صابونها المدمرة وتراثها السليب، ويستمعون بعيونهم قبل آذانهم رواية والدة الطفل عميد الذي لم يشفع له دفاع والده من الموت.

تختلط في المكان مؤثرا صوتية حزينة و أغاني السيدة فيروز ومارسيل خليفة حول القامة المنتصبة، لكن المشاهد و الوثائق والألوان والثقوب في خرائط فلسطين و المستعمرات و الجدران العازلة تنهك قامات الفلسطينيين وتحاول الانقضاض عليها.

الجمهور القليل في القاعة ذاتها التي شهدت حفلاً غنائياً سورياً قبل أيام ملأ المدرج وشهد حضور رسمي على العكس من أفلام اليوم، تفاعل مع مشاهد السيدة التي دمر الاحتلال منزلها في مخيم جنين، وهي توجه رسائل بالإنجليزية عن معنى السلام بعد هدم منزلها، وقتل أقاربها، وهي لا تفرق في مشهد النهاية التي أسدل الستار عليها بين واشنطن وتل أبيب فكلتاهما برأيها تتسببان بما يحدث، وتتساءل: هل أنتم تقتلون جيرانكم؟؟

في مقطع آخر من الفيلم الوثائقي، يجهد عضو مجلس تشريعي فلسطيني وطبيب بشرح حكاية الاجتياح الكبير لمخيم جنين، فالخريطة التي خلفها الجيش تظهر مساحة المنازل التي وضعت على قائمة الهدم، قبل بدء العمليات العسكرية، في وقت ربط ضابط إسرائيلي ذراع شاب فلسطيني بسلك من المعدن، ولم تنفع توسلات الطبيب في إمكانية تلقيه للعلاج…
يخاطب الفيلم أيضاً بصوره الحضور، فيعرض لهم شهادات فتى شدّ وثاقه بقطع من النايلون لساعات طويلة.

يصمت التوثيق الأول، وتسرع عيوننا تجاه فيلم الجدار، فيشرع متضامنون أجانب و شبان فلسطينيون بمحاولة يمنعها جيش الاحتلال لزراعة أشجار زيتون بدلاً من تلك التي استهدفتها أعمال التجريف العمياء لتشييد أطول جدار للفصل، يفوق سور برلين.

يغرقنا شهود عيان فلسطينيون وإسرائيليون مناوئون للاحتلال، بعرض نماذج إنسانية عن معاناتهم وأحلامهم المسروقة ويوصفون للمشاهدين الأسلاك الإلكترونية وأنظمتها و مقاصدها الحقيقية.

يعرف المشاهد أن قلقيلية المدينة ذات الـ45 ألف نسمة، قد هجرها بعض من سكانها، والسبب أنها تحولت لسجن عظيم، إذ أحيطت بجدران أسمنتية خرقت أراضيها ولم تبق لها غير بوابة وحيدة، وهو ما دفع عضو من جمعية" الهيومن رايتس ووتش" للقول بعد أن مكث في المدينة السجن،: فقط بقي على الاحتلال توفير ملابس و ثلاث وجبات طعام يومية للسكان، لأنهم تحولوا لسجناء!
الموسيقى التصويرية للفيلم وشهوده الفلسطينيين والإسرائيليين وبعض المتطوعين الأجانب، تجعل المتفرجين رهائن للوجع الفلسطيني، وتختلط إشارات الناشط الإسرائيلي حاييم أنجيل الذي يتحدث عن مقاربة مؤلمة لحال الفلسطينيين وأولئك الذين يسكون المستعمرات.

تختلط السياسة بأكواب الشاي التي تقدمها عائلة حسني زهران أحد المهددين بالعزل عن قريتهم القريبة من بيت لحم، وترفض العائلة الرحيل.

ويقارن أنجيل بين المجتمع الفلسطيني صاحب التراث والطراز الطارئ من المستوطنين.
يدمج المصور الإسرائيلي مايكل كريستمان الذي بدأ علاقته بالعدسة العام 1986، بين المشاعر الإنسانية للعائلات الفلسطينية والإسرائيلية التي فقدت أعزاءها.

هنا خلفية لقلقيلية الأسيرة، وعلى الشاشة تتداخل الخريطة ذات الثقوب والبقع والطائرات العمودية والأحلام المسلوبة معاً، وبعدها يقول مكي كريستمان الناشط في جمعية بيتسيليم الإسرائيلية لحقوق الإنسان إن التوسع الاستيطاني ازداد بعد التوقيع على اتفاقية أوسلو العام 1993.

عميرة هيس الصحافية الإسرائيلية التي تسكن رام الله تتحدث كيف أصبح الفلسطينيون يتنقلون بتصاريح بين مدنهم وقراهم بفعل الجدار، ويشاطرها نظيرها جيرون بويرت الشعور، فيقول : عندما يسمع الأطفال الفلسطينيين عن اليهود فإنهم يتصورون الجنود فقط.

تتجول العين الإلكترونية بين شطري أبو ديس القريبة من القدس ، والتي شطرها الجدار لنصفين، وتتحدث الكاميرا عن تسلق الأهالي للسور الطارئ للوصول إلى مدارسهم ومشافيهم وجيرانهم..
سيكلف الجدار وفق مصادر إسرائيلية وبلسان الإسرائيلي أيضاً دانييال سييرمان سبعة بلايين دولار، فيما فاطمة أسعد المدرسة الفلسطينية تروي حكاية من آلاف القصص المؤلمة عن سرقة أحلامها واجتثاث شجرها واضطهاد الفضاءات الخاصة بها.

في لقطة أخرى، يقف عجوز فلسطيني فوق بيت يشرف على منزل مجاور راحت جرافات الاحتلال تنقض عليه وتهدم ذكريات أصحابه بدعوى أنه خارج على القانون.

ليتسا بيندر اليونانية الأصل الأمريكية الجنسية، ورانجييار أكارتييار بريطانية الجنسية وبنغالية المولد، كانتا من بين الحضور، وبيندر التي راحت كوفية فلسطينية تطوق ذراعها تقول: من لم يزر الأراضي المحتلة لن يصدق ما يسمعه عن الجدار والمعاناة" ما رأيته بعد زيارتي شيء لا يصدق" هكذا قالت..


أصبحت ليتسا ناشطة عفوية ضد الجدار، فقبل عدة أيام من ذكرى تقسيم فلسطين، نظمت في منزلها بولاية نيوجيرسي عرضاً لفيلم السلام و الأرض الموعودة، وشهده أكثر من ثلاثين من أصدقائها وجيرانها، الذين تبرعوا بالمال لأصحاب البيوت المدمرة في رفح.
أما رانجييارا، فهي ناشطة في جمعية للدفاع عن الأقصى و السلام في فلسطين، وتجهد نفسها في توزيع نشرات ومطبوعات وأخبار وتحليلات عن القدس والسلام المفقود.


لقطة صامتة:
هدوء مختلف
في واشنطن


لا تخلو الطريق إلى واشنطن من دلالات أو إشارات ذات مغزى تغرى القادم لما وراء المحيط لمتابعتها، فهنا حيث الساعة تشير ذات أحد من نوفمبر إلى الرابعة وحفنة من الدقائق، نلتقي بعد اكتمال سلسلتنا الصحافية في محطة بنسلفينيا الجاثمة في شارع 34 يقلب نيويورك الباردةٍ، قاصدين العاصمة، قائد الرحلة المنتدب من برنامج الإعلام المنبثق عن الأمم المتحدة الياباني هيرو أكيو يجيد حدث القليل من العربية، مثلما نتقن نحن مراقبة الحانوت الضخم الذي يروج لمجلات ومواد دعائية في قلب محطة القطارات السريعة.

تطالع العديد من المجلات، ووحدها" الإكونوميست" الشهيرة تختار كلمتين للإشارة إلى رحيل الزعيم الفلسطيني: خروج عرفات، فيما المئات من المطبوعات تغني كما يحلو لها، للمطبخ و الديكور، وإن كانت تتوحد كلها لصالح الإثارة والجنس وتسليع المرأة….

تحاور قليلاً صحافية وقارئة جيدة، راحت تبحث عما يغذي فضولها السياسي، فتسألها عن سر المبالغة في الإثارة والميل للصحافة الصفراء، فتقول: هنا يمكنك التقاط ما تريد، والمرأة هنا هي صاحبة القرار في جسدها، وإن كانت المبالغة في الإثارة مسألة جدلية.

اللافت قبل الوصول إلى قطار واشنطن، جيش القراء الذين بوسعهم تفحص عشرات المجلات ، و"تقرير مصير" المطبوعة التي ستدخل الدفء إلى قلوبهم وعقولهم.

راح القطار أو " مركبة الأرض" كما أسميناها، يخترق الضباب الملتف حول منهاتن وضواحيها، الكل تموضع في مقاعده، والكثيرون من المسافرين امتلكوا خطة واضحة لقهر المسافات، فآنا رونسون أحضرت نسختين لصحيفتي النيويورك تايمز والواشنطن بوست، وقررت استكشاف محتواياتهما، وليندا آثرت العبث الإيجابي بحاسوبها النقال طوال الطريق وتوم انحاز لكتابة يومياته.

تسترق القليل من وقت آن، وتسألها عن الذي تعرفه عن شؤون بلدنا الممزق، فتقول إنها تقرأ عن الصراع و الاحتلال ولكن لا تعرف من هم الضحايا بالضبط، وتتمنى أن يتوقف حمام الدم ذات يوم.
قريباً من القارئة الجيدة، تجلس أخرى راحت تنهمك في قراءة مذكرات الرئيس الأمريكي بيل كلينتون حول السياسة ومشتقاتها، هنا في عنوان مجلات تشرين الثاني، تطالع في النيويورك تايمز أخباراً ذات صلة بالموقف الأمريكي من الانتخابات الفلسطينية المبكرة بعد رحيل الرئيس عرفات.

ينشب حوار آخر مع جارة ثانية لآن، فتنحاز قليلاً في مواقفها لصالح الاحتلال، فنتذكر نحن العشرة صحافيين المتجهين إلى حيث يصنع القرار الأمريكي، أن سفرنا وإن خلا من الحواجز ونقاط التفتيش لن ينجو من مواقف منحازة.

في الثلث الأخير من الرحلة، نحاور الشاب الصومالي محمد حسين وزوجته الأمريكية جنات، نسرف وإياهم في في توصيف الحال اليومي لشعبنا، ونتحدث عن الأمية وحقوق النساء والفقر والموز والاحتلال الأمريكي القصير لمقاديشو، ومحمد فرح عيديد، ومستوى الحياة والحجاب وجدار الفصل العنصري.

تقول جنات ، وهي موظفة في الكونغرس الأمريكي، إنها لا تعرف كثيراً عن فلسطين بخلاف زوجها، وتسأل عن حال المرأة الفلسطينية ومشاركتها السياسية، فنعلمها أن في بلدنا ثلاث وزيرات وعدد من النساء في منصب مدير عام، و استحدثت أيضاً وزارة لشؤون المرأة، وهناك نية ومناقشات حول إقرار " كوتا" لصالح الفلسطينيات في الانتخابات القادمة.

في تبادلنا الإعلامي نعرف من محمد الموظف في إحدى المصارف الأمريكية، أن نسبة الأمية في صفوف النساء تقترب من الـ 70 في المائة، وإن سن الزواج آخذ بالارتفاع إلى السابعة عشرة، بعدما كان يزحف إلى الثانية عشرة، ويقول أن بوسع النساء العمل في بلاده، إذ هناك ظاهرة جديدة راحت تغزو بلاده، إذ تمارس الصوماليات العمل التجاري،فيستوردن السلع ويفتتحن الأسواق الخاصة بهن، وينتجن الكثير من الدخل في بلد ربما هو الأفقر بين دول الأرض.


تنقل جنات بعضا مما تعرفه من زوجها، فالنساء الصوماليات بوسعهن الظهور على شاشات التلفاز وتقديم برامج إعلامية، لكنهن لا يحظين بوظائف متقدمة ولا يسمح لهن بدخول سلك الشرطة.
تسألنا المرأة السمراء ثانية عن سر غياب الأحزاب النسوية عن العالم العربي، فتندهش أن في فلسطين المحتلة أطراً نسوية ومنظمات غير حكومية تناضل لإنصاف النساء في مجتمع يشهد آخر وأطول احتلال في التاريخ الحديث، وهناك أيضاً صحافة نسوية.

نصل واشنطن العاصمة، ونتخلى بسرعة عن شغف اكتشاف عاصمة الدولة العظمى لصالح النوم، لنغرق في اليوم التالي في فضاءات صحيفة " الواشنطن بوست"، ندخل بنايتها الواسعة ونبدأ في متابعة حكايتها، فهي التي رأت النور يوم السادس من ديسيمبر العام 1877، كأول جريدة رباعية الصفحات، وذات ثلاثة سنتات، وأهم نسخة من خمس صحف في العاصمة.

يحدثنا روبين ميتور من دائرة العلاقات العامة عن المبادئ السبعة التي تقوم عليها الصحيفة، ويخبرنا بحكاية إفلاسها الشهيرة العام 1933، ويعيد لنا عجلة التاريخ إلى الوراء، فيعرفنا على أسس الطباعة اليدوية التي كانت تعتمد في النشر، ومراحل التطور والعصرنة.

نعيد نشر أنفسنا في ردهات المبنى الممتد، فنجد جيشاً من الصحافيين والعاملين: ثلاثة آلاف نصفهم من النساء، يعملون كأسرة لإخراج مطبوعة يومية تمتلك كل يوم أحد مليون قارئ، ولها 80 ألف قارئ حقيقي باقي أيام الأسبوع.

في يوم الاثنين أو الخامس عشر من تشرين الأول، نستيقظ في الطابق الخامس لفندق " هارنكتون" دون أن نتعرف من أي الجهات تشرق الشمس الخجولة، في يوم إعلان استقلال دولتنا المضطهدة، ونرى من النافذة المطلة على الشارع الموصل للبيت الأبيض القليل من الساعين إلى عملهم، فهنا صخب المدينة هادئ ومختلف عن نيويورك.

نبدأ بالبحث الصباحي عن " خريطة طريق" توصلنا لوجهتنا، يسألك صديقك: هنا في واشنطن يصنعنون السياسة، لكنهم في الشارع لا يعرفون شيئاً عنها، فبعضهم لا يفرق بين " باليستاين" و باكستان وأخريات كموظفة البريد السريع تعتقد أن فلسطين هي ذاتها أوزبكستان!
داخل أروقة المتحف الوطني المخصص لشؤون الفضاء، تتحدث لوحات كثيرة عن نهاية الحرب الباردة في العام 1987، ويوم توقيع معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية بين الدولتين العظميين.

نصول ونجول في ردهات المتحف الضخم، ونتعرف لنماذج من الطائرات والصواريخ والغواصات، وكلها ليست ملك يميننا.بعدها نتلقى دعوة يابانية لحضور فيلم عن حكاية غزو الفضاء، فنستل نظارات ثلاثية الأبعاد، ويبدأ الفضاء كمن يهبط إلى عيوننا، فنتعرف عن كثب إلى تفاصيل دقيقة في رحلة السفر إلى كوكب آخر، نلتقط العديد من الإشارات وأهمها الخجل من أنفسنا، فنحن صفراً على اليسار في لحظة الحديث عن القمر الذي لا ننام قبل أن نسرف في استهلاكه غزلاً …
ندون رغم انكسارنا، حكاية وداع الزوجة الكازاخستانية لشريك عمرها ولحظة الحوار بين الأطفال والرواد وهم على الأرض.

في السماء، نشاهد تفاصيل الحياة لهؤلاء، حيث تنعدم الجاذبية وتتطاير الأشياء في بحر جوي.. ينقلنا الفيلم الوثائقي إلى حكاية الرائدة الأمريكية التي صعدت وثلاثة من زملائها إلى دنيا مختلفة في المكوك " ديسكافري"، وكيف قضت لحظاتها الأخيرة قبل السفر..

