إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 07-08-2005, 09:17 PM
عبد الباسط خلف عبد الباسط خلف غير متواجد حالياً
كاتب وصحافي فلسطيني
 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
الدولة: فلسطين
المشاركات: 1,513
أمهات ودموع وأجساد هشه

72% من المرضى دون العاشرة
الثلاسيميا : الأجساد الصغيرة تواجه "أطنان" الوجع
جنين / كتب عبد الباسط خلف:
انطلقنا باتجاه تجمع "بير الباشا "، الجاثم على الطريق الرئيس جنين ـ نابلس ، الذي بات ملعبا للأطفال بعد سلسلة الحواجز الاحتلالية التي "خنقته" ، لم تكن رحلتنا إلا نزهة للبحث عن الوجع …. إذ "تنهش الثلاسيميا " أجساد خمسة من أفراد عائلة المرحوم أسعد جبابشة ، الابن الأكبر كمال ( 27 عاما ) وعميد (20 عاما ) والأطفال: سهام (13 سنة ) وسعيد (اثنا عشر ربيعا ) وهايل (10 سنوات ) .
استقبلتنا دموع الأم ومعها لوعة القلب ،لتروي : اكتشفنا المرض بالصدفة ، فقبل أن يصل كمال عامه الثاني ، أخذ بطنه بالانتفاخ ووجوه بالاصفرار ، اتجهنا إلى طبيب في جنين وآخر في نابلس ثم لمشفى بالقدس ، بعدها طلبوا منا أجراء فحص شامل للعائلة كلها ……. تتابع استرداد أحزانها : في كل مرة أصبحنا نكتشف فيها إصابة طفل جديد بهذا المرض ، وأخر محطة يوم أصاب ابنتي سهام المرض وهي في الخامسة تقريبا .
تضيف : بعدها أصبحنا "زبائن "للمشافي ، ففي كل أسبوع يتجه أحد أبنائي للحصول على دم ، والمصيبة أننا نطالب أحيانا بإيجاد متبرعين .
عائلة تروي أوجاعها
تصف الأم حال كمال ، الذي تزوج ، و أنجب ثلاثة أطفال فتقول : أخذت زوجته تتهرب منه لمرضه ، كما أنه لا يقوى على عمل أي شيء ، لدرجة أن أبنه الصغير أسعد ،3 سنوات ، يستطيع إسقاطه أرضا ، لضعف جسمه و أعاقته في يده .
" حينما أسير في الطريق وحيدة أحدث نفسي ، تنتابني ليلا كوابيس مزعجة ، تتساقط الدموع على مخدتي حتى تبتل ، أولادي المرضي بحاجة لغذاء وعلاج وأنا ( تقدم شهادة مشفوعة بالقسم ) لا أمتلك شيقل في جيبي، التيار الكهربائي مقطوع عنا ولا نمتلك الكاز لإضاءة الأنوار ، أبنائي الخمسة المرضى لا يستطعيون العمل ، والسادس المعافى الوحيد أغلقت الدروب في وجهه ، فقدت نجلي المعافى الثاني ظلما بعد أن قتل غدرا " وراء كل عبارة تخفي الأم أمل جبابشة هموما تكاد تتوزع على جبال الدنيا لوطأتها، فيما نجلها عميد بوجهه المنتفخ وعينيه الصفراوان يختتم بقائمة وجع مشابهة فيقول : أحلم بأن أكون سعيدا ، من المستحيل أن أتناسى مرضي ، فقدت كل أحلامي ، خسرت المدرسة بعد أن تركتها في الصف الخامس ، لا أصدقاء لدي ، حياتي بلا طعم ، لا أخرج من المنزل إلا للعلاج ، يذكرني أطفال جيراننا: مرح و أسيل و فداء ويزن حاتم غوادرة بمرضي فكلهم مصابون به.
صغار بثقافة كبيرة
تبدي ميس عادل ، 14 عاما ، تضامنا مع صديقتها " أزهار " وهو أسم مستعار تختفي وراءه فتاة في مقتبل العمر تشاركها الثلاسيميا أو فقر دم حوض البحر المتوسط ، أحلامها المتواضعة .
