#1  
قديم 16-11-2008, 12:32 PM
صالون الفاخرية صالون الفاخرية غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 6
الملتقى الثالث لصالون الفاخرية - فعاليات الملتقى


الملتقى الثالث

الطاقة فى العالم العربى

21/5/2008
القاهرة

المشاركون فى الملتقى الثالث
(أبجديا)



"
الحوار "


سمو الأمير:

أهلا وسهلا بكم أيها الأخوة الكرام فى هذا الجزء العزيز من مصرنا الحبيبة ، التى نرجو من صميم قلوبنا كل التوفيق لها ، لأن كل خطوة تخطوها يسير باقي العرب من بعدها.
ونحن جميعاً نتطلع إلى المزيد من التعاون ، سواء بين السعودية ومصر ، أو غيرهما من الدول العربية ، في مختلف المجالات ، ومن بينها القضية التي نناقشها في هذا الملتقى ، وهي مصادر الطاقة في العالم العربي . فهذه قضية محورية بالنسبة إلى مستقبل العرب ، والمنطقة بل والعالم كله . ولذلك رأينا في الفترة الأخيرة كيف أدى ارتفاع أسعار النفط إلى تنشيط جهود ما يطلق عليه المصادر البديلة غير التقليدية للطاقة . كما تابعنا ما ترتب على بعض هذه المحاولات من تفاقم أزمة الغذاء العالمية نتيجة التوسع في إنتاج الوقود الحيوي من المحاصيل الغذائية .
ولذلك فنحن نعقد هذا الملتقى عن الطاقة في وقته ، لأننا في حاجة إلى حوار جدي في العمق . ولدينا ثلاث أوراق عمل تم توزيعها منذ وقت مبكر وقرأناها جميعاً . ولذلك أرجو من مقدميها أن يوجز كل منهم في عرض ورقته حتى تتوافر فرصة أفضل للنقاش . ونبدأ بالأخ الدكتور حجاج بو خضور ، ويليه الأستاذ مجدي صبحي ، ثم الدكتور محمد المرسي . كما كان الدكتور حسين عبد الله قد أرسل ورقة حول مسألة أسعار النفط التي تثير الكثير من التساؤلات الآن . ولذلك أستأذنكم في أن يكون أول المتحدثين بعد ذلك .

د. حجاج بو خضور

بسم الله الرحمن الرحيم، بداية أشكر سموكم على هذه الدعوة الكريمة، وسوف آخذ المبدأ الذى يقول أن نعرف شيئا من كل شئ .. وكل الشئ عن الشئ، وبالتالى انطلقت برحلة فى علاقة هذه المادة المهمة فى حياتنا سواء بعلاقتها مع تكون الكرة الأرضية وعلاقة هذه المادة أيضا فى الأدب. وأينما كان لها أثر فى الشعر وفى رحلات الاستكشافات، وكيف سننتهى إذا لم يُقدر لهذه المادة ونوظفها التوظيف السليم، كيف سيكون المشهد الأخير للأمة الإسلامية وللأمة العربية حينها، حاولت أن أبين علاقة هذه المادة مع سبحة "الكهرمان" وأخذت لهذا مصباح كهرمان كبيرا نوعا ما حتى يكون شاهدا من بُعد، فى طريقة تكوين مادة النفط من حيث الزمن، ومن حيث المعالجة فى تكوين هذه المادة الهيدروكربونية أيضا حاولت أن أبين السياق التاريخى فى اكتشافات النفط خلال الحضارات البشرية وكيف هو هذا النفط وعلاقته فى اللغة العربية فى اللفظ بين كلمة نبت ونفط دلالة على أن أول من اكتشف النفط أو كان له فيه دلائل أو وصولا للنفط هم العرب، واستدللت أيضا فى علاقته مع الأدب فى العصر العباسى وكيف كان يُطلق على الإمام والفقيه إبراهيم بن محمد العتكى بنفطويه من قبل خصومه، من ذلك الشبه بينه وبين مادة النفط لأدمته ودمامته ، كما حاولت أن أبين فى كيفية تأسيس الشركات، وكيف أن أكبر شركة فى العالم من حيث حجم الإيرادات القائمة من بين أكبر أربعمائة شركة فى العالم وهى شركة "اكسون موبيل" بدأت وطريقة تأسيسها ونموها وتوسعها؟ وكيف وصلت إلى ما وصلت إليه، وكيف هى تحقق اليوم إيرادا أكثر من 46 مليون دولار فى الساعة؟ وأكثر من 400 مليار دولار فى السنة. كذلك حاولت أن أبين تلك العلاقة فى ألوان النفط والأحداث الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والصناعية وعلاقته فى تشكيل العصر الذى نمر فيه منذ أكثر من 150 سنة، ثم حاولت أن أبين تطور أسعار النفط كيف بدأت من 2 دولار للبرميل، وانطلقت إلى ما هو عليه اليوم إلى مئة وثلاثين دولارا للبرميل، ومتى بدأ تنظيم وحدة الرقابة أو ما يسمى فى "الموب" ومتى بدأ تحديد تلك العلاقة بين السعر والإنتاج ومتى تم تحويل سلعة النفط من مادة عضوية إلى سلعة اقتصادية وذلك عندما تم ربط الإنتاج بالسعر من خلال آلية العرض والطلب، فى عام 1930 أو فى عام 1922 عندما أسست الولايات المتحدة وحدة الرقابة التى هى باختصار والتى يسمونها "الـموب" وحدة رقابة الأسعار، وكيف أن الولايات المتحدة الأمريكية فى عام 1960 بإنشاء منظمة أوبك كى تقضى على النفوذ البريطانى وتُخرج بريطانيا ا بشكل تدريجى من السيطرة على النفط استكمالا بما بدأته من جعل الدولار هو عملة الاحتياطى العالمى فى عام 1948 ، وكيف استطاعت أمريكا من خلال تصديرها للنفط لدول العالم أن تجعل كل دول العالم مدينة لها، وبهذه العملية استمرت الولايات المتحدة تعزز سيطرتها على الاقتصاد العالمى حتى أتت فى عام 1960 تحرر بقدر ما يمكن تحريره من الصناعة النفطية من يد بريطانيا للحد من نفوذها بحكم أن بريطانيا كانت الدولة العظمى، وكونها الدولة المتقدمة على الولايات المتحدة فى النصف الأول من القرن الماضى، والذى مكن أمريكا فى ذلك هو منظمة "أوبك"، وكيف أن منظمة "أوبك" أُنشئت فى عام 1960 من خلال خمس دول كانت على رأسها المملكة العربية السعودية، وفنزويلا، والكويت، والعراق، وإيران، وتناولت بعدها كيف أن دور "أوبك" فى العقد الأول من تأسيسها لم يكن لها دور فاعل وإنما بدأ دورها بعد عام 1973 عندما استخدم النفط كسلاح اقتصادى فى حرب أكتوبر. كنت أريد أيضا أن أبين مرحلة الصدمتين النفطيتين، وكيف كان للصدمة النفطية الأولى من وقع على الاقتصاد العالمى وتغيرها لمسك زمام التجارة النفطية وتأثيرها بارتفاع أسعار النفط 400% وانطلقت بعد ذلك إلى عام 1979 أو 1980 عند بدء الحرب العراقية – الإيرانية، وكيف أن أسعار النفط وصلت عندئذ إلى 37 دولارا للبرميل ومن خلال وصولها إلى هذا السعر وكيف ظل هذا السعر القياسى حتى قبل تقريبا شهر عندما تجاوزت أسعار النفط مائة دولار للبرميل، عندئذ كُسر الحاجز النفسى ودخلت أسعار النفط خانة الأرقام الثلاثة، وبالتالى دخلنا فى حقبة جديدة للأسعار والتجارة النفطية.
تفسير هذا الاتجاه وتفسير هذا التطور هو أيضا محور هذه الورقة، من حيث تحليل للعوامل وكيف لكل عامل بدأ يقود الصناعة والتجارة النفطية بهذا الاتجاه إلى ما هو عليه، كما تناولت وضع الأسعار وهى عند سقف 130 دولار للبرميل، هناك طبعا كثير من العوامل وراء هذه الارتفاعات التى منها العوامل الفنية المتعلقة بالصناعة النفطية التى مضى عليها أكثر من 30 عاما كمفارقة كبيرة بقدر ما تضغط الولايات المتحدة نجد أن عمر الصناعة النفطية لديها لم يطرأ عليها أى تطوير منذ أكثر من ثلاثين عاما، لو كانت فعلا الولايات المتحدة كحكومة تحرص على تخفيض أسعار النفط لكانت استثمرت فى الصناعة النفطية، بل هى تضغط على الدول المصدرة للنفط للاستثمار فى الصناعة النفطية فى محاولة منها لدفع الأنظار عنها بما يؤكد على أن الذى يدير السياسة بشكل عام فى العالم هى ليست الدول بقدر ما هى تديرها الشركات النفطية الخمس، وأردت أن أبين تلك العلاقة من خلال الجزء الذى يتعلق بعنوان ثرثرة فى الصحراء وعنوان 46 مليونًا فى الساعة كعنوان لذلك التطور، أيضا أردت أن أستعرض رأى وكالة الطاقة، وكيف أن وكالة الطاقة تضع تقديرات ربما لا تكون قريبة من الواقع بقدر ما هى تخدم توجه، لأن وكالة الطاقة العالمية تمثل 23 دولة ومعظمهم من دول منظمة التنمية والتعاون الاقتصادى.
بمعنى آخر الاتحاد الأوروبى وأيضا الولايات المتحدة الأمريكية، من خلال هذا السياق وجدنا أن تحديد أسعار النفط ربما هو يُحكم ما يسمى بثقافة التوقعات أو لعبة التوقعات. أيضا حاولت أن أستعرض بشكل سريع جدا حول بدائل الطاقة، وكيف أن بدائل الطاقة هى تتكون من الطاقة المتجددة والطاقة غير المتجددة، التى نحن نتكلم عنها ونعيشها الآن بشكل كبير جدا، فالطاقة غير المتجددة تمثل النسبة العظمى وهى النفط والفحم والغاز والطاقة النووية. أما الطاقة المتجددة فهى الطاقة الشمسية والهوائية والمد والجزر والحرارة الجوفية، نحن نعلم نقطة مهمة جدا أن الطاقة الموجودة على الأرض كل أصلها من الشمس، وبالتالى الطاقة الشمسية هى أيضا البديل بالنسبة للدول العربية بما حباها الله أيضا بما توفر لها من شرق للشمس مستمر على طول فترة النهار، أنا أعتبر أن هذا هو التوجه، والذى يجب أن نركز عليه فى المرحلة القادمة.
ثم نتكلم عن البدائل الأخرى كالهيدروجين والمد والجزر والأمواج والكتلة الحيوية والحرارة الجوفية، وأخيرًا عن نظرية نضوب النفط، وهنا مثل ما تفضلتم سموكم بداية على أن النفط لم يبق له من العمر كما مضى بل هو فى مدى قصير جدا ربما 50 سنة. واستعرضت كيف وصل نضوب النفط فى كثير من الدول المنتجة للنفط الآن باستثناء تقريبا أقل من 20% من هذه الدول هى التى لم تصل إلى الذروة بالإنتاج، ومعنى وصول الذروة بالإنتاج هو الوصول باتجاه سريع جدا إلى مرحلة النضوب.
ونشكر سموكم على إتاحة هذه الفرصة ...

