إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 07-08-2005, 09:09 PM
عبد الباسط خلف عبد الباسط خلف غير متواجد حالياً
كاتب وصحافي فلسطيني
 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
الدولة: فلسطين
المشاركات: 1,513
Post أنهار الدموع تسرق عيون الفلسطينيات

أنهار الدموع تسرق عيون الفلسطينيات
كتب عبد الباسط خلف:

تنازعت الأحزان على استيطان وجه فتحية يوسف عارضة " أم محمد"، ابنة العقود الستة، فيما تنافست صور أولادها الثلاثة وابنتها الرابعة الذين استقطعت حريتهم لاحتلال موقع من حضنها.
في يوميات أم محمد المكلومة الكثير من التفاصيل الصغيرة التي لا يمكن نزع فتيل حزنها فمحمود أبن الثامنة والعشرين محكوم علية بالسجن مدى الحياة ، وأحمد يقتطع القيد 22 سنة من شبابه، فيما حكمت فضبان الأسر على أيام رداد بسرقة 17 سنة منها، وقبل شهر تآمر السجان على الابنة هدى لتصاف إلى القائمة التي سمحت مؤقتاً للابن شداد بالتخلص منها بعد ثلاث سنوات ونصف .
يروي الشقيق شداد: استيقظنا في الثالثة فجراً على ضربات جنود الاحتلال التي استهدفت باب منزلنا، لنعلم بعدها أن القيود ستلتف على يدي أختنا هدى…
في جعبة فتحية عارضة الساكنة في بلدة عرابة غرب جنين الكثير من الوثائق والأحزان: قصاصات ورق صادرة عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر تخبر بالحكم المؤبد على الابن محمود، ،و إطار ضخم يجمع أولادها، و ذكريات من سيرة حياة أحمد الغائب قسراً منذ العام 1987 والذي تسرق قضبان الأسر زهرة شبابه كما تقول، و أوراق الشاب رداد الذي تشير بحكم جائر بالسجن 17 عاماً، وأشياء هدى الخاصة التي غابت عنها صاحبتها منذ أيام…
خريطة الحزن
تغير حال خريطة العائلة: الأم والأبناء الطلقاء: محمد وشداد وابتسام والصغير رائد، الوالد عبد الله علي عارضة أنهى التهاب عضال في البنكرياس حياته العام 1993 ولم يسمح لاثنين من أولاده بوداعه الأخير، والابنة هدى أسيرة في سجن الجلمة تخوض حرب أمعاء احتجاجاً على قيدها القاسي.

يتابع الابن: طرأ تحول على حياة والدتنا منذ اللحظة الأولى التي اعتقلت فيها شقيقتنا هدى، كونها فتاة وهذا يسبب لها الكثير من الدموع التي بالكاد عرف طريقها إلى الجفاف.
تقدم الأم لزوارها ومن يأتي متضامناً مع حالها كشف حساب ، يظهر أيضاً رباطة جأش وإخفاء للدموع، وتقول: ابني محمود حكموا علية 17 سنة بعد اعتقاله في شهر أيلول عام 92، قضى منها أربع سنوات ثم خرج في افراجات مبكرة، وبعد ستة أشهر فقط أعادوا سرقته وحكموه بالسجن مدى الحياة…

ظلت الأم طوال فترة الستة أشهر تلك ترجو من ولدها أن يبقى في جوارها، ولكن الاحتلال كان له كلام آخر، كما يصف شداد.
يستذكر الابن والأم والأبناء شهر أيلول من العام 1993، عندما أعتقل جيش الاحتلال الابن والأخ محمود ويعد ستة أشهر جاءوا لاعتقال الشقيق عبد الله ، وفي نيسان 1994 أسرع الموت إلى الأب ، ولم يعرف عبد الله أو محمود النبأ الحزين إلا بعد إنهاء وجبات التحقيق والإهانة التي عرضا لها في معتقلات الاحتلال وزنازينه.
منعت قضبان الأسر الأم من ممارسة حنانها، فمنذ أربع سنوات لم يسمح لها بزيارة محمود الابن المعزول في سجن بئر السبع الصحراوي ، فيما تفصلها ثلاث سنوات عن رداد وكذا الابن أحمد.
واليوم يتوزع قلبها إلى عدة محاور: سجن بئر السبع الصحراوي، حيث محمود و أحمد وعسقلان الذي يسرق حرية رداد وأقبية تحقيق سجن الجلمة التي طاردت الابنة هدى.
باتت أم محمد كما يقول شداد على دراية بخريطة المعتقلات الاحتلالية السابقة والحالية: جنين المركزي، معتقل الفارعة ، جنيد المركزي ، نابلس القديم، معتقل الظاهرية ، سجن عتليت، مجدو، الدامون، شطة ، نفحة، بئر السبع الصحراوي، عسقلان ، الجلمة، أنصار ثلاثة" النقب" ،معسكر سالم الاحتلالي أيضاً..