أبدت ميس تفاعلا خاصا مع ما عثرت عليه في الصفحة العاشرة لكتاب " التربية المدنية " خاصتها ، الذي أشار باقتضاب إلى أن المرض الملعون كما أطلقت عليه"وراثي يصيب الدم فينتج هميوغلوبين غير طبيعي ، ما يؤدي إلى تكسر كريات الدم الحمراء ، وضعف دم المريض"
تعلق ميس ،المتفوقة في إحدى مدارس جنين ، المهم كما تعلمنا "أن الطفل لا يصاب بالمرض إلا إذا كان أبوه وأمه حاملين للصفة الوراثية " .
تضيف : والحالة كهذه يصبح بالإمكان " تطويق المرض " من خلال منع الزواج بين من يحملا عوارضه ، كي نتجنب أن يكون مصير أزهار أخرى الأفول ….
تشارك أحلام زميلتها ميس بالاهتمام ذاته كون أزهار صديقتهن المشتركة ، فقد أبدت سرورا كيرا حينما علمت بمسابقة " رسائل الخير " لشركة جوال للهاتف الخلوي ، التي خصصت 30 بالمائة من ريعها وعلى مدار شهر ، كتبرع لصالح جمعية أصدقاء مرضى الثلاسيميا .
تضيف بعيونها البريئة متضامنة مع أزهار و120 ألف فلسطيني كانوا يحملون صفة المرض الوراثية حتى منتصف العام 2001 بحسب إحصاءات "أمل ": رجوت أخوتي ، وطلبت من أصدقائي إرسال رسائل كثيرة ، ليس حبا أو طمعا بالجائزة ، ولكن للتخفيف عن مريض يعاني كل دقيقة ، وبخاصة إذا ما علمنا أنه يحتاج سنويا لمبلغ يفوق العشرة آلاف دولار ، حسبما أخبرني صديق والدي الطبيب .
مشاهد عن قرب
توصلت ميس وأحلام لمجموعة أوراق عمل أعدتها جمعية" أمل"، لكن ما لفت انتباههن تجسد في تجارب ومشاهدات مع المرضى .
فرنين منصور الشابة الفتية النظرة ، كما عرفها الباحثون ،أطلقت صرخة مدوية ، وتساءلت : هل أستطيع الزواج؟ وفي نهاية المطاف تصف ميس مقتبسة : " تزوجت لتبني بيتا صغيرا يتمتع بالحب والأمل ، وبقناعة الزوج أنها فتاة كغيرها من أبناء هذا الوطن " .
فيما أحلام تروي حكاية الشاب مازن عتال ، 17 عاما ، وهو ابن عائلة يعاني كل أفرادها الثماني المرض الملعون كما الفقر ، وكان للجمعية دور في إقناعه باستخدام وسائل العلاج كـ"الديسفرال" ليكون بمقدوره المشي على قدميه .
أطفال يتضامنون مع أنفسهم
لا زال صدى عبارة" أولادنا أغلى كثيرا من أن نورثهم الثلاسيميا " يتردد في ذات سمر محمد ،15 عاما، التي تعود بشريط ذكرياتها الغض إلى العام قبل الماضي ، حيث شرعت جمعية أصدقاء مرضى الثلاسيميا ، بحملة إعلامية لتشجيع إجراء فحص قبل الزواج ، بغية تجنب توريث المرض للأجيال .
تستعين سمر بإعلان لصحيفة محلية ما زال في جعبتها ، ويظهر طفلا مليئا بالابتسامة يمسك بطرف والده ، إلى جانب عبارة مؤثرة :" قد تحب أن يرث أولادك لون الشعر ، أو شكل وجهك ، أو ميلك إلى الشعر . لكنك بالتأكيد لن تحب أن يرثوا المرض عنك ".
