إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 07-08-2005, 09:07 PM
عبد الباسط خلف عبد الباسط خلف غير متواجد حالياً
كاتب وصحافي فلسطيني
 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
الدولة: فلسطين
المشاركات: 1,513
امرأة تصنع نجاحاً

امرأة تصنع نجاحاً
" علياء " : أنفقتُ ثمانية وثلاثين عاماً في التجارة..
كتب عبد الباسط خلف:
تناثرت على جنبات البقالة العتيقة والمتواضعة عشرات الأصناف، فيما أخذت تجاعيد وجه الحاجة" علياء " وهو الاسم الذي اختارت أن تختفي وراءه "صانعة النجاح"، تكبر وتكبر معها أوراق العمر ، فاليوم دنت من الخامسة والستين ، أنفقت ثمانية وثلاثين منها في بقالتها التي تتوسط الحي القديم لبلدة برقين المجاورة للشطر الغربي من جنين .
تستهل علياء أجزاء من فصول الماضي : ففي أوائل الستينيات توفي زوجها الذي كان شريكا لوالدها في الحانوت ، فاتجهت لسد فراغ رحيل شريك حياتها . ولتعيل ابنتيها اللتين لم تتذوقا شيئا من طعم الحياة حينها ، فيما توفي والدها العام 1982 ، لتتحول إلى العمل برفقة شقيقيها .

أيام زمان
تُقدم "علياء" وصفاً لحال بقالتها التي تأسست العام 1964 ، إذ كانت مسقوفة بالقصب والطين التقليديين ، فيما احتلت بضائع أيام زمان ردهاتها الصغيرة ، لتعطي المكان خصوصية مختلفة .
تروي : ثمة مئات من الأصناف الجديدة من البضائع ، التي لم نكن نعرفها ، واختفت ألوان من أخرى كحال السمن البلدي الذي كان يباع بالتجزئة ، والطحينية ، ودبس التمر ، وإبر ( وابور الكاز )،مثلما طرأ تحول في تغليف السلع وتصميمها.
تسترد مشاهد تستعصي على النسيان وترفض مغادرة ذاكرتها ، فخلال الانتفاضة الأولى حيث سادت فترات إضراب شامل وإغلاق تارة من " القيادة الموحدة للانتفاضة " وأخرى من سلطات الاحتلال التي كانت "تحرم" البيع والشراء داخل المدن ،وكانت أيضاً تحاول كسر قرارات خوض الإضرابات التجارية الشاملة عبر تحطيم أقفال المحال التجارية وإجبار أصحابها على مزاولة عملهم.
تروي " ذات مرة ابتعت من المدينة عدة بضائع لتغطية بقالتي ، واصطحبت سائق عربة صغيرة كي يوصلنا إلى محطة السيارات ، لكنه وفي منتصف الطريق انفرطت رزمة الحاجيات . وعندها مرت دورية للاحتلال ، وتملكني الخوف على بضائعي ، لأنه في حينها كانت المركبات العسكرية تتعمد إتلاف البضائع والعربات التي تنتشر في أنحاء جنين ، ولحسن حظي جرت الرياح كما تمنيت " .



تساؤلات
تقول الحاجة علياء : أكثر ما كان يؤلمني وقتئذ التوجه إلى سوق الخضار المركزي في جنين ، وسط البرد القارس والماطر ، كنت أسأل نفسي : لماذا أنا بالذات التي كتب الله علي الشقاء ؟ فيما كل قريناتي ينعمن بالنوم والدفء إلا أنا …
تسترسل : لم تكن غير أربع نساء يزاولن مهنة التجارة ، فهناك واحدة من بلدة كفر راعي المجاورة ، وثلاث أخريات من الناصرة وأم الفحم داخل الخط الأخضر .
وكوننا وحيدات وسط زحام من الرجال ، كنا نشعر بالرهبة إذ أن طبيعة العمل في السوق تحتاج لرجال وتزاحم وتدافع ومجادلة و " طقوس مختلفة " لا تتوافر لدى النساء تحديداً .
ترسم علياء صورة لنظرة الناس إليها في بلدة محُافِظة فتقول : لم أشعر بأنني غريبة عن هذه المهنة ، إلا أن الفوارق الكبيرة تبدو في تعاملاتي التجارية داخل سوق الخضار .