تنقل لزميلتك هيام حسان معلقاً: هنا أيضاً " يجندرون" الفضاء ، فالحركات النسوية لن تجد ربما بعد اليوم ما تطالب به…




مشهد عام:
يوم صحافي عربي
في نيوجيرسي

راحت عقارب الساعة تجافي النهار وتصادق الليل، وراحت خطواتنا تلتحق بمركبة حميد عبد الجابر الفلسطيني الموظف في منظمة الأمم المتحدة الذي لا ينسى حادث تفجير مقرها بالعراق، ومغادرته المكان قبل ساعة من موعد الموت الصناعي، ورحيل الفلسطينية رهام الفرا التي حلت مكانه لترحل سريعاً من غير رجعة.

اخترقنا معاً شوارع نيويورك المزدحمة، وبدأنا نتعرف على رفاقنا في مهنة البحث عن المتاعب.
بالصدفة تزامن انعقاد برنامجين منفصلين لصحافيين فلسطينيين ولآخرين قادمين من فضاءات الوطن العربي. كانت هذه هي المرة الأولى التي أجتمع فيها مع إعلاميات عربيات من سبع دول، وكانت أيضاً المرة الأولى التي أرى فيها انتصارا للجندر: سبع صحافيات قادمات من مصر وسوريا والبحرين والإمارات العربية المتحدة وليبيا والجزائر والمغرب، وصحافي قادم من اليمن، قلت لمنظمي البرنامج أنه الانتصار الأول للنساء في مجتمع لا تسمح بعض دوله للنساء بالتوجه إلى صناديق الاقتراع.

أخذت الأحاديث العربية والصحافية تتداخل وليل نيويورك البارد، وصرنا بالتدريج ندنو من مطعم الباشا حيث سنقل في نقاش مع الجالية العربية وحوار حول أقلامنا وقضايانا وحال النساء في دولنا، كقمة عربية غير رسمية غير مطالبة بشجب قضية ما أو إدانتها.

نتفرع قليلاً بعد التعرف إلى الصحافية أيمان محمد أو مدير تحرير مجلة الرجل اليوم، للحديث عن النظرة "الجندرية "من عمل الرجل في الشأن النسوي، ومن دخول النساء لصحافة الرجال.

نتفق أن لا حدود في الصحافة تفصل بين تفاعل الرجال والنساء مع قضايا مجتمعهم المشترك.

قبل اللقاء وحول مائدة العشاء، تلتقي و فلسطيني من بيت عنان شمال غرب القدس بدأت الغربة تتآمر عليه، يحدثك عن حاله وحنينه للوطن، ويخبرك بأنه جاء إلى هذه البلاد العام 1959، فيما جد زوجته قدم إلى نيوجيرسي العام 1914، نشرع والشيخ في حوار عن الحواجز، ونتحدث هنا في هذه الدنيا عن الخنيدق، وهو الطريق القديم الذي يربط بين بلدات شمال غرب القدس وقراها برام الله، وصار السكان يجبرون على سلوكه لأن حاجز قلنديا سيئ الصيت، منعهم من التنقل بحرية.
تصفه له الغبار والعنب والزيتون الذي غزاه الشيب القذر المنبعث من طرقات غير معبدة ولا تصلح حتى لسير الحيوانات.

يسخر أحمد الشيخ، من أننا في هذا المكان نسرف في وصف طريق منع من المرور بها منذ أكثر كن عشرين سنة، ويرتفع في نفسه منسوب الشوق لها.

نبتعد عن هموم بلدنا الصغير المضطهد ونشرع في الحديث عن وطننا الكبير، على الأقل مثلما كان مدرسنا السمين وعاشق السردين يلح علينا أن نسميه في إشارتنا للدول العربية على شرف دروس اللغة العربية.

تروي عهديه أحمد، التي تعمل في النسخة الإنجليزية من التلفزيون البحريني:شغلنا الشاغل اليوم قضية البطالة، فهي ذات معدل عال، ومرشحة بالتصاعد، ويتحتم علينا التفكير بحل لها، في وقت يرتفع فيه عدد أفراد الأسرة البحرينية إلى ثمانية أفراد.

تنتقل لشق سياسي، وتصف حال بلدها الذي تعرض لموجة شعبية من الانتقادات لأنه وقع على اتفاقية التجارة الحرة في أوج الحرب على العراق.

بهدوء لا يخلو من دلالات تقول الإماراتية إيمان محمد، مدير تحرير مجلة الرجل اليوم،تصف مشكلة بلدها مع توطين الأجانب، فمجتمع الإمارات له خصوصية تميزه، ويسعى للحفاظ على هوية مواطنيه، مثلما يحاول توسيع رقعة المواطنين في الوظائف العامة والقطاع الخاص.

تضيف، بعد وقت قصير من ريل رئيس بلادها، نراقب أيضاً باهتمام لافت التغيير الحكومي، الذي منح للمرة الأولى امرأة حقيبة وزارية.

يخلط محمد الجموزي القادم من اليمن ونائب رئيس تحرير صحيفة الثورة الأكبر و الأوسع انتشارا، المشكلة في بلدنا الحال الاقتصادي في أعقاب الوحدة في العام 1994، ومساعي بلدي لحل الأزمة عن طريق البنك الدولي.

يصل الميكرفون إلى الجزائرية الأكثر صمتاً، مليكة خلاّف العاملة في صحيفة الجمهورية، فتغرق في الأزمة الأمنية التي عصفت ببلدها بدءاً من العام 200، والخسائر البشرية التي فاقت المائتي ألف قتيل في بلاد المليون شهيد، عدا عن الخسائر التي فاقت آل 12 مليار دولاراً.

تتابع: في الجزائر وصل النمو الاقتصادي العام 2003 ما يقرب من 6,7%.

يرحل الحديث العربي الأفريقي إلى الجارة الليبية الخضراء، فتبحر إيناس حميدة العاملة في صحيفة الجماهيرية، والتي واجهت مصاعب في الحصول على تأشيرة لدخول الأراضي الأمريكية فتقول: وجعنا اليومي يتمثل في الحصار الذي فرض علينا لعشر سنوات، والناس في وطننا يعيشون تحت خط الفقر بالرغم من أننا بلداً نفطياً، ولم ترتفع رواتب الموظفين منذ عشرين سنة.

ليس بعيداً عن ليبيا، تنطلق فاطمة يهدي من التلفاز المغربي في توصيف أزمات بلدها، فتقول: إن مشكلتنا صارت تأخذ طابعاً اقتصاديا واجتماعيا، وأصبح الشباب يواجه أزمة حادة، وكشفت تفجيرات الدار البيضاء عام 2003 عن الكثير من الإشكاليات.

وتضيف: لدينا بطالة عالية، و أمية، ويحلم الكثير من المغاربة أوروبا والهروب إليها خلسة، فيصعدون قوارب الموت، ويعيشون غرباء في وطنهم.

تقول يهدي: قبل العام 1997، كان لا يسمح للصحافة بتوجيه أي انتقاد للحكومة، أما اليوم فقد أصبح بوسعنا توجيه الانتقاد للحكومة، وصارت وسائل الإعلام تكشف عن انتهاكات حقوق الإنسان التي وقعت في حقبة السبعينيات وكشف أسرارها.

لكن فاطمة تعترف بأن مسألة الحديث عن الملكية والصحراء هي من المسائل المحرمة.
تبدأ الليبية إحميدة، بالاستعانة في إجابتها عن مسألة الحرية الصحفية، بلوحة شاهدتها في أروقة الأمم المتحدة تقسم دول العالم لتصنيفات مختلفة وفق درجة الحرية المتوفرة فيها، وفي بلدنا الحرية ذات لون مختلف.

ترى مليكا خلاف، أن حرية الصحافة في الجزائر تنقسم إلى نوعين، فالمكتوبة و المسموعة تتوفر فيها درجة لا بأس بها من الحرية، في حين تختفي الحرية من الإعلام المرئي المنغلق على نفسه.
يقول الجرموزي أن الصحافة اليمنية تمتلك هامشاً كبيراً من الحرية، ولا تعترف الصحافة بالخطوط الحمر.

يستذكر زيارة الرئيس اليمني لوزارة الإعلام في أبريل الماضي، عندما أمر بمنع حبس الصحافيين على الإطلاق، ويقول : المشكلة أن جرائدنا منبراً للكتابات، وتغيب عنها المهنية.

تذهب الإماراتية إيمان محمد لتوصيف حال صحافة بلدها، فتقول إن الوضع يراوح مكانه، لكن الفترة التي أعقبت غزو العراق للكويت صارت تتسم بتوسيع هامش الحرية.

ووفق القانون الإماراتي للإعلام الصادر العام 1970، فإن ثمة 18 بنداً تقيد حرية الصحافيين.
تقول عهديه أحمد، إن الوضع في البحرين تغير قبل أربع سنوات ، إذ بات بمقدور وسائل الإعلام توجيه الانتقاد للملك، ومن الممكن أيضاً مناقشة القضايا ذات الحساسية الاجتماعية كالشذوذ الجنسي وشرف العائلة والضعف الجنسي.
تضيف: الديمقراطية في بلدنا جديدة، والخط الأحمر الوحيد لدينا هو العلاقة مع المملكة العربية السعودية.

تستهل مليكا خلاف جلسة حوار أخرى راحت تناقش حال المرأة العربية في الجزائر الذي تحسن كثيراً، إذ أصبحت المرأة تتبوأ مناصب سياسية، وتتحمل مسؤوليات هامة بالرغم من الأوضاع الأمنية المعقدة.

تؤكد إيناس أن الحال بالنسبة للمرأة الليبية قد تبدل كثيرا بعد ثورة العقيد القذافي، التي منحت الكثير من الحرية لها، وصار بمقدورها انتزاع ملكية منزل زوجها الذي يقدم على التزوج من امرأة ثانية.

في أوراق فاطمة عن المرأة في المغرب مساحة كبيرة من التفاؤل، فبعد تولي الملك محمد السادس عرش المملكة، ظهرت السيدة الأولى في وسائل الإعلام، وأصبحت المرأة تتقلد مناصب رفيعة، فأصبحت ساعية بريد وشرطية وسائقة باص وقطار وربان طائرة.

ووفق فاطمة، شهد قانون الأحوال الشخصية تطوراً كبيراً، وحصلت المغربيات على المزيد من حقوقهن، بموازاة بروز الكثير من المشاكل الاجتماعية.

تشرع عهديه بالحديث من جديد عن حال البحرينيات اللواتي كن أول خليجيات يدخلن البرلمان، في وقت يغيب فيه قانون للأحوال الشخصية بسبب الخلافات بين السنة والشيعة.
فمثلاً تظل قضايا الطلاق معلقة لعشرين سنة وبذلك تضيع الكثير من حقوقهن رغم حصولهن على امتيازات ثانية.

تصف إيمان حال نساء الإمارات اللواتي يقطفن حرية تدريجية، فبعد أن كان التوجه بطيئاً للنساء استطاعت المرأة الإماراتية تولي منصب وزاري، في الوقت نفسه الذي لا يسمح للنساء من دخول المجلس الوطني، إلا أن باب الجدل والنقاش أنطلق في التساؤل عن التوقيت الذي ستصل به المرأة إلى قبة البرلمان.

وفي الإشارة للخريطة الجديدة لحال النساء، استطعن الإماراتيات دخول نادي دبي للصحافة،
ومنتدى تجارة دوت كوم، وفي مجلس الشارقة الاستشاري دخلت المرأة إلى عضوية المجلس
.
ليس بعيداً عن الإمارات السبع، يقلع محمد في الحديث عن حال النساء اليمنيات، فيقول: الدستور كفل للمرأة حقوقها السياسية والاجتماعية، ووقع اليمن على قوانين منع اضطهاد النساء، إلا أن مكانة المرأة الاجتماعية لا زالت متراجعة، إذ تتفشى الأمية في صفوف النساء بواقع 60% .

وعن حال حقوق الإنسان تعيد يهدي عجلة التاريخ إلى الوراء عندما شهدت حقبة الستينيات والسبعينيات انتهاكات خطيرة لحقوق الفرد المغربي، لاحقها الصمت لعشرين سنة، واليوم خرجت مجموعة كتابات جريئة تتحدث عن السجون ونشطاء حقوق الإنسان، وبدأت تنشط جمعيات تسعى لتسوية الضرر، إذ ثمة هيئات تسعى للتعويض المادي والمعنوي، وتطالب الحكومة بالاعتراف بالضرر، إلا أن تفجيرات الدار البيضاء العام 2003 أدت من جديد لانتكاسة حقوق الإنسان، وكان المستهدف في السبيعنيات الشيوعيين أما اليوم أصبح الإسلاميون الهدف.

على خلفية مخففة لصوت أم كلثوم، راحت إيناس توصف شأن الإنسان الليبي، إذ أخذت تبرز للعلن قضايا السجون غير المعلنة كسجن "بوسليم"، وطفت إلى السطح قضية إعدام مجموعة من الشبان بسبب خطأ حراس السجن في تحديد المتهم.

والشأن البحريني بحسب عهديه آخذ بالتحسن عقب تأسيس جمعيات غير حكومية لمراقبة حقوق الإنسان والتعذيب الذي يتعرض له السجناء.

تمتزج حوارات الحضور من أعضاء الجالية الفلسطينية والعربية بهموم عربية كبيرة، وتبرز عاصفة من الأسئلة الساخنة حول السياسة والشأن الفلسطيني والعراقي، والتنمية والشباب والمرأة والحقوق المصادرة، والتراجع والتبعية وهجرة العقول العربية خارج أوطانها، والملف السياحي الذي يعاني تشوهاً وتراجعاً لصالح السياحة خارج البلاد العربية. نغرق أنفسنا في الإشارة لقضية الغزو العراقي للكويت، وهامش الحرية الصحفية والمعارضة والديمقراطية، ومخاطبة الآخر وصورة الذات في الإعلام الغربي، والفقر وسوء توزيع الثروات، والمشهد الجزائري، والانتخابات الفلسطينية والعراقية في ظل الاحتلال وغياب الديمقراطية.

نحاور رئيس النادي العربي الأمريكي، عمر عساف عن صحافة المهجر وصورة العربي في ذهنية الأمريكي، ومنسوب الحرية في الإعلام الأمريكي الذي يجمد الموضوعية في وقت الأزمات.

نودع الجالية، ونعود لحديث في ضيافة منزل حميد عبد الجابر ، مدير القسم العربي في منظمة الأمم المتحدة، وننحاز للحديث عن شؤون عربية وعراقية وفلسطينية تطغى على صوت الطائرات الخاصة التي تشق ليل نيوجيرسي، وتدنو من مطار ترويز، ولا يكف الفلسطيني المغترب أحمد الشيخ من الإشارة لحنينه وذكريات طفولته في بيت عنان التي سرق جدار الفصل العنصري.



لقطة بالأبيض والأسود:

الفن والسياسة معاً
والبيت المتحف

اجتهدت ماسحات السيارة البيضاء في تنظيف الزجاجي الأمامي الذي راحت الأمطار تقتص من وضوحه، هنا وفي الطريق الموصول من ولاية نيويورك ومدينتها للجارة نيوجيرسي، يمكننا وفي قلب المركبة الدافئ إعادة الحياة للماضي الأمريكي والفلسطيني أيضاً، فذات يوم من أيام الثورة الأمريكية أو حرب الاستقلال، كانت المعارك في أشدها بين جنود جورج واشنطن وخصومهم البريطانيين الذين تحولوا لحلفاء قي جولات لاحقة .

حتى في هذه الأجواء الساحرة والمتنوعة في مناخها بين مطر وشمس وغيوم حرة، تسرق عيوننا جرافات" الكتربلر" الصفراء التي تصنع على جنبات الطريق وغاباتها تطوراً وحياة، فيما عقولنا تطير لغزة ونابلس وسواها من مدننا حيث تعيث فيها هذه الآلة الضخمة التي تحمل اسم مخلوق دودة القز الضعيفة دماراً.

نحاول الهروب إلى الطبيعة، ونخترق الغابة القريبة من ولاية بنسلفينيا، هنا حيث تلقينا دعوة لقضاء عطلة عيد الشكر في ضيافة عائلة جو كاريرا المتعاطفة مع القضية الفلسطينية، نسرف في الرحيل لماضي المحطة التي يتضرع الأمريكيون فيها إلى الله شكراً بعد رحلة قاسية مع الجوع، ونتعرف إلى الديك الرومي الذي يحتل موائد الشعب الأمريكي.

