إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 19-11-2005, 12:17 PM
الدكتورة هديل رزق القزاز الدكتورة هديل رزق القزاز غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Nov 2005
المشاركات: 1
المـرأة الفلسطينيـة و ظاهرة تأنيـث الفقـر

المـرأة الفلسطينيـة و ظاهرة تأنيـث الفقـر

الدكتورة هديل رزق القزاز
مقدمة:

تزايد الحديث مؤخرا عن ظاهرة تأنيث الفقر وأخذت حيزا واسعا في الأدبيات المحلية والدولية. ولا أريد لهذه الورقة أن تبدو كأنها محاكاة للموضة السائدة وما يهمني من استخدام تعبير تأنيث الفقر هو استخدامه كأداة تحليل تشخص وتدرس ظاهرة أعمق وأشمل تتعلق بالاستثناء الاجتماعي لقطاع مهم في المجتمع الفلسطيني هو قطاع النساء. إن الدراسات المختلفة لدور المرأة في التنمية تحاول تشخيص الظاهر ولا تمس جوهر وحقيقة المشكلة وهي أن قلة مساهمة المرأة في التنمية هي بسبب استثناء واضح لها من الكثير من النشاطات التنموية سواء منها الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية وصنع القرار. هذا الاستثناء قد يكون مقصودا ومتعمدا في بعض الممارسات الاجتماعية ولكن يتم تعزيزه بسبب السياسات والقوانين السائدة وممارسة أرباب العمل للتمييز الجنسي في شتى المجالات. لا يكفي التأكيد على أهمية مشاركة المرأة في التنمية إن لم يتم مكافحة الأسباب الحقيقية وراء الاستثناء الاجتماعي الذي تعاني منه.



في هذا المجال لا ننظر للفقر على أنه قلة في الدخل أو كأنماط استهلاكية مميزة للفقراء فالاستثناء الاجتماعي يضيف بعدا آخر للفقر ويربطه بالحرمان الاجتماعي وسوء الحال والانكشاف وضعف القدرات والنقاش الدائر حاليا حول الفقر وآليات مكافحته يركز على الوجوه المختلفة والطبيعة المتنوعة للحرمان الاجتماعي. ومن هنا يمكن القول أن الاستثناء الاجتماعي قد يكون تعريفا متعدد الاتجاه للفقر وإن كان في أحيان أخرى هو سبب الفقر (O'brien, 1997).



في الواقع الفلسطيني تعاني النساء من ضعف القدرة على الوصول للأصول الإنتاجية ومن غياب أشكال متنوعة من التعليم والتدريب المهني ومن تمييز واضح في سوق العمل الرسمي وفي الأجور وغيرها وهكذا فإن الحديث عن تأنيث الفقر ليس مستغربا فنحن لا نتحدث فقط عن مجموعات الفقراء من النساء وهم كثر بل عن ضعف إمكانيات اغلب النساء وبالتالي سهولة إمكانية تعرضهم للفقر. تغطي هذه الورقة مفهوم تأنيث الفقر من ناحية نظرية والفقر وتأنيث الفقر في فلسطين الأسباب والعوامل التي تساعد في زيادة انتشار الظاهرة ومن ثم الاستراتيجيات المقترحة لمكافحة الظاهرة مع التركيز على المشاركة كاستراتيجية تحارب الاستثناء الاجتماعي.



تأنيث الفقر: خلفية نظرية:

أشار تقرير التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة لعام 1997 والذي تناول الفقر كمحور أساسي إلى أن تأنيث الفقر يعني "عدم تكافؤ الفرص في التعليم والعمالة وملكية الأصول ويعني إتاحة فرص أقل للمرأة، كما أن من شأن الفقر أن يعمق الفجوات بين الجنسين وحينما تنزل الخطوب فإن المرأة هي التي تكون غالبا أشد تضررا." للفقر وجه أنثى، ربما تأكيدا للقول "لو كان الفقر رجلا لقتلته" وقد دفعت القيود التي يواجهها عدد متنام من الأسر المعيشية التي ترأسها نساء على امتداد العالم إلى الخروج بمصطلح "تأنيث الفقر" فالنساء أكثر تعرضا للفقر وأكثر معاناة من التعرض لآثاره سواء في الدول النامية أو الدول المتقدمة والسبب الأساسي لهذه الظاهرة يكمن في التقسيم الجنسوي للعمل الذي يجعل من العمل مدفوع الأجر مسؤولية الرجال في الأساس وتقوم المرأة بمهمات العمل غير مدفوع الأجر (Gordon and Spicker, 1999) . وتزايد الفقر يؤثر على معدل وفيات الرجال وهجرتهم مما يزيد من عدد النساء اللواتي يترأسن أسر. وعندما يغادر الرجال تترك الأعمال قليلة الدخل مثل الزراعة لرعاية النساء.