ذكريات مدرسية
" تلقيتُ التعليم بمسجد البلدة على يد الشيخ طاهر المنحدر من عصيرة الشمالية المجاورة لنابلس ، ومجموعة من الفتيات ، فطوال أربع سنوات كنا نتعلم التلاوة الصحيحة للقرآن ، والمحفوظات والإملاء والحساب الأساسي من جمع وطرح وغيرهما ، والقراءة أيضاً . وذلك كله قبل نكبة العام 1948 . وكنا نقدم للشيخ بعض المواد العينية لقاء تعليمه لنا . " على هذا النحو تصف علياء حال ذكرياتها المدرسية غير التقليدية .
وفي البلدة ذاتها ، كانت ميمنة ابنة الشيخ الشهيد عز الدين القسام تختص بتعليم مجموعة أخرى من الفتيات ، إلا أن قرر زوجها الرحيل إلى الضفة الشرقية لنهر الأردن قبل عام النكبة .
" حزنا كثيرا على رحيل ميمنة معلمتنا ، فقد ظل أسلوب تدريسها عالقا في أذهاننا حتى اليوم . وبخاصة كيفية كتابة حروف الهجاء بحالاتها المختلفة ، مع ربط ذلك بأشياء من الطبيعة " على هذا النحو تروي والدتي محطة فراق المدرسة قسراً العام 1942.
تضيف علياء : كوني متعلمة ، فقد سهل العمل علي كثيراً ، وأصبحت أدون سجلات البضائع التي أحتاج لشرائها ، وأسماء الزبائن الذين يشترون ويدفعون النقود آجلا وما أكثرهم هذه الأيام . وأجري حسابات بقالتنا وأجمع ما لها وما عليها ، ولو كان الحال مختلفا لواجهتني الكثير من العقبات .