تسدل سمر الستار عن أوجاعها ، وكأن الخوف يطارد وجهها الصغير منذ أن علمت أن أعداد مرضى جنين يتزايدون سنويا بواقع تسعين حالة ، مشكلين النسبة الأعلى في الوطن ، وان متوسط عمر المريض في وطنها المجروح ،15 سنة، مقابل 60-70 عاما في دول الجوار كقبرص واليونان.
خالد : من معلومات نادرة لموسوعة
يجسد خالد الشاب العشريني ، نموذجا متقدما ، فهو ككثيرين لم يكن يعرف عن المرض غير معلومات عامة ونادرة ، لكنه وما أن فكر في اختيار شريكة حياته ، وبدأت مع ذلك إجراءات عقد القران ، وفحص الثلاسيميا الذي شرع بتطبيقه قبل زهاء ثلاث سنوات كشرط لإتمام " الشراكة الأغلى " تحول لإنسان آخر ….
يروي : ما أن قرأت عن المرض ورعبه ، إلا وتكون لدي استعداد سريع للتخلي عن أي شيء مقابل عدم توريث أطفالي داء خطيرا كهذا ، تظهر أعراضه في السنة الأولى من الولادة ، ويبدأ معه فقر الدم الشديد والتأخر في النمو وشحوب البشرة وانعدام الشهية ، وتكرار الإصابة بالالتهابات لتراجع المناعة .
لم يكن أمام خالد غير الإسراع إلى شبكة الإنترنت ، ليبحر باحثا عن معلومات حول المرض .
يقول : عثرت في النهاية على موقع جمعية أصدقاء مرضى الثلاسيميا ، وجذبتني شارتها وشعارها وذلك الأمل المنبعث من قطرة دم تعادل حياة ، بألوان حمراء قانية وبيضاء وخضراء .
يضيف : لم أكتف بالتعرف على أهداف الجمعية النبيلة ، وماهية المرض ومدى انتشاره ومراحل علاجه ، والوقاية منه . ومضيت باحثا عن " الرواد العشرة ": الذين انطلقوا في جمعية كهذه ، فعلمت أن د. بشار الكرمي يرأس هذه "الخلية الطبية " إلى جانب مدير عام مؤسسة فلسطين المستقبل ايفا علاونة ، وأطباء وسيدات وسادة مجتمع ، لكن ما لفت انتباهي كون السيدة سلمى حمد ، العضو في اللجنة المشرفة على مهام الجمعية ، والدة مريض تلاحقه لعنة الثلاسيميا .
يستعرض بإيجاز : الجمعية وبحسب ما قرأت " الجهة الوحيدة القادرة والمخولة رسميا على الاعتناء بالمرضى ونشر الوعي بين شعبنا، ومكملة لجهود وزارة الصحة ".
جنين : 130 " أسيرا " للمرض
شيئا فشيئا ، توغلنا داخل أزقة مشفى جنين الحكومي الذي بات يحمل أسم الشهيد د. خليل سليمان ، بدأنا بالبحث عن الممرض إبراهيم خريوش ، مسؤول اللجنة الصحية في جمعية "أمل" _فرع جنين ، دخلنا وحدة الثلاسيميا ، وفي غرفة متواضعة جلس خريوش وراء مكتبه وشرع بتقليب كشوف الأطفال المرضى ، فيما توزعت على الجدار ملصقات إرشادية تحذر كلها من الثلاسيميا ، المرض الذي وصفه أحد الأطباء بالأخطر من "السارس" أو الالتهاب الرئوي اللانمطي المنتشر ومعه الرعب في أرجاء من آسيا .
يفيد استهلالا: في جنين ، المحافظة الأكبر التي تعاني المرض ، نحو 130 مريضا من مختلف الأعمار جلهم من الأطفال .فيما بيت لحم و أريحا أقل رعبا من هذا المرض الذي يؤثر على صنع الدم .
ينثر أجزاء من همومه : ثمة أسر يعاني خمسة من أطفالها المرض ، وفي أخرى أربعة أطفال ، فيما يشارك الوجع الدموي حياة أثنين أو ثلاثة في الكثير من الحالات .