أ. مجدي صبحي

شكرا لسمو الأمير على هذه الدعوة للمشاركة فى هذه الندوة المهمة، خاصة فى الآونة الراهنة مع وصول سعر برميل النفط بالفعل إلى 130 دولارًا، ونسمع كل يوم أسعارًأ قياسية جديدة. الحقيقة أنا فى الورقة المقدمة ركزت بشكل رئيسى على انعكاس أسعار النفط على موضوع بدائل الطاقة، أتصور أنه مع الارتفاعات الأخيرة، وخاصة منذ عامين أو ثلاثة أعوام بدأ توجه كبير نحو البحث عن مصادر بديلة للطاقة مع ارتفاع أسعار النفط والغاز، ربما نرى هذا بشكل واضح فى توجه أمريكى حاسم نحو إنتاج المزيد من الوقود الحيوى من المحاصيل الزراعية كى يتسنى للولايات المتحدة أن تغطى نحو 7% من استهلاكها من البنزين، أى من وقود السيارات فى عام 2030، وبالتالى علينا أن نتصور هذا الحجم فى هذا التاريخ، لأن الاستهلاك يزيد كل عام. أعتقد أن بعض الدول الأوروبية مضت فى هذا الطريق، علاوة على بعض البلدان التى كانت رائدة فى موضوع الوقود الحيوى مثل البرازيل، لكن فى الحقيقة الورقة بما أنها تختص بالعالم العربى فهى تناقش بديلاً رئيسيًا عُرض خلال الفترة الماضية وهو الطاقة النووية، وأنا لست مؤيدًا ولا معارضًا لاستخدام الطاقة النووية، لكن ما أراه فى طرح الصحافة العربية وحتى فى آراء الخبراء، ما يذهلنى فيه هو هذا التبسيط الشديد، انتقلنا من مصدر للطاقة غير مأمون، هناك مشكلات كبيرة حوله إلا أنه ربما يكون المصدر الأفضل فى العالم،الآمن، وبالتالى أعتقد أن الانتقال من نقيض إلى نقيض لا تصنعه السياسة بقدر ما تصنعه (فى رأيى) توجهات عالمية، وليس خافيا أن هذا الموضوع فى الحقيقة أتى بدفع كبير للولايات المتحدة الأمريكية فى أعقاب خلافاتها مع إيران حول برنامجها النووى.
أصبح الطرح فى الحقيقة شاملاً لكل الدول العربية وعلى أعلى المستويات السياسية، بدءا من مجلس التعاون الخليجى بإصداره قراراً فى قمة الرياض فى ديسمبر 2006 بتبنى موضوع الطاقة النووية لتوليد الكهرباء. نفس الأمر فى مصر فى سبتمبر 2006، نفس الأمر تكرر فى ليبيا مع زيارة ساركوزى لليبيا، وهكذا فى كل البلدان العربية سنجد تقريبا أنه فجأة نشأ برنامج من العدم للطاقة النووية لإنتاج الكهرباء، الحقيقة أن هذا تم رغم أن البعض لم يضع فى الاعتبار المشكلات المتعلقة بهذه الطاقة، حتى عالميًا يبدو ذلك واضحًا من استقراء، مجرد استقراء، نسب الطاقة النووية فى مجمل إنتاج الطاقة العالمية، البعض كان قبل حادثة تشرنوبل يتحدث عن ازدياد دور الطاقة النووية نسبيا فى توليد الطاقة فى العالم كله، لكن فى الحقيقة ما يشاهد هو أنه فى عام 2005 أن نسبة الطاقة المنتجة من الطاقة النووية تقل عن هذه النسبة فى أوائل التسعينيات.
شاهدنا فى التسعينيات بالتحديد قرارات حاسمة من قبل بعض البلدان كألمانيا والسويد بالتخلى نهائيا عن برامج إنتاج الكهرباء من الطاقة النووية وإصدار قرار بإغلاق ما هو قائم من مفاعلات، وبالتالى لم يعد الموضوع مجرد كبح التوسع، ولكن التخلص مما هو موجود. نفس الأمر ربما نلحظه فى قرارات الاتحاد الأوروبى حينما تنضم إليه دول جديدة، خاصة من شرق أوروبا يصبح واحدة من شروط العضوية هو الالتزام بإغلاق ما هو قائم من مفاعلات نووية، حدث هذا الأمر فى بلغاريا وتشيكيا خاصة أن هذه المفاعلات أقيمت بتكنولوجيا قديمة نسبيًا، وبالتالى أصبح تحجيم مخاطر الطاقة النووية هدفًا رئيسيًا لدى الاتحاد الأوروبى يدفع الدول الأعضاء الجديدة فيه إلى القبول بهذا الشرط لانضمامها إلى الاتحاد.
أيضًا الطاقة النووية كما عرضت أخيرًا، فى الحقيقة هناك بعض التحفظات الشديدة عليها، البعض يعرض الموضوع وكأن الطاقة النووية هى طاقة أبدية، مع أن اليورانيوم أو أى مصدر آخر لإنتاج الطاقة هو مصدر ناضب مثله مثل النفط، البعض يشير إلى أنه ربما باستخدام تكنولوجيات جديدة مثل تكنولوجيا الاندماج النووى يصبح هذا المصدر لا نهائى لأن استخدام اليورانيوم الموجود بالأسلحة فى الدول الغربية ربما يجعل هذا المصدر تقريبًا غير ناضب، بمعنى إذا كنا نتحدث عن احتياطيات اليورانيوم الحالية فى العالم ربما تكفى لستين عاما فقط، البعض يصل بهذه الاحتياطيات فى حالة استخدام تكنولوجى جديد، وفى حالة استخدام ما هو موجود بالأسلحة فى الدول الغربية إلى حوالى 600 سنة، أى سوف تصبح 10 أضعاف مرة واحدة من هذا الاحتياطى القائم.
الجزء الثانى، أعتقد أنه مهم جدًا وهو موضوع التكلفة لأننا تعاملنا مع هذا الموضوع فى مصر بتبسيط شديد جدًا، إلى الحد أن البعض تبنى حملة شعبية لإنشاء الطاقة النووية، أنا فى رأيى أنه لا ينبغى أن يكون هناك هزل فى مقام الجد، فإذا كنا جادين بالفعل فلابد من برنامج، ومع اختلافى مع ما كان قائمًا فى وقت الرئيس السادات، لكن أظن أن الحسنة الوحيدة الواضحة جدًا فيما يتعلق بالبرنامج النووى المصرى أنه كان هناك التزام واضح بأن هناك برنامج بالفعل موضوع له تكلفة معينة، بدأ الرئيس السادات بالتفكير فى وضع كل ما يزيد على حد معين من عائدات البترول فى حساب مستقل بالبنك المركزى لصالح إنشاء محطات الطاقة النووية، وبالتالى وصل هذا المبلغ – كما أعتقد - إلى 800 مليون دولار فى هذا الوقت، وهو كان كافيًا على الأقل لإنشاء محطتين نوويتين فى هذا الوقت. إن لم تخن الذاكرة حسب الأرقام وبالتالى أتصور أنه كان هناك ما يبرر الجدية الشديدة فى تبنى هذا البرنامج لكن فى الحقيقة الآن نتحدث عن تكلفة الطاقة النووية بشكل فيه تبسيط شديد جدا، نتحدث عن تكلفة الإنشاء (2 مليار دولار)، لا يؤخذ فى الاعتبار لا تكلفة دفن النفايات النووية ولا تكلفة التخلص من المحطات النووية ذاتها، التى يقدر البعض أنها تساوى تكلفة الإنشاء تقريبا، وبالتالى لو كنا نرغب فلابد أن تجرى الحسابات بشكل سليم ولا نكتفى بالقول أن تكلفة إنشاء محطة نووية 2مليار دولار، لكن نقول 2 مليار دولار + تكلفة التخلص من هذه المحطة بعد 30 أو 40 سنة، عندما تنتهى وتتجاوز بكثير 2 مليار دولار. الأكثر أهمية فى موضوع الطاقة النووية أن تقريبا 75% من تكاليف الإنشاء تدفع فورا، إنما فى المحطات الحرارية 25% فقط، وما يدفع فورًا هو الباقى على امتداد عمر المحطة بسبب أساسى أن الكلفة الرئيسية هى كلفة الوقود المستخدم فى إنتاج الكهرباء، وبالتالى يصبح الموضوع معقدًا، ناهيك عن المسائل الأمنية وعن مسألة التخلص من النفايات النووية، ناهيك عن مسألة التخلص من المحطة النووية ذاتها بعد عمرها الافتراضى أيا كان هذا العمر الافتراضى، لكن البعض يشير فى هذا المجال إلى أن الأمان النووى أعلى بكثير، لكن فى الحقيقة يجب أن نشير إلى أن الأمان النووى أعلى بكثير بتكلفة أكثر بكثير، بل إن الوكالة الدولية للطاقة نفسها تشير إلى أن اليورانيوم مثله مثل بقية المعادن شهدت ارتفاعًا ضخمًا خلال الفترة الماضية، نتكلم عن حوالى 350% فى ارتفاع أسعار اليورانيوم ما بين 2001 و 2005 فقط، وأعتقد أن هذه آخر إحصائية متوافرة، وأعتقد أن السلسلة مستمرة نحو الارتفاع بعد ذلك، الأكثر أهمية أيضا أن البعض يشير إلى موضوع التكنولوجيا باعتبارها مرغوبة بغض النظر عن التكلفة، وأنا مع ذلك لكن فى حال توافر هذه التكنولوجيا فعلاً، نحن نتحدث الآن عن عالم مختلف تمامًا رغم كل خلافاتنا مع البرنامج النووى الإيرانى وكل ما فيه من مشاكل. وأنا لست مختصا بالموضوع النووى أو الطاقة النووية، لكن هناك نقطة قانونية مازالت قائمة فى حالة إيران، لأنه طالما وقعت البلد على معاهدات منع الانتشار النووى وغيره من المعاهدات داخل وكالة الطاقة الذرية فهى من حقها تخصيب اليورانيوم. هذا الأمر لا خلاف عليه، قانونا هذا أمر مستقر، لكن الآن أنا أعتقد أنه مستحيل على أى بلد أن يمضى فى امتلاك التكنولوجيا النووية كاملة ربما يمتلك منها حلقة واحدة أو حلقتين بعد عمر طويل، لأنه كما هو مُقدر مدة إنشاء المحطة الواحدة تأخذ من 6 إلى 10 سنوات، المُقدر فى حالة مصر التى بها برنامج بالفعل يعنى قديمًا تم استرجاعه، المقدر أنه على الأقل المحطتان الأوليان سيتم إنشاؤهما عبر تكنولوجيا تسليم المفتاح، يعنى ليست هناك أى إضافة تكنولوجية محلية على الإطلاق. الأهم من ذلك كله موضوع التدريب والتأهيل سيتم من قبل الطرف المورد، الأهم من هذا أيضا أن دورة الوقود ستكون بالكامل فى يد المورد، والمورد أحيانا ما يتراجع عن شروط سبق والتزم بها فى علاقة تعاقدية مع الطرف المورد إليه كما حدث بين الولايات المتحدة والهند، واضطرت الهند فى النهاية إلى قبول مقترحات الولايات المتحدة الأمريكية، لكن أعتقد أن هذا الأمر ربما فى الحقيقة تزيد كثافته ويزيد احتكار بعض الموردين ببعض البلدان لهذا الموضوع، وبالتالى موضوع امتلاك التكنولوجيا النووية على إطلاقها حتى وإن كانت نقطة سليمة جدا إلا أنها فى رأيى غير متاحة، وستكون تكلفة كبيرة دون عائد كبير.
لكى لا أطيل أنا أتصور أنه كان من المهم إلى جانب هذا البديل (أى الطاقة النووية) الإشارة إلى بدائل أخرى للطاقة حتى وإن كانت مكلفة، طالما أن الطاقة مكلفة فعلينا أن نغامر فى الدخول فى طاقات أخرى ربما تتوافر أراضينا بها كالطاقة الشمسية على سبيل المثال، وأنا أشير للطاقة الشمسية لأنه فى الحقيقة هناك إنجازات عالمية فى هذا الموضوع، والتكنولوجيا ليس عليها أية قيود، ألمانيا كانت تكلفة إنتاج الكيلووات/ساعة من الكهرباء باستخدام الطاقة الشمسية من أربع سنوات فقط حوالى 50 سنتًأ من المقدر أنها فى عام 2010 تصل إلى حوالى 20 سنتًا، والمقدر بحلول 2020 تصل إلى 10 سنتات، وبالتالى تصبح حقيقة منافسة لكل أنواع الطاقات الأخرى إذا استمرت أسعار النفط والغاز فى الارتفاع، وبالتالى امتلاك هذه التكنولوجيا فى بلد مثل مصر أو فى المنطقة العربية التى هى مشمسة فى الحقيقة تقريبا طول العام ومشمسة أيضا طول اليوم. أنا أعتقد أنه كان يمكن تحقيق إنجاز كبير جدا بمشروع مكلف فعلا، ولكنه ضرورى إذا ما أردنا أن نمتلك تكنولوجيا نظيفة ومهمة ومتجددة، ويمكن فى هذه الحالة اللجوء لبدائل. ما أردت أن أعرضه هو أن موضوع التركيز على الطاقة النووية باعتباره هو البديل الوحيد، أنا فى اعتقادى هو أمر خاطئ وخاصة أن هذه الطاقة تكتنفها العديد من المصاعب والمشكلات، وربما التفكير فى طاقات أخرى بديلة ومتجددة نكتسب منها تكنولوجيا، بل ويمكن حسب تقدير البعض أن يتم تصديرها إلى الخارج، أنا أعتقد أنه كان أمر أكثر أهمية .. وشكرا.