إن الحديث عن ظاهرة تأنيث الفقر ليس جديدا فقد ارتبط بمفاهيم التنمية ومكافحة الفقر منذ السبعينيات وقد تزايد الاهتمام بها بسبب تزايد الاهتمام العالمي بالأثر الاجتماعي للفقر، وتكاليف برامج التكيف الهيكلي، وارتباط استدامة التنمية بقضايا المشاركة الشعبية، التي لا تعني فقط حصول الفقراء -وخصوصا النساء- على الموارد التي توفر لهم العيش الكريم بل ضمان قيامهم بدور نشط في التغلب على الظروف التي تديم فقرهم. ويكفي أن نعرف أن 70% من 1.3 بليون فقير في العالم هم من النساء حتى ندرك مدى انتشار الظاهرة (O'brien, 1997). وهناك الكثير من الظواهر التي تؤكد أنه في ظل النظام العالمي الجديد وفي ظل العولمة والتعديل الهيكلي والإجراءات المالية المجحفة بحق الفئات المهمشة فإن ظاهرة تأنيث الفقر في ازدياد مستمر ومن المتوقع أن تزيد أعداد النساء الفقيرات زيادة كبيرة في السنوات المقبلة.



على الرغم من هذه الزيادة ومن تشخيص الظاهرة تشخيصا واضحا إلا أن فقر النساء لا يظهر واضحا في الإحصاءات التي تتعامل مع الفقر وتنظر للأسرة المعيشية على أنها وحدة واحدة وتهمل الفروق بين الرجال والنساء داخل الأسرة المعيشية وبين تلك الأسر التي ترأسها نساء وغيرها. وإن كانت العلاقة بين فقر الأسرة المعيشية وفقر المرأة ليست مباشرة ولا أحادية الجانب ولكن بشكل عام تشير الدلائل إلى أن النساء اللواتي يحصلن على دخل أو اللواتي يعتمدن على آخرين أو يترأسن أسر أفقر من الرجال في نفس الفئات. كما أن النساء اللواتي يعتمدن على آخرين أفقر وأسوأ حالا من النساء الفقيرات اللواتي يعملن. هذا على المستوى الفردي أما النساء كمجموعات فهن أيضا أضعف حالا من الرجال كمجموعة في نفس المجتمع. فهن أضعف اجتماعيا واقتصاديا كما تحرم النساء من المشاركة في الحياة العامة والسياسية ففي الدول النامية بشكل عام تشغل النساء 11% فقط من المقاعد البرلمانية. ومن السبعينات إلى التسعينات زادت مساهمة النساء في القوة العاملة بشكل ملحوظ ولكن الفجوة مازالت واسعة وتتركز النساء في الأماكن المنخفضة الإنتاجية والخدمات. في جميع أنحاء العالم مازالت النساء يحققن مستوى دخل يعادل ثلثي دخل الرجل تقريبا. وفي جميع أنحاء العالم تعمل النساء أكثر من الرجال في نفس معدل أعمارهن.



إذا كان الفقر ناتجا عن عدم القدرة على الحصول على الدخل الكافي فهذا يرجع لعدة عوامل منها نوع العمل الموكل للنساء وهو العمل غير المدفوع الأجر في البيت ومن العوامل التي تسهم في ازدياد ظاهرة تأنيث الفقر نوع المهارات والمعرفة الفردية حيث تزداد نسب الأمية بين النساء ويختلف نوع التعليم الجامعي والتدريب المهني الذي يتلقونه عن ذلك الذي يتلقاه الرجال. وتقل قدرة النساء على الوصول للمعلومات الاقتصادية والسياسية ويفتقرن للضمانات المالية والأصول الإنتاجية ويعجزن عن مجاراة المنافسة في الأسواق ظاهرة الفقر تثير اهتمام الباحثين لأن مكافحة الظاهرة تساهم بشكل واضح في مكافحة الفقر بصورة عامة أما السبب الأهم فقد وجد أن النساء ينفقن دخلهن على رعاية وتوفير الغذاء لأسرهن أكثر من الرجال كما أن دخلهن يوجه لتوفير الحاجات الأساسية لأطفالهن وكلما زاد دخل الأم قلت احتمالية أن يعاني أطفالها من الجوع وسوء التغذية. وتوفر النساء خدمات مجانية للأسر قد تكلف الدول الكثير للحصول على نفس الأثر. هذا بالإضافة لفكرة مكافحة فقر القدرات التي تمنع نصف المجتمع من المشاركة الفعالة في التنمية.