حتى في عيد الشكر نتحدث عن فلسطين و حق العودة للاجئين من شعبنا ومواصفات الانتخابات الفلسطينية الحرة والمحتلة معاً، ونغرق في التسلل إلى السلام الضائع وجدران الفصل العنصري التي تصنعها إسرائيل باسم الأمن.

لم يصدق جو ولا زوجته ديانا أو ضيوفهما المنحدرون من أصول إيطالية أن طفلة فلسطينية لم تتجاوز التاسعة من عمرها تسكن في خربة رأس الطيرة القريبة من قلقيلية شمال الضفة الغربية المحتلة، منعها جنود الاحتلال من تلقي جرعات علاج لوأد الحمى التي اجتاحت جسدها إلا من وراء الأسلاك الشائكة.

الحديث عن السلام لا يملك أن يعيش في فوهة مدافع أدوات القتل و الموت الثقيلة، هكذا توصلنا لنقطة اتفاق، فأصحاب القوة هو الذي يصنع سلاماً لا غيرهم.

توم فليدروك المنحدر من أصول بولندية، وزوجنه إليزابيث يتحدثان عن تضامنهما مع الشعب الفلسطيني ويتمنيان من أن ينال في نهاية المطاف دولة حرة كسائر الشعوب، نعرف نحن بدورنا أن إليزابيث تناضل كثيراً فهي التي تسافر كل يوم خمس ساعات في رحلة عمل إلى الأمم المتحدة، وهذا يعنى أنها تغيب عن أسرتها 13 ساعة، لصالح تمسكها بحياة ريفية هادئة لا تزحف المدينة إليها.

المرأة في هذه البلاد تأخذ بعد الزواج اسم زوجها، وتناضل اليزابيث في تحالف وطني لمنظمات نسويه تسعى لتحقيق المساواة مع الرجال في ميادين الوظائف العامة والرواتب.
في قسم الإعلام حيث تعمل اليزابيث، وعند احتساب ميزان القوى العاملة يلاحظ المرء توازناً عادلاً بين الجنسين، فهنا خمس نساء ومثلهم من الرجال فرنسية وأمريكية وآسيوية يعملن في مكتب مشترك.

نغرق ثانية و توم فليدروك في الإشارة للقصة الإنجليزية لماري كوري، التي نقلت إلينا في طفولتنا عن حال المفتش الروسي الذي قدم ذات يوم محتل لوارسو وراح يبحث عن مصدر الصوت الأنثوي الناعم باللغة البولندية الممنوعة.


لا يخلو الحديث من دلالات كبيرة لا زلنا نحن نعيشها وأن تبدلت الصور ودارت الأيام.
على مائدة عيد الشكر تختلط الأطباق الأمريكية، والموائد التي صنعتها أم وقاس فحماوي، فالأرز والعدس والحمص و الحلوى الفلسطينية جاورت الديك الرومي والبطاطس الفرنسية والحلوى الأمريكية والبيتزا الإيطالية.

ننحاز لأجزاء من موائدنا ونجرب أخرى، ونشرع في جولة في القسم السفلي لمنزل جو كاريرا، الذي يتطرف في الانحياز للرئيس الأمريكي إبراهام لنكولن.

في البيت المتحف نشاهد بجلاء تماثيل ومقتنيات وكتب وأوسمه وميداليات و رسومات ومنحوتات تشير لمراحل مختلفة من حياة الرئيس الأمريكي الذي وضع حداً للعبودية والرق، وساوى بين الأمريكيين.

في هذا البيت نشعر بأننا على معرفة بالرئيس الأمريكي السادس عشر فكل شيء هنا يشير إلى ذكراه، ونحن الفلسطينيين أكثر ما نحتاج لمن يتضامن معنا ويحررنا من عبودية الاحتلال الذي أدمن انتهاك سيادتنا وأفقنا.

بروي الإيطالي الذي غرق في البحث عن هدايا رمزية يقدمها لنا تجعلنا من عشاق من يحب: الحرية و الأمل والحلم والإحسان تجعلك تنفق أغلى ما تملك لنصرة رمز يستحق ذلك بفخر.
ينفق جو الموظف في إحدى البنوك قسطاً كبيراً من وقته وماله في تطوير متحفه الخاص، وفي عطلة نهاية الأسبوع يبحث عن المزيد من المقتنيات التاريخية.

ما أن يستدير الزائر للبيت إلا وتتنازع على استهداف نظراته تماثيل برونزية للرئيس المحرر، وإذا ما قرر تبديل زاوية نظره تكون بانتظاره مقولات لنكولن حول الحرية وقيمها و العدالة و حرية التعبير ، وفي زاوية ثالثة يقدم الرئيس جورج بوش الأب شهادة عن احترامه الكبير للرمز الذي سبقه، ويقدم سطوراً لمناقبه وما يميزه عن غير من نظرائه الذين و صلوا البيت الأبيض حيث تطهى السياسة الأمريكية وتنقل لموائد العالم.

منذ 22 سنة راح جو يطور متحفه الخاص وبقدر ثمن المقتنيات التي يضمها بـ300 ألف دولار دفعها من جيبه الخاص، فيما دخله السنوي يتواضع كثيراً مع قيمة متحفه، فهو لا يتجاوز الـ 25 ألف دولار.
لا يتوقف جو عند هذا الحد من الاهتمام، فهو يدمج الفن بالسياسة وينشط على جبهة الصحافة، فيكتب وينشر مقالات عن الرئيس الذي يحب، ولا يقيل بفكرة المقارنة بينه وبين غيره من الرؤساء السابقين أو اللاحقين، لأنه آخي بين الناس وساعدهم ومنحهم الحرية والمساواة.

يقول: تساعدني زوجتي ديانا في ترتيب المتحف، وإعادة تفقده الدورية، ونقضي أوقاتاً مشتركة معاً، وحينما يزورنا الضيوف يدفعهم الفضول لأخذ جولة تفقدية في أرجائه…

انتقى جو دراسة التاريخ الذي أوصله لهذا المنسوب من الهيام بالرئيس أبرا هام، وفي جعبته أيضا نسخة من صحيفة" جورنال أوف سيفلايزيشن" أو صحيفة الحضارة الصادرة في السابع عشر من حزيران 1865 حيث كان الرئيس لنكولن فوق أرض أمريكية بدأت تتلقى جرعات الحرية والعدالة وفق جو.
لقطة بلا كاميرا:

حوار في سماء
الأطلسي الباردة

في أعماق طائرة "الإيرباص" السويسرية وعلى ارتفاع ثمانية وثلاثين ألف قدم، راحت حرارة استرداد شريط ذكريات فلسطيني لاجئ عمل ذات يوم في السلك الدبلوماسي و أنتقل بعدها للإعلام في الأمم المتحدة تفوق درجة الأجواء التي نشاهدها من نافذة الطائرة…

اخترنا توقيت الحوار، الأول بالنسبة لي بعيداً عن الأرض، في منتصف الطريق الموصلة من نيويورك إلى جنيف ، حيث سافرنا لإكمال ما تبقي من برنامج التدريب الإعلامي الذي تنظمه الأمم المتحدة، و بالتفاته إلى الساعة الرمادية التي يرتديها الشاب- العجوز في خبرته الذي شارف الوصول إلى العقد السادس ، ولم تكن رحلتنا إلى جنيف منزوعة من الدلالات، فسويسرا التي يشهد لها بالحياد لها مع الذاكرة الفلسطينية الكثير من المحطات، فجنيف ودافوس وبال أو بازل، التي نقترب من الوصول لأجوائها كانت ذات يوم مسرحاً لاتفاقية حقوق الإنسان الرابعة، مثلما شهدت ولادة أول مؤتمر للحركة الصهيونية العام 1897، عدا عن حكايات مؤتمر سلام الشرق الأوسط، ومحادثات السلام الفاترة بين فلسطينيين وإسرائيليين رسميين .

وبالصدفة كانت أوراق الزمن تقترب من السنوية الأولى لتوقيع وثيقة جنيف غير الرسمية…
يشترط الدبلوماسي السابق قبل الإقلاع في حوار السماء أن يبقى اسمه طي الكتمان، ونختار بدورنا له اسم ناجي فرسومات الكاريكاتوري الفلسطيني ناجي العلي تنطبق على مقاطع كبيرة من حياته.

يقول: شردت و عائلتي من قرية تقع على قمة جبل الكرمل قريباً من مدينة حيفا العام 1948، ووجدنا أنفسنا لا حول لنا ولا قوة، فوالدي الذي كان يمتلك مساحات من أراضي خصبة زرعها بالحنطة والتبغ، أصبح أجيراً عند أحد الأغنياء في الضفة الأخرى لنهر الأردن.
يسترد ناجي حكاية الشقاء التي صارت تلاحق والده، فكانت أول مسؤولياته إعالة عائلة ذات عشرة أفراد وعمته وجدته بأي طريقة.

كان والد ناجي يسابق الفجر، فينهض من نومه غير الهانئ فغرفة العائلة المتواضعة ذات الأمتار الأربعة طولاً وعرضاً و مبنية من اللبن هي بيت أبو ناجي، ليشد بعدها الرحال إلى مزرعة على ضفة نهر الأردن، لقاء أجر يومي زهيد ( اثنا عشر قرشاً)، لا يكفي في أحسن الأحوال إقفال الأفواه الجائعة .

يقفز ناجي بعد أن خرجنا من مطب هوائي، إلى حكاية حنينه إلى وطنه، فالبرغم من أنه لم يعرف بيت والده الأصلي في قريته، صار يتخيله في ذاكرته، لما سمعه من والدته ووالده في القصص الليلية عن حياتهما في تلك القرية، ويرسم له صورة طبوغرافية، فيتخيل شجرة الخروب العملاقة، وبئر الماء وحوش الجيران، إلى أن تمكن وزوجته المقدسية الأصل وأولاده العام 1995 من زيارة مسقط رأسه برفقة عمته وأولاده ، و قبل التوغل في القرية، طلب من عمته الصمت وصار يشرح لهم من وحي مخيلته عن القرية الأطلال، ويتنقل من بيت إلى بيت، فبئر " الناطف" وساحة منزل العائلة لتتطابق الأحلام بالواقع الذي تعرفه العمة التي تسكن اليوم مدينة أم الفحم.

يروي: اندهشت العمة والأولاد بحدسي، ورحنا نجمع الصبر والرمان وتناولنا طعام الغذاء و معنا الذكريات التي تراكمت فوق رأسي.

راح حديثنا تختلط فيه أرقام التكنولوجيا وصوت قبطان الطائرة، لنحلق في ارتفاعات قديمة لناجي الذي أجبر و عائلته على التنقل بين أحراش عانين في محافظة جنين، و سهل مرج ابن عامر و مخيم نور شمس القريب من طولكرم فالنويعمة القريبة من أريحا إلى الجلزون قرب رام الله ومخيم الكرامة وعلى الضفة الشرقية لنهر الأردن.

لا زال عمل والدي يتكرر في أعماقي، ففي كل مرة أتذكر فيها الشقاء الذي مررنا به نحن وآلاف الأسر الفلسطينية إلا وأعود لمقارنة الأمس باليوم.

عمل والدي في تجميع الفوسفات، وكان يتقاضى لقاء كل طن 25 قرشاً، يلغم ويفجر ويجمع وينقل وينقي الفوسفات، كان يجر العربة أكثر من مسافة كيلو متر، وكنا دائماً في إجازة الصيف نساعده على جر العربة ليضاعف من إنتاجه.

في ذاكرتي التي عرفت الأوراق الدبلوماسية والبروتوكلات والمراسم والسجاد الأخضر، تعشعش اصطلاحات "الطرازنية" وهي العربة المخصصة لتجميع الفوسفات وتتسع لطن مصفي من الشوائب.
يقدم ناجي توصيفاً لحاله بيت عائلته، فقد بنينا خربوشاً"بيتاً فقيراً جداً" من الخيش على أراض أميرية، وصرنا في كل ليلة نبني الطوب إلى حوافه، إلى أن أكملنا وبقي مغطى بسقف متواضع من الخيش لم يحمه من المطر، ولا زالت حادثة المطر الذي أغرقنا وكل مقتنياتنا تستفز ذاكرتي، وبخاصة في اليوم التالي، إذ راح الجيران ينشرون كل ما لديهم تحت شمس خجولة لتجفيفه….
كنت أدرس و أخي الأكبر في مخيم نور شمس، فيما عائلتي تسكن الأردن، إلى أن تخرج أخي الأكبر من دار المعلمين في بيت حنينا، وأصبح مدرساً، وانتقلت أنا لمدرسة الزرقاء الثانوية، فيما أستقر والدي في الرصيفة، وكنا نستقل الباص إلى المدرسة.

يضحك ناجي في حركة لا تخلو من دلالات، فقد أستذكر إضراباً خطط له ورفاق المدرسة، عندما رفع صاحب شركة باصات القناعة أجرة الراكب من الرصيفة إلى الزرقاء من قرش ونصف لقرشين، وصرنا نسير مشياً على الأقدام لثمانية كيلو مترات إلى أن افلح التلامذة في إرجاع التسعيرة القديمة.

يتوقف ناجي مطولاً لاسترداد اللحظة التاريخية التي غيرت مسار حياته، فعندما كان يسير ظهيرة يوم من أيام العام 1964، يدرس استعدادا لامتحانات الثانوية العامة، شاهد سائحاً يحمل حقيبة، أقترب مني وسألني باللغة الإنجليزية عن الاتجاه الذي تقع فيه مدينة عمان، أرشدته على الطريق، وقبل الرحيل استأذنته أن يمنحني أسمه وعنوانه، وقلت له أنا لاجئ فلسطيني أبحث عن فرصة لإكمال دراستي…

كان الشاب الألماني "هيلميت" طويل القامة، أشقر الشعر وأزرق العينيين بشوشاً، رحل وشأنه بعد أن كتب لي عنوانه، وبالفعل راسلته وانتظرت بفارغ الصبر رده، الذي منحني فرصة السفر لألمانيا، لدراسة الهندسة الصناعية.

نشب جدل آخر بين ناجي ووالده، فتذكرة السفر وتكاليفه لعائلة تعاني ضيق ذات اليد لا يمكنها المرور سريعاً على موضوع مالي، كانت أول أسئلة والدي : من أين لنا المال؟

نجح ناجي أخيراً في إقناع والده وأخيه الأكبر باقتراض 69 ديناراً ثمن تذكرة باتجاه واحد من عمان إلى ميونخ، وفي مطار ماركا سابقاً، تهاطلت دموع الأم والأب والأخوة وعويلهم في وداع ناجي الذي لم يسافر أبداً.

وفي رحلة " الترانزيت"، هبطنا في بيروت وبتنا ليلة كانت مشهودة، فقد قدموا لنا طعام غداء لم أشاهده فالسباغتي الإيطالية استعصت على الالتصاق بالشوكة والسكين التي لم أستخدمها في عمري، فبت تلك الليلة بأمعاء خاوية

كان في جعبة ناجي 84 دولاراً وفرتها مساعي الأب عبر اللجوء إلى صندوق المقرضين، وفي أوراقه قاموس للغة الإنجليزية و للألمانية التي ستطرأ على حياته، ورسالة القبول التي أوصلها له هلموت، "ولم أستطع توفير معطف يقيني من برد ميونخ بل طلبته من والدي الذي بدوره اشترام من سوق البالة في عمان وأرسله لي"، هكذا أضاف ناجي الذي راح الشيب ينازع رأسه.
ينتقل إلى فصل آخر في عملية توصيف البؤس الذي عاشه، فطفولته لم تعترف بالألبسة والأحذية، غير تلك المرقعة والمليئة بالثقوب، لكن ناجي يقول إن تلك الأيام ذات قسوة لذيذة.

يواصل استيراد المزيد من ماضيه فيروي: كانت أمي تقسم لنا الخبز، وتخفيه في المساء في خزانتها، وكان البكاء يعرف كلمة المرور إلىّ، لأن نصيب أخوتي كان أكبر من وجهة نظري.
عند احتساب الموازنة العامة لاقتصاديات عائلة أبو ناجي، كمثال يصلح للتعميم على الفلسطينيين الذين خسروا وطنهم وحلمهم: حفنات من طحين "الإونروا"، و رزمة ملابس غير متجانسة الألوان والأحجام تآكل بعضها، مقدار من التمر يسمى زمبيل ويعادل 50 كيلو غراماً، بعض البقوليات، وطائفة مما تنبت الأرض من ورقيات من طراز الخبيزه والزعتر والعوينه والعلت، واللوف والسلق والحويرة والصنّاب.