د. محمد المرسي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. أشكر سمو الأمير على هذه الدعوة، وأشكر السادة الحضور. سأحاول أن أكون مختصرًا ، هناك أشياء كثيرة لا أستطيع أن أتكلم فيها بعدما تكلم الزميل الأستاذ مجدي صبحي عن الطاقة النوورية ؛ حيث تعرضت في ورقتي إلى معدلات استهلاك الطاقة العالمية وقارنت بين المعدلات العالمية ومعدلات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ، فلو نظرنا أننا من سنة 2000 إلى 2030 نرى أن الأسواق العالمية يزيد الطلب فيها على الطاقة بنسبة 75% ، ولكن في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نجد معدلات الزيادة المتوقعة 113% . وهذا طبعًا لأن المنطقة في مرحلة نمو شديد ، نجد في الأسواق العالمية من 1980 إلى 2000 كان معدل الزيادة في استهلاك الطاقة 1.7% بينما في منطقة الشرق الأوسط كان المعدل 6.8% .. وهذا طبعًا كان نتيجة النمو في دول المنطقة كلها بعد الحرب ، وبعدما كان البترول له قيمة قوية في حرب سنة 1970 ، حيث كان المعدل 6.8% في منطقتنا والمتوقع أنه يقل حتى يصير 2.9% ، أما في الأسواق العالمية ، أنا قلت من 1980 إلى 2000 سوف نحتاج النمو بنسبة 1.7% وسوف يزيد في الفترة من 2000 إلى 2030 إلى 1.9% والزيادة سوف تأتي في الأسواق العالمية فيها 50% ستذهب إلى الصين والهند ، فالصين والهند يمثلان 50% من الزيادة في الطاقة على مستوى العالم كله ، أما بالنسبة للطاقة النووية فهي تشارك بنسبة 6% ، والنسبة هذه ثابتة من سنة 2000 حتى 2030 في الطلب العالمي على الطاقة ، والطاقة الجديدة والمتجددة ستكون في حدود 8% ، وهذه النسبة ثابتة من سنة 2000 إلى 2030 ، بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نرى أن الاعتماد مازال كبيرًا جدًا على الغاز الطبيعي والبترول ، ولكن من المتوقع سنة 2020 أن يزيد الاعتماد على الغاز الطبيعي ، وهذا لرخص ثمنه نوعًا ما بالمقارنة بالوقود السائل ، أما بالنسة للطاقة النووية فلا أستطيع أن أتحدث عنها بعد أن تفضل الزميل وتكلم فيها. ولكن هناك شيئًا بسيطًا أود التعقيب عليه ؛ حيث قال الزميل إن الاحتياطي المؤكد للإحصاءات الموجودة حاليًا تقول إنه يكفي لمدة 60 سنة أو 63 سنة ، في الواقع طبعًا هذا الرقم لو أضفنا إليه الطاقة التي نحتاجها لنبني المحطة والطاقة التي نحتاجها حتى نتخلص من النفايات النووية والطاقة التي نحتاجها للتخلص من المحطة نفسها بعد انتهاء عمرها ، نرى أن الرقم الذي يقول عليه 63 سنة يمكن أن يصل إلى 30 سنة ، وليس أكثر من ذلك .
نستطيع أن نقول إن الأمل في الطاقة النووية يمكن أن يحل المشكلة . حقيقة هو يرحل المشكلة لمدة 30 سنة أو 40 سنة ، لكن بعد 40 سنة سنقعد نناقش المشكلها نفسها . فكيف نواجه المستقبل والطاقة المتاحة لا تكفي لاحتياجاتنا حيث الاعتماد على الطاقة الجديدة والمتجددة مازال محدودًا على مستوى العالم ، على الرغم من أننا في منطقتنا عندنا كمية لا بأس بها .
وكان هناك بحث في سنة 2003 يقول إن كمية الطاقة الشمسية الموجودة خاصة في شمال أفريقيا تكفي جنوب ووسط أوروبا وتفي باحتياجاتها من الطاقة ، بالتأكيد العالم سيظل في نمو مستمر ولا يستطيع النمو أن يتوقف وسيظل العالم في حاجة إلى الطاقة ، والطاقة محدودة .
فأنا في رأيي يجب أن نهتم جميعًا بمراعاة الاستخدام الأمثل للطاقة ، وأدعو كل إنسان في بيته أن يطفئ النور بمجرد خروجه من الغرفة . أنا عندما كنت في إنجلترا العام الماضي فوجدت أن الناس هناك اكتشفت أن التليفون المحمول بعد وضع الشاحن وانتهاء عملية الشحن، يجب أن ننزع فيشة الشاحن بمجرد امتلاء البطارية، لأن هذا سيوفر 3 جيجاوات على مستوى الدولة ، يعني هذا كفيل أن يغلق محطة كهرباء كاملة ، الذي أستطيع أن أقوله أن هناك أشياء بسيطة يمكن أن يكون لها تأثير كبير جدًا لو اهتممنا بها ، سنوفر الطاقة .
وأشكر حضراتكم .

سمو الأمير طلال .

أشكركم على هذه الأوراق التي تناولت القضية المطروحة علينا اليوم من جوانب وزوايا مختلفة ، وكذلك من وجهات نظر متعددة .
وليتفضل الدكتور حسين عبد الله الآن بحديثه حول أسعار النفط ، وما يحب أن يضيفه تعقيباً على الأوراق الثلاث أو في قضية الطاقة بوجه عام .

