إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 06-08-2005, 06:24 PM
عبد الباسط خلف عبد الباسط خلف غير متواجد حالياً
كاتب وصحافي فلسطيني
 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
الدولة: فلسطين
المشاركات: 1,513
كادحات في الظل

" كادحات في الظل":
ضريبة كبيرة وصمت وتضحية وتقدير غائب …
كتب عبد الباسط خلف:
في الأول من أيار من كل سنة يحتفل العمال( العاملون واللاعاملين) بعيدهم الأممي، في أجندة كل واحد من هؤلاء الكثير من الأولويات والاهتمامات والتفاصيل الصغيرة لأحلام مشروعة مع وقف التنفيذ…
في أعماق زوجات الكادحين أيضاً الكثير من الهموم، دفعتنا الأوجاع المرافقة لرضوة محمد وإلهام صادق وسناء يونس وبيان سلامة والكثير من شريكات الحياة لعمال فقدوا مصدر رزقهم وبات الفقر وخواء الجيوب يطاردهم لسبر غور قضية تسلل الإهمال إليها….
تتهاطل أحزان رضوة فزوجها الذي فقد عمله في فرع البناء وراء الفاصل الأخضر لم يسعفه الحظ في الحصول على بديل، فأجبرت على بيع مصاغها، لأن المساعدات لم تنصف زوجها منذ ثلاث سنوات أو أكثر. وتتشابك معاناة إلهام التي سرقت قضبان السجن منزوع الحرية حياة شراكتها الزوجية وصارت و أطفالها الخمسة يعيشون بالقليل من الشواقل شهرياً، فيما سناء أصبحت عرضة للتعنيف والإهانة والضرب أحياناً، لأن الضائقة الاقتصادية تُرجمت في قاموس زوجها للعنف أو العنف، وترتفع الحالة النضالية لبيان التي تحولت لطاهية للعدس في كل يوم في الصمت والتقشف واختلاق الجديد من الذرائع.
أول الغيث…
تزوجت رضوة من صلاح العامل في الإنشاءات العام 1993، كان شريك حياتها من طبقة متوسطة وعصامي، أسس مسكناً وأسرع في إنجاب ستة من الأطفال( أربع بنات وولدين )، كان دخله مرتفعاً، مثلما راح يبالغ في الإنفاق.
تروى رضوة: لم يكن يحسب أدنى حساب لما ستجلب الأيام لنا، وسرعان ما تغيرت الأحوال بعد الانتفاضة والإغلاقات والحصار،" وجاءت الأيام السوداء بلا قروش بيضاء" وفق وصفها….
تتابع: حاول زوجي العثور على عمل، كانت تمضي أسابيع دون أن يحصل على أي فرصة، ولم تعرف المساعدات طريقها إلينا.
" كنت أناقشه مطولاً حتى يقبل بأي عمل، لكنه لم يجد أي بارقة أمل، اتجهنا بعدها للزراعة فعرفنا التعب وخذلتنا المواسم، إذ لم نحصل على شيء يستحق الذكر…" هكذا تتابع وتضيف: كنا نبيع صندوق البندورة بثلاثة شواقل، وفي أيام لم نجد من يشتري البضاعة، والمهم في النهاية أننا خسرنا بقايا ما كنت أحرص على ادخاره بشكل شبه سري..
ضاقت الدنيا بوجه صلاح ورضوه، فاضطرت لبيع مصاغها، و اتجها لتربية الدواجن التي شلها الكساد، وبالكاد أعادا نصف ما دفعاه ولم يبق لهم غير التعب.
راحت رضوه تفكر بكيفية التأقلم مع الضائقة، والتأسيس لمصلحة صغيرة تطفئ نار الفقر الملتهبة..
تختتم حديثا: عمدت في النهاية للعمل في بيع الكولاج في مواسم رمضان ولطلب الزبائن القليلين.
وأضيف لواجباتها المنزلية وتربية الأطفال التفكير بمخرج من الفقر المدقع، والإسراع في توفير إجابة مقنعة لأسئلة أولادها الكثيرة…
فقر وقيود..
تجسد إلهام صادق نموذج معاناة مغايرة، فهي التي أصبحت وحيدة بعد أن غاب زوجها وائل قاسم وراء قضبان سرقت حريته، ومنعته من التواصل مع أطفاله الخمسة.
صارت أجندتها تحفل بالبحث عن فرصة للعمل، إلى أن وصلت مكتب وزارة العمل في جنين منتظرة أن يبتسم لها الحظ في برنامج التشغيل الطارئ.
