إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 06-08-2005, 09:38 PM
عبد الباسط خلف عبد الباسط خلف غير متواجد حالياً
كاتب وصحافي فلسطيني
 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
الدولة: فلسطين
المشاركات: 1,513
Exclamation نيران معادية وأخرى " صديقة" تطارد القلوب الناعمة ..

والعنف واحد..
نيران معادية وأخرى " صديقة" تطارد القلوب الناعمة ..

كتب عبد الباسط خلف:
في يوميات " سها رشاد" إحدى ضحايا العنف الصديق الكثير عن ألوان القادم من الاحتلال، فوقف متابعاتها الكثيرة عن مصادر العنف وأسبابه واستنادا للباحثة اعتدال سيف التي قدمت ورقة عمل لمؤتمر العنف ضد المرأة الذي نظمته منظمة العفو الدولية في العاصمة الأردنية في آذار الفارق، " في حياتنا الكثير من مصادر العنف، فاحتلالنا لا ينتج النفط، ولكنه ينتج القمع والقتل، وندفع ثمن ولادتنا عبر الحواجز بفقدان أرواحنا أو ما زرع في أحشائنا من أجنة، ونتعرض لنكيل جنود الحواجز، وتسرق حريتنا وأرضنا، وحتى إن لم يطل الأذى أجسادنا فإن مجرد تعرض الأب أو الأخ أو الزوج أو الابن لأي نكيل ندفع فاتورته بالدموع."
وما أن وصلت إليها نسخة من نشرة " عين" التي خرجت إلى الحياة عن جمعية المرأة العاملة للتنمية و مركز التعليم المستمر المنبثق عن جامعة بيرزيت، إلا وشعرت بأنها المقصودة في كل رسومات " الكاريكاتير" التي احتلت لوحة الغلاف.
تروي وتتقاطع معها الدموع: مع كل رسمة إلا وشعرت بأنني التي أتعذب، بالرغم من مرور ففترة من الانفصال عن " صقر" أو زوجها الذي انفصلت عنه.
تختزل سها حكايته بعبارة قليلة: خدع في زوجي الموظف مثلي، لكننني وبعد مرور شهر العسل، بدأت أكتشف حجم الغش المخفي في نفسه، فانهال علي بالأوامر، وتوصل الأمر إلى راتبي وصار يبتدع وسائل عقابية….
أجهضت سها جنينها الأول نظراً لحالها النفسية السيئة، وحصلت على انفصال من " صقر" لكن الأيام لم تمح بعد التشوهات النفسية الحاصلة في حياتها.

تتابع: في بلدنا أيضاً نعاني عادات وتقاليد خاطئة طارد أرواحنا كالقتل والحرمان من الميراث والزواج المبكر والتمييز بسبب نوع المولود، ويتفق الباحث الاجتماعي علي إبراهيم مع القول بأن العدوان الإسرائيلي ينتج عدوانا ذاتياً، ويتذكر ما قرأه للباحثة اللبنانية منى مقصود التي قالت إن الأمر الخطير الذي تهدد أطفال لبنان في فترات الحرب الأهلية والعدوان الإسرائيلي تمثلت في فقدان هؤلاء لقيم الحياة، وبالتالي ميلهم لممارسة العنف.
دفعت المرأة حياتها جراء العدوان وفقدت حريتها وطارد الاحتلال مسكن عائلتها أو أفقدها عزيزاً.
و وفق الهيئة العامة للاستعلامات فإن الاحتلال قتل منذ بدء عدوانه في أيلول 2000 وحتى نهاية أيار الفارق( 2004) 3345 فلسطينياًً وأصاب أكثر من 40 ألفاً آخرين إلى جانب تضرر 62888 منزلاً وتجريف 64737 دونماً.
وأشارت إحصائية صادرة عن مركز المعلومات الوطني أن بين الشهداء 617 طفلاً دون الثامنة عشر و233 شهيدة و270 شهيداً استهدفوا في جرائم الاغتيال وسقط فيها 90 شهيداً من "غير المستهدفين"، وهناك 106 مواطناً سقطوا على الحواجز من المرضى والحوامل وكبار السن والأطفال نتيجة العراقيل الصهيونية وإطلاق النيران باتجاههم، واستشهد 344 من ضباط وجنود الأمن الوطني نتيجة استهدافهم بشكل متواصل وتواجد معظمهم في مواقعهم، كما سقط 732 شهيداً جراء القصف الصهيوني و45 شهيداً راحوا نتيجة اعتداءات المستوطنين و30 شهيداً من أفراد الأطقم الطبية والدفاع المدني و9 إعلاميين و220 شهيداً رياضياً، هذا وبلغ إجمالي الجرحى 40581 جريحاً.
وأوضحت أن عدد الأسرى بلغ 7200 أسير (بينهم 6066 أسيراً موثقين لدى وزارة الأسرى) منهم 1252 من طلبة المدارس والجامعات و463 طفلاً و196 معلماً وموظفاً عاملاً في وزارة التربية والتعليم، ومن بين الأسرى 825 أسيراً مريضاً مرضاً مزمناً و98 أسيرة منهن 28 أسيرة محكومة و67 أسيرة موقوفة و3 أسيرات موقوفات توقيفاً إدارياً.

دموع مزدوجة
تختلط ذكريات حزن والدة الشهيد غزال محمد فريحات الذي قضى قبل 16 شهراً، بدم بارد حينما كان يغط في نوم عميق على سطح منزله، مع إعادة تدوير الحزن، ففي شباط الفائت هدم المحتلون في ليلة عاصفة منزل العائلة في بلدة اليامون، 9 كم شمال المدينة، وتركها تعاني.
تشير سميرة إبراهيم، التي كانت شاهدة عيان على الحادثتين، لمقدار الألم الذي هبط على أم غزال، إذ رحل الولد واختفى مكان الذكريات الذي كان يواسها على الأقل في مصابها الجلل.
كان على الأمهات الفلسطينيات القبول بعلاقة قسرية مع الحزن الثنائي، فشهوة القتل استمرت بالنمو ولم تقبل في حالات كثيرة بفلذة كبد واحد وإنما تسللت إلى الأخرى.
علي صديق أحد ثنائي الشهداء الأشقاء، محمد ومحمود لطفي، اللذين انتقلا بفارق أربعين يوما عن بعضهما وفي المكان ذاته، وريا الثرى على بعد أمتار قليلة من غرفة نومها المتاخمة لاستراحة الشهداء، تعمد لإحصاء من تشابهوا مع رفاقه في موت مزدوج عله يحفظ القليل من ذكراهم.
يتساءل محزوناً: لا أدري كيف سيكون بمقدور هؤلاء الأمهات مقاومة الحزن؟
في جنين وفق علي، وطبقاً للإحصاءات الرسمية، فإن أم هلال وبلال أبو صلاح من بلدة يعبد كانت أول من تفتقد ولديها دفعة واحدة بعد شهر من العدوان والانتفاضة وأضاف سقوط زوج ابنتها هاني مرزوق بعد ثلاثة عشر يوماً المزيد من الدمع، تلتها أم محمد ومحمود نساد، فأم فادي ورائد ضباية، والحال مماثلاً لوالدة الطفلين بلال وأشرف أبو خضر التي افتقدتهما في قصف إسرائيلي لنابلس حيث كانا يزوران عمهما.
تستأنف الأحزان فرض نفسها على والدة سفيان وبلقيس العارضة من بلدة عرابة التي ودعت أش، بثنائييها بعد قصف الدبابات لمنزليهما.تماماً كحال والدة عبد الرزاق ولؤي ستيتي من مخيم جنين الذي تحفل ما تبقى من أزقة في، بثنائيي الشهداء كحال إياد وياسر حسين، ومحمود وجمال الفايد، ويوسف ونضال سويطات، وشادي ونضال إغبارية الذين قضى معظمهم في نيسان الدم مثلما كان الحال للأخوين إبراهيم وعبد الكريم بسام السعدي إذ سقطا إضافة إلى جدتهم السبعينية بهجة، وكذا الحال لوالدة الشابين عبد المنعم ومحمد دراغمة من طوباس، وزهرة قلب الشقيقين الُمهدي من جنين، و وأم الشقيقين أسامة ومحمد سليم عزوقة.
وتستذكر حنين إبراهيم أيضاً حال جارتهم مريم وشاحي التي قضت وأبنها منير من دون أن يتعرفا على موت بعضهما، وكذا طه محمد زبيدي وأمه،وعطية أبو أرميلة وولده هاني اللذان سقطا بفارق أحد عشر يوماً.
في عرابة، لا زالت البلدة تتذكر رحيل محمد حردان وزوجتيه أمل وجميلة معاً في قصف بـ"مركبات السماء"، تاركين وراءهم الطفل الرضيع إياد قبل أن يكمل شهره العاشر.