قبل أن يعرف ناجي قواعد الحدود ومعاهدات عدم الاعتداء وحسن الجوار، دفعه التوق للخضروات لقطف بعض ثمار الباذنجان من مزرعة قريبة، لكن ضريبة ذلك كلفت الفرار من كلب حراسة لصاحب الحقل.

يروي: كنا نمضغ العرق سوس وننقع بعضه في الماء كمشروب يجعلنا ندفع بقيظ الصيف بعيداً.
أفلح ناجي في إنهاء دراسته الأولى وأحيا حلم والده التائق للابن المهندس، وطار من جديد إلى الولايات المتحدة لإكمال الماجيستير، بعد أن حصل على منحة من إحدى الجامعات الأمريكية في حقل العلاقات الدولية، وواصلت حتى حصلت على الدكتوراه.

كان ناجي عصامياً، إذ عمل في كافتيريا الجامعة وهو يعد نفسه لدراسته الدكتوراه، في البداية عمل كمتخصص في جلي الأواني الكبيرة، ثم رقي لتنظيف الأطباق، بعدها تسلل إلى إعداد الأطباق، فمساعد مالي لمدير المطعم.وكانت الساعات التي يقضيها في العمل تصل 18 ساعة في كل يوم حتى يستطيع تغطية تكاليف معيشته في نيويورك.

يقول: انتقلت للعمل في منظمة غير حكومية تعنى بالشرق الأوسط، وواصلت إلى أن عينت في بعثة دبلوماسية عربية بالأمم المتحدة، وكنت المستشار الذي يعد الخطابات لرئيس البعثة ،، ويجهز له التقارير ويفاوض الدبلوماسيين.


يمزج ناجي بين القديم والجديد، ويعيد الروح لأيامه الماضية، فعندما كان في سن السادسة، وكان وعائلته يسكنون غرفة"قذرة" الجدران والسقف، وتستخدم كمطبخ ومكاناً لتنظيف الملابس المتآكلة،وحاضنة لتربية الأرانب والدجاج.

كانت مهمة ربة العائلة قاسية، فتوفير اللحم مسألة صعبة المنال، يروي ناجي: في كل أسبوع كانت تطل علينا أوقية لحم من الجمال والقليل من الدهون، كان يصل ثمنها خمسة قروش وتستقطع لعشرة أجزاء.

شكلت حكاية المدرس الجفناوي إدوارد نقطة سوداء في حياة الطفل اللاجئ الذي أحب أن يمتلك صورته، ففي ذات نهار أخرج المدرس شيئاً غريباً للتلامذة الصغار، وقال لهم: هذه آلة تصوير، ولم تكن المسألة تحتاج لوقت طويل بالنسبة لناجي الطفل الذي كان ذكيا ومحبوباً بالرغم من الثقوب التي تتنافس لاحتلال ملابسة.

أمر المدرس الصغار في مدرسة الكرامة الأولى العام 1953 بالخروج للساحة ، وأن يرتبوا أنفسهم لالتقاط صورة مشتركة، صعد ناجي للمقعد الأخير وأدى التحية العسكرية كجندي..

يتابع: بعد أيام عاد الأستاذ بالصورة ومررها علينا، وعندما جاء دوري أصابني نوع من الذهول، لأنني شاهدت نفسي لأول مرة، قال أستاذنا من يريد صورة فعليه إحضار قرش ونصف..

ركضت لأمي لأخبرتها بما حدث، كانت تلك اللحظة قاسية، فوالدي مصاب بالديزنطاريا، بسبب العمل كأجير في المزرعة لأحد الأثرياء لأكثر من اثنتي عشرة ساعة يومياً.

لم يكن في جعبة والدي أي قرش، وبقيت أبكي لثلاثة أيام، وعندما عدت إلى جفنا القريبة من رام الله العام 1995، رحت أفتش عن إدوراد فأخبروني أنه سافر إلى الولايات المتحدة، ومن ذلك اليوم وأنا أحلم بالصورة، وصرت مولعاً بآلات التصوير وكان أول شيء أصنعه في حياتي شراء كاميرات لي ولزوجتي ولصغاري…

تحوي ذاكرة ناجي العديد من المحطات، فهو كان يتنقل سيراً على الأقدام برفقة عمه وأخوته من طولكرم إلى جنين، وكان يتوق لارتداء ملابس غير مرقعة، وذات مرة سمعنا أن وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين وتشغيلهم" الإنروا" توزع " بقج" ملابس، وحينما حصلنا على نصيبنا بدأت أبحث عن شيء يناسبني، كانت المفاجأة أنني وجدت كسوة كاملة، وهي رغم سوء تنسيقها وتوقيتها رائعة.
يضيف: أسرعت في أوج الصيف لارتداء ما عثرت عليه من ملابس شتوية،تشمل كل ألوان قوس قزح وذهبت للمدرسة، وعندما شاهدني أستاذي ضمني إليه ورفعني على الطاولة، وتصاعد البكاء من عيني، وبدأ رفاقي يضحكون علي…
لقطة "أكشن":

في سويسرا المحايدة
نتحدث
عن كل شيء…

تحت الغيوم دائمة الظل في شتاء جنيف، راحت خطواتنا تتجول في المدينة متعددة الوجوه والذكريات، فهنا وفي مكان ما من سويسرا صنعت الحركة الصهيونية نفسها قبل قرن وحفنة من السنوات، وقبل عام بالتمام والكمال وقع فلسطينيون وإسرائيليون وثيقة غير رسمية لتسوية غضت الطرف عن اللاجئين الفلسطينيين، كما يقول الشاب المغترب والساكن لهذه المدينة شديدة البرودة سعيد عادل، وهنا ولدت اتفاقية جنيف الرابعة.

السير في فضاءات المدينة الخضراء والصديقة للبيئة، كالسير في عالم آخر، فحتى عمال النظافة والإسفلت يبدون في هيئة أخرى تفترق عن الصورة النمطية لبعض أصحاب المهن الذين يسرفون في إظهار آثار ما يعملون به.

حينما وصلنا إلى البقعة الأكثر حياداً في العالم، رحنا نسأل أنفسنا طائفة من الصيغ التي ظل جزء منها معلقاً حتى إشعار آخر. فوليد اللوح وغيره من رفاق الوفد الإعلامي الذي منحته الأمم المتحدة فرصة العيش بحرية مؤقتة أياما معدودات، صار يقول: هذا الحياد الذي يغطى بشوكلاه أو جبن يعتريه نقص.

استذكرنا يوم السابع من ديسمبر حيث هرعنا من بيت الضيافة ( أنترناسونال مين ديت) الذي يستلقي وسط غابة بيلفيوو القريبة من قلب جنيف العتيقة، أن هذا البلد يرفض الانخراط في الاتحاد الأوروبي، ولم ينظم للأمم المتحدة التي يحتضن قصورها ومقار هيئاتها غير السياسية إلا قبل عامين ونيف.


داخل قصر الأمم المتحدة الرئيس تحدثنا الأسترالية مارينا دي كونت ، دارسة التحكيم الدولي والمتدربة في قسم الإعلام عن حكاية هذا البناء الذي أشترط صاحب أرض التي أقيم عليها قبل التبرع بها، السماح لطاووس التنقل بحرية في حدائق الأمم المتحدة، وبالفعل راح هذا الطائر بريشه وغروره يملأ المكان الذي يحج إليه دبلوماسيو الدنيا… وأيضاً دي كونت مولعة بالعربية وتحاول تعلمها، فتمرر في تمرين أولي أناملها لإعادة كتابة اسمها.

في برنامجنا "الجنيفي" الكثير من اللقاءات والاجتماعات، وقبلها نتجول في ردهات المنظمة الدولية، تعاد لنا الأحاديث عن الأمم المتحدة وجمعياتها لجانها وتقسيمات عمل وكالاتها المتخصصة، ونتحدث نحن بدورنا للدليل الفرنسية عن التحدي الذي يواجه المنظمة، وحاجتها لإصلاح، لطالما تحدثت به أفواه كثيرة باتجاه مؤسساتنا الفلسطينية المضطهدة.

نسمع عن منظمة الغذاء والزراعة التي أعلنت أن السنة الماضية 2004، كانت محطة دولية للأرز، ونقرأ في أثناء الجولة الاستكشافية مقتطفات من كتاب الإرهاب والعولمة للبروفيسور الفلسطيني جمال نصار، الذي أختار للغلاف لوحة لفنان إيطالي تظهر فلسطينية تعزف على أداة موسيقية تراثية وبجانبها جدار الفصل العنصري قد تهاوى.

ندون في أوراقنا اليومية الكثير من التفاصيل التي نرى أن إعادة استخدامها قد تدخل القارئ في دوامة.

نعرف أيضاً أن جنيف تحتضن على مدار العام 1700 اجتماع تحتضنها 34 قاعة، ويغطي أحداثها 250 صحافياً، ونشاهد جناح الهدايا فيستقطبنا رسم"هيفين" المعبد الصيني الذي يخدع النظر، ويجعل المرء يخال أن درجه يسير معه في كل اتجاه، وتستوقفنا التحفة الكبيرة المقدمة من اليابان، مثلما نذهل بالسفينة الكويتية والأشكال الفرعونية المصرية.

على الجدران الكبيرة والمرتفعة تستقر رسومات لأطفال ونساء يعبرون عن النجاح الذي وفرته لهم المنظمة الدولية على الصعد الصحية والتربوية والثقافية، ونشاهد الجسر الذي يربط بين شطري المبنى الأممي، فيما تستلقي في الخارج هدية أمريكية وأخرى روسية، تتحدثان عن العالم ككتلة واحدة..

الروس انحازوا لكرة الأرض الدائرية، التي أظهرت العالم كأجساد تتصل ببعضها البعض في مزج يحفل بالدلالات.

نشاهد أيضا بوابات خشبية أهدتها بلجيكيا لبرلمان العالم، وأكملت إيطاليا الإطار، وجادت فرنسا بلوحات فنية، فيما كان لسلطنة عمان انحياز للفن ولعصافير الشرق.

في قاعة داخلية نسرف قليلاً في تفحص الجدران والسقوف الذي أهدت أسبانيا رسوماته، كترجمة لمراحل تطورها الاجتماعي والثقافي وللتعبير عن حقب الحرب والطبقية وحروب النبلاء.

تصارع وتضاد وسادة وعبيد وعري وأسلحة هنا في قاعة تخصص لاجتماعات لجنة نزع التسلح التي

تأسست العام 1979، وتضم في عضويتها اليوم 66 دولة.


في ردهة أخرى تضم قاعة لجان حقوق الإنسان ألفي مقعد، ونعرف أن في العالم 23 مليون لاجئ سوادهم الأعظم من أفريقيا السمراء.

على تلة مرتفعة تحيط بها مكعبات خضراء، تجلس بناية اللجنة الدولية للصليب الأحمر ، وفي أحشاء ردهات المكان تنشط غالبية سويسرية( 51 % من الموظفين) في " جيش" الإنسانية ، تتابع وتواكب وتبحث في قضايا البؤر الساخنة من الدنيا.

تستقبلنا لوحات فنية تتهكم على الحرب وتعتلي رسومات لأطفال وتقول: الحرب ليست لعبتنا، أبقوها بعيدة دعونا نلعب…

في قاعة محاطة بأشجار أستقطع الخريف خضرتها، راحت الإعلامية اللبنانية المسؤولة عن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، قبل شهر من سفرها لبؤرة العراق المتوترة، تتحدث عن أهداف المنظمة وطبيعتها، لتكمل بانوراما مصورة الحكاية.

في الفيلم الوثائقي الذي أمتد لأربعة عشرة دقيقة يوسع المشاهد الانشداد السريع مع الصور الناطقة، ويحاول الإجابة عن الأسئلة الكبرى المطروحة من طراز: هل مازال هناك مكان للكرامة.. للحدود … للإنسانية…

يشرع الفيلم في رحلة شاقة و لا تنجح خضرة سويسرا الباردة أو شوكلاتتها اللذيذة من تخفيف حرارة الوجع الوثائقي عن ضحايا النزاع.

هنا أيضاً حديث عن القواعد الإنسانية في التعامل وعن الحرب والقانون الدولي، وشرح لسبب إطلاق سياسة إعلامية للمنظمة الدولية ولتذكير المتحاربين بأن الأطفال والنساء يدفعون الثمن الباهظ للحرب.

نستمع ونناقش ونعيش أجواء لا تخلو من دم وقتل ومهمات إنسانية تحاول إطلاق اليد للحوار ونزع فتيل القتال الدامي.

نعرف هنا أن الحركة الدولية تقيم تحالفاتها مع منظمات طبية في ثلاثين بلدا، ونحاط علماً بسر ابتعاد اللجنة العلني عن عدسات الصحافة وضجيج إصدار البيانات بشجبها وإدانتها واستنكارها، حتى تبقى يدها طليقة في دنيا الصراع.


في أرقام سوداني الكثير من الأحاديث عن أسرى الحرب والصراع، ففي عام 2003 سرقت حرية 460 ألف بفعل الحرب المشتعلة في قريتنا الكونية.

تصل إلينا حالات عن معاناة نقاط ساخنة من العالم وتأسرنا الصور الإنسانية الناجمة عن الكراهية وغياب الحوار، فتختلط شؤون العراق وأرتيريا وأثيوبيا وفلسطين ولبنان وكمبوديا أمريكا العادية واللاتينية.

نصغي قليلاً إلى أرقام إضافية من طائفة أن 41 دولة وقعت على اتفاقية تطهير الألغام الأرضية ، ومع هذا دفع 130 ألف إنسان حياتهم ثمن لأدوات القتل الرخيصة هذه.

نصل لتساؤلات ربما كان الأجدر توجيهها لغيرنا عن إمكانية الحديث عن القواعد الإنسانية والحياة والسلام و الأمن الاجتماعي والصحي ولم شمل العائلات والمشردين واللاجئين والضحايا، فقوائمنا لا تخلو من كل هذا، نستذكر هنا فقط خال الحاجة مرزوقة الزريعي المواطنة الغزية التي أفقدها رصاص الاحتلال الوقح حياة أربعة من أولادها الخمسة.

تتحدث عن إضراب الأسرى وحرمانهم من الزيارة والإبعاد وهدم المنازل وجدار الفصل العنصري، ونسمع أن اللجنة لا تتعامل إلا مع الحياد، ولا نفهم أن هذا الحياد لا يتعرض واتخاذ موقف من العدوان والقتل الذي يصدره الاحتلال.

في أعماق جنيف العتيقة وقبل يوم من رحيلنا عن المدينة، ندنو من حدود فرنسا، فنخال في البداية أن هناك أسلاكاً شائكة، وشرطة وحرساً للحدود، فتخبرنا نادية شبيب أن الحقيقة مختلفة، فزوجها الدكتور خالد يطلب من بعض الجنود الذين يتوفرون في المواسم عبر نقاط عشوائية للتفتيش إدخال صديقه للعشاء في الأراضي الفرنسية من دون أن يكون في حوزته تأشيرة" الشينكيل"، وفي الغالب فإنهم لا يردون إليه طلبه، فالتبريرات الأمنية غالباً ما تختفي.
تقول نادية التي رأت النور قبل النكبة في يافا، إنها عاشت حالات لجوء حديدة، تنقلت فيها من بلدها فغزة فعمان والقاهرة وبغداد وتونس وبون وباريس وجنيف.

ودفع الحنين إلى الوطن بنادية لتشكيل جمعية تقدم المساعدة للأسر الفلسطينية المسحوقة، وإعادة بناء المنازل الفلسطينية التي يدمرها الاحتلال في الأراضي الفلسطينية .

نسترد ونحن ندخل بعض أزقة جنيف القديمة، ذكرياتنا مع القدس التي حرمنا من دخولها، فهنا دهاليز قديمة وأزقة وممرات ضيقة ورائحة للمكان من دون أن نجد ذكراً للسلاح والهراوات وحرّاس الحدود والشرطة .

