إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 02-10-2011, 05:47 PM
وحيد عبد العال وحيد عبد العال غير متواجد حالياً
عضو نشيط
 
تاريخ التسجيل: Jul 2005
المشاركات: 8,085
Arrow انقسام بين الجنسين.

انقسام بين الجنسين




كان الاسمان الواردان على قمة وذيل قائمة البلدان، في التحقيق الذي نشرته مجلة نيوزويك مؤخراً تحت عنوان "التقرير العالمي لتقدم المرأة في عام 2011"، سبباً في استحضار صور كثيرة لعالمين مختلفين.

فعلى رأس القائمة ـ "المكان الذي تجد فيه المرأة أفضل معاملة" ـ نرى البلدان المعتادة: أيسلندا والدول الاسكندنافية، وهولندا، وسويسرا، وكندا. وعلى ذلك الكوكب، سنجد مراتب تبلغ الشريحة العليا من التسعينات فيما يتصل بالفئات الخمس لدراسة المسح: العدالة، والصحة، والتعليم، والاقتصاد، والسياسة. فهناك تتفوق النساء على الرجال في الحصول على الشهادات الجامعية (الولايات المتحدة)، ويحظر على من يثبت عليهم الإساءة لزوجاتهم دخول منازلهم، ويتم تعقبهم بأجهزة مراقبة إلكترونية (تركيا)، وينتخب الناس رؤساء وزارة من الإناث (الدنمرك وأستراليا).

والآن فلنلق نظرة على الكوكب الآخر "المكان الذي تجد فيه المرأة أسوأ معاملة". ففي تشاد، وهي أسوأ البلدان على الإطلاق في هذا السياق، لا يتمتع النساء "بأي حقوق قانونية تقريبا"، والفتيات في سن العاشرة يمكن تزويجهن رسميا، وهي نفس الحال أيضاً في النيجر التي احتلت مرتبة سابع أسوأ دولة. وفي مالي ـ خامس أسوأ دولة ـ يتعرض أغلب النساء لتجربة تشويه الأعضاء الجنسية المؤلمة. وفي جمهورية الكونغو الديمقراطية يبلغ عدد النساء المغتصبات في كل يوم نحو 1100. وفي اليمن يجد الرجل الحرية الكاملة في ضرب زوجته وقتما يشاء.

إنه لأمر مذهل أن نرى هذين العالمين بهذا القدر الهائل من التباين الصارخ، ولكن وجودهما ليس بالخبر الجديد: فقد ظل المتخصصون في التنمية وجماعات حقوق الإنسان يحاولون لفت الانتباه إلى هذا التفاوت الهائل لسنوات. ولكن القمع المنهجي للنساء يُصاغ عادة في هيئة مزاعم بالتعاطف: لا ينبغي لنا أن نتبع هذه السياسات لأنها ليست لطيفة، وليست مستنيرة. ولقد بدأ بعض الباحثين في مجال التنمية في تقديم حجج مقنعة أيضاً ومفادها أن قمع النساء يعوق الجهود التي تبذلها البلدان الفقيرة للإفلات من براثن الفقر.

ولكن البيانات التي أوردتها قائمة مجلة نيوزويك تظهر لنا أننا لابد وأن نصوغ هذه القضية في عبارات أكثر قوة وشمولا: عندما تختار الدول الفقيرة قمع نسائها، فإنها تختار بدرجة ما استمرارها في الفقر. إن قمع النساء يشكل قضية أخلاقية؛ ولكن من الأهمية بمكان أيضاً أن ينظر الناس إلى هذه القضية باعتبارها اختياراً تتخذه أي دولة لصالح راحة البال في الأمد القريب على المستوى "الثقافي"، وعلى حساب التقدم الاقتصادي والاجتماعي في الأمد البعيد.

قد يكون من غير اللائق على المستوى السياسي أن نعزو أي نصيب من الآلام التي تعانيها أفقر بلدان العالم إلى قرارات خاصة بها. ولكن من قبيل التعالي أيضاً أن نرفض اعتبار العديد من هذه البلدان مسؤولة جزئياً عن محنتها. من الواضح أن إرث الاستعمار ـ انتشار الجوع، والأمية، والافتقار إلى الملكية أو القدرة على اللجوء إلى القضاء، والتعرض لعنف الدولة ـ يشكل عاملاً رئيسياً في ترسيخ فقر هذه الدول. ولكن كيف لنا أن نلقي باللوم على هذا الإرث في حين نغض الطرف عن ذلك النوع من الاستعمار الذي يمارس ضد المرأة في المساكن الخاصة والمؤسسات العامة في نفس الدول؟

عندما تختار أفقر البلدان ـ وأغلبها في أفريقيا أو ذات غالبية سكانية من المسلمين ـ أن تدعم بل وتبتكر سياسات جديدة في اضطهاد المرأة، فيتعين علينا أن نكون على استعداد للتصريح بأن هذه البلدان اختارت، بدرجة ما، ما يترتب على تلك السياسات من محن اقتصادية. بل إن صمت العالم المتقدم يوحي بأنه يعتبر إساءة معاملة الرجال من ذوي البشرة السوداء أو البنية للنساء من ذوات البشرة السوداء أو البنية باعتبارها أمراً مفروغاً منه، بدلاً من محاسبة جميع الناس وفقاً لمعيار واحد للعدالة.