الأمهات في بلدة قباطية كسعاد علي ومّيسر إبراهيم، لن يستطعن مجافاة ذاكرتهن الحمراء، حينما اختلطت أشلاء الأم فاطمة زكارنة بما تناثر من بقايا جسدي ولديها باسل وعبير، عقب قصف أدوات الموت للعائلة التي كانت تمارس عشقها في قطاف أوراق العنب.
أول الضحايا
كان لقرية فقوعة ذات الـ3300 مواطناً ومواطنة لقطة أخرى وموعد مع الموت المبكر الذي طارد الأجساد، فمن هنا كانت الشهيدة رقم واحد في الانتفاضة والعدوان الحالي.
يقول هشام أبو سلامة: سقطت ابنة عمي خضرة في اليوم الثالث للانتفاضة، بعد اختناق بالغاز الذي طارد المصلين في باحة المسجد الأقصى في اليوم ذاته الذي جاء فيه زيارة شارون الاستفزازية للمكان المقدس.
ولشهيدة الأولى أقاصيص أخرى، فهي التي كافحت وربت أولادها بعد رحيل زوجها قبل ربع قرن…
في " استراحة" الأموات ترقد أيضاً أميرة نصر أبو سيف التي قضت في الرابع عشر من آذار العام 2001.


قلب واحد وأربعة قيود..
تنافست الأحزان على استعمار وجه مسعدة ذياب " أم هشام"، ابنة الرابعة والخمسين، فيما تنازعت صور أولادها الأربعة الذين حرموا من ارتشاف الحرية للسيطرة على ذراعيها.
وقفت أم هشام وعشرات الأمهات بجانب لوحة بيضاء ثبتت أمام مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر في جنين، تفيد بأن الزيارات ممنوعة هذا الشهر أيضاً.
تروي: استيقظت باكراً، وشددت الرحال في السابع عشر من نيسان أو يوم الأسير الفلسطيني إلى جنين لأتضامن مع أبنائي وأبناء مثيلاتي.
في جعبة مسعدة القادمة من بلدة كفرراعي غرب جنين الكثير من الوثائق والتفاصيل الصغيرة التي تنفي عنها السعادة بخلاف اسمها: قصاصات ورق من صحف عبرية تظهر نجلها بسام وهو في لحظة تعذيب، إطار ضخم يجمع أولادها في ناحيته المقابلة، يقف علام ابن التاسعة عشرة..
وفي الركن المقابل، يستقر رسم بلال، الابن الأصغر لأم معذبة توفي زوجها نبيل سعيد ذياب قبل 17 عاماً تاركها تتجرع الشقاء كالماء. في الزاوية السفلى للإطار الذي لا يفارقها في مناسبات واعتصامات كهذه يستلقي رسم عزام أبن الخامسة والعشرين.
تتابع، وقد تحولت لخبيرة بشؤون المعتقلات السجون وتضاريسها وأوصافها: لا زلت أتذكر جيداً السادس عشر من آب العام 2001، حينما سرق جيش الاحتلال مني ولدي عزام، وبعد نحو عام حكموا عليه بالسجن مدى الحياة. لم يبقى في بيتها سوى أربعة أبناء، وانتقلت ابنتاها إلى بيت الزوجية.
تتهاطل الدموع من عينيها، لتخبر بأنها لم تعرف بالحكم على عزام إلا بعد مرور ستة أشهر، إذ حاول أشقاؤه تأجيله عن مسامعها قدر الإمكان..
تنتقل في قلبها المقسم لدويلات يحكمها الحزن لروي حكاية نجلها علام الذي لم تزره كما أخوته منذ لحظة أسرهم، فهو الذي أدمن المحتلون احتجازه بدون توجيه لائحة اتهام، وأسرفوا في تمديد أحكام الاعتقال لإداري بحقه غير مرة.
تستأنف لحظة ألم مزدوجة أخرى، ففي الثاني من تشرين الأول 2001، أعتقل جنود الاحتلال ابنيها بسام وبلال.
تشرع من جديد في رسم "خارطة طريق" لأوجاعها، فقلبها يتوزع على سجن عسقلان حيث بلال وبسام، وعوفر وحواره وأنصار ثلاثة في صحراء النقب والدامون حيث تنقل علام الصغير.
تعيد نشر قهرها، فعلام كان بصدد إكمال دراسة الثانوية العامة، وهو المدلل الذي أصبح يشاركها ليلها وحلمها المزعج.
في كل مرة تحاول فيها أم هشام الاستفسار عن موعد الزيارة الأولى، تعود بإجابة لا تفهمها: أولادك ممنوع من الزيارة لأسباب أمنية ؟؟
تسترسل: إذا ما طلع النهار وتوجه الطلبة لمدارسهم أتذكر علام، وإذا ما حان موعد إعداد طعام الإفطار يشاركني البكاء على أولادي الأربعة، وحينما أتوجه إلى حقلي أتخيل الأيام الماضية عندما كنا نعمل معاً ونملأ الأرض.
وفي اللحظة التي أفتح فيها خزانة الملابس وأعيد ترتيب الغسيل، تتجدد الأحزان على من غابوا، وإذا ما صعدت على سطح المنزل أبدأ بالنداء على بسام، ولا تفارقني الحسرة على عزام إذا ما طهوت الطعام الذي كان مولعاً به..
تقول جارتها مائدة صوالحة: أنها فقدت ولدها إياد حينما أطلق المحتلون النار عليه في الحي القديم لجنين، وأعاد الحزن فرض نفسه يوم اعتقال نجلها الثاني بهاء. لم تتوقف معاناتها عند هذه النقطة، فبهاء ممنوع من الزيارة إلى إشعار آخر..
لبلدة كفراعي مع القيد واقتطاع الحرية حكاية تمتد إلى 48 منزلاً أدمنت الحزن وجافتها السعادة كحال ذوي رانيا ذياب ابنة الثانية والعشرين، والتي تنتظر النطق بحكمها من هيئة صورية لا تهدف كما تقول عمتها إلا سرقة شبابها …وانتزاع إنسانيتها

لأم محمد حكاية...
ومثلها أيضاً فتحية يوسف عارضة " أم محمد"، ابنة العقود الستة، إذ تنافس صور أولادها الثلاثة وابنتها الرابعة الذين استقطعت حريتهم لاحتلال موقع من حضنها.
في يوميات أم محمد المكلومة الكثير من التفاصيل الصغيرة التي لا يمكن نزع فتيل حزنها فمحمود أبن الثامنة والعشرين محكوم علية بالسجن مدى الحياة، وأحمد يقتطع القيد 22 سنة من شبابه، فيما حكمت فضبان الأسر على أيام رداد بسرقة 17 سنة منها، وقبل شهر تآمر السجان على الابنة هدى لتصاف إلى القائمة التي سمحت مؤقتاً للابن شداد بالتخلص منها بعد ثلاث سنوات ونصف.
يروي الشقيق شداد: استيقظنا في الثالثة فجراً على ضربات جنود الاحتلال التي استهدفت باب منزلنا، لنعلم بعدها أن القيود ستلتف على يدي أختنا هدى…

تبدل حال خريطة العائلة: الأم والأبناء الطلقاء: محمد وشداد وابتسام والصغير رائد، الوالد عبد الله علي عارضة أنهى التهاب عضال في البنكرياس حياته العام 1993 ولم يسمح لاثنين من أولاده بوداعه الأخير، والابنة هدى أسيرة في سجن الجلمة تخوض حرب أمعاء احتجاجاً على قيدها القاسي.


منعت قضبان الأسر الأم من ممارسة حنانها، فمنذ أربع سنوات لم يسمح لها بزيارة محمود الابن المعزول في سجن بئر السبع الصحراوي، فيما تفصلها ثلاث سنوات عن رداد وكذا الابن أحمد.
واليوم يتوزع قلبها على عدة محاور: سجن بئر السبع الصحراوي، حيث محمود و أحمد وعسقلان الذي يسرق حرية رداد وأقبية تحقيق سجن الجلمة التي طاردت الابنة هدى.
باتت أم محمد كما يقول شداد على دراية بخريطة المعتقلات الاحتلالية السابقة والحالية: جنين المركزي، معتقل الفارعة، جنيد المركزي، نابلس القديم، معتقل الظاهرية، سجن عتليت، محدو، الدامون، شطة، نفحة، بئر السبع الصحراوي، عسقلان، الجلمة، أنصار ثلاثة" النقب"، معسكر سالم الاحتلالي أيضاً..
منفيون في وطنهم...
لازالت حورية حسن صوص تستذكر الاتصال الهاتفي الذي جدد أحزانها، فعلى جهة الخط الأخرى كان الصوت المنهك القادم من غزة لابنها سامي الذي أبعد من سجنه الصحراوي.