تروي وقد بدا الإنهاك يطاردها: اعتقل زوجي قبل ثلاث سنوات، وحكم عليه بالسجن إحدى عشرة سنة، وتحولت لأم ولأب لأطفالي.
أصبحت إلهام متخصصة في تقسيم القليل من المال الذي يحصل عليه زوجها الأسير على استحقاقات الحياة : 500 شاقل مصاريف زوجي في سجنه، ستمائة أخرى لمعيشتنا كل شهر، ستة شواقل للخبز وخمسة مصروف للأولاد وعشرة أخرى للقرطاسية والمعيشة والملف الصحي والتفاصيل الأخرى. تضيف: أكتشف في النهاية عجزاً في ميزانيتنا لأن الغلاء صار صديق كل شيء…
تبدي الكثير من الندم، كون قطار التعليم فاتها، فلم تنهي غير الصف الخامس الأساسي، وتبحث اليوم عن أي فرصة عمل تساهم في تحقيق المتطلبات المتنامية لصغارها، وتدعو مثيلاتها من النساء لمواصلة تعليم بناتهن وعدم الإقدام على تزويجهن في سن مبكرة . ..
فكرت الأم كثيراً في احتراف مهنة ما، لكن أطفالها ودروسهم ومستحقاتهم اليومية جعلت ذلك مستحيلاً، فلو عملت في قطاع مشاغل الخياطة لكانت المسألة معقدة لأنها تحتاج لوقت طويل وترك للبيت والأبناء وعودة متأخرة..



سناء..
" لم أكن أتوقع أن تصل الأمور إلى هذا الحد من الإهانة، أسأل نفسي بشكل متواصل : هل كتب على أن أدفع ضريبة البطالة والإغلاق بعنفٍ وإهانات لا نهاية لها، هل ستحل أزمتنا؟ لماذا لا يساعدوننا؟؟" على هذا النحو تشرع سناء يونس أو كما شاءت إحدى المعنفات أن تسمي نفسها، فزوجها " نضال" فقد عمله ووجد في إهانة زوجها فرصة للتعويض عن وظيفته التي خسرها!
تصمت سناء وأطفالها الثلاثة، و تتضور جوعاً وتقول: لولا مساعدة أحد أشقائي لأُجبرت وأولادي على الصوم كل يوم…..
تروي: في إحدى المرات سألني زوجي : " شو طبختي" فأجابته: عدس صحيح، فلم يكن منه إلا أن شتمني بالقول: "وليش أخوك ما جاب إلنا إشي اليوم"!!
بيان..
يروي ضرار أبو الوفا بشهادة مشفوعة بقسم أكده ثلاث مرات: في شهر رمضان الفارق( تشرين الثاني 2003)، تسللت ومجموعة من الشبان للعمل، واخترنا منطقة تفصل بين نزلة عيسى وباقة الغربية في منطقة طولكرم، تناولنا ما تيسر من طعام السحور وانطلقنا إلى هناك، وفجأة شاهدنا دوريات لجنود الاحتلال تنتشر في المنطقة.
يتابع وقد بدأت دلالات الحزن و الأسى على وجهه: عندما لحقني أحد الجنود قفزت من على تله كان أسفلها بئراُ مهجورة، قد غُطي بابه بقش وأغصان الشجر.
وقع ضرار في البئر وانكسرت أسنانه الأمامية برمتها، وظل ليومين بداخل البئر بلا طعام أو شراب، إلى أن جاء صاحب قطعة الأرض المقامة عليها الحفرة برفقة بناته للعمل فيها.
يقول: أنزل لي حبال كي يرفعني، فلم أستطع إلا بعد محاولات مضنية ربطها على جسدي، لأنني أعاني عجزاً في يدي اليسرى بنسبة 22 في المائة بعدم أن تعرضت لحادثة عمل في صغري، حينما كاد منشار الحجارة الآلي( الديسك) يقتطع يدي، لولا لطف الله.
" لم تقف المصيبة عند هذا الحد، لكن أفعى كبيرة شاركتني المكوث في البئر" على هذا النحو يتابع ضرار أو الأب لخمسة أطفال: محمد أبن العام التاسع، وبتول في ربيعه عمرها الثامن وشهد ابنة العام السادس، وأسيل ثلاثة سنوات ومحمد عامان، روي فصول مأساته.