د. حسين عبد الله

شكرًا سمو الأمير على هذه الدعوة. أنا سأحاول أن أضع نفسي مكان الدول العربية المصدرة للنفط وأركز على المستقبل أكثر من التركيز على الماضي. لدينا كمية من الاحتياطيات ويوجد خلاف على تقديرها، ومن ثم يجب أن تبذل جهود للتأكد من حقيقة حجمها وعدم الاكتفاء بتقديرات الشركات الأجنبية التى تميل إلى طمأنة الدول المنتجة للنفط بأن لديها ما يمتد أجله إلى فترات طويلة، وذلك إلى أن تحصل على نصيبها من تلك الاحتياطيات خلال فترة وجيزة ثم تغادر معتذرة بأن تقديرها أصابه الخطأ. ومتى قامت الدول المنتجة بتحقيق ما لديها من احتياطيات فينبغى أن تعكف على وضع سياسات طويلة الأجل لتحديد أفضل الوسائل لتعظيم العائد من استغلال تلك الاحتياطيات. وبصفة خاصة ينبغى تحديد الإنتاج بالقدر اللازم لتعظيم العائد وحبذا لو أمكن توجيه استخدام النفط والغاز إلى استخدامات أنبل من استخدامها كوقود، أخذًا فى الاعتبار أن تصنيع برميل من النفط إلى منتجات بتروكيماوية صالحة للاستهلاك النهائى المباشر يحقق قيمة إضافية Value added لا تقل عن 2600 دولار. وكانت الدول الغربية المستوردة للنفط قد حرمت الدول المنتجة من ثمار التصنيع المرتبط بإنتاج النفط عندما رفضت السماح بزيادة الكميات التى يتم تكريرها على أرض الدول المنتجة بحجة أن اوروبا لديها قدرات تكرير عاطلة، كما أغلقت الأسواق الأوروبية فى وجه البتروكيماويات العربية بحجة أنها تعتمد على استخدام غاز طبيعى مدعم فى أسعاره ومن ثم ينطبق عليها قواعد الإغراق.
يأتى بعد ذلك، وربما قبله، موضوع أسعار تصدير النفط. وهنا ينبغى أن يؤخذ فى الاعتبار الشحة المتزايدة فى الإمدادات النفطية العالمية وأن ارتفاع الطلب العالمى على النفط العربى لا بد أن يقابله علاوة خاصة تضاف إلى سعره، وهو عرف كان سائدا فى صناعة النفط الأمريكية عندما كان منتجو النفط هناك يحصلون على اعفاء ضريبى خاص Depletion allowance لتمكينهم من تحمل نفقات الاستكشاف وإحلال احتياطيات جديدة محل ما ينضب بالإنتاج والاستهلاك. كذلك استخدم هذا المبدأ لإقرار علاوة خاصة مماثلة فى اتفاقية طهران التى أبرمت مع الشركات عام 1971 وكانت تعادل 2.5% سنويا. وإذا كانت اتفاقية طهران لم تعد سارية إلا أن المبدأ ما زال صالحًا لاستخدامه نظرًا لوجود الحكمة التى اعتمد عليها.
باختصار شديد سأحاول تناول سعر النفط عبر مراحل زمنية تغطى الأولى ربع القرن الممتد من 1948 إلى 1973. ففى عام 1948 تحولت الولايات المتحدة إلى مستورد صاف للنفط بعد أن كانت مصدرًا له، وكانت الشركات الأمريكية مع شركات أوروبية تسيطر سيطرة كاملة على نفط الشرق الأوسط، ففحت حقوله إلى قدرتها القصوى لتغطية الاحتياجات المتزايدة فى الولايات المتحدة وفى أوروبا واليابان لتعمير ما دمرته الحرب العالمية الثانية. ومع سيطرة الشركات الغربية على حجم الإنتاج والتصدير والتسعير ارتفع إنتاج النفط العربى وصادراته من أقل من مليون برميل يوميا عام 1950 إلى 22 مليون برميل فى منتصف السبعينيات. وكان من مقتضى هذا النمو السريع فى الإنتاج والتصدير أن ترتفع الأسعار مثل أىة سلعة يتزايد الطلب عليها بتلك المعدلات العالية، ولكن ماحدث نتيجة لسيطرة الشركات الغربية على التسعير أن السعر خفض بدلا من زيادته. ففى عام 1948 كان السعر 2.18 دولار للبرميل ثم خفض إلى 1.80 دولار عام 1960 دون استشارة الدول المنتجة وذلك فى تحدٍ واضح لتوصيات مؤتمر البترول العربى الأول الذى عقد بالإسكندرية عام 1959. وقد استمر هذا السعر مجمدًا حتى مستهل السبعينيات. وبالمقابل ارتفع الرقم القياسي من 100 إلى 260 بالنسبة لأسعار السلع والخدمات التى تستوردها الدول العربية المنتجة للنفط من الدول الصناعية الغربية وتستنفد حصيلة الصادرات النفطية. وبحسبة بسيطة واستخدام معدل التبادل الدولى بين الجانبين Terms of Trade يتضح أن سعر النفط في أوائل السبعينيات لم يتجاوز 70 سنتا للبرميل بدولار ثابت القيمة عند قيمته عام 1948. ومع خضوع توزيع العائدات لاتفاقية مناصفة الأرباح التى بدأ تطبيقها فى الشرق الأوسط عام 1950 وتقضى باقتسام الربح مناصفة بعد استهلاك النفقات بين الشركات والدول المصدرة للنفط لم يتجاوز نصيب تلك الدول 30 سنتا للبرميل بدولارات 1948 على امتداد ربع قرن كامل. بل إن أسعار النفط كانت من التدنى بحيث أمكن تصدير نفط الشرق الأوسط إلى سواحل الولايات المتحدة بأسعار تقل عن أسعار النفط الأمريكى وكان الفرق يتداول فى صورة تصاريح استيراد تباع بقيمة الفرق بين سعر النفط المستورد الرخيص وبين سعر النفط المحلى.
وقد ساعد على استمرار هذا الغبن أن إسرائيل زُرعت منذ 1948 شوكة في ظهر العرب بدعم من الدول الغربية وفى مقدمتها الولايات المتحدة لكى تستنفد جهود العرب بعيدا عن المطالبة بحقوقهم النفطية المشروعة. وبذلك أغرقت الجهود العربية فى سلسلة من الحروب بداية بحرب 1948 ثم 1956 وبعدها 1967 ولم تتحرر أسعار النفط من الضغط النزولى الذى كانت تمارسه عليها الدول الغربية الا عندما انكسرت شوكة إسرائيل بالانتصار العربى فى أكتوبر 1973.
عودة إلى موضوع السعر حيث ينبغى التفرقة بين السعر الاسمى وبين السعر الحقيقى Price in real terms وهو السعر الاسمى بعد تخفيضه بمعامل التضخم ومعامل انخفاض الدولار، المستخدم فى تسعير النفط، وبعد اضافة العلاوة الخاصة التى أشرنا إليها. وبداية نبدأ بالسعر الذى صححه انتصار أكتوبر وهو 11.65 دولار للبرميل ثم نتدرج لنعرف مستواه اسميا وحقيقيا فى عام 2008. وهنا ينبغى التنبيه إلى الارتباط العضوى بين أسعار النفط وبين مدى حرية الدول المنتجة فى تحديده والتى تعتمد فى نهاية المطاف على استقلال إرادة تلك الدول وقدرتها على مقاومة الضغوط التى تمارسها عليها الدول الصناعية الغربية، وبخاصة الولايات المتحد. وكمثال ففى سبتمبر 1973 ولم تكن الإرادة العربية قد تحررت بعد من هزيمة 1967 تبجح الرئيس الأمريكى نكسون فقام بتهديد القادة العرب علانية اذا استمروا فى المطالبة بزيادة الأسعار. وكان هذا التهديد مقدمة للضغط على وزراء النفط بمنطقة الخليج عند التقائهم مع ممثلى الشركات الغربية فى فيينا يوم 8 أكتوبر 1973 للتفاوض بقصد رفع الأسعار. وقد استمرت المفاوضات بضعة أيام استشار خلالها ممثلو الشركات حكومات الدول الغربية ثم عادوا يعرضون رفع السعر من 3 دولارات للبرميل إلى 3.45 دولارا كحد أقصى، أى بزيادة 45 سنتا للبرميل وذلك على الرغم من تآكل السعر نتيجة لموجة التضخم التى سادت العالم فى مستهل السبعينيات.