قال سامي لوالدته: ماذا تصنعي يا أمي؟
ردت الأم بكلمات من دمع: أَلُفَ ورق عنب.
ذكَّر سامي أمه بأن هذا الطبق هو الذي يفضله عن غيره، فقرر توجيه دعوة لنفسه في ضيافة أمه، وهي الدعوة التي لن تنفذ لأن غزة المنفى الجديد تقع في كوكب آخر…
لم يكن افتقاد سامي محطة حزن يتيمه لأمه،فهي التي توزع قلبها لثلاث جهات : غزة حيث يقضي سامي حكماً بالإبعاد لشطر وطنه الآخر أو نصف البرتقالة الضائعة، وفي الجهة الثانية هداريم التي تقتطع قضبانها حرية مجدي الموقوف في عزل انفرادي،وفي الجبهة الثالثة سامر القابع في "أنصار ثلاثة " الصحراوي.
تروي: كان الله في عون الحاجة مرزوقة الزريعي التي فقدت أربعة من أبنائها في غزة وإلى الأبد إذ قدمتهم شهداء …وتضيف : حينما أتذكر أولادي الثلاثة أنفجر بالبكاء، وأعيد تخيل مشاهد ملاطفتهم ومزاحهم معي،مثلما يأتي شهر رمضان والأعياد لتفتح الجراح من جديد.
ففي صباح النسخة الأخيرة للعيد، أنفجر "مستودع" أحزانها وراحت تصرخ بأعلى صوتها، فكما تقول "إن نسيت واحد منهم، لا أنسى الثاني والثالث.."
تقول أم مازن التي أصبحت على دراية بشؤون المعتقلات، إنها لم تر ولها المبعد منذ اليوم الذي أعتقل فيه في نيسان الفارق وشقيقه مجدي في اللحظة نفسها،عندما تنكرت قوات المستعربين في هيئة مركبة جوّالة لبيع الخضار.
تروي: حتى لحظة قرار إبعاده لم أشاهده فيها وحاولت الحصول على تصريح لدخول القدس الغربية إلا أنني أبلغت برفض منح زوجي تصريحاً، فتقدمت بطلب لأبني الذي لاقى المصير ذاته.
أسرعت أم مازن إلى التلفاز، عندما أبلغها سامي بأنه سيظهر على شاشة التلفزيون الفلسطيني، وهي المرة الوحيدة التي تشاهده بها منذ اختطافه منها.
سامر ( 18 ربيعاً) و مجدي(24 عاماً) وسامي ( 23سنة) كلهم الآن بعيدين عن والدتهم، ولا يرحلون من مخيلتها…
تبدي الأم تضامناً مع أم نادر السعدي وأم محمود مشكاح اللتين تتشاركان في المنفى ذاته،مثلما تتأثر كثيراً لإبعاد انتصار العجوري التي لم يسمح لها بوداع والدها الذي ودَّع الدنيا،والمصبية برأي أم علي صدقي إحدى المتضامنات الأخريات أن انتصار وشقيقها كفاح كانا منفيان معاً.
ضحية صغيرة
لم تكن نيبال توفيق مراعبة، أحد عشر ربيعاً تعلم أن الحمى التي اجتاحت جسدها ستكلفها تلقى جرعات العلاج من وراء أسلاك جدار الفصل العنصري الشائكة، التي أصبحت تطوق قريتها الصغيرة رأس الطيرة، قريباً من مستعمرة "ألفي منشيه" الجاثمة على صدور المواطنين كما أرضهم في محافظة قلقيلية شمال الوطن المحتل.
ذات نهار بارد أخذت الحمى تطارد الصغيرة نيبال، بفعل التهاب اللوزتين المتكرر الذي تحول لشريك لها، فأسرع والدها إلى بوابة باتت طريقهم الوحيدة للخروج من منازلهم، وكأنها سجون عائلية غير فاخرة، اضطر الوالد للصراخ بأعلى صوته على دورية احتلالية كانت تمر بجانب البوابة، وما أن قَدِم الجنود أخبرهم بأن صغيرته بحاجة ماسة لطبيب.
جاء رد جنود الاحتلال بفتور وبعربية ركيكة: "انتهى وقت فتح البوابة اليوم، بإمكانك العودة غدا !! ". راح الأب يشرح لهم خطورة حالة نيبال، لم يحركوا ساكن.
يروي عم الطفلة و رئيس مجلس القرية المحلي زهران مراعبة : اتصل أخي بطبيبين من حبلة وعزون المجاورتين، بعد وقت قصير، حضر الطبيب بكر خروب الذي تحدث بدوره مع الجنود فأصروا على منعه هو الآخر من عبور البوابة، وأعاد محاولاته ثانية وثالثة دون جدوى، فراح يقدم لها العلاج ويجري الفحوصات من وراء جدار.
يتحدث جمال جمعة منسق الحملة الوطنية لمقاومة الجدار، أمام حشد طلابي، مرّرّ الطبيب سماعته لوالد نيبال وراح يرشده على كيفية استخدامها وينقلها لأنحاء جسدها المشتعل بنار الحمى، وحينما أكتشف خطورة الحالة، عاد ثانية للجنود وأخبرهم بأن الطفلة بحاجة ماسة لمستشفى، ردوا بفتور، وكرروا القول: الوقت ليس وقت فتح بوابة.
يستأنف جمعة حديثة بحرقة، لم يكن أمام الطبيب سوى التنسيق مع والدها لمنحها حقنة تخفف من حرارتها الملتهبة، فعمد الأب لخلع جزء من ملابسه، وراح يشكل خيمة فوق جسد طفلته، وأدخل الطبيب يده من خلف أسلاك شائكة في الغالب ما تكون متصلة بالكهرباء، و زرع الحقنة في جسد الصغيرة !
بتابع العم زهران حديثة المطعم بوجع مر: كادت نيبال تفقد حياتها، مثلما تكرر السيناريو مع الطفل زيدان نظام صالح الذي يعاني جسده الغض ضائقة في التنفس.
يضيف:غالبا ما يتعرض طلبة المدارس للتنكيل من جانب جنود البوابة، ففي الشتاء الماضي صلبوا الأطفال ثلاث ساعات تحت المطر، عندما هموا بعبور البوابة وهو الأمر ذاته الذي أعاد أوجاع اللوزتين لنيبال في اليوم التالي.
ينهي زهران محزوناً: هناك في خربة الضبعة ورأس الطيرة وعرب الرماضين الغربي والجنوبي و وادي الرشا وهنا في رأس الطيرة يعيش 925 مواطنا في ما يشبه الزنازين، ويهدفون فقط لترحيلنا …
يشير جمعة لرد عضو "الهيومن رايتس ووتش" الأمريكية الذي مكثت في قلقيلية ثلاثة أيام وخرج في ضرورة أن يقدم الإسرائيليون لأهالي المدينة ملابس وثلاث وجبات طعام يومياً، لأنهم أصبحوا يعيشون في سجن !
وفقاً لتلخيص كتاب " الصحة وجدار الفصل العنصري " الخارج إلى الحياة في كانون الثاني الفارق، الذي نشر في الصحف المحلية: سيبلغ طول الجدار حال الانتهاء من بنائه 752 كيلومترا، وسيلحق ضرراً مباشراً بأكثر من 750 ألف مواطن فلسطيني يعيشون قريباً منه، وسيجزئ الأراضي الفلسطينية إلى 22 سجنا ومعزلاً، وسيعزل 71 قرية وبلدة وتجمعاً عن محيطها.
وطبقاً لمعهد الإعلام والسياسات الصحية والتنموية، فإن المقطعين الأول والثاني من الجدار أحدثا فصلاً لعشرة تجمعات سكانية في مناطق الضفة الغربية، وعزلا 21 مركزاً صحياً عن باقي مدن الضفة وقراها وبلداتها.

كتب د. أحمد مسلماني، مدير لجان العمل الصحي في ملحق" العمل الأهلي" قائلاً: إن جدار الفصل العنصري بمرحلته الأولى يمد إلى 165 كم، ويعزل 16 قرية عزلاً كاملاً، ويفصل 50 أخرى عن أراضيها.
وحسب الأرقام التي أوردها مسلماني وصارت في جعبة مرام، فإن الآثار التي سيخلفها الجدار ستسري على 583660 نسمة( 97 ألف أسرة) يشكلون 16 % من السكان على طوال الجدار المنوي إقامته بطول 650 كم، منهم 19260 مسناً وأكثر من ربع مليون دون الخامسة عشرة، و 105642 طفلاً دون الخامسة ويحتاجون إلى مطاعيم دورية ( 4 أنواع في 6 مرا ت)، فيما معدل المواليد التي أوردها د. مسلماني في هذه المنطقة 23404 مولدا سنوياً، و600 حالة وفاة.