وأضافت حادثة البئر إلى قاموسه المزيد من الهموم، فهو في البداية كان منشغلاً بتوفير لقمة عيش لأسرته التي أجبرها الفقر على ملازمته، لكنه اليوم أصبح منشغلاً بالبحث أيضاً عن طريقة تعوضه جزيئاً عن أسنانه الضائعة..
أعلم بأن أسنانه تحتاج لثلاثة آلاف شيقل، كي يعود إليها القليل من الفاعلية، وبعد مفاوضات مضنية و"مشاوير" طويلة ركّب طقم أسنان بمبلغ زهيد استطاع تأمينه..
لم يترك ضرار باب مؤسسة رسمية أو جهة مستقلة إلا وطرقه، لكن من دون جدوى، وحتى محاولات تنفيذ مساعدة المجلس التشريعي لم تُكلل بالنجاح لأن طبيب الأسنان في مشفى الرازي ( د. وضاح العارضة) موجود خارج الوطن…
لجأ ضرار إلى " دفاتره القديمة"، وبدأ يفتش عن تعويضات من أرباب عمل إسرائيليين، أستشار غير محامي وغير مؤسسة، لكنه أبلغ في النهاية بأن الحصول على مستحقاته البالغة شيقلاً3171 تحتاج لتقديم طلب بـ 867 شيقل…
العدس المر..
يُقسم ثانية، أن النقود لم تعرف طريقها إلى جيبه، وتمر أيام كثيرة من دون أن يتعرف على الشواقل، فخلال عام لم يقبض سوى مائتي شيقل .
أصبحت وظيفة الأم بيان أبو صلاح منحصرة على طهي العدس، وبات الأطفال يتمردون على أكله، فترد عليهم كما والدهم: العدس مليء بالحديد، فيردون : "أزهقناه" فيُعد : صباحاً سنأكل الزوايا الحديدية، و في الظهيرة سنتغدى على الصاج وعلى العشاء سنأكل الجسور المصنوعة من الحديد !!
يقول ضرار: إن زوجته مكافحة فهي صامتة منذ ثلاث سنوات، وفي معظم الأيام تطهو العدس الذي تزودت به منذ بداية الموسم، بشقيه ( الصحيح والمجروش).
يردف: إنه لو كان متزوجاً من امرأة غير مدبرة لتفاقمت معاناته، لكن يعترف أنه يظلم زوجته وعائلته، لكن الفقر يربط يديه، ورغم ذلك كله يقول إن وضعه أفضل من حال أصدقائه الذين لا يجدون أي شيء !!!
تقول بيان محزونة: خلال العام لم نأكل الدجاج سوى مرة واحدة، ولم نتناول اللحوم غير مرتين، وفي مناسبات نادرة تعرف مائدة العائلة الحليب الطازج، الذي تزوده لهم البقرة التي ابتاعها الأخوة الخمسة لوالدهم في أيام الرخاء لمساعدته في التغلب على ضائقته ..!!
تواصل: أقسمت أن لا نخرج من البيت في أيام العيد، وتقدم زوجي بطلب للهجرة إلى كندا فراراً من نفسه ومن أبنائه!!
يتقاطر الصغار إلى أمهم في محاولة لاستصدار استرحام ما من جانب والدهم المعدم، لكنهم ومع طول التجربة أصبحوا متخصصين في الإجابة على ما يطرحون من أسئلة نيابة عن أمهم: "بعدين، إن شاء الله، الأسبوع الجاي، أسكتوا، أبوكم معوش!!! "
تروي سعاد الحاج، وهي زوجة عامل أجبر على تبديل مكان عمله من حيفا وراء الفاصل الأخضر إلى رام الله، أصبحنا لا نشاهد أبو سامر إلا في المناسبات السعيدة، إذ يغيب عنا أكثر من أربعين يوماً لأن الوصول من جنين إلى رام الله صعب ويحتاج لوقت ومال أيضاً.
تردد في أعماقها، ننتظره والأولاد وكأنه مسافر إلى بلد بعيد، لكنها تقول: لقمة العيش صعبة، وأصبحت في هذه الأيام تحتاج لتضحية وتعب …
ظواهر…
تقول سكرتيرة جمعية المرأة العاملة للتنمية في جنين سمر شركس، إن المرأة بفعل التراجع الاقتصادي لدخل زوجها أصبحت مطالبة بالبحث عن حل، ولا تتوقف فقط في شريحة زوجات اللاعاملين بل تتعداها لتصل إلى الذين لا يحصلون إلا على القليل من الأجر.