طقوس رمضانية
تتطرق إلى طقوس شهر رمضان قديماً ، حيث كانت بعض التغيرات تطرأ على السلوك الاستهلاكي للزبائن ، فيتأخرون في شراء حاجياتهم إلى وقت ما بعد الظهيرة ، ثم نحضر صفائح الدبس المصنوع من التمر ، وقمر الدين والحلاوة ،التي كانت تضفي نكهة لأجواء الشهر الفضيل .
إذ لم يكن هنالك تيار كهربائي ، ولم نكن نعرف البرادات ، وكنا نلجأ إلى المصابيح التي كانت تجارتها رائجة بشكل كبير . لكن الناس اليوم لا يتذكرونها إلا في أوقات الطوارئ والأزمات ، وعندما يغرقون في ظلام دامس بسبب انقطاع التيار الكهربائي وبخاصة عن أولئك الذين لا يستطيعون دفع المستحقات المالية لما يستهلكونه .
تكمل وصف عملها اليوم ، فتقول : كانت بقالتنا صغيرة جداً ، فاضطررنا لاستئجار مخزنين مجاورين ، ومع ذلك نمارس إجراءات يومية في إخراج البضائع وترتيبها وتوزيعها في ساحة الدكان الضيق، ثم نعيدها في المساء ، الأمر الذي يترتب عليه تنظيف الغبار التي تتكدس فوقها ، وتجنيبها التعرض لأشعة الشمس أو المطر .
تنظر الحاجة "علياء" إلى عملها بمتعة كبيرة ، فهي لا تشعر بالروتين أو الملل،وعلى العكس تماماً فحينما تجد نفسها بالمنزل فإنها تتضايق كثيراً ، كون البقالة أصبحت شيئا رئيسا في حياتها ، تملئ عليها نهارها .
تقدم في النهاية مقارنة للحال المعيشي أيام زمان ، فبرأيها كانت الأموال قليلة في أيدي الناس ، كما البضائع لكن اليوم أصبح المستوى المعيشي مرتفعاً ، وانتشرت النقود غير أن قيمتها قلت كثيراً ، وانتزع عنها البركة .
وبنظرة على وضع البقالة فإنه بإمكان المرء التعرف على الحال الاقتصادي للمواطنين ، فيما يشبه المؤشر المالي ، فإذا قلت الحركة فإن الناس يكونون في ضائقة والعكس صحيح .
أنقل كفاح الحاجة علياء لصفاء محمد الطالبة المتفوقة في دروسها لأسمع تعليقا متميزا : تثبت علياء أنه بإمكان المرأة صناعة النجاح .
وتضيف : من الرائع جداً أن تكسب المرأة قوت يومها بعرق جبينها دون الالتفات لتعليقات المجتمع حول قبول أو رفض طبيعة العمل .
قبل أن نودع المكان تذكرنا فاطمة علي، بحال نساء البلدة اللواتي يعملن مع أزواجهن في الزراعة ورعاية الأرض والمواشي ، ليشكلن حالة تكافل مميزة . تبدأ بالاتساع في مطلع آذار ، حيث الإعداد للزراعات الصيفية ، وتستمر في ذروتها حتى انهمار المطر .
صور أخرى
في قلب سوق جنين العتيق للخضار بإمكان المرء رؤية بضع نساء يعملن منذ عشرات السنيين في بيع الخضار والبقوليات وكل ما له صلة بالطبيعة،هناك قريباً من متجر لبيع السمك تجلس العجوز السمراء أو أم جابر مثلماً بات الجميع يعرف اسمها،تروّج شتاء لأوراق البقدونس والخبيزة والزعتر الأخضر والعكوب والصنّاب وعشرات الأصناف،وفي الصيف تعمد لتسويق التين والتوت وبعض مشتقات الألبان.
عند زاوية أخرى تجلس نظيرتها رضية عارف حسن رزي، تمارس مهنة في سوق يعج بالباعة الرجال منذ عشرين سنة وأكثر ،يغالبها النعاس أحيانا و تقاومه أحياناً أخرى، تبث شكواها من ركود اقتصادي يلف عنق المدينة ويحولها لعاجزة عن مساعدته زوجها وولدها الوحيد عبد القادر في تأمين أجرة المسكن والمتجر المتواضع ودفع مستحقات الماء والكهرباء.
وحال نظيراتها أم مرّوح وأم جابر ورقية مماثلاً،وبالكاد يستطعن تحقيق أرباح متواضعة من وراء عملهن.
تعلق سمر إبراهيم الموظفة في إحدى الشركات الخاصة التي اعتادت على التجول في سوق أصبحت أم العبد ومثيلاتها جزءا منه ولا يكاد يمر يوم إلا وتكون شاهدة عيان على كفاح هؤلاء…
رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
امرأة تتعرض للضرب كل 3 دقائق في تركيا!! وحيد عبد العال حوارات حول المرأة .. حقوقها وحريتها 0 10-07-2007 01:18 PM
إحسان بركات أول امرأة تتولى رئاسة محكمة في الاردن عبد الباسط خلف حوارات حول المرأة .. حقوقها وحريتها 0 30-05-2007 09:54 AM
امرأة رئيسة لجامعة هارفارد مختارات صحفية حوارات حول المرأة .. حقوقها وحريتها 0 12-02-2007 09:33 AM
استشهاد امرأة فلسطينية حامل على حاجز إسرائيلي عبد الباسط خلف حوارات حول المرأة .. حقوقها وحريتها 0 19-09-2006 12:28 PM
غزل امرأة د.طارق أحمد البكري حوارات حول المرأة .. حقوقها وحريتها 0 05-07-2006 01:35 PM


الساعة الآن 06:04 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتدى حوارات الفاخرية @2011
Designed By csit.com.sa