وفق أرقام الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فإن الوضع الصحي والغذائي مأساوي قبل إقامة الجدار، فمثلا ينتشر فقر الدم بين النساء في سن الإنجاب في صفوف 33 %، وهناك 10% من حالات ولادة أطفال أقل من2,5 كغم.
تبعاً للإحصاءات فإنه يوجد في منطقة الجدار حوالي 97 عيادة ومركزاً طبيباً، وازداد أعداد المرضى الذين يحتاجون لرعاية بنحو 50 %، وكذا المراجعين الذين يعانون أمراض مزمنة كسكر الدم والضغط والقلب والكلى والأمراض السرطانية وغيرها الذين يبلغ عددهم 23346 مريضاً، ناهيك عن 11 ألف معاقاً، وسوادهم الأعظم يحتاج إلى خدمات طبية تشخيصية ومتخصصة.
وحرم الجدار أيضا المواطنين من المتابعة والرعاية الصحية ما ينذر بمضاعفات خطيرة تصل إلى حد الوفاة ويخاصة للأطفال وكبار السن كمرضى التشوهات الخلقية وأمراض الدم كالثلاسيميا أو فقر دم البحر المتوسط، الذين يحتاجون إلى متابعة طبية باستمرار.
تقول جوان جبران أو منسقة بحث " تأثيرات جدار الفصل العنصري على الصحة " عبر صفحات الكتاب المر( الصحة وجدار الفصل العنصري) الذي نشر ملخصه في وسائل الإعلام: سيغير الجدار البنية الجغرافية الفلسطينية، ويعزل المناطق الريفية عن المدن، ويخفض من الخدمات المقدمة للمرضى، ويجعل المجتمع الفلسطيني يعتمد بشكل مطلق على المساعدات الطبية المقدمة من الخارج.
ووفق الكتاب ذاته: قضى 91 مريضاً فلسطينياً على حواجز الإذلال، ووضعت 55 سيدة فلسطينية على مقربة منها، واستشهد 25 طبيباً ومسعفاً فلسطينياً، وجرح 425 منهم.
وبحسب الإصدار، فإن مخاطر جدار الفصل العنصري الصحية تتمثل بازدياد الفقر، وسوء التغذية، وبالتالي انتشار الأمراض، وارتفاع منسوب الضغط النفسي، ما سيؤثر على الحياة اليومية، ويضاعف تكلفة العلاج، ويحد من حركة المرضى والطواقم الطبية، ويقطع أوصال التجمعات السكانية ويفصلها عن المراكز والعيادات.
يطاردون الأجنة
بدت مسؤولة برنامج تأهيل المعاقين المبني على المجتمع ( السي، بي، أر) صبحية غانم أو " أم باسل" على درجة عالية من الذعر وهي تشير إلى رعب جديد لجدار الموت.
تقول: لم يكتف المحتلون بسرقة أراضي قرية فقوعة شرق جنين وحصار أهاليها، لكنهم تسببوا في تشويه أجنة أطفالها في بطون أمهاتهم، وقبل أن يحرجوا إلى الحياة.
تضيف عقب جولة ميدانية قامت بها ولجنة البيئة المحلية في القرية المرتفعة والمحاطة بالأشجار: بعد بضعة أشهر من إكمال الجدار، بدأت تظهر على ساكني المنازل المجاورة له ظاهرة غريبة نشرت الرعب في صفوف المواطنين إذ أصبحت حالات التشوهات الخلقية والإجهاض تلازم الأمهات الحوامل.
تروي: أخذ الأهالي في القرية التي أجبرت منازلهم على ملاصقة الجدار يتنبهون لحقيقة وجود عدة حالات إجهاض وتشوهات خلقية لحديثي الولادة.
ويعزو الأهالي السبب في أن جيش الاحتلال عمد وفي فترات من نهاية العام الفارق لإطلاق قنابل غاز في ساعات مبكرة قرب المنازل المتاخمة للجدار في ركن القرية الشرقي.
تقول غانم نقلاً عن نساء من القرية إنهن استنشقن الكثير من الغاز المدمع لأكثر من مرة في بداية حملهن. ووفق المواطنة عائشة أبو عيد التي كان الإجهاض من نصيبها في الشهر الثاني من حملها، فإن الغاز كان يتسلل إلى داخل منزلها، ولم تستطع إجراءات السكان المتواضعة الفرار منه.
في ركن آخر من القرية، يعيش الرضيع حمزة إسماعيل الذي بالكاد أكمل شهره الأول، ويرافقه تشوه خلقي، وهو الابن الأول لعائلة ذات أربع بنات.
وتؤكد أشواق أنها أجهضت جنينها الطفل في شهره الخامس، وقد بدت عليه علامات تشوه.
تكمل أم باسل: هناك حالات أخرى لكن أصحابها يتحفظون على الإشارة إلى هويتهم، ويؤكدون في الوقت نفسه أنهم بحالة نفسية سيئة…
تسرب الخوف والقلق إلى صفوف المواطنين والهيئات الصغيرة كالمجلس القروي ولجنة البيئة والمركز النسوي، وبات دور أم باسل وغيرها لفت أنظار المؤسسات المعنية والحديث عن الرعب الخفي لوسائل الإعلام، فربما يجدون آذاناً صاغية…
تقول غانم: نهدف من وراء نشاط كهذا لفت أنظار المجتمع لمشكلة خطيرة تزاحم الأهالي على حياتهم وصحتهم ومستقبل أولادهم…
11 "ملاكاً" في قائمة الضحايا
للشاب العشريني محمد محمود نصار حكاية مشابهة، فهو الشغوف بقضايا البيئة، إذ بدأ في مرحلة مبكرة جهود للحد من ظاهرة الغاز التي لم يجد الأهالي لهل تفسيراً دقيقاً، على الأقل عن سبب استخدامها ضدهم.
بدأ محمد ابن البلدة ذات الـ 2800 نسمة تطوعه في الجمعية الفلسطينية لحماية الطبيعة، وهي جمعية محلية تعنى بالطبيعة وتحاول مناصرة قضاياها، راح يواكب غير نشاط في محاولة للتعرف إلى السلاح الخفي الذي استخدم ضد القرية وبخاصة المنازل التي مر من جانبها الجدار العنصري.
يروي وقد بدا متفاعلا بشدة، قبل نحو ثمانية أشهر، شعرنا بغازات في قريتنا أطلقتها دورية للجيش في ساعات مبكرة من أيام رافقت العمل في إقامة الجدار، صوب عدة منازل تستلقي على الجهة الشرقية من فقوعة، وأصبحت تبتعد عن الأسلاك الشائكة مسافة تتراوح بين خمسين إلى مائة متر.
أحصى محمد وثلاث متطوعات أخريات في الجمعية هن: عبير أبو سلامة وإنعام مساد وفريال خليفة، إحدى عشرة حالة تشوه وإصابة من جراء الغاز المنبعث في محيط البيوت القريبة من السور الفاصل.
يقول محمد: الكثير من الأهالي يتخوف من نشر اسمه في وسائل الإعلام، لكنه يذكر بضعة أمثلة لحالات طاردها خطر الغاز كإسماعيل إبراهيم الذي تشوه ولده، ومحمد أبو عبيد وعزام نادي اللذين أجهضت زوجتيهما، فيما أحمد شحادة رزق بمولود مشوه.
من الجهة الشرقية لفقوعة، 7 كم شرق جنين، يجثم 22 بيتاً قرب الجدار، ويرفض السكان الإسهاب في الحديث عن رعبهم.

كسر يد زوجته لأنها تصرفت بجزء من راتبها!!
لم أكن أتخيل يوميا أن زوجا متعلما يمكن أن يهبط في فكره وسلوكه لدرجة كتلك التي وصل إليها زوج أحد المدرسات التي فرض عليها منحه راتبها كله مطلع كل شهر لكنني أصبت بفاجعة يوم علمت من زميلتي أن ابن بلدتها كسر يد زوجته لأنها اشترت من راتبها فستانا حلمت بامتلاكه ! "
وفق هذا النحو تروي خولة ما حل بالزوجة المسكينة التي أوقعها القدر، والحظ العاثر بزوج من هذه الشاكلة … إذ يحتم عليها تقديم كشف حساب بداية كل شهر لمعرفة تحركات نقودها التي حولها لشخصه، ليسس سوى أنه زوجها !
تضيف: ينحدر الشاب المتعلم من عائلة ميسورة الحال، وتلقى تعليما عال، لكنه انحدر في تعامله مع شريكة حياته للطبقة التي لا تستطيع فك الحروف و تستخدم بصمة يدها في التعاملات الرسمية.