الفقر في فلسطين:

ترجع المحددات الأساسية للفقر في فلسطين إلى بدايات ومنتصف هذا القرن حيث تعرضت البلاد لعدة أنواع من الاحتلال وسوء الاستخدام لمواردها الطبيعية والبشرية على حساب السكان الأصليين. وازدادت وتيرة هذا الإهدار للموارد والإفقار المستمر بالنكبة عام 1948 التي أدت لنزوح العديد من الفلسطينيين عن أرضهم وفقدان القدرة على السيطرة على أهم عناصر الإنتاج من أرض ومياه. وكان الاحتلال الإسرائيلي عام 1967 لباقي الأراضي الفلسطينية خطوة أخرى باتجاه إفقار العديد من الفلسطينيين. وتزامن مع عملية منظمة هدفت للقضاء على نواة الاقتصاد الفلسطيني، وإلحاقه بالاقتصاد الإسرائيلي، وتحويل الأراضي الفلسطينية إلى سوق رخيصة للعمال، وإلى مكان لتسويق المنتجات الإسرائيلية (هلال، 1997). اعتمد الاقتصاد الفلسطيني الهش على عوائد العمال داخل إسرائيل وفي دول الخليج ولم يتم تطوير القطاعات الاقتصادية بصورة مناسبة، بل قام الاحتلال الإسرائيلي بخنق أي محاولة لبناء اقتصاد فلسطيني قوي أو مستقل. ممارسات الاحتلال المختلفة أنتجت نوعا خاصا من الفقر لا يقتصر فقط على الفقر المادي أو فقر القدرات، ولكن يمنع أي عملية تنمية ممكنة في المستقبل وهو ما تم التعارف عليه بـ "استلاب التنمية". ويؤدي استلاب التنمية إلى عملية إفقار متواصلة وازدياد الفقر الدائم (Roy, 1996).



جاءت الانتفاضة لتكرس انتشار الفقر في المجتمع الفلسطيني خاصة في ظل ازدياد الإجراءات التعسفية ضد الشعب الفلسطيني، والتي تمثلت في الاعتقالات ومنع التجول والإغلاق ونظام التصاريح الذي حدد عدد العمال داخل إسرائيل وحرم العشرات من الشباب من الحصول على فرصة عمل. أما حرب الخليج فقد كان لها أكبر الأثر على عملية الإفقار حيث فقد العديد من الفلسطينيين أعمالهم في دول الخليج، وعاد عدد كبير منهم ليعاني البطالة والاقتصاد السيئ للضفة والقطاع وحرمت العديد من العائلات الفلسطينية من مصدر دخلها الوحيد. كما فقدت منظمة التحرير الفلسطينية مصادر دعم مهمة كانت تستخدمها في دعم مؤسسات ومشاريع في الضفة والقطاع.



كشف تقرير الفريق الوطني لمكافحة الفقر في فلسطين عن عمق انتشار الفقر في المجتمع الفلسطيني حيث أظهرت المعطيات أن الفقر في الأراضي الفلسطينية وصل إلى 23% عام 1997 ويصل إلى 25% دون احتساب القدس وأكثر من 38% من أسر قطاع غزة تعيش في حالة فقر. وأظهر أيضا أن وضع الأسر التي ترأسها نساء أكثر سوءا من وضع الأسر الفقيرة التي يرأسها رجال حيث أن نحو 73% من الأسر التي ترأسها نساء تعاني من الفقر الشديد أي أنها غير قادرة على تلبية الحد الأدنى من احتياجاتها الأساسية مما لفت الأنظار بصورة أكبر لظاهرة تأنيث الفقر في فلسطين. كما أشار التقرير الذي أعده الفريق الوطني لمكافحة الفقر إلى تباين انتشار الفقر بين الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث تصل نسبة الفقر في الضفة الغربية إلى 16% مقابل 38% في قطاع غزة. ويبلغ الفقر ذروته في جنوب ووسط قطاع غزة حيث يعيش أكثر من نصف السكان تحت خط الفقر، أما في الضفة الغربية فيبلغ الفقر ذروته في جنين حيث يصل إلى 28% ويتلوها الخليل بنسبة 24%. ويظهر التقرير أن نسبة الفقر في قرى قطاع غزة كبيرة وتصل إلى 41% وفي المخيمات 42%. أما في الضفة الغربية فتزيد نسبة الفقر في القرى عن أي منطقة سكنية أخرى حيث تصل إلى 18% بالمقارنة مع 14% في المخيمات وحوالي 12% في المدن.