تؤكد "المفاجآت" الواردة على قائمة نيوزويك أن تعليم النساء يعزز الازدهار الاقتصادي. والواقع أن العديد من البلدان ذات التاريخ الاستعماري، والتي عانت من أشكال أخرى من أشكال الطغيان، اختارت أن تعلم النساء وأن تمنحهن حقوقهن القانونية. وبعض هذه الدول لا تزال تناضل على الصعيد الاقتصادي، ولكنها جميعاً لا تعاني من الفقر المدقع ـ وبعضها مزدهر بالطبع. ولنتأمل هنا الصين والهند وماليزيا وإندونيسيا والبرازيل وكوريا الجنوبية وتركيا.

ولا يجوز لنا أن نعزو مكانة النساء المتدنية على الكوكب الأسوأ إلى الجمود الثقافي: فالكثير من البلدان التي "فاجأتنا" ـ رومانيا والبرتغال والفلبين والهند ـ كانت تعامل النساء بقدر أعظم كثيراً من عدم المساواة قبل خمسين إلى مائة عام فقط. وفي باكستان لا يعتبر الاغتصاب الزوجي مخالفة للقانون اليوم، وهناك نحو 800 جريمة قتل متعلقة بالشرف تحدث في كل عام. ولكن ما هو نوع الازدهار الاقتصادي الذي قد تتمتع به باكستان الراكدة الآن إذا خففت من قبضتها الأبوية؟

إن لم تكن عاجزاً عن التعامل مع الأرقام فبوسعك أن تبدأ مشروعاً تجاريا. وإن كنت لا تعيش في خوف قاتل من الاغتصاب والضرب في المنزل، فبوسعك أن تساعد جماعتك في حفر بئر جديدة. وإن لم تُخضِع ابنتك لتشويه أعضائها الجنسية وهي في سن الثالثة ولم تزوجها وهي في سن العاشرة، فسوف يكون بوسعها أن تذهب إلى المدرسة. وعندما تتزوج وتنجب أطفالاً فسوف يستفيدون من والدين متعلمين عاملين، وهو ما يعني مناقشات مستنيرة مضاعفة في المنزل، وتوفر فرص مضاعفة من التواصل والتشجيع على النجاح. فالنساء المتعلمات قادرات على إحداث كل الفارق.

في نفس العدد من مجلة نيوزويك تقول وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون: "إن العالم يحتاج إلى التفكير بقدر أعظم من الاستراتيجية والإبداع فيما يتصل باستغلال إمكانيات النمو التي يمكن توفيرها من خلال استغلال إمكانيات النساء. والدراسات تؤكد أن مساعدة النساء في الحصول على فرص مزاولة التجارة والنمو من شأنها أن تساعد في خلق فرص العمل وتعزيز الدخول".

ولكن على الكوكب الأسوأ، سنجد أن إرغام النساء الفزعات غير المتعلمات على البقاء في البيت أمر مقبول اجتماعياً أكثر من مواجهة حقيقة مفادها أن هذا الاختيار يعني خفض الدخول للجميع. لقد حان الآن وقت التخلي عن الحرص المفرط في التعامل مع المسؤولية التي تتحملها أكثر البلدان فقراً عن التحرك بشكل أساسي في مواجهة المحن التي تعيشها: بتحرير نسائها.



بروجيكت سنديكيت، 2011.
رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
بناء القدرات وإدارة المعرفة في مجال المساواة بين الجنسين مختارات صحفية حوارات حول مكافحة الفقر 0 31-01-2010 11:02 AM
المواطنة بين الوعي الثقافي والمعايير العالمية خالد العلي حوارات حول الشورى والديمقراطية 0 18-09-2009 06:30 PM
الملتقى الثاني لصالون الفاخرية - الجزء الثاني ( فاعليات الملتقى ) فني الموقع صالـــون الفاخريــــــة 0 16-11-2008 11:34 AM
البحث عن الحداثة محمد إسماعيل زاهر الحوارات العامة 0 29-09-2007 01:26 PM
"كلوس أَب" فلسطيني من أميركا وأوروبا.... عبد الباسط خلف الحوارات العامة 11 16-06-2007 01:54 PM


الساعة الآن 03:15 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتدى حوارات الفاخرية @2011
Designed By csit.com.sa