ترجع لتفصيل ما بعد الحادثة : إذ تركت الزوجة " المغلوب على أمرها " بيت الزوجية " الجحيم "، لبيت أهلها ويدها معلقة في رقبتها، لتمضي فترة طويلة قبل أن تجبر على العودة ثانية، كونها أما لغير طفل. تصف رنا، وهي طالبة جامعية، ما سمعت به بالأمر الخطير، لكنها تستاء من ردة فعل الزوجة المسكينة، التي لم تفكر في رفع دعوى قضائية ضد شريك عمرها، للانفصال عنه، وحتى أهلها لم يحرصوا على عدم إعادة ابنتهم لجحيمه ولو كان فردوسا من الخارج.
ينتقل أحمد الشاب المقبل على الزواج، للحديث عن ابن بلدته الذي يتعامل من عشرات السنين مع زوجته وفق نظام " الحصة " إذ يكتفي نهاية كل شهر بمنحها جزءا يسيرا من راتبها، لا يصل إلى 10% منه ويستأثر الباقي لنفسه رغم أنه موظف كما هي. ينحي باللائمة على تلك المرأة الضحية، التي ينبغي أن تكسر حاجز الصمت ولا تقبل بابتزاز زوجها وجاهليته الجديدة.
ينهي متهكما : ربما سيصدر ذلك الزوج تشريعيا معدلا لبنود قانونه السابق يقضي بتخفيض مخصصات الـ 10 % الممنوحة لها إلى 1 % أو 0 % !!
تقترح رنا على النساء المضطهدات أن يرفعن صوتهن عاليا معاً، ويناضلن ضد أزواجهن، فالتحرر الاجتماعي بالنسبة لهن قيمة مهمة، لكنهن بحاجة للتخلص من الخوف وثقافة التستر.
مائتا شيقل شهرياً !
قريبا من الركن الغربي لمدينة جنين، تستلقي إحدى التجمعات الصغيرة باسترخاء، ولا يعكر صفوها غير جدار الفصل العنصري، شأنه وممارسات ترجعنا للعصور البائدة. يهمس صديقك المعلم ما عايشه وزميله الذي بلا أدنى شك لن يكون المقصود في تشبيه أمير الشعراء لنظرائه بالرسل، كما تحدث مدير المدرسة التي ينتمي إليها المعلم ( الأسطورة ) …
يروي " ح " : عند السادسة والنصف من كل نهار مدرسي، يمتطي المدرس ركوبته الهوائية وينطلق لنقل معارفه لطلبته الصغار، ويترك وراءه جيشاً وأماً من الأطفال جوعي ليس فقراً وإنما حبا بكنز الأموال.
بتابع: مطلع كل شهر يضيف الأب لسبعة أطفال رزمة جديدة من الأوراق ذات الفئة الأكبر للدنانير الأردنية الخضراء ويكنزها، ويبدأ بالطلب من زوجته بتدبير شؤون منزله، والتقشف بشتى الوسائل وإعلان حالة الطوارئ بالقليل من المال المفرج عنه.
يكمل: الغريب في الأمر أن س يتفاخر بسلوكه غير اللطيف والأخلاقي بالمرة، ويتباهى برصيده الهائل في البنوك، في وقت يشكو أطفاله الحزن على فراق الرفاهية وحتى التنعم بما هو أساسي من طعام وشراب …
يسترسل: يشعر، وفق شهود عيان، أطفال س بالحسرة، فوالدهم يمتلك المال الوافر، لكنه لا يسمح للشواقل بالبقاء طليقة، وبعيدة عن التحول للدنانير التي ستنشئ الثروة، وتخلد للراحة في إحدى المصارف إلى جانب زميلاتها.
تتهكم إحدى الجارات في بلدة صغيرة تقابل منزل البخيل أو كما أسمته بأبي جلدة فتقول: لا تعرف اللحوم والشحوم طريقها إلى هذا المنزل بالإشارة لبيته القريب نسبيا، وتبدي تضامنها مع الزوجة المسكينة التي تطالب بتدبير الأمور وتأمين النواقص، لأن الشعار الدائم لأبي جلدة " احفظ قرشك الأبيض ليومك الأسود " والغريب أم كل أيام العائلة سوداء فالمسموح إنفاقه لا يتعدى المائتي شيقل شهريا، أو ما يوازي أقل من ورقتين خضراوين !
يعلق الأستاذ جمال، في حال زميلنا المسألة صعبة جداً إذ كيف يمكن لأمثاله نقل معارف التربية وشروط التعليم لطلبة ربما سيتسلل لمسامعهم ما يفعله معلمهم في مملكته، وبالتالي سيخسر ثقتهم الغالية. وينهي أي حياة هذه التي ستكنز لها الأموال فيما زوجته وأفراد أسرته يشعرون بالمرارة والجوع، وملابسهم رثة، بينما يد والدهم القابضة على المال مليئة به.

العنف يكلف الدول 4% من إنتاجها المحلي!!
قال تقرير،رأى النور في حزيران الفارق عن منظمة الصحة العالمية، أن العنف يكبد الدول خسائر مادية ضخمة. وتفيد الإحصاءات بأن الإصابات التي تنجم عن العنف تكلف الدول ما لايقل عن 4% من الناتج المحلي الإجمالي وذلك بالإضافة إلى المعاناة الجسدية والنفسية.
وجاء في التقرير لمناسبة اختتام مؤتمر لمكافحة العنف استمر 4 أيام في فيينا :أن نحو 1.6 مليون شخص يموتون سنويا بسبب إصابات ناجمة عن العنف كما يصاب ملايين آخرون بإصابات نفسية وجسدية مختلفة.
وتشير الدراسة إلى أن العنف هو من أكثر العوامل المسببة للوفيات للفئة العمرية ما بين 15 و44 عاما. وتتفاوت النسب بين الذكور والإناث حيث تبلغ لدى الذكور 14% أما الإناث فتبلغ 7%. كما توضح الدراسة أن الذكور عادة ما يتم قتلهم بواسطة أشخاص غرباء أما النساء فغالبا ما يتعرضن للقتل على أيدي أزواجهن أو شركائهن.
وركز التقرير على التكاليف الناجمة عن العنف سواء القتل أو الاعتداء الجنسي أو الضرب. كما أشار إلى التكاليف الطبية والقانونية والقضائية والأمنية بالإضافة إلى الأضرار النفسية وفقدان القدرة على الإنتاج.
وأضاف التقرير إن السلفادور تنفق 4.3% من ناتجها الإجمالي القومي على التكاليف الطبية المرتبطة بالعنف بينما تنفق البرازيل 1.9% وبيرو 1.5%.
أما في الدول الصناعية فالتكلفة مرتفعة للغاية. ففي أستراليا مثلا تتكبد الدولة خسائر مالية لا تقل عن 837 مليون دولار سنويا أما في الولايات المتحدة فتبلغ الخسارة 94 مليار دولار سنويا.
وحث منسق المنظمة المختص بمنع العنف أليكساندر بوتشارتف، الدول على فعل المزيد من أجل منع العنف وقال إن الخسائر الاقتصادية وحدها كفيلة بإقناع هذه الدول على العمل لتقليل وقوع حوادث العنف.

ثقافة " الاغتيال "
كان " رائد " يتصفح العدد 168 من " صوت النساء " ويدون ملاحظة على صفحتها الأولى، تملكنا الفضول الصحفي، واقتربنا من الشاب العشريني الذي أنهى حديثا دراسته الجامعية، " وانهلنا " عليه بسيل من الأفكار والتساؤلات عن موقفه من قضايا المرأة ونضالاتها الاجتماعية، وحول رؤاه الذاتية لشجون النساء التي قرأ … وكم كان بارعا في تحويل الاستفسار لمتنفس كشف فيه عن قضاياه الذاتية، وما يحدث في أسرته ومجتمعه الريفي المحافظ.
يقدم لنا " رائد " حكاية مذهلة لم أسمع مثيلا لها في حياتي، فوالده المتمسك بقوة لافتة بالعادات والتقاليد أراد فرض ارتداء الحجاب على طفلته " جنات " التي لم تكن أكملت الثالثة والنصف من عمرها، وبالكاد بدأت تنطق وتعبر عما تريده من ألعاب أو ما تحس به من جوع أو حاجة للخلود إلى النوم.
لم يكن الطلب عادلاًًًًَ، بل رافقه إلحاح وإجبار، إلى أن تمكن رائدنا من" استصدار" عفو عن الطفلة، والسماح لها بحرية التمتع واللهو في شعرها الصغير، أصابني الذهول بيد أنني سرعان ما تذكرت قصة حدثت في بلدتي، حينما نجح أب في فرض الحجاب على طفلته بدءا من الخامسة، وقبل أن تتعرف إلى حروف الهجاء، وكم كان حال الطفلة حزينا لأنها ستخسر حقا كفله لها الخالق البديع بالعيش بعيدا عن القيود، لأنها ملاكا يمشي على الأرض.
