العودة   منتدى حوارات الفاخرية > حوارات الفاخرية > حوارات حول المجتمع المدني

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 21-11-2005, 10:04 AM
د. محمد السيد سعيد د. محمد السيد سعيد غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Oct 2005
المشاركات: 6
المجتمع المدني العالمي.. الصعود والتحديات (عالم الفعالية المدنية )

ثانيا: عالم الفعالية المدنية أو الفعالية المدنية العالمية:

إلى أي حد تعكس أحداث 15 فبراير عام 2003 في نظرنا كعالم عربي ما نسميه بالمجتمع المدني العالمي؟ ولماذا نحتاج تلك الأحداث التي تولدت بالاشتباك مع قضايانا وشاركنا فيها كقوى مدنية عربية -تنسيقا ومساهمة- لتعميق فهمنا لظاهرة تختلف نوعيا عما درجنا على تسميته بـ"الرأي العام العالمي"؟
الواقع أن المسيرات الحاشدة وشبه المتزامنة في عشرات من دول العالم لمعارضة غطرسة القوة والمشروعات العدوانية للدول الكبرى قد لا تكون جديدة تماما. فقد وقعت أحداث مشابهة في مدن كثيرة في العالم ضد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956. وكان من اللافت للنظر أن بعضا من أكبر هذه المظاهرات والمسيرات قد وقع في لندن وباريس والعواصم الكبرى للدول الأوربية الاستعمارية السابقة.. كما أن الحركات الطلابية والشبابية في أوربا وأمريكا ضد الحرب الفيتنامية خلال عقد الستينيات أحدثت دويا مذهلا وأثرا باقيا على أسلوب الحياة والثقافة والسياسة في العالم الغربي كله.
ولا شك أن تعبير أو مصطلح الرأي العام العالمي يصلح لفهم وتصوير جانب مما وقع في يوم 15 فبراير 2003، ولكنه -أي هذا المصطلح الأخير- لا يبدو كافيا للإلمام بعناصر كثيرة من الظاهرة التي تجلت بعنفوانها المفاجئ في هذا اليوم.
لربما نبدأ بالجوانب الشكلية. فالمسيرات والمظاهرات خاصة تلك المناهضة للحروب الاستعمارية هي تجل تقليدي للرأي العام العالمي. ولكن ما حدث في يوم 15 فبراير يتجاوز هذا التجلي لا فقط من حيث الاتساع الجغرافي والكم وإنما أيضا من حيث طبيعة القوى المشاركة والتكوين القومي ودلالالته. فأكثرية القوى المشاركة في المظاهرات والمسيرات العالمية المناهضة للحرب الأمريكية ضد العراق هي طلائع لنشاطية مدنية منظمة لها حضور عالمي. فكأن تلك القوى لم تتدفق إلى شوارع المدن في جميع أنحاء العالم فجأة للاحتجاج على حدث منفرد أو أكثر، وإنما هي قوى مدربة ذات نشاطية سابقة بمناسبة أحداث سابقة وعديدة. وانطلقت تلك الجماهير لا للتعبير عن غضب وإنما للتعبير عن رؤية وممارسة لكفاحية ممتدة لتطبيق وجهة النظر هذه.
ويرتبط بذلك أن أسلوب التحرك لم يكن يتسم بمجرد التزامن والتركيز على حدث خطير يهدد سلام العالم ومبادئ العدالة الدولية، وإنما أيضا بالارتباط الفعلي والحركي الذي توج عملية بالغة الاتساع والتعقيد لبناء الشبكات وتبادل الرأي في منابر ومناسبات شتى سابقة على تلك اللحظة المشهودة.
ويضمر هذا الوصف أيضا إشارة إلى الدور المذهل الذي تلعبه الأوعية الحوارية الأكثر حداثة مثل شبكة الإنترنت والمؤتمرات الكونية والمظاهرات الحاشدة ذات التركيبة متعددة الجنسيات والتي تم تجربتها في مناسبات شتى وفي مختلف مدن العالم وعلى مستويات مختلفة، بدءا من المظاهرات المناهضة للعولمة وحتى المؤتمرات العالمية للأمم المتحدة مثل مؤتمر فيينا لحقوق الإنسان عام 1993 ومؤتمر القاهرة للسكان عام 1994 ومؤتمر بكين للمرأة وغيرها.

ومن هذا المنظور مثلت أحداث 15 فبراير كتلة مشاعرية ورؤى متحدة على نحو غير مسبوق في التاريخ العالمي؛ لأنها طورت ميراث الفكر السياسي والمدني الذي تبلور عبر عقود.
ويلفت النظر أيضا في هذه الأحداث الطبيعة الخاصة لتركيبها القومي. فالأغلبية العددية للمشاركين في المسيرات والمظاهرات التي وقعت في هذا اليوم والفعالية النوعية العليا لهذه الأنشطة تخص تلك التي وقعت في مدن أمريكا الشمالية وأوربا وأستراليا: أي في تلك الدول التي تمثل "الغرب الثقافي"، وهي نفسها المستفيدة من الوضع الممتاز للغرب، سواء في ميدان العلاقات السياسية الدولية أو الرخاء والتقدم الاقتصادي، ويبدو أنها هي أيضا الدول الوريثة للاستعمار الغربي الحديث. ومعنى ذلك أن هذا التحرك العالمي لم يعكس مصلحة قومية أو اجتماعية مباشرة وإنما رؤية" أخلاقية" ذات جوهر إنساني تناضل ضد الامتياز الذي تتمتع به تلك البلاد بما في ذلك امتياز شن الحرب على الآخرين والضعفاء مثلما هو الحال مع العراق. وقد حدث ذلك من قبل في المظاهرات التي وقعت في أوربا الغربية بما فيها بريطانيا وفرنسا أثناء العدوان الثلاثي على مصر أو الحرب الفرنسية ضد حركة التحرر الوطني الجزائرية.