فى تلك الأثناء كان عبور قناة السويس والمعارك الباسلة التى دارت شرقها قد أذهلت العالم وأصابته بصدمة قاسية، فأدرك المفاوضون العرب ومعهم إيران أن الساحة صارت مهيأة لفرض الإرادة العربية فى مجال تسعير النفط، فانسحبوا من المفاوضات التى كانت الشركات تطالب باستمرارها. وفى الكويت اجتمع وزراء النفط بمنطقة الخليج وانضم اليهم وزير النفط المصرى المرحوم أحمد هلال، حيث تقرر يوم 16 أكتوبر 1973 ولأول مرة فى تاريخ صناعة النفط بقرار منفرد من الدول المنتجة رفع السعر من 3 دولارات إلى 5.12 دولار ثم إلى 11.65 دولارًا ساريًا من أول 1974. ولما طلبت الشركات بعد ذلك عقد اجتماع مع ممثلى أوبك أصرت المنظمة على أن أى اجتماع قادم لن يكون بأى حال اجتماع مفاوضات وان تحديد سعر النفط سوف يتقرر مستقبلا بقرار منفرد من الدول المنتجة. وفى مستهل 1976 عقد فى باريس مؤتمر دولى CIEC عرف بحوار الشمال والجنوب وتوزعت أنشطته بين أربع لجان كانت الطاقة واحدة منها. وكنت وقتها أحمل مسئوليات وكيل أول وزارة للبترول للشئون الدولية وممثلها فى المكتب التنفيذى للأوابك فقمت بتمثيل مصر كواحد من 15 خبيرا أعضاء لجنة الطاقة، كما كان الدكتور عبد الهادى طاهر ممثلا للمملكة السعودية. وقد استمر المؤتمر عامًا ونصف العام استطاع الغرب خلالها ترتيب أوراقه واطمأن إلى أن النفط سوف يستمر فى التدفق دون انقطاع بعد أن تلاشت المقاطعة التى فرضت على الولايات المتحدة وهولندا والبرتغال لمساندتها إسرائيل خلال حرب أكتوبر. ثم حدثت المفاجأة الثانية أو ما أطلق عليها الصدمة الثانية بقيام الثورة الإيرانية التى دفعت الأسعار إلى نحو 34 دولارًا للبرميل عام 1980 وإن كانت لم تتجاوز 15.5 دولارًا بدولار ثابت القيمة عند 1973.
وكان الغرب قد بدأ جهوده لإضعاف سيطرة أوبك على تحديد الكميات والأسعار بإنشاء وكالة الطاقة الدولية فى عام 1974 لتنسيق جهود المجموعة الصناعية الغربية فى مجال الطاقة عموما والنفط بصفة خاصة. وفى إطار تلك الجهود تم تشجيع إنتاج النفط خارج أوبك فارتفع خلال عشر سنوات بنحو 8 ملايين برميل يوميا، كما وضعت ونفذت برامج صارمة لترشيد الاستهلاك وإحلال بدائل للنفط فانخفض استهلاكه العالمى بنحو 6 ملايين برميل يوميا. وأضيف إلى ذلك تخزين كميات كبيرة من النفط داخل المجموعة الصناعية فى صورة احتياطى استراتيجى لمواجهة الأزمات وخاصة اعتبارا من عام 1979. وبذلك أرغمت أوبك على اغلاق نصف قدرتها الإنتاجية من النفط (من 31 مليون برميل يوميا إلى نحو 16 مليونًا) وهو ما استخدم مع إطلاق حرية الإنتاج فى الدول غير الأعضاء فى أوبك للضغط على الأسعار فانهارت فى عام 1986 من 28 دولارا إلى 13 دولارا كمتوسط وتدنت إلى 7 دولارات فى بعض الشهور. وبذلك لم تدم سيطرة أوبك على إنتاج النفط الخام وتحديد أسعاره لأكثر من عشر سنوات 1974-1985. وهنا ينبغى التنبيه إلى ضرورة الاستفادة من التجربة الغربية فى مجال ترشيد استخدام الطاقة. فهذه دول يرتفع فيها دخل الفرد كثيرًا فوق متوسطات الدخول العربية، ومع ذلك تقوم بتنفيذ برامج صارمة للترشيد بينما تحتاج الدول الأفقر إلى هذا الترشيد وتوجيه ما يتم توفيره إلى دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية أو إطالة عمر النفط.
وفى عام 1987 استرد سعر النفط جانبا مما فقده فارتفع إلى نحو 18 دولارا حيث ظل يراوح حول هذا المستوى إلى ان بدأ فى الارتفاع منذ عام 2004 لأسباب تخرج عن ارادة الدول المنتجة والدول المستهلكة معا. وعلى امتداد الفترة 1986-2004 لم يكن السعر الحقيقى للنفط بتجاوز 5 خمسة دولارات مقومة بدولار ثابت القيمة عند 1973، أى بعد تصحيحه بمعامل التضخم وانخفاض قيمة الدولار فى مواجهة العملات الرئيسية.
ومع تآكل سعر النفط اسميا وحقيقيا على امتداد الفترة 1986-2004 تقلصت عائدات الدول المصدرة للنفط إلى الحد الذى دفع بعضها ومنها السعودية إلى الاستدانة من أسواق المال العالمية. ومن ثم انعكس هذا التآكل فى الموارد المالية مع انخفاض سعر النفط على النحو المذكور فى تثبيط حوافز الاستثمار فى البحث عن النفط وتوسيع قدرته النتاجية. وفى نفس الوقت كانت القدرة الانتاجية المغلقة فى دول أوبك تتقلص بتشغيلها لمواجهة الزيادة المطردة فى الطلب العالمى على نفط أوبك (من 15 مليون برميل يوميا إلى نحو 28 مليونًا) وأيضا لمواجهة نمو الاستهلاك المحلى فى دول أوبك من 3.4 مليون برميل يوميا إلى 6.4 مليونًا.
وبارتفاع معدل النمو الاقتصادى فى العالم إلى نحو 5% فى المتوسط، وهو معدل غير مسبوق، قفز الاستهلاك العالمى من النفط بنحو 6 ملايين برميل يوميا خلال الفترة 2003-2006 (من 79 إلى 85 مليون برميل يوميا). ولم تكن القدرة الانتاجية الاحتياطية Spare productive capacity وهى من أهم محددات السعر تتجاوز نحو 2 مليون برميل يوميا من نفط ثقيل يصعب تسويقه، كما تزامنت مع آليات السوق (وهى العرض والطلب والتخزين والقدرة الاحتياطية) التوترات الجيوسياسية العنيفة التى غيمت على سماء الخليج العربى باحتلال الولايات المتحدة للعراق وتهديدها بضرب إيران، وبذلك قفزت أسعار النفط من 28 دولارا عام 2003 إلى 36 دولارا عام 2004 وإلى 50 دولارًا عام 2005 و61 دولارا عام 2006 و69 دولارًا عام 2007 ثم تجاوزت 100 كمتوسط عبر الشهور التى انقضت من العام الحالى 2008.
ويبقى السؤال: ما السعر الاسمى والحقيقى الذى ينبغى أن يبلغه سعر النفط فى الوقت الحاضر؟ كما أشرت من قبل دارت مفاوضات مكثفة فى مستهل السبعينيات بين الدول المنتجة والشركات أسفرت عن إبرام اتفاقيات طهران وجنيف الأولى والثانية. وبمقتضى تلك الاتفاقيات استحدثت مبادئ ومعايير موضوعية لتسعير النفط، وهى فى رأيى ما زالت تصلح للاسترشاد بها فى الوقت الحاضر برغم أن تلك الاتفاقيات لم تعد سارية. ومن مقتضى تلك المبادئ ارتفاع السعر بمعدل 2.5% سنويا لمواجهة التضخم ومثلها كعلاوة خاصة للتعويض عن النضوب السريع نتيجة للطلب المتزايد، ثم عامل انخفاض الدولار فى مواجهة العملات الرئيسية. هذه هى المبادئ الثلاثة التى ينبغى الاسترشاد بها فى تحديد اتجاه السعر دون الالتزام بالأرقام السابق ذكرها خلال المستقبل إذ يمكن تعديلها وفقا لمتغيرات آليات السوق.
وبتصعيد السعر الذى صحح برفعه إلى 11.65 دولارا فى اكتوبر 1973 بمعدل 2.5% كعلاوة خاصة عبر 35 عامًا (1973-2008) يبلغ السعر الحقيقى فى الوقت الحاضر نحو 28 دولارا للبرميل. وكانت أوبك قد قامت بحساب أثر عاملى التضخم وانخفاض الدولار فتوصلت إلى ان السعر الاسمى فى عامى 2005 و2006 كان يعادل 5 أمثال السعر الحقيقى بعد تجريده من آثار هذين العاملين.
ويستخلص مما تقدم أن السعر الذى تم تصعيده بالعلاوة الخاصة فقط، وإذا ما اضيف إليها أثر العاملين الآخرين وفقا لحساب أوبك، فإن السعر الاسمى ينبغى الا يقل فى الوقت الحاضر عن 140 مائة وأربعين دولارا، وهو ما تحقق فعلا بآليات السوق الحرة دون تدخل من جانب أوبك. بضاعتنا ردت إلينا.
تبقى كلمة مختصرة عن كميات الإنتاج التى يطالب الغرب بزيادتها بغية خفض السعر. فإنتاج أوبك فى السنوات الأخيرة لا يتجاوز 2% من الاحتياطيات التى تم تنميتها، ومعنى ذلك ان تلك الاحتياطيات يمكن أن يمتد عمرها إلى نحو 50 سنة فى المتوسط (إذ يطول العمر فى بعض الدول ويقصر فى البعض الآخر). ولكن المطالبة بزيادة الانتاج تستهدف رفع هذا المعدل الذى يعرف بمعدل النضوب Outtake من 2% إلى 4% ومعنى ذلك انه اذا استجابت دول أوبك لهذا الضغط فان احتياطياتها المنماة يمكن أن تنضب فى 25 عاما وهى الفترة التى يحتاجها الغرب لتنمية البدائل بعد استهلاك آخر برميل من النفط. ونصيحتنا هنا أن نقاوم هذا الضغط وأن يتم تحديد الانتاج فى اطار خطة شاملة طويلة الأجل مع التحصن سياسيا بتضامن عربي حقيقى من نوع ما شهده العالم فى أكتوبر 1973.