لا أقدم هاتين الحادثتين لفتح جدال حول قضية الحجاب، وما يحيط بها من اجتهادات وآراء ومعتقدات، لكنني أنظر للمسألة بشقها المغاير، إذ كيف يمكننا سحق طفولة أولادنا الذين لا ينتقل تفكيرهم من دائرة حاجتهم لقارورة الحليب، ويبكون إذا ما تأخر توقيتها. همس رائد في أذني: إنهم أمثال أبي، يكممون عقولنا أولا، ويهتمون بالشكل لا المضمون !
ننتقل لشق آخر في تعسف الآباء الذين يفرضون من جهة ما يريدونه، ويحجون ما يتعارض ومصالحهم، كحال صديقنا الذي رزقه الله بست بنات وولدين، لكن شغفه بالرجال، ونقمته على "حواء " دفعته لطعن حقوقهن، واكتفى، وهو على قيد الحياة، بنقل ملكية ما في جعبته لولديه، لأن من العيب انتقال ملكيته للغرباء، بيد أن المفارقة تكمن في تلهفه وقبوله لميراث زوجته من غرباء !
عنف صامت
لا زالت فيحاء، ابنة الحادية والثلاثين، تستذكر ما حدث في البلدة المجاورة لقريتها الهادئة في محافظة جنين، منتصف الثمانينيات، حينما رزق الله أحد قساة القلب والضمير بمولدة أنثى، إلا أن الأخير لم يرق له ما حدث، وأطلق "نذرا" مشفوعا بالقسم مفاده: لو توفيت الأنثى، لقدمت أضحية، ولوزعتها على أهالي القرية …..
تضيف: تحقق الحلم الأسود للأب الضال، وتوفيت البريئة، وعرفت الأضحية طريقها إلى " بطون الجوعى "، وكانت العاقبة الربانية: الحرمان من الأبناء حتى اليوم.
تسترد ما روته لك زميلة الدراسة غير مرة عن حادثة اقتحمت مسامعها، وتقصيت حقيقتها
يجافي الطب، ادعاءات يعض الرجال في مجتمعنا بأن الزوجة هي المسؤولة عن تحديد نوع الجنين، ويبدأون في " ترحيل الذنوب وفق رأيهم على المرأة، وقد يلجئون إلى تطليقها أو الزواج عليها من أخرى.
بإيجاز، تقول المراجع الطبية، ويؤكد متخصصون أن الرجل هو المسؤول عن تحديد نوع الجنين عن طريق " الكروموزمات " التي ينتجها، وتتحد مع بويضة المرأة.
فأنواع الكروموزمات لدى المرأة X وX” “ فيما تتباين لدى الرجل إلى “X و Y”، فاتحاد X معX يعطي بنتا، فيما X مع Y يؤدي لولد، وهذا يعني أن حاصل التفاعل هو من الرجل ، والمرأة هي الوسط المستقبل لا أكثر.
تصف سماح إبراهيم المتخصصة في علم الاجتماع، البيئة العربية بالتطفلية، فأفراد كثر يتدخلون بشكل سافر في شؤون لا تعنيهم، إذ يذهب كثيرون لإطلاق شعارات وتساؤلات من " طراز " : لماذا لا ينجب فلانا غير الإناث ؟ و ومتى سيرزق زيد بشقيق لبناته الثلاث ؟ ومن سيحمل اسم عمرو الذي لا أولاد لديه ؟ ومن سيتمتع بورثته ؟ وغيرها ……
تقول : لعل التعبير الملائم لواقع كهذا هو الحديث عن اتجاه جاهلي جديد، يرتدي حللا قد تبدو أنيقة …
.
بيوت سوداء
تشير (ع، أ )، ابنة الستين عاما، ما حدث لها عندما قامت شقيقتا زوجها اللتان تكنان العداء لها، بتأليف أغنية شعبية وظفتاها كثيرا في جلد المغلوب على أمرها، وتصف المغناة بيوت الذكور بمنازل وجنات، فيما البيوت التي تكثر فيها الإناث سوداء ومظلمة.
لم يكن بيد ( أ. ر ) أي خيار يساعدها على التخلص من التميز الذي صنعته لها المعيشة في أسرة ممتدة، تخضع السلطة الفعلية لمؤامرات الشقيقات ودسائسها، وحتى حينما رزقت بمولود، ادعت الشقيقتان أنه عادي، وربما لم يجد ما يأكله، لو كتب الله له الحياة،و إن مات فلن يجد كفنا ….
تكمل ومعها حسرات الأيام السوداء التي نالت من ذاكرتها : بعد أربعين عاما زوجت الأختان أولادهن وبناتهن، وحينما رزقن بإناث، وهي الصفة الغالبة على أحفادهن، إستمرين في التمييز والمحاباة بشكل شرس.
عمق المأساة
يقول أحد المحامين ( أ. ع): يولد التمييز بين الذكور والإناث حرمانا كبيرا لحواء، ويتجسد ذلك في حرمانهن من التعليم كما الأشقاء، ومنعهن من الحصول على ميراث الأب، وربما يقيد حياتهن، فطبقا لأحد المراجع الدينية، فإن الأمم السابقة قبل الإسلام تحايلت على ميراث المرأة، لنزعة الرجال الجامحة لجمع المال، مع غياب الشريعة والقوانين والاستناد إلى الحياة الفاسدة، وحكر الميراث على الرجال لأتهم يقاتلون العدو، ويركبون الخيل، فيما حرم الأطفال والنساء لضعفهم.
يضيف: ارتبط التمييز بلفظ فكرة الأنثى، وحتى عندما كان للرجل ورثة من الإناث فقط، فإنها تنقل إلى إخوته الكبار حال وفاته بتلقائية.
بتابع: وعندما أنزل الله تعالى أحكام المواريث، لم يرق للكثيرين منح المرأة حقوقا بواقع الربع أو النصف، فقال بعضهم في رواية لعبد الله بن عباس: اسكتوا عنها عسى رسولنا ينساها.
يسدل الستار على حديثه بالقول : تجد حوادث التمييز بين الذكور والإناث صداها في مجمعنا، ليس فقط في لحظات الولادة، وإنما في حالات الموت، فعندما تتوفى المرأة، فإن جنازتها تكون مغايرة للرجال، وبين مسافتي الحياة والموت تمتلئ الطرقات بالعنصرية والتمييز والظلم والحرمان …
مصيبتان
يشكل ( ح. د )، الرجل الستيني حالة تمييز أخرى، فقد رزق الله بعدد من الأبناء ( 4 ذكور و 3 إناث )، وحمل في إرادته منذ اليوم لأول لأولاده الإناث قرارات غير عادلة، وتنم عن تمييز واضح.
فعندما طرق " فارس الأحلام " باب الابنة العشرينية ( ت ) إلا و انهال الأب بطلبات غريبة من العريس المنتظر.
لم يكن الطلب إلا القول: إنني أنفقت على تعليم ابنتي في إحدى المعاهد مبلغا ما، وهي اليوم موظفة في مؤسسة حكومية، وأريد "تذوق " طعم تعبي، وأطلب أن يتجه عائد العام الأول من الزواج لجيبي، لأن ذلك من حقي.
تعلق ربا، إحدى صديقات " العروس " المغلوب على أمرها: كم كان الموقف صعبا، حينما علم بأن الأب يود توثيق الاتفاق ورقيا، لأنه ينظر للزواج كسلعة.
" سمير " اسم مستعار يخفي وراءه حادثة غريبة، فالابن الذي اقترن بزوجة ثرية، أنجبت له ثلاث بنات، لم يرق للعائلة الممتدة قدومهن، لكن الأموال والعقارات التي تحولت للزوج من تركة الأب خففت من وطأة المعتقد و الموروث الاجتماعي، لذي يجب أن يعدم.
الغريب جدا أن لسمير حمس شقيقات تزوجت إحداهن من شاب ضاقت الدنيا بوجهه، وطاردته لعنة الفقر، وقبل أن يتوفى والد سمير، نقل كل ملكيته للأبناء، وحرم البنات من التركة، ولم يقدم أية مساعدة للابنة المسكينة.
تعلق شيرين: كيف قبل أبو سمير بتلقي ثروة من الخارج، وحرم بناته منها، فيما ستتمتع زوجات أولاده بميراثه، عوضا عن بنته التي يطارد الفقر، وباتت مساعدات الرحماء تشق طريقها إلى بابها


طالبوها بالحمل وهي في الرابعة عشرة ونصف !
لم تكن الطبيبة الأخصائية بأمراض النساء، تعلم أن مراجعتها والتي لم تتجاوز الـ 14 عاما ونصف، هي امرأة متزوجة، ومن يرافقها هو زوجها ووالدته، بخلاف ما كانت تتعقد أنهما الأخ والأم، وسبب الزيارة مختلف هذه المرة.