ينهمك خريوش كل يوم بتقديم وجبات الدم لحوالي عشرة مرضى على مدار الأسبوع ، إذ إن العليل الواحد يحتاج في كل نحو 4 أسابيع من 15-20 سم من "رحيق الحياة الأحمر " لكل كيلو غرام من وزنه ، في وقت يشهد الإقبال على التبرع بالدم تراجعا ملحوظا مع ارتفاع أعداد جرحى الانتفاضة الراهنة.
يتابع مألوما : أجبرنا على استئصال الطحال لـ25 مريضا ، جراء نقص الصفائح الدموية في أجسادهم بفعل تراكم عنصر الحديد ، ما يجبر بعضهم على تناول "البنسلين " طوال حياتهم بفعل نقصان المناعة في أجسادهم.
وحول استخدام المضخة ، التي توضع تحت الجلد بواقع 6-12 ساعة كل 5-6 أيام أسبوعيا ، يقول : هناك مشكلة كبيرة إذ لا يتقبل معظم المرضى من الأطفال علاجا كهذا ، لعدم إدراكهم بحجم مأساتهم ، ولمحاولة إخفاء مرضهم ولتفادي استهزاء رفاقهم .
بدوره يعرف د. وليد شاكر مسعود أخصائي الأمراض الداخلية والقلب الثلاسيميا "بمرض وراثي يترك وجعا نفسيا للأسرة وللمريض ، وتضعه في دائرة انتظار الموت " ، ففي تعنك ،القرية الواقعة شمال جنين ، هناك عائلة تفتقد كل عام طفلا من أفرادها الذين يحملون المرض وصفته الوراثية .
فيما ممرضة جمعية أرض الأطفال –فرع جنين ، المتخصصة برعاية الأطفال دون الخامسة صحيا، رولا شاهين تفتح علينا جرحا آخر ، عندما أخبرتنا بأن ضيق ذات يد الأسر الفلسطينية تشكل سببا إضافيا لارتفاع أعداد المرضى في المدينة ، الذين يعجز أهاليهم عن أجراء فحص خاص لكشف "رعب " هذا المرض رغم تخفيض "فاتورته" بحوالي النصف.
نقفل ملفاتنا الموجعة ، وتطاردنا كوابيس الداء الهادئ – الفتاك ، عندما نسمع صرخات أطفالنا الذين هم أكثر عرضة له ، إذا ما علمنا وفقا لإحصاءات" أمل " أن 3-4 بالمائة من الفلسطينيين يحملون الصفة الوراثية لفقر دم المتوسط ،،و76 % منهم هم ثمرة زواج الأقارب ، فيما يشارك الداء72 % من الأطفال دون العاشرة حياتهم ، وإذا ما عرفنا أن 53% من سكان وطننا الجريح دون السابعة عشرة ،ندفن أحلام وأجساد 28 من بين كل ألف رضيع منهم سنويا ، ونردد مع حفظ حقوق الملكية شعار : أولادنا أغلى من أن نورثهم الثلاسيميا …..
رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
أمهات الأسرى يطالبن باطلاق سراح ابنائهن، ويستنكرن عمليات الخطف عبد الباسط خلف الحوارات العامة 0 17-04-2007 05:26 PM
أمهات نقول لهن كل آذار وكل لحظة وأنتن بألف خير عبد الباسط خلف الحوارات العامة 1 24-03-2007 09:48 AM
أمهات وراويات من دمع عبد الباسط خلف حوارات حول المرأة .. حقوقها وحريتها 0 11-11-2006 09:52 PM
أمهات وأجساد هشة و"جسور" أمل عبد الباسط خلف حوارات حول المرأة .. حقوقها وحريتها 0 26-09-2005 09:13 AM
الزواج المبكر جدا : رعب خفي ودموع علنية عبد الباسط خلف حوارات حول المرأة .. حقوقها وحريتها 0 06-08-2005 06:25 PM


الساعة الآن 01:58 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتدى حوارات الفاخرية @2011
Designed By csit.com.sa