نتمنى أن نعيش بحرية ونتجول ونلهو ونتحدث في قلب القدس القديمة، كما يفعل السويسريون الذين يحيون عيد الحادي عشر من ديسمبير، حيث التسلق والموكب الكبير الذي يصاحبه اللباس التقليدي لأزياء القرن السابع عشر في لمدينة العتيقة، إذ يحتفل السكان بذكرى المعركة التي وقعت العام 1602، وأشتبك فيها أهالي السافوا في الإقليم المجاورة مع سكان جنيفا.

تعيد لنا الفرنسية مليادا جوسية السائحة القادمة بسيارتها إلى جنيف حكاية صرح المدينة التاريخي، ووفق نشرة تصدرها إدارة الترويج السياحي في سويسرا ، فإنه ومنذ حوالي اثنتي عشر ألف سنة إلى الوراء، كشفت التقنيات الأثرية على جنيف أن المدينة مأهولة بالناس، وفي العصور الوسطى كانت تابعة للإمبراطورية ويديرها أسقف، ولاحقاً ضمت بالتدريج لأملاك أمراء السافوا، حتى اتسعت من البحر الأبيض المتوسط إلى حدود بيرن وبرغونيا إلى الفاليه.

وعندما أطل القرن السادس عشر برأسه حمل معه كارثة لجنيف عندما فرضت نظريات لوثر الإصلاحية نفسها وهيمنت على المدينة، وفي العام 1536 ولدت الجمهورية، وأستدعي كالفان إلى جنيف لتأسيس صرح روما البروتستانت فيها.

وعام 1815 أصبحت جنيف ولاية سويسرية، ومنحتها بحيرتها ونهر الرون المار فيها المزيد من الشهر.
" راح رشيد حميد، الفلسطيني الذي هُجّر من بلدة عين الزيتونة القريبة في الجليل العام 1948، وأنفق من عمره 12 سنة في أكثر بقعة حيادية في الكون يقول: هنا للكانتونات دلالات إيجابية إذ تتشكل سويسرا من اتحاد 26 كنتوناً معاً، وتنتشر فيها أربع لغات رسمية هي الفرنسية والإيطالية والألمانية والرومنيش القديمة.

في حديث رشيد حنيناً إلى عين الزيتونة التي لم يرها، وذات أرسل ابنته لتنقل بعينها وعدستها الإلكترونية مشاهد مسقط الرأس الضائع.

داخل مطعم الأمير وسط شارع فولتيير، راحت ألسنة الروائح الشرقية تتصاعد لتشكيل أطباق الشاورما والفلافل، وتختلط أصوات فرنسية وألمانية وعربية تطلب وجبات سريعة أو تعيد الحياة لطلبات أخرى.

هنا تستمع الفلسطينية نسمة شبيب في التعامل مع أطباق تذكرها بوطنها البعيد عن العين و القريب من القلب. تعلمت نسمة الغناء وصارت تني لفلسطين، وتعمل أيضاً في تسويق أزهار جورية تصنع من الخشب في فرنسا وتوزع في أنحاء سويسرا الخضراء، وأيضاً في مطعم للوجبات الفرنسية.

نتحدث مها عن الغربة والدراسة، وتتحدث عن "الجندر" السويسري، والعلاقة بين الجيل الجديد من الشباب ومؤسساتهم الأسرية، في وقت صار المال يتنافس على كل تفاصيل الحياة وفقما تقول.
ترتبط رنا سوداني بصداقة قوية مع الأسيرة سها بشارة التي أحتجزها جيش جنوب لبنان الذي والى الاحتلال الإسرائيلي، وسقط عمها بنيران القصف الإسرائيلي، وأعتقل شقيقها.

تقول قدمت سها إلى فرنسا بعد الإفراج عنها للدراسة، وأعجبت بشاب سويسري تضامن كثيراً مع الشعب الفلسطيني وتصدى بجسده لأدوات التدمير الإسرائيلية التي انقضت على المنازل الفلسطينية، وتزوجا.


انتشرت في محيط جنيف أو كما يسميها أصحابها" أصغر عاصمة أوروبية" أحاديث عن عيد الإيسبلانود، المحطة الذي حدثت فيها معركة فرنسية – سويسرية قبل حفنة من عشرات السنوات، إذ يعيد السكان للأذهان حكاية المرأة السويسرية التي راحت تطهو الطعام في وعاء كبير، وتلقي به على وجوه الغزاة الفرنسيين وتطعم الشق الآخر لجنود بلدها.

صار السويسريون يكرّمون أميرة الطنجرة هذه، فيشرعون في ديسيمبر من كل عام في صناعة مجسمات من الشوكلاتة الفاخرة على هيئة طنجرة.

ويحيي آخرون هذه المناسبة بطهو شوكلاتة ساخنة وبيعها في قرى مصنوعة من الخشب وخيام أيضاً.

تروي نادية شبيب: نستغل في أعوام كثيرة هذه المناسبة للترويج لأطباقنا الفلسطينية، ونسوق بعضاً منها، ونعيد مدخولاته لأسر فلسطينية محتاجة.

للشاب التونسي علي قصة أخرى، فهو الذي قدم لسويسرا لأغراض الدراسة والعمل، إذ بدأت علاقته مع "مين ديت أنترناسونال"، أو بيت الضيافة للبعثات الرسمية والمنظمات غير الحكومية الذي تدعمه الحكومة كمتطوع.

صار علي يعرف الكثير عن هذا المكان الساكن في أحشاء الغابة، فكل غرفة فيه تقدم للنزلاء وجبة إفطار ومواصلات بأسعار رخيصة جداً مقارنة ببورصة جنيف المرتفعة ، وتحمل أيضاً أسم مدينة من العالم، فقرطاج التونسية تجاور سانت ياغوا، ومدن يوليفيا تصادق أذربيجان.

قريباً من محطة القطارات المركزية القريبة من الحدود مع فرنسا، تخصص مسارب من الأرصفة لراكبي الدراجات الهوائية التي تزدهر موضة تأجيرها، فيما جنبات الطريق محتلة بحشاش الخرشوف ونباتات ورق اللسان التي نستخدمها نحن في أطباقنا.

نلتقي بالأسترالية ماري دي كونت مجدداً، وتنقل لنا مقاطع من الحياة في بلدها الحارة- الباردة، ننفل لها أسرار تنوعنا المناخي، قلدينا أخفض بقعة في العالم، وعندنا رواب عالية وأنهار وبحر وصحار وبحيرات وهضاب ووديان وسهول واحتلال إضافي.

تستغرب دي كونت كثيراً من الحياة الفلسطينية تحت الاحتلال مثلما يصعب عليها تصديق حقيقة أن بعض الأسر الفلسطينية لها من الأبناء والبنات العدد نقسه الذي يتشكل منه مجلس الأمن الدولي بأعضائه الدائمين و الدوريين.

في داخل مقر الأمم المتحدة لا يلتفت دبلوماسيو الأرض للطاووس الذي يصول ويجول في فراغاتها، أو البط المنتشر حول بحيرتها، فالاعتيادية أفقدت الطائر وسامته، لكننا لم ننس الأرض الذي وضعه صاحب المكان قبل إنشاء مقر المنظمة الدولية بالإبقاء على حرية الطائر الوحيد بين مخلوقات الله الذي تزداد جمالية ذكورة عن إناثه.

كأنهم هنا يشتاقون للرمال، إذ اختاروا الألوان الصفراء كخطوط إرشادية للسابلة، تجانبها آثار أقدام صفراء أيضاً، كتلك التي تظهر في كثبان الصحاري التي تبتعد عن أوروبا.

في محطة كورفان، الخطوة الأولى باتجاه جبال الألب، يمكننا التقاط المزيد من الصور المختلفة، فالعصافير المنتشرة في بلدنا والتي تفر من البشر بسرعة البرق، يطعمها هنا ريتشارد وسواه بيده، وكأنها وقعت اتفاق سلام دائم لم يشهد خروقات أو اتفاقات تفسيرية وملاحق إضافية
.
راحت خطواتنا تدنو من قمة جبال الألب في اليوم الذي شهد ولادة الانتفاضة الفلسطينية الأولى العام 1978، الثلج هنا مختلف ودلالاته البيضاء تفوق المواسم النادرة في وطننا العَطِش ، في السماء فوق الغيوم وقريبا من الشمس شاهدنا على ارتفاع 2500 أضواء الطائرات، وانحزنا إلى الترتيبات الخاصة التي صممها السويسريون الذين صنعوا سكة حديد خاصة للصعود إلى القمة.
داخل المطعم حيث تعمل نادلة سمراء وسط بقاع بيضاء، تحدثنا عن الانتفاضة الأولى واتفاقية جنيف غير الرسمية وموقفها من اللاجئين،و ارتشفنا مشروب ساخن يعادل ثمن كوبه الواحد دخل أسرة فلسطينية حيث يعيش أكثر من نصف الفلسطينيين وفق أحدث تقرير للبنك الدولي في عالم الفقر.

ننفق جزءا من النهار، ونعود للوزان وبيلفيوا وماندروا لنتذكر أن هذه الحرية ستتبخر عند عتبات أول حاجز إسرائيلي، وهو ما حصل مع نصف أعضاء وفدنا القادمين من غزة، إذ لا زالوا ينتظرون فتح معبر رفح.








لقطة موسيقية:
غناء سوري للسلام
في الأمم المتحدة
في خريف منهاتن، راحت أصوات موسيقية سورية تتصاعد وهي تغني للسلام في قاعة الأمم المتحدة. شرع بشار موسى وأيهم لباني وإياد الريماوي و حازم العاني وخلدون كوسا وخالد وظائفي بإيقاع جماعي لفرقة تحمل اسم" فرصة سعيدة"، تحمل هموم السلام وتغنى له.
شدت الفرقة أغان من التراث السوري والفلكلور المصري والجزائري والعراقي والخليجي والفلسطيني، وتفاعل الجمهور مع مقطوعات موسيقية امتدت لثلاث ساعات.

وبالصدفة كانت القاعة التي شهدت الحفل ي ذاتها التي عرض فيها شيء عن فلسطين لمناسبة يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني، وبالصدفة ذاتها كنا نتلقى نحن تدريبا في القاعة القريبة، ونكتب عن فلسطين ونيويورك وفعاليات الجمعية العامة.

" عالمايا عالمايا، عطشان سقيني مايا” بهذه اللوحة التراثية عبر السوريون عن حبهم للسلام أثناء مداولات مجلس الأمن الدولي للقرار 1559، الذي يأمر سوريا بالخروج من لبنان، وهو المكان الذي لا يبعد بضع عشرات من الأمتار عنهم.

وبدأ أعضاء الفرقة منذ فترة بالتجوال على الولايات الأمريكية بحثاً عن آذان تصغي للحن السلام بحسب تعبير أعضاء الفرقة.

قدم د عصام البدري رئيس النادي العربي بالأمم المتحدة تعريفاً بالفرقة، وذّكر العالم والحضور بأن السلام هو ما ينشده العرب.

وأعاد المندوب السوري الدائم في الجمعية العامة، فيصل مقداد في كلمة الحياة للعامين 96و 97، عندما كانت الجمعية العامة تناقش مشروع قرار حول ثقافة السلام، أدنا أن بلادنا تسعى للسلام العادل والشامل.

" وين ع رام الله” لحن تراثي فلسطيني أخرج الحضور عن صمتهم ودفعهم للتفاعل والخروج من المقاعد، ووفق الأميرة العراقية نسرين بنت محمد الهاشمي التي ترأس الأكاديمية الملكية الدولية للسلام فإن السلام ليس له ثقافة، وإن الثقافة هي التي تخدم السلام، وهذا ما يميز السلام الحقيقي عن التطبيع.






لقطة فرنسية:
يوم في حياة
مارسيال رونويرا…


قبل أن يشرق يوم منهاتن في أواخر الخريف الخجول ، تبدأ مارسيال رونويرا نهارها الذي لا يصل إلى خط النهاية بغياب الشمس.

مارسيال، المرأة الفرنسية التي تعمل منذ 12 سنة مساعدة لمدير برنامج حقوق الإنسان وتصفية الاستعمار والإعلام المنبثق عن منظمة الأمم المتحدة في مقرها الرئيس بنيويورك، دائمة الابتسامة وكتلة نشاط لا يعرف اليأس كلمة المرور إلى مخزونها الهائل من النشاط والفاعلية.
تبدأ يومها بتأمين وصول ولديها سام وجان إلى حضانتيها، وترعى والدتها التي أقعدها المرض قبل أن تواصل مسيرتها، فالأم مصابة بمرض عضال لا يعترف بهدنة وأن قلت، وهي في شوق كبير لولديها.

تصل شارع رقم 44 وجواره وتدخل إلى المقر الرئيس للأمم المتحدة، تحط في الطابق رقم تسعة والقسم المشار إليه برقم 439 لتستهل نهارها برعاية أزهارها بسرعة، القليل من السماد الكيماوي ورشفات من ماء.

تتفحص الجدول اليومي لرئيسها في العمل د. سليم فحماوي، فالتأكد من المواعيد الواجب الالتزام بها، ثم فحص البريد الإلكتروني،و توزيع برامج الدائرة على الأقسام المختلفة، فمتابعة النشرة اليومية لنشاطات الأمين لعام والجمعية العامة، يليه مواكبة كل ما يتصل بجديد برنامج تدريب الصحافيين الفلسطينيين الذي عاش العام الماضي لنسخه التاسعة، لتمضي في حديد الزيارات الواجب عليها أن ترافق أعضاء الوفد، ومتابعة الأمور الإدارية، واستمرار التنسيق للصحافيين الغائبين يوسف عطوة وألفت الحداد اللذين تأخرا عن البرنامج لأمور ذات صلة بحصار غزة ومعبر رفح وتأشيرة الدخول للولايات المتحدة،ثم تأمين أجهزة الحاسوب وتهيئتها كي يمارس عبرها الصحافيون الفلسطينيون عملهم، والتنسيق للبرامج القادمة والاعتيادية للقسم مع رفاقها الياباني هيرو ياكيو والبنغالي حسن والأمريكية إليزابيث والصينية أيضاً.

في مشهد دائم التكرار من التاسعة وحتى الخامسة والنصف والسادسة أحياناً، تعمل مارسيال على عدة محاور: تمسك سماعة الهاتف، أصابعها تداعب لوحة المفاتيح للحاسوب، تقرأ عيناها الوارد من بريد إلكتروني وتقليدي، تخطط في عقلها لفعل المزيد، تستخدم أحياناً عيناها في لبرد على بعض استفسار الصحافيين الفلسطينيين المتدربين، تدون في أوراقها ملاحظات قادمة، توزع البرنامج اليومي للتدريب، ترشد البعض على عناوين القاعات والأمكنة في أروقة الأمم المتحدة وفي فراغات منهاتن القريبة والبعيدة، تجمع وثائق السفر وتذاكر الطائرة تمهيداً لتأشيرة أخرى لدخول سويسرا الأرض المحايدة والمجاورة لبلدها فرنسا.

تتقن مارسيال الإنجليزية و تعلمت من زوجها اللغة الهندية إضافة للغتها الأم، وتحاول نحن تعليمها القليل من المفردات العربية ذات الأهمية بالنسبة لها، وتعرف الفنان اللبناني القريب من اسمها مارسيل خليفة وأغانيه ذائعة الصيت.

تطلق بشكل دائم ابتسامة مرتفعة ويطوق مرحها جو المكتب الذي تقضي فيه أكثر مما تسكن في منزلها أو تشاهد أطفالها.

تقول: أرفض التنازل عن أي يوم عطلة أسبوعية، لأنني أخصصه لطفلي ولزوجي ووالدتي ومهما يحاول رفاقي دعوتي لمناسبات واحتفالات فإنني أرد عليهم بالاعتذار بسرعة فلدي خططي الخاصة، أتنزه وأبائي وأقضي نهاري كله في إسعادهم وتعويضهم عن النقص طوال أيام عملي وغيابي عنهم.

ورونويرا التي لم تتخطى عتبة سن الأربعين بعد، قدمت ذات يوم لنيويورك في رحلة البحث عن عمل، تنحاز لفرنسيتها وتبدي تضامنا كبيراً مع الشعب الفلسطيني.

في تشرين الثاني الماضي استقطعت أجزاء من وقتها الثمين لصالح مواكبة جديد الأنباء المتصلة بصحة الرئيس الراحل ياسر عرفات.