" كان الذهول سيد الموقف لملاك الرحمة، التي تبين لها أن مراجعتها الصغيرة، جاءت لتحصل على علاج يؤهلها للحمل ودخول عالم الأمومة، الذي لا زالت اليوم تحتاج إلى عطفه وحنانه "
تضيف محزونة ومتضامنة مع المرأة الصغيرة جدا، قدمت الزوجة - الطفلة إلى العيادة وهي ترتدي ما يفوق الكيلو غرام من الذهب، في محاولة لإلهائها عما يدور حولها، وقد سبق ذلك سلسلة تحضيرات و"دروس خصوصية"، لنقل الرسائل التي ستتحدث بها " الأم المنتظرة " لطبيبتها، فقد شعرت والدة زوجها بأن مضي الثلاثة أشهر على الزواج بدون حمل مسألة تحتاج لمتابعة طبيبة، ولا يجب السكوت عنها، لأن العقم قد يكون يطاردها، وبالتالي فإن حظ ابنها العاثر يحتاج لمن " يفك نحسه ".
… ذهلت الطبيبة من طلب الفتاة اليافعة " والعروس " الجديدة، لكنها سرعان ما اكتشفت أنها تلقنت كل ما تحدثت به لها، واضطرت في نهاية الأمر للكشف عن الحقيقة المرة والاعتراف بتلقي تعليمات إرشادية في " علم الكلام ".
" 14 عاما ونصف، عمر طفلة افتراضي، يجب أن تكون على مقاعد المدرسة الأساسية، لا زوجة أو أم " على هذا النحو تكمل أم أحمد ما سمعته من الطبيبة التي نصحت العائلة بالخجل من نفسها، في طلب كهذا، لأن المكان الطبيعي لمن في عمر " عروسهم " هو حضن أمها الدافئ.
سرقوها من حضن أمها !
ما أن سمعت نداء بهذه القصة إلا واستذكرت حال قريبتها ( أ.م) الذي ارتبط قبل سبعة أشهر ونيف "بطفلة" كان عمرها يوم عقد القران، 14 عاما وسبعة أشهر بالضبط ( ما يوازي 15 عشر عاما قمريا، هي المدة القانونية لإتمام عقد القران شرعيا ) إلا أن ( أ.م) الشاب ابن الخامسة والعشرين لم يصغي لنصائح المأذون بعدم إكمال الخطوبة لصغر الفتاة، وعدم منطقية الشراكة، إذ أنه وبحسب الأخير، ثمة عوامل موضوعية يتوجب مراعاتها، ولا يعني أن سن الخامسة عشرة القمري، موعد مقدس وينبغي الالتفات للمخاطر الصحية والنفسية من باب " لا ضرار ولا ضرار " واكتشف ( أ ) بعد شهر من خطبته بفتاة أحلامه، أنا لا زالت تتصرف كالأطفال، وتخجل من الحديث وتكتفي للتدليل على الرضا أو الرفض بتحريك كتفيها، يقول: الخبر الذي وقع علي كالصاعقة، هو أن الفتاة التي كانت ستصبح شريكة حياته، لا زالت حتى اليوم تخشى من النوم في غرفتها لوحدها، وتكتفي بالاحتماء في حضن والدتها التي تشعر فيه بالدفء والحنان.
والمفارقة برأيه، أن أهلها أنفسهم سرقوها من حضن أمهم، وأجبروها بطريقة أو بأخرى على القبول بفكرة الخطبة والزواج.
جريمة
بتابع مألوما: المعنى الوحيد لإقدام عائلة على تزويج ابنتها في عمر مبكر جدا كهذا هو أنه جريمة لا تغتفر، ففي كل مرة أكتشف شيئا جديدا يقع علي كالصاعقة، فمثلا: أجبرت عائلة خطيبتي السابقة، على الموافقة من دون إدراك المسؤولية والأعباء المترتبة عليه، فهو فكرا وعاطفة ومسؤولية لا جسدا.
يعرض مراحل من ألمه، فبعد خطبته أصبح يفهم أنه من الصعب على طفلة تربية طفل آخر، فهذا " رعب اجتماعي "
يتساءل: هل يمكن أن يلقي أحد الوالدين ابنته في النار ؟ ويجيب على نفسه بالنفي، ولكنهم ورغم معرفتهم بمعنى الزوجية يصرون على رميها في هلاك لا يقل رعبا عن النار !
زوجها بعمر والدها
تنقل لي أم فراس ما حدث في قريتها المجاورة لجنين، عندما أقدم أب وزوجته على تزويج ابنتهم أو " طفلتهم " لشاب يفوقها بضعفي عمرها، فالصغيرة ( و.ز ) ابنة الرابعة عشرة والنصف أنجبت طفلا بعد نحو عام ونصف من زواجها بعد أن أجهضت مرتين، وما رافقها من مشاكل صحية لكنها ابتليت بوالدة زوجها التي كانت كمن يتحول من حلم وديع لذئب " أغبر "، وأخذت تتفنن في تعذيبها، بحرب نفسية واقتصادية واجتماعية، وفي مسائل يخجل المرء أو الراوي على سردها، لتفاهة عناصرها وأسبابها المفتعلة من جانب " حماتها " …لكن أم فراس تصر على التلميح بسبب مشكلة " طويلة عريضة " كما أطلقت عليها، لا تتعدى قيمة الخلاف من جانب والدة الزوج بنحو ( نصف شاقل ) إلا أن ردة فعل الزوجة الصغيرة جداً، تحسد في إصابتها بمرض خطير، جعلها كمن يفوق عمره بأربعة أضعاف، وبدأت كجدتها تعارك الشقاء، وتتمنى الموت، وتلازم أسرة الشفاء. والسبب : حماس أم أو أب أو قريبة على تزويج فلذة كبده، لعوامل قد تكون بحسب دارس علم الاجتماع، إبراهيم محمد، اجتماعية واقتصادية تعكس بالأساس حالة تخلف، وضائقة اقتصادية، وبخاصة لمن يرزق بأكثر من ابنة، إلا أن هذه التبريرات " عمياء " لا يمكن الأخذ بها.
أضرم النار في أمه !!
قادتنا قلوبنا قبل أقدامنا إلى بلدة هادئة في ريف جنين، سألنا عن الابن الضال (س.خ ) الذي رد الجميل لأمه بإضرام النار في جسدها، بعدما طلبت منه تأجيل مخططه بالزواج الفوري، دون الالتفات إلى الضائقة الاقتصادية التي تعانيها العائلة.
تروي (أ.ز) ابنه البلدة: بعد إلحاح لم يتوقف من جانب الابن الراغب بالزواج، قرر الأخير وضع حد "لمماطلة" الأم ، وضيق ذات يد الأسرة محدودة الدخل. فعقب مناقشة حادة، لم تخفف من شدتها دموع الأم، أقدم (س.خ) في نهاية العشرينيات،على إضرام النار بوالدته، ولم يكتف بهذه الفعلة المروعة، ولم يصغ إلى توسلاتها، فأقفل الباب عليها وتركها تحترق.
تضيف، ومعها "أنهار" من الدمع لولا لطف الله، ومساعدة الجيران الذين هرعوا بعدما سمعوا أصوات الاستغاثة من جانب الأم المحترقة، للقيت حتفها وأبشع الطرق ….. والنتيجة حروقا متوسطة إلى بالغة في وجهها، باتت تحتاج إلى سلسلة من "وجبات "علاج لاستعادة عافية " منقوصة ".
وحتى صغار القرية باتوا يتناقلون هذه الحكاية المرعبة بعفوية، ومن دون أن يدركوا فظاعتها.
" لم أتخيل يوما أن تصل الأمور إلى هذا الحد من الفظاعة " بهذه العبارة يتفاعل أحمد علي أو المتخصص في علم الاجتماع ما سمعه من فاجعة لا تبتعد عن مكان إقامته الأصلي بضعة كيلو مترات.
بتابع علي: سمعت في الآونة الأخيرة قصصا لشبان لم تساعدهم ظروفهم الاقتصادية على الزواج، كحال ( ر.ق ) الشاب العشريني الذي أقدم على تجرع السم بعد رفض أهله المنطقي الشروع في إجراءات زواجه، رغم معرفته بفقرهم المدقع. وأقدام (أ.ز) على إضرام النار بجسده.
يضيف : المرعب في هذا المشهد أن تدفع الأم ثمن عاطفتها، وأمومتها بجزء من جسدها.
تذهب أم هشام، وهي أم لسبعة أطفال، على وصف ما حدث في القرية الوادعة،لولا، فحش صنيع الابن " الوحش " كما أسمته، بأنها قصة في غاية الحزن.