تأنيث الفقر في فلسطين:

تزايد الحديث عن تأنيث الفقر ومكافحته في الآونة الأخيرة في المجتمع الفلسطيني بسبب توفر بعض الإحصائيات والدراسات التي تظهر أن الفجوات بين الرجال والنساء أو الفرق في النوع الاجتماعي والذي يبدو واضحا عند محاولة تحليل الفقر وآثاره. وقد أظهر تقرير الفقر في فلسطين الذي أعده الفريق الوطني لمكافحة الفقر أن الظاهرة منتشرة أيضا في فلسطين، حيث أن نسبة الفقر بين الأسر التي ترأسها نساء يزيد بنحو 30% عن الأسر التي رب الأسرة فيها رجل وذلك برغم أن المساعدات التي تتلقاها الأسر التي ترأسها نساء من قبل وزارة الشؤون الاجتماعية والوكالة ولجان الزكاة. تشكل النساء غير المعتمدات على دخل الرجال الفئة الأكبر التي تتلقى مساعدة من وزارة الشؤون الاجتماعية ويتم تعريفهن بحسب حالتهن الزواجية وبالتالي فإن النساء الأرامل أو المطلقات أو اللاتي غاب أزواجهن شكلن 31% من الحالات في عام 1995 وارتفعت النسبة إلى 34.3% عام 1996 و45.5% عام 1997. ويشير التقرير إلى أن الظاهرة موجودة بشكل عام ليس لأن النساء لا يعملن بل لأن جزءا كبيرا من عملهن هو بلا أجر كما أن غياب خدمات عامة لكبار السن والعجزة والمعاقين ومحدودية مرافق رعاية الأطفال ومحدودية مخصصات الضمان الاجتماعي ومعدلات الإنجاب العالية يزيد من العبء الملقى على عاتق النساء ويحد من قدراتهن على المشاركة في نشاطات اقتصادية مولدة للدخل.



المحددات والعوامل الخارجية التي تؤدي للفقر كثيرة وأغلبها ناتج عن ممارسات الاحتلال إلا أن تأثيرها على المرأة أكبر فالاحتلال أتاح المجال منذ البداية للرجال "وقلة من النساء" العمل داخل إسرائيل مما جعل القدرة المادية في يد الرجل وأدى لتهميش أعمال كان للنساء دور فعال فيها مثل الزراعة كما أن الاحتلال الإسرائيلي بفرضه الإغلاق ونظام التصاريح يمنع آلاف الرجال من الوصول إلى أماكن عملهم وبالتالي ترتفع نسب البطالة وتتوفر في المجتمع الفلسطيني عمالة رخيصة الأجر يمكنها أن تقوم بالدور الذي عادة ما تقوم به النساء مثل أعمال الخياطة والزراعة وغيرها من أعمال تقع في أدنى السلم الوظيفي. كما أن الظواهر الاقتصادية في المرحلة الانتقالية والتي تسبب في زيادة التكاليف الخاصة بالصحة والتعليم تتحمل عبئها النساء حيث تعاني النساء من عدم توفر دور الحضانة وارتفاع كلفتها. العلاقة بين فقر الأسرة وفقر المرأة ليست مباشرة ولا أحادية الجانب ولكن بشكل عام تشير الدلائل إلى أن النساء اللواتي يحصلن على دخل أو اللواتي يعتمدن على آخرين أو يترأسن أسر أفقر من الرجال في نفس الفئات. كما أن النساء اللواتي يعتمدن على آخرين أفقر وأسوأ حالا من النساء الفقيرات اللواتي يعملن.