د. طه عبد العليم

أود أن أطرح فى بداية مداخلتى عدداً من الملاحظات على الأوراق المقدمة إلى هذه الندوة المهمة. وتتعدد ملاحظاتى على ورقة الدكتور حجاج بما يتناسب مع حجمها الكبير، وأوجزها على النحو التالى:
أولا: أن البعد التاريخى للورقة يلفت الانتباه فيه إشارته المهمة إلى كون النفط دافعا مهما للحرب الأهلية الأمريكية، حرب تحرير العبيد فى أمريكا، نتيجة التحول إلى النفط كمصدر بديل للطاقة عن القوة العضلية للعبيد. وترجع أهمية الإشارة إلى اهتمام الباحث فى تحليله لتاريخ النفط بأحداث معينة تتسم بالدلالة فى قراءة هذا التاريخ فى سياقه الاقتصادى والاجتماعى والسياسى الشامل. وتثير الورقة - رغم تحفظى على حجمها الكبير من حيث الشكل - عددا من النقاط المهمة للغاية:
وثانيا: أن النفط قد ارتبط بالسياسة دائما. وفى هذا السياق، تشير الورقة إلى دور شركات النفط الأمريكية الكبرى سواء فى صنع السياسة الداخلية ، مثل تأثيرها فى انتخابات الرئاسة الأمريكية، أو تأثيرها على السياسة الخارجية للدول الصناعية المستوردة للنفط عبر دفع الحكومات لفرض هيمنتها وسيطرتها على صناعة استخراج النفط فى الدول المنتجة. ورغم فقدان هذه السيطرة المباشرة، ورغم اختلاف لغة الخطاب، فإن شركات النفط الأمريكية تجدد سعيها لاستعادة الملكية المباشرة لصناعة استخراج النفط عبر الخصخصة أو عقود امتياز جديدة فى البلدان الرئيسية المصدرة للنفط.
وثالثا: أن قرار "محاكمة الأوبك"، الذى صدر عن الكونجرس الأمريكى، يثير تساؤلا مهما بشأن جدية دعوة بوش للدول المصدرة للنفط إلى خفض أسعاره، وخاصة أن المستفيد الأساسى من ارتفاع هذه الأسعار هو شركات النفط الأمريكية.
ورابعا: تفسير القفزات الأخيرة الحادة لأسعار النفط بعامل المضاربة، وهو ما يتفق فيه الدكتور حجاج مع استنتاج الأستاذ مجدى صبحى فى ورقته، وإن كان الأول قد استفاض وبحق فى عرض العوامل التى يفترض ألا تدفع نحو الارتفاع المذكور للأسعار.
وخامسا: أن العواقب السلبية المدمرة للأزمة المالية الآسيوية على الاقتصاد العالمى، وهى الأزمة التى تفاقمت نتيجة المضاربة فى أسواق المال، توجب الحذر من آثار مماثلة قد تترتب على المضاربة فى أسواق النفط. وفى ظل احتمال تداع حاد لأسعار المضاربة، فانه ينبغى التحوط لتداعياته الخطيرة على الاقتصادات العربية، وغير العربية.
وسادسا: أن إشارته إلى تسارع عمليات الاندماج والاستحواذ التى تقوم بها الشركات النفطية عابرة القومية، على الصعيد العالمى وفى سياق العولمة، من زاوية موضوع الورقة والندوة، تثير نزعة العودة مجددا إلى عقود الامتياز فى المنطقة العربية. وفى تقديرى أن المناقشات حول قانون النفط فى العراق تبرز هذا الخطر.
وسابعا: أن ثمة سؤالاً مهمًا تطرحه الورقة: هل يمكن من الناحية العملية إلغاء الاتفاق القائم مع الولايات المتحدة الأمريكية بتقويم النفط بالدولار والتحول إلى تقويمه باليورو؟ وإذا كان الباحث يرى أن هذا لن يتحقق إلا بانهيار الحضارة الأمريكية، فاننى أتفق مع هذا التقدير المتشائم، لأن الدول المنتجة والمصدرة للنفط، العربية وغير العربية، تتمتع بهامش كبير من المرونة والحركة تسمح لها بحماية مصالحها، بما فى ذلك تبنى اقتراح تقويم أسعار نفطها بسلة عملات قد يكون قوامها اليورو والدولار.
وثامنا: أن شركات النفط الأمريكية والغربية تحقق مكاسب ضخمة سواء فى شكل أرباح أو فى صورة ارتفاع للقيمة السوقية لأسهمها، نتيجة للتطورات الراهنة فى سوق النفط. والأهم من هذا، تقدير الباحث بأن شركات النفط تلعب دورا مهما جدا فى صنع السياسات الاقتصادية الأمريكية، سواء السياسات المتعلقة بأسعار الصرف للدولار أو السياسات المتعلقة بأسعار الفائدة، وهو ما يضاعف مكاسب هذه الشركات فى نهاية المطاف.
وتاسعا: أن محاولة تبرير توجه البلدان الصناعية المستوردة للنفط نحو مزيد من الاعتماد على الوقود الحيوى بزعم مجابهة ارتفاع أسعار النفط تتضمن مغالطات كثيرة جدا، أبسطها أن العرض أكثر من الطلب فى سوق النفط، بينما العكس هو القائم فى سوق الغذاء. والأمر أن خفض العرض العالمى من الغذاء لا يجسد سوى حقيقة الوجه غير الإنسانى للعولمة الاقتصادية، هذا إن صدقنا زعم الولايات المتحدة الأمريكية بأنها خاسرة من الارتفاع الراهن فى أسعار النفط.
وقد ناقش الأستاذ مجدى صبحى فى ورقته وبشكل معمق أوضاع الطاقة البديلة. وأتفق معه فى أطروحاته الأساسية. وملاحظتى الأولى شكلية وتتصل بأن عنوان الورقة لا يتسق مع مضمونها؛ حيث لم يتوقف باستفاضة واجبة عند ما تضمنه العنوان بشأن أسعار النفط وهيكل الطاقة العربية. وأرى، ثانيا: بشأن مضمون الورقة، فانها تتصل بسلامة استنتاجه بأنه رغم نمو مصادر الطاقة البديلة استمر وسوف يستمر الوزن الكبير للنفط فى هيكل الطاقة المستقبلى على الصعيد العالمى.
وثالثا: أن تركيز الورقة على مناقشة على البديل النووى لا يتسم فقط بأهمية ظاهرة، بل وقام به الباحث بعمق وتمكن، فى تركيزه على تقديم قراءة نقدية موضوعية للنقاش والجدال الدائر حول هذا البديل فى مصر. وموضحا القيود المتنوعة، الاقتصادية وغير الاقتصادية، المتصلة بالاعتماد على هذا البديل، يخلص الباحث إلى أسبقية الاعتماد على مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة غير النووية، ويبرزحججا قوية لتبرير تفضيله المذكور.
وأخيرًا، فيما يتعلق بالأوراق المقدمة إلى الندوة، أرى، أولا أن ورقة المهندس مرسى بحاجة إعادة صياغة للترجمة واللغة .. إلخ. هذا من حيث الشكل.
وفيما يتصل بمضمون الورقة، ألاحظ أن الباحث يقدم قراءة للتقارير العالمية للطاقة، ويبرز وبحق الإسهام المتزايد للصين والهند فيما يتعلق بالانبعاثات المؤثرة على التغيرات المناخية العالمية.
وثانيا، أن الورقة فيما يتعلق بنمو استهلاك النفط، تقدم إشارات مهمة فيما يتعلق بالوضع فى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ وإن كنت لا أشعر بالراحة لاستخدام هذا التصنيف، خاصة وان البيانات عن البلدان العربية متاحة فى تقارير "أوابك" وغيرها.
وثالثا، فيما يتعلق بدعوة الباحث إلى استخدام الغاز فى الصناعة، أرى أن حالة مصر تثير مشكلة تتعلق باقتصاديات هذا الاستخدام، حيث لم تنتج مصر من الأسمدة الكيماوية كما ونوعا ما تنتجه الآن. ورغم هذا، تتضاعف أسعارها بسبب القبول باتفاقيات استثمار مجحفة، سواء فيما يتعلق بالأسعار الرخيصة (المدعمة) للغاز الموفر إلى شركات صناعة الأسمدة فى المناطق الحرة، أو التسليم بحقها فى تصدير إنتاجها إلى خارج البلاد رغم حاجة الزراعة المصرية إليه. ولم تراع الاتفاقيات ضرورة تحريك أسعار غاز وتوفير نسبة من إنتاج صناعات الأسمدة لصالح السوق المصرية.