يسترجع علي ما سمعه قبل مدة، حينما أقدم شاب على قتل طفلة لم تكمل الخامسة طعنا، بعد أن قاومت محاولة اغتصابه لها، في بلدة الطيبة وراء الفاصل الأخضر. ويقول : إن أبناء من هذا القبيل بحاجة للتفكير في عقوبة رادعة ….
يدفعنا فضولنا للبحث عما بعد الجريمة، لنذهل بأنها لم تعالج قضائيا، كون منطقة جنين عانت ولا زالت تعاني حصارا و حظرا متكررا للتجوال، الأمر الذي يشل الجهاز القضائي ويجعله "الحاضر الغائب " بحسب وصف (أ.ح) أحد المحامين.
ويضيف: الأخطر من ذلك كله أن إعادة الروح للقضاء مسألة ستحتاج إلى " معارك طاحنة " مع مجتمع اعتاد على التحرر والانفلات وغياب السلطة القضائية بفعل الاحتلال وعدوانه.رغم أن هناك مساع حثيثة لتفعيل دور القضاء تواجه بعقبات لا حصر لها.
في القرية ذاتها، ثمة من يدعى أن ما أقدم عليه الابن لم يكن سوى إجراء ضد المنزل، كونه الذريعة التي تحاول العائلة تأجيل الزواج بها. فهو وبحسب (س.ط) أمضى فترة طويلة في البحث عن شريكة حياته، إلا أن الضائقة حالت دون إكمال المشروع، و بالتالي فأنه سيتخلص من هذه الذريعة وللأبد.
صور أخرى
ما أن يسير المرء في كثير من الأماكن، إلا ويعثر بسيل من القصص التي عنوانها الرئيس: فظاعات لا تتوقف، فتتذكر على الفور ما أباحت لك به إحدى المدرسات من قرية وادعة شرق جنين، حينما عرضت تفاصيل عن قهر شقيقتها التي ألقاها زوجها في نبات الصبار، وعنفها، وتشارك في ضربها وشقيقة، بدعوى أن جنا في داخلها، نمتلك الأسماء، ونعرف مسرح "العذاب "، لكننا نحتفظ بها، ليس خوفا بل حرصا على ما تبقى لنا من أمن اجتماعي.
انهمرت دموع " أحلام "، الاسم المستعار للسيدة الثلاثينية، كالمطر وهي تنثر هموما من العيار الثقيل، لوصف مأساة شقيقتها " ع. ر "،، استمرت 13 عاما تجرعت خلالها كأس المر مئات المرات من جانب زوجها قبل أن تموت قهرا بداية تشرين الثاني الحالي.
تضيف: تزوجت أختي وهي الخامسة والعشرين من عمرها من " أ. ر " الذي بدأ بسرقة ما تحوزه من مصاغ وأموال، وأخذ يفرض عليها حياة فقر وشقاء وعنف جسدي ولفظي.
تستجمع خيوط حكاية صغيرة، اتخذها الزوج " الطاغية " ذريعة لضربها وتعنيفها بمساعدة أخوته، وراح يدعي أن الجن يشاركها حياتها وجسدها، ففي إحدى الأيام طلب صغيره المريض من والدته المقهورة إضاءة المصباح التقليدي، كون بلدته تعاني انقطاع للتيار الكهربائي، وبعد استجابة الأم لترجمة طلب وليدها واقعا، أوسعها الزوج ضربا، وأمطرها بالشتائم النابية، وألقاها في نباتات الصبار خارج المنزل ليلا.
تنتقل " أحلام " لمحطة ألم أخرى، فالابن الأصغر الذي لم يتجاوز الثلاثة أشهر، لحظة طرد أمه من بيت زوجيتها الجحيم، وتحول ومنذ ذلك اليوم الصغير " س " لطفل بلا شهادة ميلاد، حاله كشقيقته "ع "، التي طردتها مديرة المدرسة من فصلها كونها هي الأخرى بدون شهادة ولادة، أو أي مستند رسمي يؤهله" تذوق" دفء مقاعد الدراسة، ويرفض الأب " الأسمى " تقديم أي تعاون لاستصدار وثائق رسمية لأبنائه، تماما كرفض أعمام الأولاد التدخل لحل مصيبة أبناء شقيقهم. لكنهم اكتفوا لاحقا باستضافتهم بعد يتمهم.
وتحول مطلب الأم التي كانت تعيش في بحر من الظلم، الحفاظ على علاقتها بزوجها، حرصا على أبنائها الخمسة، وتراجعت صحتها النفسية والجسدية، إلى أن قل وزنها عن الأربعين كيلو غرام.
تسترسل الأخت: سرق الزوج بطاقة المؤن الخاصة بالأولاد والأم، وانتقل للزواج من أخرى، وراح يأخذ المساعدات التي تصرفها وكالة الغوث لأبنائه، تاركهم يعانون الجوع.تضيف، إنه لا يريد طلاق شقيقتي، التي رفعت عليه دعوى قضائية، فرضت عليه دفع النفقة لأسرته، لكنه لم يلتزم بها، ولو لمرة واحدة مستغلا وهن القضاء وحرص الزوجة المسكينة على أبنائها، إذ كانت تخاف أن يحرمها من مشاهدة أبنائها، أو رعايتهم إذا ما طالبت الانفصال عنه رسميا.
ثلاث ضحايا
تنتقل أحلام، وهي واحدة من أربع شقيقات للمرأة المعذبة، إضافة لشقيق آخر لفصل مأساوي ثان. إذ لم تستطع الأم تحمل مصاب ابنتها، فتوفيت قبل سنتين ثم التحق بها والدها قهرا بعد ستة أشهر، وشعرت " أ.ر " بحجم الخسارة الثقيلة والفراغ القاسي الذي تركه والديها بفراقهما، إذ كانا عونا وسندا لها في شدائدها ومصائبها الكثيرة، لكنها التحقت بركب الأموات والمقهورين.
يجيب أبناء " أ.ر " الخمسة على سائليهم، قبل وفاة والدتهم، فيما يتعلق بحالهم المعيشي بالقول: أصبحنا نفطر على الشاي، ونتغذى عليه إلى جانب الخبز، مثلما يكون طبق عشائنا الوحيد، وبحسب خالتهم الأخرى، فإنهم لم يتلقوا مساعدات من وزارة الشؤون الاجتماعية، كون والدتهم قبل وفاتها غير مطلقة أو أرملة، فيضطرون للعيش على القليل مما يقدمه لهم مجلس بلدتهم القروي، وأهل الخير، وقد وفرت لهم جمعيات محلية كالإغاثة الزراعية، مساعدات طارئة ووفرت لهم مياه الشرب التي كان الصغار يجهدون في توفيرها من الجيران.
تعود أحلام لتتذكر جوانب قاتمة من حياة شقيقتها قبل رحيلها، فحينما زارتها أختها الأخرى، المتزوجة في بلدة بعيدة عنها، بعد فترة قصيرة من زواجها، لاحظت وضعها المأساوي، فنقلت لأهلها الخبر، مثلما فعل أهالي البلدة التي ينحدر منها الزج الطاغية، وعندها توجه الأب لاصطحاب ابنته، وبدأ بوجبات علاجية لها عند الطبيب " ح. م "، واضطر لبيع جزءا من أرضه لتسديد فواتير الدواء وملاك الرحمة، وبعد عام، عادت " أ. ر " إلى سابق عهدها، لكن انتكاسة ثانية حلت بها بعد سنتين، ولم تجد بدا من العودة لبيت أهلها ثانية، بعد أن ألقاها زوجها في نبات الصبار الشوكي، ووجه إليها ضربات في إحدى الليالي التي قضتها خارج المنزل، إلى أن عادت لقريتها بأوجاعها وحالها المحزن لتموت هناك بصمت، ويعود الأبناء لحياة علقم بلا أم أو أب فعلي.
تعود سها رشاد لاقتباس ما قرأته في صحيفة محلية في الثالث من تموز الحالي، عن ذلك الشخص من بلدة طوباس الذي نفذ فيه مقاتلون من كتائب شهداء الأقصى حكماً بالإعدام بعد اعترافه بعمالته واغتصاب ابنتيه.
فقبل فترة اغتصاب ابتنه البكر، 21 عاماً، ما دفعها لتقديم شكوى ضده تعرض على أثرها للسجن لإلى أن تعرض لهجمة إسرائيلية أدت لإطلاق سراحه عام 2002، ووفق اعترافاته فإنه أعاد تكرار جريمته النكراء باغتصاب ابنته الصغرى ( 16 عاماً) ما دفع أشقاء زوجته لطعنه بسكين وفق م ا تناقلته وسائل الإعلام.
تختتم سها: حادثة كهذه صنعها الاحتلال الذي ندفع ثمن تدميره لمجتمعنا كل يوم....
رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 06:09 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتدى حوارات الفاخرية @2011
Designed By csit.com.sa