ضعف الاقتصاد الفلسطيني وتبعيته للاقتصاد الإسرائيلي يخلق جوا من عدم الأمان للمستثمر مما يدفع إلى الاقتصار على أنواع محددة من الاستثمارات مثل أعمال البناء والتشييد وهي أعمال تصنف اجتماعيا على أنها غير ملائمة للنساء مما يجعل سوق العمل الفلسطيني محدودة لبعض العمال غير المهرة من الرجال. وأدى الاحتلال إلى نشوء بعض المصانع في الضفة الغربية وغزة تعمل بنظام التعاقد من الباطن مثل مصانع الخياطة التي تعمل فيها نساء غير مدربات، مما يعني عدم وجود أي نوع من الضمان الوظيفي ويحرم العاملات من حقوقهن وتوفر أعداد كبيرة من العاملات يجعلهن عرضة للتهديد بالفصل والحرمان من دخل قليل.



يرتبط الفقر بعدد من الجوانب التي لها علاقة مباشرة بالحالة الزوجية للمرأة على وجه الخصوص مثل موقف المجتمع من الأرملة والمطلقة وزواج البدل والزواج المبكر. فقد بلغ عدد حالات الأرامل والمطلقات والمهجورات ما يقارب 34% من أسر الضفة الغربية المتلقية للمساعدات من وزارة الشؤون الاجتماعية بينما وصلت النسبة 55.5% في قطاع غزة (هلال والمالكي، 1997). وارتباط الفقر بالحالة الزوجية وهو أمر له علاقة بإعادة إنتاج الفقر. ففي حين تجد بعض النساء أن السبب الأول لحالة الحاجة التي تعاني منها هو عدم الزواج وبالتالي عدم توفر مصدر دخل من خلال الزوج، تعاني الكثيرات من أن عائلاتهن تقوم بتزويجهن مبكرا ولأول شخص يطرق الباب من أجل الخلاص من العبء المادي الذي تسببه إعالتهن. كما أن حالات الطلاق والترمل وهجر الزوجة هي من الحالات الأكثر احتياجا في المجتمع وذلك لغياب العائل الوحيد (الرجل). إن عدم تعامل المجتمع مع المرأة كشخص كامل الأهلية يضع النساء اللواتي يعشن بدون معيل رجل تحت المجهر ويحدد تحركاتهن. تعبر عن هذا الوضع إحدى الحالات الدراسية التي أجري معها مقابلة (امرأة أرملة) فتقول: "كوني أرملة أشعر أنني مراقبة وأن المسؤولية كلها علي خاصة وأن أكبر واحد في الأولاد عمره ثلاث عشرة سنة." وهي تؤكد بذلك على نوع الصعوبات المجتمعية التي تحول دون خروجها من حالة الفقر الذي تعاني منه. وفي نفس المجال تقول إحدى الحالات (امرأة مطلقة): "المجتمع ما بيرحمش الكل يقول تطلقت هذه مالها قاعدة لليوم ليش مالها ما تزوجتش". إن هذا الشعور بالحصار الدائم والاستغراب والاستنكار يحد من قدرة هذه المرأة على حرية التصرف والحركة (رزق-القزاز وسعيد، 1999(.



تحرم الفتيات في القرى البعيدة والنائية من فرص التعليم وبالذات عندما تضطر الأسرة لدفع تكاليف مواصلات باهظة. ومازالت العديد من الأسر تفضل تعليم الذكور على تعليم الإناث ففي ظل غياب نظام ضمان اجتماعي يكون الابن الذكر هو الضمان الوحيد للوالدين في شيخوختهما وبالتالي يتم الاستثمار في تعليمه إتاحة الفرص أمامه. أظهرت إحدى الدراسات أن الأبناء خاصة الذكور هم مصدر الأمان الاجتماعي للوالدين المسنين حيث يعتمد حوالي نصف المسنين في الأسر التي تم مسحها على أبناءهم بمعدل 57% بين الرجال و41% بين النساء وتعتمد نسبة ضئيلة من المسنين على مساعدة بناتهن (5% من النساء و 2% من الرجال) ووجدت الدراسة كذلك أن 26% من المسنين الرجال أفادوا بأنهم يعتمدون على أنفسهم، بينما أفاد 37.5% من النساء المسنات بأنهن يعتمدن على أزواجهن (هلال والمالكي، 1997(