بات مقر الجمعية الذي يحتل قلب المدينة يتعرف على الكثير من الزائرات الباحثات عن عمل أو مساعدة، كل واحدة تحمل في جعبتها قصة عنوان الرئيس: الحاجة و الفقر…
تقول شركس: كان للجمعية برنامج طوارئ، وحاولنا إطفاء نار الفقر المشتعلة عبر مساعدات مادية وعينية، ومن خلال برنامج التبني وبرنامج "التكافل والمحبة" والحقيبة المدرسية .
تقرأ سمر وجوه زائرتها فتقول: هناك الكثير ممن يخجلن حتى في مجرد الحديث عن معاناتهن، وهناك من يفتشن عن مساعدة مادية، أو فرصة عمل وإن قلت .
تسلل إلى مسامع شركس نموذج لحالات لجأت فيها الزوجة مكرهة على بيع مصاغها لتأمين إيجار المنزل، أو لتسديد القليل من الديون المتراكمة .
تضيف: في حالات كثيرة و تدفع المرأة ضريبة الضغوط النفسية الملقاة على زوجها، وتتحمل أيضاً متطلبات الأولاد كونهم لا يمتلكون الجرأة في العادة على الطلب من والدهم …
اقتصاد مدمر ومحاولات اشفاء…
وبحسب اللجنة الدولية للصليب الأحمر، فإن الإغلاقات الاحتلالية التي فرضت على محافظات الوطن، خلالا العامين الماضيين، وبخاصة الإغلاقات الداخلية أدت إلى تقليص حاد في إمكانية الحصول على دخل، وإلى شح في المواد الأساسية والخدمات وبالتالي إلى انهيار عام في الاقتصاد، وهذا الوضع لا يمكن إصلاحه عن طريق المساعدات الإنسانية مهما بلغ حجمها وإطارها كما يقول رئيس بعثة اللجنة الدولية للصليب فرانسوا بيلون…
أنفقت "هدى صادق" أجزاء كبيرة من وقتها في تعبئة نماذج الحصول على عمل ضمن برنامج إدارة البطالة المؤقتة الذي أطلقته وزارة العمل، ومتابعة النتائج والأمل في الحصول على وظيفة مؤقتة لثلاثة أشهر كي تساعد زوجها الذي لا يتعدى دخلة الستمائة شيقل.
لكن هدى سرعان ما أصابها الإحباط لأن الدفعة الأولى التي تضم 516 فرصة لم تشمل سوى على سيدتين، كما علمت.
وعزا مسؤولون محليون في مكتب الوزارة إلى أن سر الانخفاض مردة أن الدفعة الأولى كانت لغير المتعلمين، وستشمل الدفعة الثانية أعداد أكبر من النساء لأنها ستتخصص في حملة الشهادات.
وتقول سجلات وزارة العمل في جنين، إن عدد الذين تقدموا للاستفادة من هذا البرنامج، بلغ 4163 سبق لهم العمل وتعطلوا بفعل الانتفاضة وإجراءات الاحتلال منهن 441 عاملة،فيما تشكل الباحثات عن عمل لم يسبق لهن أن زاولنه 247 من أصل 3022 باحث عن فرصة عمل…
تستذكر هدى ما سمعت به من حادثة قباطية التي تزامنت ويوم العمال العالمي قبل سنتين، عندما فتحت دبابة رصاصها الثقيل على عائلة كانت تعمل في كرم للعنب، بذريعة أن الجنود سمعوا أصواتاً لم تكن إلا لجنازير الآلية الاحتلالية، ما أدى لسقوط فاطمة تركمان وولديها باسل ( 6 سنوات) وعبير ( 4 أعوام) إذ اختلطت الأشلاء الصغيرة والدماء بجسد الأم العاملة التي كانت تبحث عن لقمة عيش.
رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
زمن السأم تأملات في قصيدة الظل والصليب لصلاح عبد الصبور إبراهيم مشارة حوارات حول المرأة .. حقوقها وحريتها 0 29-07-2007 08:59 PM
المساكن الزراعية الفلسطينية: شقاء في الظل.. عبد الباسط خلف الحوارات العامة 1 25-06-2006 02:15 PM
المساكن الزراعية الفلسطينية: صمود وشقاء في الظل... عبد الباسط خلف الحوارات العامة 0 25-06-2006 12:14 PM
قصة للطفل د.طارق أحمد البكري حوارات حول الطفل العربي وحقوقه 0 29-03-2006 09:16 PM


الساعة الآن 02:03 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتدى حوارات الفاخرية @2011
Designed By csit.com.sa