ورابعا، أن الباحث يشير إلى حقيقة أن الطاقة العضوية لا تزال المصدر الأهم للطاقة فى البلدان النامية. لكن النمو الاقتصادى فى آسيا سوف يغير هذه الحقيقة وبشكل كبير. وأما نمو مصادر الطاقة البديلة زى الرياح والشمس .. إلخ، فإن شأنه شأن مستقبل استخدام الطاقة العضوية، لن يقلل من استمرار الاعتماد على النفط والغاز باعتبارهما المصدر الأهم للطاقة لعقود قادمة.
وخامسا، أن المهندس مرسى قد بالغ فيما يتعلق بفرص ترشيد استهلاك الطاقة عبر سبل مثل توفير الطاقة فى التكييف وتجفيف الأغذية والاستهلاك المنزلى، فثمة آليات أهم من هذه وأوسع تأثيرا فيما يتعلق بترشيد استهلاك الطاقة.
وفى تعقيب عام على القضايا المثارة فى الندوة، شاملة ما تضمنته المداخلة المقدم من الأستاذ الدكتور حسين عبد الله وما ركزت عليه من أن وصول سعر النفط إلى 140 دولارا للبرميل لا يعدو أن يساوى سعره الحقيقى فى سنة 1973، الذى تمكنت البلدان العربية المصدرة للنفط من فرضه استنادا إلى الاستخدام العربى للقوة الشاملة فى حرب أكتوبر 1973، أود تسجيل ما يأتى:
أولاً، أن الصراع على السيطرة على النفط تستحق المزيد من التحليل. وأوجز فأقول إن النفط قد ارتبط بصراعات مسلحة فى المنطقة العربية؛ صراعات مسلحة دولية عربية مثل حرب أكتوبر وغزو أمريكا للعراق، وصراعات مسلحة عربية عربية مثل غزو العراق للكويت، وصراعات مسلحة داخلية تبرز مخاطرها فى العراق فى الصراع بشأن الفيدرالية المرتبط بمحاولة جنوب العراق (الشيعى) وخاصة شمال العراق (الكردى) الاستئثار بالثروة النفطية العراقية دون وسطه (السنى)؛ حيث يتركز معظم نفط العراق فى الجنوب، وبدرجة أقل فى الشمال، بينما يكاد الوسط يخلو من النفط. كما لا يخفى أن النفط يكمن بين أهم أسباب استمرار مخاطر الصراعات المسلحة الداخلية فى السودان أيضا.
وثانيا، أن مستقبل النفط والغاز والطاقة فى العالم العربى، يتوجب النظر إليه من منظور الأمن القومى للبلدان العربية، سواء تعلق الأمر بالتهديدات المترتبة على وفرة موارد النفط والغاز والطاقة، من ناحية، أو التهديدات المترتبة على نقص هذه الموارد، من ناحية ثانية. والأمر أنه بينما تواجه مجموعة الدول العربية تهديدا لأمنها القومى جراء نقص هذه الموارد، تواجه بلدان عربية أخرى تهديدا لأمنها القومى بسبب وفرة احتياطيها وإنتاجها وصادراتها من النفط. وهذان المصدران للتهديد يوجبان نقاشا جادا من منظور مقتضيات التعاون العربى لحماية الأمن القومى، الاقتصادى وغير الاقتصادى، للبلدان العربية. وباختصار، فان الانكشاف الخارجى المترتب على الاعتماد على استيراد النفط من بلدان العجز لا يقل تهديدا عن الاعتماد على تصدير النفط بالنسبة لبلدان الوفرة .
وثالثا، أن تنويع هياكل الإنتاج فى الاقتصادات النفطية العربية يستحيل فى نطاق اقتصادات البلدان الخليجية العربية النفطية المنتجة الرئيسة للنفط، ولا يمكن أن يتحقق على أسس اقتصادية سليمة إلا فى النطاق الواسع للاقتصادات العربية، مثل التوسع الزراعى فى السودان، أو التصنيع فى مصر، على سبيل المثال. وأعتقد أن بناء حلقات إنتاجية وصناعية متكاملة فى المنطقة العربية مسألة حاسمة الأهمية وتحقق مصالح جميع البلدان العربية، وخاصة من منظور تقليص الاعتماد شبه المطلق على صادرات النفط والغاز، وما يترتب عليه من ضعف القدرة العربية على فرض أسعار حقيقية عادلة لصادرات النفط والغاز إلى السوق العالمية.
ورابعا، أن الأهم للبلدان العربية المصدرة للنفط، ليس مجرد المحافظة على القيمة الحقيقية لصادرات النفطية، وهو ما تقترب من تحقيقه كما يرى الدكتور حسين عبد الله. فالأهم من هذا هو تعظيم القيمة المضافة والمحتوى المعرفى للصادرات السلعية العربية. ولا يقتصر الأمر هنا على التحول المتزايد من تصدير النفط إلى تصدير المنتجات البتروكيماوية ، وإنما مضاعفة توظيف الفوائض المالية البترولية فى تطوير صناعة الآلات والمعدات وصناعة الغزل والنسيج وغيرها من الصناعات فى المنطقة العربية. وفى تقديرى أن البلدان العربية تعانى من تراجع التصنيع بالمعايير العالمية المقارنة. وقد اكتفى بحالة صناعة المنسوجات المصرية حيث تزيد صادرات الملابس بينما تتراجع صناعات الغزل والمنسوجات والصباغة والتجهيز، بينما كانت شهدت مصر عملية تعميق الصناعة النسجية وفق هذه المؤشرات فى ثلاثينيات القرن الماضى.
وخامسا، أن ما يتوقعه الدكتور حسين عبد الله من أن نضوب النفط العربى إذا استمر معدل إنتاجه الحالى خلال 50 عاما وربما خلال 25 عاما بمعدل الإنتاج الذى تستهدفه الدول الصناعية المستوردة للنفط. وهو ما يطرح تساؤلاً مهمًا يتعلق بمستقبل العالم العربى فى الحضارة الإنسانية؟ وأوجز فأقول أننا نتكلم عن منطقة انبثق فيها فجر هذه الحضارة منذ 5000 أو 6000 سنة. ونعلم من التاريخ الحقيقى للعرب إن الحضارة العربية هى مجمل الحضارات التى أنتجها الذين يتحدثون اللغة العربية الآن وهى حضارات وادى النيل وبين النهرين إضافة إلى الحضارة العربية الإسلامية ونقل تراث الحضارة الإغريقية. ومن المنظور الحضارى التاريخى الأوسع تؤكد أن المحافظة على مكانة العرب فى التاريخ يوجب عملا جادا لبناء تكامل اقتصادى عربى.
وأخيرا، أن تدفق مليارات الدولارات لتأسيس شركة ثالثة فى مصر للهاتف "المحمول" ليس خطوة على طريق التكامل الاقتصادى العربى المنشود، حيث لا يعدو أثر مثل هذا الاستثمار العربى فى مصر مجرد زيادة معدل الاستهلاك فى بلد يعاني من تدنى معدل الإدخار. وينطبق ذات الأمر على تدفق الاستثمار العربى إلى قطاع العقارات المصرى. وقد أضيف أن تقديم "منحة" من مليون طن قمح لمواجهة مشكلة الخبز فى مصر أمر ينم عن شهامة عربية، لكن الأمر لا يعدو تقديم سمكة بدلاً من تنمية القدرة على صيد الأسماك، كما يقول المثل الصينى. وأتصور أن الواجب والمنفعة المتبادلة توجب مضاعفة مساهمة الفوائض المالية البترولية العربية فى استزراع أراضى توشكى أو سيناء، وغيرها من الأراضى التى طورت فيها الدولة المصرية- وبمساعدة عربية كريمة- بنية أساسية للزراعة. لنزرع ونكسب مع بعضنا البعض، لنواجه أزمة نقص الاكتفاء الذاتى الغذائى العربى.