على الرغم من انتشار التعليم في السنوات الأخيرة إلا أنه لوحظ أن تسرب الفتيات يزيد في مراحل الدراسة الإعدادية والثانوية كما أن أعدادا أكبر من الذكور يكملون دراستهم الجامعية أظهرت النتائج النهائية لتعداد السكان في فلسطين أن 70.8% من الأميين نساء بينما بلغت نسبة النساء اللواتي يحملن شهادات دكتوراة حوالي 7.1% من إجمالي حملة شهادات الدكتوراة. ومازالت المرأة تحصل على تحصيل علمي أقل من الرجال في جميع المستويات الدراسية فهن يشكلن 45% من حملة الشهادة الثانوية و 45.8% من حملة الدبلوم المتوسط و30% من حملة البكالوريوس. هذه النسب المتدنية لمستويات التعليم تؤكد على ضرورة دراسة تحليلية تفصيلية للأسباب الكامنة وراء المشكلة وطرق التغلب عليها. يعتبر الزواج المبكر، وعدم توفر مؤسسات تعليم كافية وتخصصات ملائمة وعدم شعور الكثير من الأسر الفلسطينية بجدوى التعليم وأهمية الحصول على تدريب مناسب بسبب انتشار البطالة، وانتشار الفقر، من أسباب انخفاض مستويات التحصيل العلمي للإناث (إحصاءات المرأة والرجل، 1998(بسبب أعباء المرأة الأسرية تشكل النساء 46.2% من الذين لا يعملون ولا يبحثون عن عمل ويعمل فقط 10.4% في القطاع المنظم في الضفة والقطاع. في حالة وجود عمل هناك عدم مساواة في الأجور بين الذكور والإناث وذلك بسبب عدم وجود قوانين عمل واضحة تنظم هذه العلاقة. فعلى سبيل المثال بعض أصحاب العمل لا يقومون بتوظيف نساء متزوجات وخاصة في البنوك. ترتبط بعض الحقوق مثل الإجازة السنوية أو صناديق الادخار بعدد معين من أيام العمل وهذا لا ينطبق على بعض النساء اللواتي لم يعملن بعض الأيام بسبب الولادة. تعمل النساء عددا من الساعات والأيام مشابهة للرجل إلا أنهن يتلقين أجرأ أقل. معدل ساعات العمل في الضفة الغربية وقطاع غزة 42.1 ساعة عمل ومعدل أيام العمل في الشهر 21 يوما ومعدل الأجر اليومي 60.1 شيكلا وفي الوقت نفسه يعمل الرجال ما معدله 42.5 ساعة أسبوعية وحوالي 20.7 يوما في الشهر ويتقاضون ما معدله 62.1 شيكل مما يعني أن النساء يعملن أكثر ويتقاضين أجرأ اقل.



القطاع الخاص يستلزم الحصول على ضمانات ورأس مال وعلاقات واسعة مع أصحاب الأعمال الذين عادة ما يكونون من الرجال مما يعني عدم قدرة المرأة بمفردها على الدخول بقوة في مجال القطاع الخاص وحتى في محاولات النساء للدخول للأعمال والمشاريع الصغيرة يواجههن مشاكل عديدة مثل التنافس مع رجال أصحاب أعمال اكبر وعدم توفر المهارات والخبرات اللازمة للدعاية والتسويق. كما أن رأس المال الصغير يستخدم لتوفير الحاجات الأساسية للأسرة مما يؤدي لتآكله وبالتالي فشل المشروع. وهناك العديد من التساؤلات حول مشاريع الإقراض الموجهة لخدمة مشاريع صغيرة للنساء ومدى إسهام هذه المشاريع في إخراج المرأة والأسرة من دائرة الفقر آخذين بعين الاعتبار نوعية هذه المشاريع ونوعية الخبرات التي تمتلكها النساء ونوع الضمانات التي يتطلبها القيام بمثل هذه المشاريع.تفتقد الكثير من النساء إلى الأصول الإنتاجية اللازمة للدخول في مجال التنافس مع الرجال في الأعمال الخاصة، وتحرم العديد من النساء من الإرث على الرغم من أن الشرع وجميع القوانين تضمن لها هذا الحق بل وتعتبر مطالبة المرأة بحقها الشرعي خروجا عن النظام الاجتماعي والعادات والتقاليد.



لا تشارك المرأة في العمل النقابي أو السياسي ولا في مراكز صنع القرار مما لا يمكنها من تغيير وضعها أو وضع أخريات. هناك عدد قليل من النساء المنتسبات إلى النقابات العمالية وهناك عدد قليل جدا من النقابيات النشيطات وقد أشارت دراسة "عمل النساء في المصانع الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة" التي أعدها مركز الدراسات النسوية إلى أن 78% من النساء اللاتي شملتهن الدراسة لا ينتسبن لنقابات لأنهن لا يعرفن بوجودها.