فتارة تبحر في فضاءات صحيفة الييموند الفرنسية عبر الإنترنت، وأخرى في موقع وكالة الصحافة الفرنسية، وترحل قليلاً ففي نظراتها إلى الشاة الصغيرة لمعرفة الأخبار الساخنة الواردة من "السي، إن ، إن" و"فوكس" غير البرئية و"إن، بي، سي" وغيرها، وتتصل بجيش المراسلين المنتدبين من وكالات عالمية المتواجدين في مبنى المنظمة الدولية.

تبخرت أحلامها و تلاشت ضحكتها في الحادي عشر من نوفمير، حينما قرأت الأخبار القادمة من المشفى العسكري الفرنسي عن وفاة الرئيس عرفات .

في أعماق مكتبها الذي يشرف على الساحة الرئيسة لمبنى الأمم المتحدة ، حيث سارية العلم الأممي، يمكن للزائرين الموسميين كحالنا نحن من مشاهدة إشارات لفلسطين وانحياز لها، فلا زالت تحتفظ بشارة الخطوط الجوية الفلسطينية التي قدمها لها زملاء من فلسطين التي تتمنى زيارتها، وتعلق أيضاً بطاقات بريدية للوحة للفنانة الفلسطينية منال أبو حميد وكأنها تحاول بطائرتها الورقية ذات الألوان الفاتحة التحليق في عالم نيويورك.

يقول رئيسها في العمل د. سليم فحماوي: لا يمكن أن ترفض مارسيال أي طلب يصلها، مهما كان صعباً، وتقابله بابتسامة، وتحاول ما بوسعها تحقيقه.

تروي :في محطات كثيرة أتناول طعام الإفطار وأنا أعد ورقة عمل أو أرد على مراسلة ما، فلا أمتلك وقتاً لتخصيصه للغداء في المطعم ، رغم استراحة رسمية تتيح للموظفين هنا من النزول للكافتيريا، واختيار وجباتهم المفضلة.

تضيف: من يعمل في مكان ما فعليه أن يفكر في واجباته قبل حقوقه.

ننحاز لشخصية مارسيل الفرنسية السمراء المرحة دائماً وسريعة الحركة والتي تدمج بين تنفيذ أكثر من عمل في وقت واحد، فنطلق عليها لقب " دينمو ناعم" ترد علينا بطلقات من الضحك، وتتمنى أن نشاهد بعضنا في وطنها الفرنسي الذي تحبه.

نقول لها: ليت شارل ديغول على قيد الحياة وليته هو الذي يحتل وطننا لأنه أعترف بخطيئة الاستعمار الذي صنعه أجداده في بلاد ليست لهم.

تتبنى أمنيتنا، ونذكرها بقبعة القائد الفرنسي ديغول، وما نعرفه من ألفاظ فرنسية محدودة، ونسرق قليلاً من وقتها للحديث عن حال النساء في عالمنا العربي، وكيف تدفع النساء الفلسطينيات الثمن الباهظ للاحتلال فالدموع لا تكف عن مطاردتهن بفعل الرصاص الذي يطارد فلذات أكبادهن، ونقر بأن هناك احتلال آخر لنصفنا الآخر من جانب ممارسات ذاتية عرجاء.
تعجب بوجود صحيفة تحمل اسم "صوت النساء"، ومجلة تعنى بشؤون العاملات وبرامج إذاعية متخصصة لحواء.

نودع مارسيال في يوم رحيلنا عن نيويورك، ونتذكر أن مجهوداتها وتفانيها وإصرارها تركت فينا آثراً كبيراً، وفتحت الباب على مصراعيه لعقد سلسلة مقارنات وتحليلات لا تخلو من "جلد" إيجابي للذات.


لقطة "أمرفلسطينية":
سياحة بنكهة مغايرة في جامعة كولومبيا

فشلنا في الثالث من تشرين الثاني يوم الانتخابات الأمريكية، في إكمال مسعانا بمقابلة أكاديميين من كلية الصحافة في جامعة كولومبيا، الواقعة في نيويورك غير المكتظة. وأفلحنا في سياحة من نوع مختلف في أحشاء المكان الذي ودع المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد وأستاذ الأدب المقارن فيه.

كل شيء كان هادئاً، وينتظر عاصفة ماطرة كالتي اعتادت هذه المدينة على استقبالها، الأشجار بدورها نزعت فستانها الورقي، وراحت تنتظر نسخة خضراء جديدة.

الطلبة دارسي الإعلام، شرعوا بوجبة تدريبية مغايرة للذي كنا نتلقاه في مقاعدنا المكتظة، ودروسنا الجافة، ما سرق أبصارنا أن الطلبة انهمكوا في تصوير فيلم للتنافس على جائزة ذات شأن في هذه الجامعة التي ابتدعت أيضاً جائزة للصحافة العالمية.

جادت دليلنا السمراء بالشرح عن تاريخ الجامعة وعدد طلابها وشروط القبول فيها وتخصصاتها من قانون وصحافة وطب وأدب. واتجهت أسئلتنا الشرقية التي أسرها المكان الخلاب للحديث عن تفاصيل صغيرة حول المكان وفرص قبولنا فيه، ولم نتازل عن التاريخ ومراحل تطور الجامعة وأشياء من هذا القبيل.

ندخل لقلب كنيسة قديمة تبدو من الخارج كلوحة فنية، ونتعرف أن من على مقاعدها الخشبية تجرى مناظرات طلابية ونقاشات ساخنة لا يتخللها الصراخ بالطبع.

ونحاول اللهو قليلاً بمجسم ضخم وتحفة فنية لا تخلو من أسرار ولمسات جمال.
فوق الجسر الذي يربط شطري الجامعة ببعضهما، تذكرنا مرافقتنا السمراء، بالراحل إدوارد سعيد الذي كان أول فلسطيني يدرس في الجامعة.

نتوغل في أحشاء"كولمبيا"، ونستمع لشروحات إضافية، نشاهد المكتبة العملاقة، وتستوقفنا الحملات الإعلامية التي يصنعها الطلبة، ففي الساحة الرئيسة حيث زينت الأشجار بأضواء تمهيداً لاحتفالات عيدي الشكر والميلاد.

تسعى ريتا وجون في تحفيز الطلبة على شراء أطعمة وكتب لدعم مرضى نقص المناعة المكتسبة" الإيدز".

ينهمك آخرون في البحث عن معلومات عن جديد الجامعة، عبر الحاسوب العام في كافتريا الطلبة.
أيضاً يوفر الحاسوب فرصة متكافئة للطلبة، كي يتفحصوا الصادر والوارد عبر بريدهم الإلكتروني، ويتعرفوا على جديد الجامعة.

"فقط تستطيع أن تعمل لخمسة دقائق، وإذا وجدت المكان مشغولاً، أنتظر على الأريكة" على هذا النحو تخبرك عبارة مكتوبة بالأسود بالتعليمات.

نتوجه لمرافقتنا الأمريكية اليزابيث، التي تبدي قسطاً من التعاطف مع قضيتنا، إذ تزين مكتبها في المقر الرئيس للأمم المتحدة أعلام فلسطينية وملصقات ذات مضامين مختلفة، فتقول: هنا في هذه الجامعة بوسع الطلاب الاختيار بين الدراسة واللهو والحب وإضاعة المال والوقت..

في مدخل كلية الصحافية، ننتظر لبرهة، قبل أن نتعرف على تاريخ نشأة الجامعة ومبادئها وسعيها وراء الحقيقة، نلتقط العبارات ونوثق المشهد بصور رقمية، فربما نستفيد منها.

يقدمون لنا نسخاًُ من صحيفة الكلية اليومية، التي تعنى بشؤون طلابية ومحلية، ونعرف أن الطلبة أنفسهم هم الذين يحررون الجريدة ويجمعون موضوعاتها، ويتدربون على مهنة البحث عن المتاعب، كما نسميها نحن.

من جديد، يشرع محدثونا بالحديث عن جائزة الصحافة التي تمنحها الجامعة، في مجال التحقيق، يوجهون لنا دورة للانضمام لبرامجها، ونعرف أيضاً أن العمل الفائز الأخير كان لصحفية من "لوس أنجلوس تايمز" واكبت قضية ضياع طفل وتشرده بعد انفصال والديه.

تتبعت الصحافية الطفل في غير بلد، وواكبت مراحل تحوله لصبي عصابات، وتعرضه لمخاطر.
نتمنى أن تخرج صحافتنا عن اعتياديتها، ونعود أدراجنا…

تكررت التجربة، ولكن هذه المرة لمحاورة د. رشيد الخالدي، الفلسطيني و المتخصص في التاريخ.
يعيد لنا د. الخالدي حكاية طفولته في القدس ويتحدث لنا عن الجالية العربية في الولايات المتحدة، وصراع الحضارات، والأمة الأمريكية، والحرب على العراق.

نسأله ويرد علينا، ونخلط كعادتنا الرغبة بالواقع، ونعرف إلى بدايات الوجود اليهودي في الولايات المتحدة، ومراحل تطورها.

ولا نزال نتذكر كيف يبتعد أبناء الجالية العربية عن المهن الإنسانية المؤثرة كالفن والصحافة والقانون والتاريخ، ويكتفون بمهن الطب والهندسة.

نتحدث في نيويورك عن الانتخابات الرئاسية خاصتنا، وكيف تجري للمرة الثانية في ظل الاحتلال وغياب الحرية.

قبل أن نغادر الجامعة، نفتش عن مراجع صحافية من مكتبة فرعية، تحاول تقديم اغراءات للباحثين من خلال تخفيضات هائلة على أسعار الكتب المستخدمة.

نغادر الجامعة، وكأننا نجري مقارنة بينها وبين جامعات وطننا المضطهد التي علمتنا صحافة جافة….
لقطة أممية:

"برلمان العالم" بعيون منزوعة الحرية....

قادتنا خطواتنا إلى الأمم المتحدة، يعد ساعات من وصولنا لنيويورك، لم نعرف ونحن في فندق "الواي أم سي إي"، في شارع 45 أننا في جوار المنظمة الدولية التي بدأت علاقتنا بها منذ نكبتنا..

هنا بدأ كل واحد منا يستذكر الصورة التي تستقر في مخيلته الطفولية عن الأمم المتحدة، وبالطبع فإن الغلبة كانت لمشهد الشاحنات الزرقاء التي توزع الدقيق والأرز والحليب والصويا على اللاجئين أو تسعى لتوفير الملابس لهم، في "بقج" مختلفة المقاسات والألوان ومستهلكة، جادت بها شعوب من الأرض.

شرعنا في الاقتراب لمبنى المنظمة الدولية التي أسرفنا في مشاهدته عبر الشاشة الصغيرة، وعلى صفحات الجرائد، وليد اللوح القادم من غزة مثلاً تخيل أن يكون المكان الذي نشد الرحال إليه، أكثر ارتفاعا عما كان يشاهده في التلفاز، وآخرون تصورا أن يكون الدخول إليه أكثر سهولة، وأخريات كانت توقعاتهن بأن تكون المنظمة الدولية أكثر تعقيداً.

تملكنا الذهول مثلاً، ونحن نشاهد أن في هذا المنى الضخم، بطبقاته الـ39، وزجاجه وهيئته المستطيله، أسواقاً لبيع الملابس والكتب والمجلات، وسلسلة كبيرة من المطاعم الفخمة بمئات النكهات.

تزامنت لحظة وصولنا لمنهاتن يوم الرابع والعشرين من تشرين الأول، مع الذكرى التاسعة والخمسين لتأسيس المنظمة الدولية.

نحاول العودة للوراء، ونسأل مرافقتنا الفرنسية عن إجراءات الدخول والخروج من هذا المبنى الضخم.
ونحن في المكتب المتخصص بمنح بطاقات الدخول للمقر، نتذكر أن 51 دولة أقرت العام 1945 في مدينة سان فرانسيسكو أطلقت منظمة تعنى بصون السلام في العالم على ركيزة التعاون الدولي والأمن الاجتماعي.

في المكتب الصحافي هذا، راحت جنسيات الأرض تمتزج معاً وكفلسطينيين قدموا كلهم لأول مرة إلى هنا، كان بوسعنا تحديد هوية رفاقنا في المهنة من خلال لون البشرة وملامح الوجه ومرادفاتها .

تنازعت عدة لوحات قادمة من أفريقيا السمراء على احتلال الواجهات، وكل العبارات الموسومة فوقه تروج لثقافة الأمن والوحدة والرخاء ومحاربة الفقر والمرض والتمييز يين الرجال والنساء.
كعادتنا، لم نجد بعد ممارسة الصمت. في طابور الانتظار، رحنا نحاور من يسبقنا و يتأخر عنا عن جنسيته، و نقدم لهم القليل مما نسمع أو نعرف عن أوطانهم الحرة والكبيرة.
تعرفنا في غضون دقيقة على ست جنسيات لم تكن لتتوفر لنا في أمكنة أخرى، وشاهدنا كوتو القادم من غينا الجديدة، و ساعدتنا اللفة التي تعتمر رأس أتال أنه قادم من شبه القارة الهندية. وتحدثنا في أخبار أولى بلغة إنجليزية مع جنسيات "فرانكوفونية" وألمانية .
في هذا المكان أيضاً، تعرفنا إلى السكرتير الثاني في البعثة المصرية للجمعية العامة، محمد أبو زيد.

تحدثنا معه على عجالة عن شؤون بلدنا، وفحصنا إمكانية مساعدة رفاقنا القادمين من غزة، على اجتياز الأراضي المصرية دون" ترحيل".

ننجز مهمتنا بسرعة، ونستلم بطاقات خضراء، ستسمح لنا بدخول المنظمة الدولية، ليس بصفة زائر، ما يعني المزيد من التسهيلات.

نعلق: حتى هنا توجد حواجز، ومعابر، وفحص أمني، وخلع للمعاطف، وذكرتنا لاحقاً صور الفنان الفلسطيني شريف واكد في معرض يوم التضامن مع قضيتنا بسياسة"الكشف عن الصدور والبطون" كشرط لعبور للحواجز الإسرائيلية.

في المرة الأولى، دهشنا من المجسم الضخم لصورة المسدس المحكوم عليه بالإعدام الذي يرقد في مدخل الزوار، وتمنينا أن يكون حال أدوات القتل في بلدنا مماثلاً.

بعدها صرنا نألف المكان شيئاً فشيئاً، وراحت علامات الاندهاش تتطاير بالتدريج.

في الجولة الميدانية التي نستكشف فيها المنظمة من الداخل نتعرف إلى الأجزاء الستة التي تشكل المنظمة الدولية، وخمس منها هنا في نيويورك.

ندخل الجمعية العامة، ومجلس الأمن الدولي، والسكرتاريا، ونتعرف إلى المجلس الاقتصادي والاجتماعي، ومجلس الوصاية. ولا نمنح فرصة دخول الهيئة السادسة في لاهاي بالأرض الهولندية المنخفضة، وهي محكمة العدل الدولية التي صارت ترافق مناقشاتنا عبر الرأي الاستشاري الذي أصدرته لصالح عدالة قضيتنا في قضية سور الفصل العنصري الذي أقامته إسرائيل فوق أراضينا المحتلة.

يوما بعد يوم، صرنا على شرف البرنامج التدريبي للصحافيين الفلسطينيين، نجيد حفظ الأهداف الأربعة التي قامتها على أساسها المنظمة الدولية، "فالحفاظ على السلم والأمن الدوليين"، صيغة لا تنسى لأننا نفتقدها منذ دهر، و" تطوير علاقات الصداقة بين الدول"مسألة نحتاج إليها و تحتاجها قضيتنا، وكذا" تحقيق التعاون الدولي عبر حل المشكلات العالمية "، ولن يكون باستطاعتنا نسيان" التشجيع على احترام حقوق الإنسان" الغائبة عنا.

نتبادل أطراف الحديث، مع دليلنا الهندي، ونتوقف في قاعة الضيوف داخل مجلس الأمن الدولي، لنتحدث عن الحال الذي نعيشه في الأراضي المحتلة، ونتمنى أن لا تجابه مطالبنا بـ"فيتو" من أحد.
نختبر ذاكرتنا في التعرف للأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن، وعددهم عشرة.