يخرج شداد من جيبه ورقة حديثة سلمها من اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تخبر العائلة بالحكم المؤبد على محمود، يقول: تصوروا مؤيد فقط، كلمة واحدة غير محددة تعني نهاية المسألة لحياة إنسان…
يدون أبناء العائلة فترات غياب والدتهم التي كانت تُكره في مناسبات كثيرة على التنقل بين السجون لدرجة أنها لم تكن تعرف الجلوس في البيت سوى يوماً واحداً في الأسبوع.
منعت القيود الجيل الجديد أبناء الشاب محمد : رهف ( سبع سنوات) وسارة ( ابنة الربيع الخامس) وهديل ( ثلاثة أعوام ) من مشاهدة أعمامهم الثلاثة وباتت الصورة الوسيلة الوحيدة للتقريب بين القلوب والأجيال والأقارب.
يجثم منزل العائلة في الحي الغربي لبلدة عرابة( 13 كم غرب جنين) ، ويعد الأقرب على مستعمرة "مابو دوتان" التي لا تبعد عنه سوى ألف متر تقريباً.
والمكان ذاته شهد رحلة قتل احتلالية بواسطة طائرة عمودية أتت على عائلة بأكملها وقضت على المواطن محمد نافز حردان وزوجتيه جميلة وأمل ، ولم تبق للرضيع إياد الذي لم يكمل شهره العاشر غير أشلاء ممزقة عرفت الطريق إلى استراحتها الأخيرة ذات مساء أحمر من نيسان 2004… .
يصف ابن البلدة الشاب " محمد" الذي آثر اخفاء اسمه الحقيقي: تشكل عائلة عارضة اسثناء في علاقة الأم الفلسطينية بالألم والتضحية.
يحرص أبناء البلدة ذاتها على الحديث عنن أم محمد ونضالها، ويتمنون أن يلتم شمل العائلة
دموع مزدوجة
تختلط ذكريات حزن والدة الشهيد غزال محمد فريحات الذي قضى قبل 16 شهراً،بدم بارد حينما كان يغط في نوم عميق على سطح منزله،مع إعادة تدوير الحزن ،ففي شباط الفائت هدم المحتلون في ليلة عاصفة منزل العائلة في بلدة اليامون،9 كم شمال المدينة،، وتركها تعاني.
تشير سميرة إبراهيم ،التي كانت شاهدة عيان على الحادثتين، لمقدار الألم الذي هبط على أم غزال،إذ رحل الولد واختفى مكان الذكريات الذي كان يواسها على الأقل في مصابها الجلل.
كان على الأمهات الفلسطينيات القبول بعلاقة قسرية مع الحزن الثنائي،فشهوة القتل استمرت بالنمو ولم تقبل في حالات كثيرة بفلذة كبد واحد وإنما تسللت إلى الأخرى.
علي صديق أحد ثنائي الشهداء الأشقاء ،محمد ومحمود لطفي ،اللذين انتقلا بفارق أربعين يوما عن بعضهما وفي المكان ذاته،وريا الثرى على بعد أمتار قليلة من غرفة نومها المتاخمة لاستراحة الشهداء،تعمد لإحصاء من تشابهوا مع رفاقه في موت مزدوج عله يحفظ القليل من ذكراهم.
يتساءل محزوناً : لا أدري كيف سيكون بمقدور هؤلاء الأمهات مقاومة الحزن؟
في جنين وفق علي ،وطبقاً للإحصاءات الرسمية،فإن أم هلال وبلال أبو صلاح من بلدة يعبد كانت أول من تفتقد ولديها دفعة واحدة بعد شهر من العدوان والانتفاضة وأضاف سقوط زوج ابنتها هاني مرزوق بعد ثلاثة عشر يوماً المزيد من الدمع،تلتها أم محمد ومحمود مساد،فأم فادي ورائد ضباية،والحال مماثلاً لوالدة الطفلين بلال وأشرف أبو خضر التي افتقدتهما في قصف إسرائيلي لنابلس حيث كانا يزوران عمهما.
تستأنف الأحزان فرض نفسها على والدة سفيان وبلقيس العارضة من بلدة عرابة التي ودعت أشلاء أبنيها بعد قصف الدبابات لمنزلهما.تماماً كحال والدة عبد الرزاق ولؤي ستيتي من مخيم جنين الذي تحفل ما تبقى من أزقة فيه،بثاني الشهداء كحال إياد وياسر حسين،ومحمود وجمال الفايد،ويوسف ونضال سويطات،وشادي ونضال إغبارية الذين قضى معظمهم في نيسان الدم مثلما كان الحال للأخوين إبراهيم وعبد الكريم بسام السعدي إذ سقطا إضافة إلى جدتهم السبعينية بهجة، وكذا الحال لوالدة الشابين عبد المنعم ومحمد دراغمة من طوباس، وزهرة قلب الشقيقين الُمهدي من جنين، و وأم الشقيقين أسامة ومحمد سليم عزوقة .