ما سبق يؤكد ضرورة دراسة آثار تأنيث الفقر على النساء الفلسطينيات في المناطق المختلفة والأسباب البنيوية في المجتمع الفلسطيني التي تؤدي لتفاقم الظاهرة بما في ذلك التمييز الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والقانوني بين الجنسين. ومن ثم دراسة استراتيجيات البقاء التي تمارسها المرأة الفلسطينية خاصة في فترات الأزمات والحصار والإغلاق حيث أن هناك ما يؤكد على أن المرأة قادرة على وضع وتنفيذ استراتيجيات بقاء مختلفة بجهد غير مدفوع الأجر لامتصاص آثار الأزمات والتكيف مع الأوضاع الاقتصادية الصعبة. وإن كانت معاناة المرأة من آثار الفقر مختلفة عن معاناة الرجل فإن مساهمات المرأة الاقتصادية في أوقات الأزمات لها أهمية بالغة بالنسبة لبقاء ورفاه أسرهن ومجتمعاتهن.



استراتيجيات مكافحة الفقر:

تركز استراتيجيات مكافحة الفقر على ثلاث مجالات رئيسية هي:



الأسواق:

تتركز النساء في مهمات السوق ذات الأجر الأقل كما تفتقر النساء لكثير من المهارات التي تسمح لهن بالمنافسة ويفتقرن للأموال والأصول الإنتاجية كما أنهن لا يستطعن الاستجابة للتنافس في الأسعار والأجور وغيرها. من الواضح أن سياسة السلطة الفلسطينية المعلنة والتي تركز على الأسواق الحرة والخصخصة لا تساند النساء اللواتي هن أقل قدرة على المنافسة بسبب نوع التدريب ومستوى الحصول على الأصول الإنتاجية وفي حين يتم الحديث عن تشجيع دخول النساء للأسواق وتشجيعهن على الانخراط في سوق العمل لا يتم تقديم التسهيلات اللازمة من خلال توفير الأنظمة التي تضمن حقوق الأم العاملة والمساواة في الأجور وضمان فرص متكافئة للحصول على الوظائف العليا في حالة تكافؤ المؤهلات كما أنه لا يتم إقرار قوانين تضمن للنساء فرض الحصول على القروض والاعتمادات المالية والتسهيلات اللازمة في الاستثمار وسهولة الحركة والحصول على المعلومات وغيرها من الإمكانيات التي تسهل دخول النساء في الأسواق. كل هذا يؤكد على أن الخصخصة وتحرير السوق قد تتيح المجال لسوق فعال ومفتوح ويخضع للمنافسة لكنها لا تمكن النساء من مجاراة هذه المنافسة هو أمر غير عادل لهن. وقد نبه تقرير الفريق الوطني لمكافحة الفقر(1998) إلى مفارقة مفادها عمل الرعاية الذي تقوم به النساء يجعلهن عرضة للفقر وأن دخول النساء الفلسطينيات إلى سوق العمل يتوقف إلى حد بعيد على متطلبات دورهن الإنجابي ودورهن في الرعاية.



التركيز على الحقوق:

مازال موضوع الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية موضوعا شائكا وعلى الرغم من اهتمام العديد من المنظمات الأهلية والمؤسسات النسوية بإقرار قوانين عادلة تضمن المساواة بين الجنسين والحفاظ على حقوق النساء في الأسرة وموقع العمل والمجتمع مازالت القوانين في صورتها النهائية بدون إقرار وعلى الرغم من أن القيادة تلتزم بالإسراع بإقرار قوانين الاستثمار والضرائب والقوانين التي تنظم الأسواق فما زالت تؤجل إقرار قوانين تنظم المجتمع المدني وترسم حدوده وهو ما يعني المزيد من التمييز ضد النساء المستثنيات من الأسواق واللواتي يعانين من التمييز في المجتمع.



المشاركة من خلال تفعيل آليات المجتمع المدني:

من الضروري التأثير على المجتمع المدني والحكومات لبدء حوار حول الاستثناء الاجتماعي وكيفية تحديد أسبابه ونتائجه وإيجاد تعريف عملي لمفهوم الاستثناء الاجتماعي يمكن المجتمع من مكافحته ومعرفة إذا ما كانت النساء ينظرن لأنفسهن على أنهن مستثنيات اجتماعيا. والمشاركة يمكن أن تعتبر كغاية بحد ذاتها ولكنها بالتأكيد وسيلة لإعادة انضمام المستثنين وإزالة أشكال الاستثناء.