ويلفت النظر أيضا أن السوابق التاريخية للنضال ضد الاستعمار والحروب الاستعمارية الغربية من داخل الدول الاستعمارية لم تكن بالضرورة ممثلة للرأي العام بالمعنى الإحصائي للرأي العام في بلادها، وإنما طلائع صغيرة من قوى التقدم في البلاد الغربية الكبرى. فقد ظل الفرنسيون يؤيدون الحرب الاستعمارية التي تشنها بلادهم في الجزائر بأغلبية واضحة حتى أقنعهم ديجول بغير ذلك. كما ظل الأمريكيون يؤيدون بنسب عالية الحرب الفيتنامية بالرغم من المقاومة النضالية ضدها في الجامعات والشوارع. بينما مثلت التدفقات البشرية العملاقة يوم 15 فبراير2003 مشاعر الأغلبيات الساحقة من سكان المجتمعات المتقدمة على الأقل فيما يتصل بالعدوان الأمريكي المرتقب آنذاك ضد العراق. ولنلاحظ أن تلك المظاهرات قد تحركت لمنع وقوع تلك الحرب أو "المشاركة في صنع القرار العالمي المرتبط بالحرب والسلام" وليس للاحتجاج على حرب وقعت بالفعل.
ومن المهم هنا رؤية الأعداد الضخمة التي شاركت من غير المسيسين وغير الناشطين من المواطنين الذين كان بعضهم يخرج لمسيرة للمرة الأولى في حياته، أي هذا الزخم المدني الذي كان شعاره: ليس باسمنا Not in our name.

وباختصار فظاهرة 15 فبراير ليست مجرد تجسيد للمعنى التقليدي للرأي العام العالمي، وإنما هي تجسيد لقيم مدنية وسياسية أو مصالح عالمية أو فوق قومية وعابرة للحدود بين القوميات. وقد نشأت تلك الظاهرة -من حيث المضمون- على أرضية الشعور والإيمان بقيم مشتركة للبشرية وتم زرع هذا الشعور وهذا الإيمان بفضل نشاطية مدنية عالمية، وهو ما يميزها عن الرأي العام العالمي التقليدي الذي توزع بين الأوعية السياسية والحزبية التقدمية واليسارية القديمة مثلما حدث مثلا في عام 1956. فالنشاطية العالمية الحديثة تنبع من أوعية مدنية واتصالية مستجدة إلى حد كبير.
فما هو إذن المجتمع المدني العالمي؟
إننا نعرف المصطلح كفضاء أو حقل للنشاطية أو الكفاحية المنطلقة من الإيمان بقيم عالمية وبوحدة المصير البشري على الأقل بالنسبة لموضوعات أو قضايا حاسمة مثل السلام والعدالة والتنمية والبيئة وحقوق الإنسان. ويمكن النظر إليه أيضا باعتباره هذا النسيج من الروابط الكفاحية التي تنشأ على قاعدة الإيمان بالمساواة والمسئولية المشتركة والحاجة إلى علاقات عالمية لا تقوم على التسلط أو القوة والامتياز. وقد نركز على تعريف يتمحور حول الفاعلين في المجتمع المدني العالمي وهم هؤلاء الذين يمدون نشاطهم في الدفاع عن قيم مدنية إلى الساحة العالمية ويشملون الجمعيات والروابط والنقابات والهيئات المهنية والمجالس النيابية والمنتديات الفكرية والشبكات الاتصالية والهيئات الدينية بغض النظر عما إذا كانت صلاحياتها قومية ذات امتداد عالمي أو عالمية بالأصل، هذا فضلا عن الجمهور العام المؤمن بهذه القيم والمرتبط بتلك التجمعات. وقد ولد مفهوم المجتمع المدني العالمي إما من رحم النشاطية والثقافة المدنية القومية ثم أخذ يمد هذه النشاطية على مستوى عالمي أو كمستوى نضالي عالمي يشتق طاقته وعناصره البشرية من مختلف القوميات وينظم عمله عبر روابط واتحادات عالمية أو متعددة الجنسيات أو عبر تقنيات الحركة الاجتماعية.

د. محمد السيد سعيد
نائب مدير مركز الأهرام للدراسات الاستراتجية/ مصر
رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الديمقراطية في ظل المجتمع المدني سعود فهد الخالدي حوارات حول الشورى والديمقراطية 0 28-11-2005 02:12 PM
المجتمع المدني العالمي.. الصعود والتحديات (المدرسة المثالية) سعود فهد الخالدي حوارات حول المجتمع المدني 0 21-11-2005 10:23 AM
المجتمع المدني العالمي.. الصعود والتحديات ( نضوج الحالة المدنية ) د. محمد السيد سعيد حوارات حول المجتمع المدني 0 21-11-2005 09:24 AM
المجتمع المدني العالمي.. الصعود والتحديات( الرؤى النظرية( د. محمد السيد سعيد حوارات حول المجتمع المدني 0 21-11-2005 09:03 AM
المجتمع المدني في الخطاب العربي المعاصر د. رضوان زيادة حوارات حول المجتمع المدني 0 13-02-2005 02:07 AM


الساعة الآن 12:04 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتدى حوارات الفاخرية @2011
Designed By csit.com.sa