نوفق في التعرف لثمان دول: نبدأ من الجارة الجزائر فحكايتها مع الشهداء لا تنسى، فالبرازيل ذات القهوة والرقص وكرة القدم، والفلبين التي ترتبط بأدمغتنا وفضيحة رئيسه الأسبق فردناند ماركوس، ورومانيا التي قدمت لنا نموذجا في الإطاحة برئيسها وإعدامه على الملأ، ونتوقف عند الأرجنتين والدنمارك واليونان واليابان، ولكل منهما حكايا من طراز حرب جزر " الفوكلاند"، والنسخة الثانية من الحرب الكونية واستخدام القنابل النووية لأول مرة في تاريخ البشرية ضد سكانها.

نعجز عن توفير بنين وتنزانيا، فهما على الأقل أكثر شهرة من ماكرونيزيا، الدولة الحليفة لإسرائيل.
نجادل الدليل، ونتحدث عن الخلل الذي يشير إليه كل فلسطيني، في هذا المجلس الذي يغلب عليه اللون الأزرق والسجاد الفاخر:المعايير المزدوجة وما يتفرع عنها.

ندرك أن هذه الهيئة الكبيرة، التي تقدم الدولة المضيفة لها 22 في المائة من موازنتها، ليس حكومة عالمية وإن كانت تحظى بلقب" برلمان العالم"، فهي لا تسن القوانين ولكنها تقدم إجراءات للتصدي للصراعات الدولية، ووضع سياسات حول المسائل التي تهم الإنسانية.

نمازح قلياً دليلنا، ونقول له دولة كالصين أو الهند لها الحق نفسه الذي تمتلكه جزر القمر أو ماكرونيزيا.

في ممرات المنظمة العملاقة، نكون علاقات وثيقة بحراس الأمن بدءا من الصيني الأصلع، وصاحب البشرة الصفراء الذي يحاول تعلم العربية، ومروراً بالروسية الشقراء، ووصولاً للمصري الوسيم أحمد، ونعرف رغم سحر أجنحة هدايا شعوب الأرض من سجاد وتحف ومجسمات وأدوات موسيقية، أن الأمم المتحدة تتولى 16 مهمة سلام في العالم، مع أكثر من ستين ألف عسكري و12 ألف مدني، يعرفون باسم" الخوذ" أو " القبعات الزرق" من حوالي مائة دولة، أما موازنتها فتقارب الثلاثة مليارات دولار.

من المكان، نستشف ونقرأ غير يافطة أو لوحة تعلمنا أن أكثر من ثلاثين منظمة تشكل جزءا من نظام الأمم المتحدة، وتهدف إلى إعلاء شأن حقوق الإنسان وحماية البيئة ومحاربة الأمراض ودعم التنمية والقضاء على الفقر.

في المدخل المخصص للزوار، يمكن مشاهدة صور لتسعة أمناء عامين تعاقبوا على رئاسة المنظمة، من بينهم عربي واحد هو بطرس بطرس غالي.

ويعلم من يتجول في الردهات الواسعة أن جائزة نوبل للسلام منحت ثمان مرات للمنظمة ولشخصياتها الرفيعة، تماماً مثلما نشاهد صورا تتحدث عن معاناة الشعوب بفعل الحرب والألم والمرض والفقر ومشتقاتها.

في اليوم الأخير، نلتقط صورة الوداع على مقربة من لوحة تشير على استحياء لقضيتنا، ونطير إلى جنيف...

لقطة مكلومة:
أحاديث عن النكسة في شارع "أستوريا"

ذات نهار من شتاء نيويورك، رحنا نفتش عن الشارع العربي الشهير في قلب جزيرة "كوينز"، كان بوسعنا التكهن بأن الهدف الذي نقصد هو الذي قادنا إليه السائق القادم من باكستان، والذي يعرف قليلاً من الكلمات العربية التي ألف بعضها منن عمله في هذا المكان.

بدا شارع"أستوريا" كبقعة من أرض عربية، للوهلة الأولى تسرقك عدة يافطات خطت بلغة عربية، لتخبر الزائر أنه في مكان مختلف من نيويورك الإنجليزية.

نرى في الحيز الأول مطاعم ومقاه تحمل أسماء لبنانية من طائفة الروشة، وبعلبك، وليالي لبنان.
وفي ركن ثان، نشعر وكأن القاهرة نقلت إلى هنا، فليالي الحلمية والسكرية وليالي الشرق وكوكبها، تنبئ أنك الآن في ضيافة أطباق عربية كالكوشري، والفطير المشلتت والطعمية وما يندرج في إطارها.

في مقاطع ثانية من الشارع الرئيس، ثمة يافطة تحمل نكهة فلسطينية، وتروج لكنافة نابلسية بات تذوقها في مهدها كالحلم، لأن نابلس كسجن كبير.

وعلى الناحية الأخرى، يمزج التونسيون والمغاربة والأتراك والسوريون بين نكهات بلادهم البعيدة، والمهجر الذي فتح لهم ذراعيه.

ننحاز إلى مكان فلسطيني، مثلما نرتشف نكهات مصرية ولبنانية، ونستمع إلى وحيد حرارة، الشاب الفلسطيني الذي لا يعرف عن غزة، مسقط رأسه سوى الاسم، إذا أجبرته النكسة على الرحيل إلى الأردن، فالولايات المتحدة الأمريكية، حيث بدأ دراسته واغترابه وتجارته، ويشعر بأن جزءا من جسده اقتطع منه، فبعض ذكريات الطفولة لا يمكن التآمر عليها أو نسيانها.

يقول حرارة: هنا في هذه البلاد، نعيش ونعمل ،ولكن الحنين إلى وطننا لا ينتهي، ومع ذلك فبوسعنا الاختيار والتصويت والعمل، لكننا لا نبالي كثيرا بالسياسة، تماماً كعزوف طائفة من الأمريكيين الأصليين والمجنسين عن السياسة.

يجسد محمود أسعد، الفلسطيني الذي ذاقت عائلته مر النكبة والنكسة معاً، فوالده عاش في بيت محسير القريبة من القدس، قبل أن تدمر ويجبر على الرحيل عنها، وحينما أطلت النكسة برأسها كان على العائلة الرحيل ثانية إلى الأردن من البيرة، حيث لجأت.

بعد النكبة بعام، رأى أسعد النور في عمان، وأحتار العائلة الرحيل للبيرة ثانية، لكن ذلك القرار تبدل في صيف النكسة عندما أختلط الخوف بالشائعات، وهاجرت العائلة إلى عمان ثانية.
يحتفظ أسعد بالكثير عن طفولته في رام الله إذا خرج من المدرسة وبدأ يعمل نجاراً في شارع سينما الجميل.

يتذكر في كوينز، وفي قلب متجر للأثاث عشرات المقاطع التي تستعصي على مغادرة ذاكرته، وكلها تتفرع مما سمعه وقرأه عن قريته بيت محسير التي كانت تشرف على إمدادات المياه والتموين الموصلة لهداسا.

كان أسعد شاهد عيان على حرب الأيام الستة، ولا زالت يحفظ عن ظهر قلب، عشرات المشاهد عن تمركز الجيش الأردني، والقذائف و احتلال المدينة المقدسة فأجبرت العائلة على الرحيل عن البيرة يوم السادس من حزيران العام 1967.

يسرد مقتطفات من رحلة الوجع: كان عيسى الحاج محسيري سميناً، ولا يقوى على المشي، وكان يلح علينا أن نبقى في جواره، ولا نبتعد عنه وكانت ترافقنا عشرات الأسر وأطفالها، وتكفلت في مهمة توفير الحليب لهم خلال رحيلنا من بعض البدو.

في " خريطة طريق" أسعد التي لا ينساها رغم عيشه وراء المحيط الكثير من التفاصيل الصغيرة، بدءا من الرحيل عن مدينة البيرة ، مرورا بالمبيت في عين يبرود و دير جرير، فعين العوجا والديوك.
كان أسعد حينها شاباً في مقتبل العمر، وهذا حتم عليه أن يساعد الأطفال و الشيوخ على اجتياز المنحدرات الجبلية في مشارف غور الأردن، ولم تسعفه إصابة العمل في منجرته التي طالت يده في التخلص من هذه المهمة.

استمر المسير إلى أن وصلوا إلى مخيم الكرامة، وبدأت رحلة المعاناة، فلم يكن في حوزتنا سوى ملابسنا، واحتفظنا بمفاتيح بيوتنا تماماً كمال فعل أبي في عام النكبة.

يروي من نيويورك: أمضينا في مخيم الكرامة مدة أسبوع، واستأجرنا منزلاً في جبل التاج.
وفشلت محاولات العم عبد الرازق الذي كان يدير مخيم الأمعري من العودة لرام الله من جديد، فأختار أسعد الرحيل إلى الولايات المتحدة العام 1975، وأستمر الحنين يتصاعد في أحشائه بالعودة التي لم تتحقق إلا كزائر مؤقت بجواز سفر أمريكي.

زار أسعد مقر الأمم المتحدة مرتين، وفي أعماقه أمنية أن تسعى هذه المنظمة الدولية لتطبيق قرارات الشرعية الدولية التي تعيد الحق المسلوب لأصحابه، وليتمكن من مشاهده أطلال بيت والديه في بيت محسير بحرية.

تبدي الطائفة الثانية من أبنائه وأحفاده الحنين ذاته، مثلما يتذكرون كيف توفيت والدتهم ودفنت بعيداً عن ثرى بلدها وأهلها، بعد مطاردة ساخنة مع مرض عضال تخللتها أماني العودة لرام الله وبيت محسير لكنها لم تتحقق.



لقطة ثلاثية الأبعاد:
لقاء متعدد الجنسيات في مطعم مصري بواشنطن

صدحت أصوات الموسيقى الشرقية من شاشة عملاقة، راحت تحتل جدران مطعم " البرنس" المصري في "جورج تاون" أو العاصمة الأمريكية العتيقة.

في أحشاء المطعم الذي تتفاخر يافطة عربية باسمه وبألوان الطعام والشراب الذي يقدمه، كنا على موعد مع مناقشة غير رسمية على هامش البرنامج التدريبي للإعلاميين الفلسطينيين الذي ترعاه دائرة الإعلام في الأمم المتحدة.

تولى الياباني هيرو،الذي يحاول تعلم العربية، رئاسة اللقاء، فيما كانت الأمريكية إيملي ماننج، العاملة في مركز الإعلام التابع للمنظمة الدولية بواشنطن، ميسرة ودليلة لعاصمة بلدها، وشاءت الصدفة أن يشترك في اللقاء بشكل غير رسمي ضيوف قدموا من مصر.

نشرع في الحديث عن حال المرأة الفلسطينية، ونضالها واضطهادها، ونجري مقارنة بينها وبين اليابانيات والأمريكيات.

نتطرق لأحاديث عن الميراث والزواج وتعداده وتعليم المرأة و ذمتها المالية والحجاب. ويذهل هيرو أن بوسع المرأة في بلادنا الحصول على نصيب من تركة والدها.

نتعرف لحال نساء اليابان اللواتي، ينفقن جل وقتهن في العمل وبالطبع فإن ذلك يأتي على حساب اهتمامهن بأسرهن.

نعترف لليابانيين بأنهم أصحاب إرادة وتفاني وتقدم صناعي، مثلما يقدمون شهادة بأن تماسكنا الأسري هو الأقوى، ولكن بعض العادات والتقاليد الدخيلة تعكر قوة هذا التمسك، كحرمان المرأة من الميراث أو إجبارها على الزواج في سن مبكر والإجحاف بحقوقها.


نعلم هيرو وإيملي أن الفلسطينيات يناضلن إلى جانب أزواجهن وأخوتهن وأولادهن، فهناك أكثر من مائة أسيرة خل القضبان، ونتوقف قليلاً، عند وائل ونور وهما أصغر معتقلين في التاريخ الفلسطيني، إذا ولد الاثنان في ظلمة السجون القذرة.

تسرق الموسيقى العربية أذن هيرو فيشرع في التفاعل معها على طريقته، و يبدأ في تحليل مقاطع منها، ويتذكر عمله في العراق، كنائب للناطق الرسمي باسم المنظمة الأممية عشية فترات العقوبات الدولية، والعمل في إطار برنامج النفط مقابل الغذاء.

ننحاز لرواية مقاطع من ألم الأمهات الفلسطينيات، اللواتي يضعن أولادهن على الحواجز، ونتحدث عن الثكالى أو اللواتي باتت الدموع ترتبط معهن في علاقة قسرية كالزواج الكاثوليكي.

نذكر هيرو، كيف أصبح طفل فلسطيني في شهره العاشر بلا أبوين، فقد سقطا دفعة واحدة بقذيفة ثقيلة وسقطت معهما خالته.

نتخلى قليلاً عن السياسة والهموم ومشتقاتها، ونتحدث عن الأطباق العربية الشهيرة، لكن نعترف أن المرأة العربية تنفق وقتاً طويلاً من عمرها في المطبخ، بخلاف اليابانية والأمريكية التي لا تؤمن إلا بالوجبات السريعة.

في المطعم، تمتزج العبارات العربية بالإنجليزية، ويدخل باعة ورود جورية طمعاً في زبائن، مثلما نلتقط نسخاً من مجلة "النشرة" التي أسسها حكمت فريد بعيني، وتختص بأنباء الجالية وشؤونها وتروج للمؤسسات التجارية العربية المهاجرة، لكنها لا تغفل الإشارة لشؤون فلسطين و الحرب والفن وروبي ونانسي عجرم في مزج بات يتسلل إلى السواد الأعظم من شؤوننا.

و أكثر العناوين التي تطاردنا: طلاب القانون في إيطاليا يَدرُسون المافيا!

قبل أن نغادر المطعم، حيث اختلطت روائح المعسل الشرقية بالألحان الموسيقية، نكمل التتمة في القطار الداخلي لننتقل لشطر آخر من واشنطن، وتكون الوجهة هذه المرة، "المول" التجاري الذي يحمل اسم وزارة الدفاع نفسها" البنتاغون"، ندخل المؤسسة التجارية خماسية الشكل، وتتدخل السياسة ثانية، ففي مدخل صالون يعني بالترويج للصرعات الجديدة، يحاول شاب بيعنا ما في جعبته من وسائل مبتكرة لتصفيف الشعر، لكنه سرعان ما يقول إنه من فلسطين، وعندما نسأله عن مدينته يقول : أنا من تل أبيب!

نبتعد عن الجدل، لنشاهد متحفاً لبيع اللوحات الفنية، نقف بجانب لوحة تقول ن ثمنها 42 ألف دولار بعد موجة التخفيضات، نعرف قبل الفرار أن ثرياً من أبناء جلدتنا تبرع لجمعية فنية بشراء مجموعة لوحات من هذا الجناح!
لقطة مهجرية:
فلسطينيو "جرينزبورو" حكاية بمذاق آخر

لا زالت ذاكرة عيسى أبو زعيتير، تختزن التفاصيل الصغيرة لقصة هجرة صاحبها إلى الولايات المتحدة الأمريكية. فذات صيف من العام 1972، قدم لغزة د. فوريت، الذي كان يعمل في إتحاد الكنائس العالمي، في تأليف كتاب يتحدث عن فلسطين، حمل اسم"البلاد غير المقدسة". وكان نصيب عيسى الشاب ابن الثانية عشرة، أن ورد ذكره في الصفحة الثالثة من الكتاب، أنه أشقر الشعر. ولاجئ و نموذج للشباب الفلسطيني، جسده يشبه لاعبي كرة القدم الأمريكية.

أرسل فوريت برسالة لإتحاد الكنائس العالمي، وكان الأخير تعرف للمحامي بالتو مارين لان، الذي انطوى في إطار الدعاية الصهيونية، وعاش في القرى التعاونية اليهودية" الكيبوتس"، وصار بالتدريج يسأل نفسه عن حال الفلسطينيين اللاجئين، وصورة محتليهم.

بعد فترة، قرأ مسؤولون في الإتحاد قصة الشاب عيسى، وأرسلوا له برسالة تؤهله للوصول إلى الولايات المتحدة، ليبدأ حياته الأكاديمية كما كان يحلم.

لكن والده أصر على إخفاء الرسالة، حرصاً عليه، و كي يظل بجانبه، فالغربة لها استحقاقاتها.
بدأت رحلة أبو زعيتير من معسكر جباليا للولايات المتحدة يوم الجمعة في الخامس والعشرين من أيار 1972، وصل لمطار جون كنيدي في نيويورك، واستقبله مسؤول رفيع في الصليب الأحمر، واسمه بالتي مور، وبدأ يبحث عن العجوز إيمت وايت، الذي تعهد بمساعدته بعد أن قرأ قصته، من غير أن يعرفه.