المشاركة كاستراتيجية لمعالجة الاستثناء الاجتماعي وتأنيث الفقر:

من الواضح أن المشاركة المجتمعية هي الاستراتيجية التي يمكن العمل عليها من أجل حل المعضلات الأخرى بما فيها الاستثناء من الأسواق والمشاركة في إقرار القوانين وتنظيم المجتمع المدني وعلى الرغم من أن الحكومات لا يمكنها فرض مشاركة ناجحة ولكن سياسة الحكومة مهمة حيث أنها تشجع وتعطي نوع من القانونية لحركة الجذور. فالمشاركة تغير الأجندة التنموية وتدمج الفئات الضعيفة والمهمشة في صياغة هذه الأجندة وتنفيذها إلا أنه يجب الانتباه إلى قضية مهمة وهي أن المشاركة بحد ذاتها مفهوم غامض ويحتاج للتوضيح فهو للبعض يعني احتواء الفئات الضعيفة فرض أفكار وأراء محددة عليها ومشاركتها في التنفيذ فقط ولآخرين يعني استشارة الفئات المهمشة دون إعطاءها قوة المعرفة والقدرة على صياغة القرار وللبعض يعني التقوية والتمكين وهذا النوع من المشاركة يتحدى الأنماط الاجتماعية السائدة ويحدث نوعا من التوتر على المستوى السياسي وبالتالي يحتاج لدعم المستويات السياسية العليا لضمان استمراريتها.



المشاركة تحدث نتائج أفضل في حالة وجود رأس مال اجتماعي قوي وفي حالة ضعف رأس المال الاجتماعي فهي تقويه أي أنها فعالة في مكافحة الفقر وآثاره الأمر الذي يتطلب بالضرورة رأس مال اجتماعي قوي، يجب أن تكون أجهزة الحكومة مؤهلة لاستيعاب المشاركة الفعالة كما لابد من وجود رقابة فعالة وتقييم وإن كانت المشاركة وحدها لا تكفي لمكافحة الفقر فهي بالتأكيد ضرورية كاستراتيجية للمكافحة.



خاتمة :

تفهم ظاهرة تأنيث الفقر في فلسطين على أنها عملية استثناء اجتماعي للنساء من الحياة العامة يفيد في رسم استراتيجيات مكافحة الفقر التي ينبغي أن تركز على المشاركة الفعالة والتمكين من خلال سياسات وقوانين واضحة والتزام سياسي من السلطة المسؤولة وتشجيع واضح للمؤسسات الجذورية التي يمكنها الوصول فعليا للنساء الأكثر فقرا وتهميشا والأقل قدرة وتمكينهن من القضاء على مظاهر الاستثناء الموجودة تقليديا في المجتمع.



قائمة المراجع:

1. الفريق الوطني لمكافحة الفقر(1998) تقرير الفقر في فلسطين.رام الله:وزارة التخطيط والتعاون الدولي، الإدارة العامة لبناء المؤسسات والتنمية البشرية.

2. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تقرير التنمية البشرية لعام 1997.

3. دائرة الإحصاء المركزية الفلسطينية(1998) إحصاءات المرأة والرجل في فلسطين.

4. هلال، جميل و المالكي، مجدي (1997) مؤسسات الدعم الاجتماعي في الضفة الغربية وقطاع غزة. رام الله:معهد أبحاث الدراسات الاقتصادية (ماس).

5. رزق-القزاز،هديل وسعيد، نادر (1999) الفقر في فلسطين: دراسة حالات،برنامج دراسات التنمية، جامعة بيرزيت.

6. Gordon, David and Spicker (Paul),eds.(1999) The International Glossary on Poverty, London: Zed Books.

7. O'Brien, David (1997) Poverty and social exclusion in North and South, IDS working paper, Institute of Development Studies.

8. http://www.amanjordan.org/studies/hadeel.htm
رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
العنف ضد الأطفال ... ظاهرة تستحق الاهتمام سلافة أحمد حوارات حول الطفل العربي وحقوقه 0 31-10-2006 01:56 PM


الساعة الآن 12:30 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتدى حوارات الفاخرية @2011
Designed By csit.com.sa