وتستذكر حنين إبراهيم أيضاً حال جارتهم مريم وشاحي التي قضت وأبنها منير من دون أن يتعرفا على موت بعضهما ، وكذا طه محمد زبيدي وأمه،وعطية أبو أرميلة وولده هاني اللذان سقطا بفارق أحد عشر يوماً.
في عرابة،لا زالت البلدة تتذكر رحيل محمد حردان وزوجتيه أمل وجميلة معاً في قصف بـ"مركبات السماء"، تاركين وراءهم الطفل الرضيع إياد قبل أن يكمل شهره العاشر.
الأمهات في بلدة قباطية كسعاد علي ومّيسر إبراهيم ،لن يستطعن مجافاة ذاكرتهن الحمراء،حينما اختلطت أشلاء الأم فاطمة زكارنة بما تناثر من بقايا جسدي ولديها باسل وعبير،عقب قصف أدوات الموت للعائلة التي كانت تمارس عشقها في قطاف أوراق العنب.
أمً وثلاث جبهات
لا زالت حورية حسن صوص تستذكر الاتصال الهاتفي الذي جدد أحزانها،فعلى جهة الخط الأخرى كان الصوت المنهك القادم من غزة لابنها سامي الذي أبعد من سجنه الصحراوي.
قال سامي لوالدته: ماذا تصنعي يا أمي؟
ردت الأم بكلمات من دمع: أَلُفَ ورق عنب .
ذكَّر سامي أمه بأن هذا الطبق هو الذي يفضله عن غيره، فقرر توجيه دعوة لنفسه في ضيافة أمه،وهي الدعوة التي لن تنفذ لأن غزة المنفى الجديد تقع في كوكب آخر…
لم يكن افتقاد سامي محطة حزن يتيمه لأمه،فهي التي توزع قلبها لثلاث جهات : غزة حيث يقضي سامي حكماً بالإبعاد لشطر وطنه الآخر أو نصف البرتقالة الضائعة، وفي الجهة الثانية هداريم التي تقتطع قضبانها حرية مجدي الموقوف في عزل انفرادي،وفي الجبهة الثالثة سامر القابع في "أنصار ثلاثة " الصحراوي.
تروي: كان الله في عون الحاجة مرزوقة الزريعي التي فقدت أربعة من أبنائها في غزة وإلى الأبد إذ قدمتهم شهداء …وتضيف : حينما أتذكر أولادي الثلاثة أنفجر بالبكاء، وأعيد تخيل مشاهد ملاطفتهم ومزاحهم معي ،مثلما يأتي شهر رمضان والأعياد لتفتح الجراح من جديد.
ففي صباح النسخة الأخيرة للعيد ،أنفجر "مستودع" أحزانها وراحت تصرخ بأعلى صوتها، فكما تقول "إن نسيت واحد منهم،لا أنسى الثاني والثالث.."
تقول أم مازن التي أصبحت على دراية بشؤون المعتقلات ،إنها لم تر ولها المبعد منذ اليوم الذي أعتقل فيه في نيسان الفارق وشقيقه مجدي في اللحظة نفسها،عندما تنكرت قوات المستعربين في هيئة مركبة جوّالة لبيع الخضار .
تروي: حتى لحظة قرار إبعاده لم أشاهده فيها وحاولت الحصول على تصريح لدخول القدس الغربية إلا أنني أبلغت برفض منح زوجي تصريحاً،فتقدمت بطلب لأبني الذي لاقى المصير ذاته.
أسرعت أم مازن إلى التلفاز في الرابع من كانون الأول الماضي، عندما أبلغها سامي بأنه سيظهر على شاشة التلفزيون الفلسطيني، وهي المرة الوحيدة التي تشاهده بها منذ اختطافه منها.
سامر ( 18 ربيعاً) و مجدي(24 عاماً) وسامي ( 23سنة) كلهم الآن بعيدين عن والدتهم،ولا يرحلون من مخيلتها…
تبدي الأم تضامناً مع أم نادر السعدي وأم محمود مشكاح اللتين تتشاركان في المنفى ذاته،مثلما تتأثر كثيراً لإبعاد انتصار العجوري التي لم يسمح لها بوداع والدها الذي ودَّع الدنيا ،والمصبية برأي أم علي صدقي إحدى المتضامنات الأخريات أن انتصار وشقيقها كفاح كانا منفيان معاً.
رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:29 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتدى حوارات الفاخرية @2011
Designed By csit.com.sa