ويحفظ عن ظهر قلب أنه من قرية اسمها"عراق سويدان" جنوب فلسطين المنكوبة العام 1948.
استهل أبو زعيتير مشواره بعد أن وصل" جرينزبورو" ففي ولاية نورث كرولاينا، بالدراسة لمدة عام في إحدى المعاهد، وصار يعمل أيضاً في شركة نسيج، وتحول لاحقاً لامتهان فن ميكانيك السيارات في إحدى المعاهد.

فقد عيسى مواطنته في غزه، وتعرف لإمرأة أمريكية، وحصلت على الجنسية في العام 1981، وبعد تخرجه من الدراسة، بدأ يعمل في عدة شركات،و دخل في شراكة مع مواطن أمريكي ومع فلسطيني مغترب قدم من رام الله.

في أوراقه، الكثير من الذكريات التي لا تكاد تفارقه، إذ ظل يحتفظ بحقيبة سفره السوداء، استعدادا للرحيل إلى وطنه في أية لحظة.

وفي محطات حياته الطلابية إشارات عديدة، تتحدث كلها عن النشاطات التي عكف ورفاقه على تنظيمها دعماً لحق العودة، وكان هو و سلام كركر البجالي، وفيكتور اللداوي وحات الحسن وغيرهم، يسافرون إلى واشنطن للتظاهر مع أبناء الجالية.

يسترد زعيتير أو الذي أصبح لاحقاً، أبو يوسف، الكثير من التفاصيل حول بدايات الجاليات العربية والمسلمة، ففي بلدة كجرينزبورو، كان عدد العرب لا يتعدى أصابع اليد قبل عشرين سنة، لكنهم تضاعفوا كثيراً.

كنوع من ممارسة الحنين لوطنة البعيد، قرر أبو زعيتير تشييد منزله وفق طراز شرقي، وصار يزرع في حديقة المنزل أصناف الثمار من طراز: الملوخية، وورق العنب، والباذنجان، وراح يوزع الفائض على الجيران.

أسس أبو يوسف أو " المختار" كما يسمونه، تجارة ومطاعم ومحطات وقود وفرن بطراز شرقي، وتزوج من مواطنة أمريكية، وله ولدين يوسف الذي كاد السرطان يفتك به لولا لطف الله ومحمد الذي يعرف القليل من العربية، ويحرص على زيارة غزة بين الفينة والفينة.
في ركن آخر من المدينة، نلتقي بكمال زمامري، صديق أبو زعيتير، الذي لم يزر القدس، مدينته التي ولد فيها، منذ العام 1963، يوم كان في الخامسة من عمره ، ونشأ طفولته المبكرة في باب الزاهرة
0
ليس بعيداً عن بحيرة "مايفت" المحاطة بأشجار خلابة، أسس رياض صوافطة وثلاثة من رفاقه الفلسطينيين، شركة تعنى بعلم الجزيئات متناهية الصغر، وشرعوا في إجراء تجارب وأبحاث لأغراض طبية وعلمية مبتكرة، تستند على " النانو تكنولوجي"، الذي يجمع بين الفيزياء والكيمياء والهندسة.
أطلق صوافطة ورفاقة أسم" كواركس" وهو أصغر جزء في الطبيعة يمكن قياسه، قبل ثلاث سنوات، لتكون واحدة من ست شركات في العالم تعنى بهذا الجانب بالغ الأهمية والتعقيد.

أنتج الأربعة 28 مادة ذات خصائص مهمة تستخدم في العلاج، ومن بينها مادة تنتج لأول مرة واسمها" إيدلتي فور"، التي بوسعها التحكم في خصائص مغنطة المادة، ومن ثم تدخل في استخدامات طبية معقدة.

راح صوافطة ومشاركوه ينتجون موادا مطورة، وصار بمقدورهم تقليص المدة الزمنية للمواد التي تحتاج لاختبارات من 48 ساعة إلى 17 دقيقة فقط.وأصبحت السرعة والتكلفة الأقل والدقة مواصفات توفرها الشركة.

كان صوافطة المسؤول عن برنامج الطاقة اليابانية، وصار يطور الكثير من الأفكار العلمية سعياً وراء استخدام مفيد للفيزياء النووية.

في ضيافة عيسى أبو زعيتير وزوجته، بمطعم " ماهيس" المتخصص في وجبات السمك، نشرع في لقاء آخر فنحن الصحافيين القادمين من رام الله وجنين والقدس وغزة، نحاور أعضاء جاليتنا الذين قدموا إلى كارولاينا الشمالية، لغير سبب.

تختلط السياسة والحنين للوطن وأحاديث الانتخابات والإصلاح والطفولة والبيئة والزيتون في " كوكتيل" لذيذ.

فمسعود عورتاني القادم من عنبتا، يذكر بشكل جيدا عشقه بالأراضي الممتدة لبلدته، ويمارس حنياً عالياً لها، ما دفعه لطلب عبوات من زيت الأشجار التي زرعها والده، قبل عشرات السنوات عبر البريد السريع.

بينما لا تخفي هنادي الشخشير، القادمة من نابلس خوفها من العادات و التقاليد الأمريكية التي أصبحت تتسلل إلى ثقافة بناتها وأولادها، ما دفع أفراد الجالية لتنظيم سلسلة فعاليات اجتماعية لدمج الأجيال و التفكير بصداقة من نوع خاص.

وترى إيمان عياد، التي قدمت إلى المدينة قبل 16 سنة من بلدتها أبو ديس، أن الجاليات العربية في المدن الأمريكية الكبيرة يتعرضون للتهميش.

يقول أحمد ذيب الذي رأى النور في قرية حجة، التي تنازعت غير مدينة فلسطينية على ضمها لها، إن الأجيال الحالية من أبناء الجالية ذات طريقة تفكير مغايرة عن الذين قدموا بتقاليد ولغة وتراث مختلف من وطنهم.

يبدي عبد الله أبو هاشم حنيناَ إلى بلدته دورا، ويتحدث عن رحلة مع الولايات المتحدة، تماماً كما فعل سامر زيتاوي.

في ركن آخر، راحت حرارة حديث عبد الرحيم الناطور، ترتفع، وهو يسترد ذكرياته في قرية قلنسوة بالمثلث المحتل عام النكبة.

بجاور الناطور، جلس المهندس الشاب حسام حلمي ، المصري الأصل و العاشق لفلسطين، فهو لا يتحدث إلا بلهجة فلسطينية ويتمنى أن يزور الأراضي المحتلة، ويطلق عليه رفاقه" حسام الفلسطيني" .

نعرف أن في هذه المدينة 22 ألف مواطن، ينتشرون فوق 365 كيلو متر وتبلغ موازنة سلطتهم المحلية 2 مليار دولار.

نودع جرينزبور، وتسرق آذاننا أغان شرقية تحفز "علوش" للاستيقاظ من سباته، وتقتحم عيوننا جبال وسهول وأشجار وأنهار وطرق سريعة، وتعيش في ذاكرتنا لحظات بلا حواجز....





لقطات مضغوطة:
فن وسياسة و مطاعم وبطاقات و صور..
صورة أولى: أنفقنا 45 دقيقة في إجراءات الدخول لأعماق البنك العالمي، في واشنطن.
بدأت الإجراءات بتعبئة نماذج، والتقاط صور وصنع بطاقات للزوار مصحوبة بوجوهنا الشرقية، الغريب أن الزيارة ذاتها لم تدم غير نصف ساعة!
مشهد جانبي: في أروقة البنك الدولي، كان بوسعنا التمتع بلوحات فنية قادمة من التراث المغربي، وعرفنا أن البنك ينظم أسبوعاً لهذا الفن.

تملكنا الذهول، ورحنا نفتش عن علاقة الفن بالدولار واليورو ومشتقاتها، ولم نتعثر بإجابة.
لوحة غذائية: تسلل إلينا استغراب إضافي فأسفل البنك الأممي الذي أجرينا فيه سياحة إعلامية واقتصادية، وسألنا عن تداخلات المال وصناعة القرار السياسي والهينة والمديونية العربية المتراكمة والتنمية، وإمكانية تحرير اقتصادنا الفلسطيني من تبعية الدولة المحتلة، ومستقبل تطوره.

المفاجأة أن سلسلة مطاعم البنك، تحتاج إلى دليل و"خريطة طريق" للتعرف على أجنحتها وأطباقها و ممراتها المتشعبة.

ربما تمتلك المؤسسات المالية تبريرات لم تصلنا بعد، حول أطباق الشعوب وضرورة التمثيل النسبي لكل جنسية منها.

لقطة سياسية: ذات نهار ماطر، بدأت سلسلة بشرية تخترق الضباب الذي لف مبنى الأمم المتحدة في نيويورك، من الطابق التاسع، كان بوسعنا مشاهدة عشرات المتظاهرين والمحتجين على سياسية الرئيس جورج دبليو بوش.

صدحت مكبرات الصوت ولساعتين:" بوش بوش كريمنال" أي "بوش مجرم"، في إشارة للحرب على العراق، الغريب في هذه الديمقراطية الكبيرة أن سيارة شرطة واحدة جاءت لحماية مبنى المنظمة الدولية، وتنظيم السير أمامها، أما المتظاهرون وصرخاتهم فلم تجد من يلتفت إليها سوانا إلى أن رحلوا…

لقطة تاريخية: تحتفظ جدران معهد الشرق الأوسط في واشنطن بصور تعيد عجلة التاريخ الخاص بالعالم العربي للوراء، فتشير للثورة العربية الكبرى، والفترة العثمانية، وكأنها تقفز عن حقب الحروب والنكبات والنكسات وتوابعها.

لقطة يابانية: في قلب لمنظمة الدولية، شرعت فتاة يابانية بعرض نماذج من تراث بلادها الصفراء، وراحت توزع بطاقات بريدية تروج لمشاهد مختارة من الجزر الصناعية.الغريب أن منظرة التراث هذه، لا تعلم شيئاً عن فلسطيننا!
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 11-11-2006, 01:19 AM
عبد الباسط خلف عبد الباسط خلف غير متواجد حالياً
كاتب وصحافي فلسطيني
 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
الدولة: فلسطين
المشاركات: 1,513
Post رد : "كلوس أَب" فلسطيني من أميركا وأوروبا....

لقطة عن بعد:
الانتخابات النصفية الأمريكية
(قريباً) بحول الله
__________________
aabdkh@yahoo.com
00972599716509
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 07-12-2006, 09:14 PM
عبد الباسط خلف عبد الباسط خلف غير متواجد حالياً
كاتب وصحافي فلسطيني
 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
الدولة: فلسطين
المشاركات: 1,513
Exclamation رد : "كلوس أَب" فلسطيني من أميركا وأوروبا....

اعتذار واجب:
أعتذر عن عدم نشر ما وعدت به، لأسباب فنية.
__________________
aabdkh@yahoo.com
00972599716509
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 03-01-2007, 04:48 PM
عبد الباسط خلف عبد الباسط خلف غير متواجد حالياً
كاتب وصحافي فلسطيني
 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
الدولة: فلسطين
المشاركات: 1,513
رد : "كلوس أَب" فلسطيني من أميركا وأوروبا....

lahi]m hgw,v Hqy',h ikh
a;vh
__________________
aabdkh@yahoo.com
00972599716509
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 23-01-2007, 12:07 PM
عبد الباسط خلف عبد الباسط خلف غير متواجد حالياً
كاتب وصحافي فلسطيني
 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
الدولة: فلسطين
المشاركات: 1,513
Post رد : "كلوس أَب" فلسطيني من أميركا وأوروبا....

الفاضلة سلام يونس
القاهرة

تحية وشكرا..
أقدر رسالتك بشأن هذا النص. أما بخصوص إضافة صور لها، فالأمر تقني، لأن كل الصور التي أحتفظ بها ذات حجم كبير، و لا يمكن استخدامه في الموقع، و إعادة تحجيم المشاهد الفوتغرافية ستفقدها جزءا كبيراً من قيمتها.


عبد الباسط خلف
__________________
aabdkh@yahoo.com
00972599716509
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 23-01-2007, 03:35 PM
شروق أسعد
Guest
 
المشاركات: n/a
رد : "كلوس أَب" فلسطيني من أميركا وأوروبا....

قرأت هذه السلسلة أمس، ولم أتمكن من تسجيل دخولي بسبب الضغط على الشبكة.
المقالات رائعة، وأكثر شيءأعجبني الأسلوب، والحوارات، والتفاصيل الدقيقة عن الناس والمكان، والمقارنات.
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 24-01-2007, 03:57 PM
إيناس عبد الرحيم إيناس عبد الرحيم غير متواجد حالياً
حوارات
 
تاريخ التسجيل: May 2006
المشاركات: 275
رد : "كلوس أَب" فلسطيني من أميركا وأوروبا....

أريد أن اقوم بسؤالك أستاذ عبد الباسط،
هل قمت وترجمت هذا الكلام
الرائع.
؟؟
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 18-02-2007, 03:06 PM
إيناس عبد الرحيم إيناس عبد الرحيم غير متواجد حالياً
حوارات
 
تاريخ التسجيل: May 2006
المشاركات: 275
رد : "كلوس أَب" فلسطيني من أميركا وأوروبا....

اقترح عليك أن تقوم بكتابة كلوس أب ثاني عن دول عربية.

أتمنى على الإدارة ان تقوم بدعمك كي تكتب عن السعودية مثل هذا النوع من الكلام الرائع الذي يوصف البلدان بدقة.
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 20-02-2007, 09:12 PM
عبد الباسط خلف عبد الباسط خلف غير متواجد حالياً
كاتب وصحافي فلسطيني
 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
الدولة: فلسطين
المشاركات: 1,513
رد : "كلوس أَب" فلسطيني من أميركا وأوروبا....

شكرا لتفاعلك
__________________
aabdkh@yahoo.com
00972599716509
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 05-03-2007, 10:14 AM
القاصدي وجدي
Guest
 
المشاركات: n/a
رد : "كلوس أَب" فلسطيني من أميركا وأوروبا....

اللقطات التي أشهرتها عن الصحفية الجزائرية ممتازة ومعبرة


ولقطاتك الاخرى ممتازة
رد مع اقتباس
  #11  
قديم 13-03-2007, 02:33 PM
عبد الباسط خلف عبد الباسط خلف غير متواجد حالياً
كاتب وصحافي فلسطيني
 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
الدولة: فلسطين
المشاركات: 1,513
رد : "كلوس أَب" فلسطيني من أميركا وأوروبا....

للتوضيح:

كلوس أب تعني-لقطة عن قرب.
__________________
aabdkh@yahoo.com
00972599716509
رد مع اقتباس
  #12  
قديم 16-06-2007, 01:54 PM
عبد الباسط خلف عبد الباسط خلف غير متواجد حالياً
كاتب وصحافي فلسطيني
 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
الدولة: فلسطين
المشاركات: 1,513
رد : "كلوس أَب" فلسطيني من أميركا وأوروبا....

شكراً للسيدة دعاء أدريس من المغرب على رسالتها حول الموضوع هذا


أقترح عليك الانتساب للموقع، لإذا أردت التعقيب على ما ينشر، وأرجو أن تكوني صبورة بعض الشيء في إجراءات التسجيل
.
__________________
aabdkh@yahoo.com
00972599716509
رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
كلوس أَب" فلسطيني من أميركا وأوروبا..تمهيد(1) عبد الباسط خلف الحوارات العامة 0 04-02-2007 11:59 AM
رسالة مفتوحة من أكاديمي فلسطيني لسياسي بلده المحتل عبد الباسط خلف الحوارات العامة 0 06-10-2006 09:38 AM
أميركا التي تعلمنا الديمقراطية والعدل (قراءة) عبدالواحد عبدالقادر علواني حوارات حول الشورى والديمقراطية 0 31-10-2004 10:51 AM
وأخيراً فهمت أميركا ولكن متى تطبق ما فهمت مجدي جبر خميس الحوارات العامة 1 01-09-2004 03:21 PM


الساعة الآن 11:53 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتدى حوارات الفاخرية @2011
Designed By csit.com.sa