أ. أحمد عز العرب

شكرًا جزيلاً سمو الأمير على هذه الدعوة الكريمة وهذا المنتدى الراقى وسط هذه النخبة .. دى أول مرة أنا بأتشرف .. أنا هقول مداخلة سريعة دفعنى إليها ما قاله الأخ الفاضل مجدى صبحى عن قيام أمريكا بتطير الطاقة العضوية من الحبوب الغذائية، بأقول إن هذه العملية ليس مجرد الوصول للاكتفاء أو الوصول إلى 7% من الإنتاج على مدى مدة معينة، هذه العملية هى جزء من مخطط مدروس ومتعمد، جزء من هذا المخطط لا تكون سموك سمعت عن الموضوع أو الإخوة سمعوا، اللى هو ما يسمى بتقرير "لوجانو" معرفش هذا الموضوع طرح على حضرتك أولاً، تقرير "لوجانو" كان فى صوره سرا، أصدرت قيادات الدول الغربية فى سنة 1995 بزعامة أمريكا أمرًا إلى مجموعة من أكبر خبراء العالم الغربى للاجتماع سرًا فى "لوجانو" فى سويسرا لمدة عام كامل من 1996 إلى 1997، والمطلوب وضع تقرير على وجه السرعة لمعرفة كيفية إنقاذ الحضارة الغربية من انهيار محقق، الانهيار هو إيه، فى سبعينات القرن الماضى كان الجنس الأبيض يمثل 15% من سكان العالم البالغين عندئذ 3.5 مليار، أصبح فى نهاية القرن العشرين 10% فقط من سكان العالم الذين وصلوا إلى 6 مليارات، ولو استمر الأمر على هذه الحال سيصل الجنس الأبيض إلى 5% فقط بحلول سنة 2020 ووصول سكان العالم إلى 8 مليارات تقريبا، والمطلوب وضع مخطط عاجل جدا لتلافى هذه الكارثة حتى لا تسيطر حضارة أخرى على العالم.
وضع التقرير المسمى "لوجانو" من هذه المجموعة التى وضعت لها أسماء كودية حتى لا يعرف أحد أسماء واضعيها، ووضعت فى مقترحاتها بصراحة كاملة النقاط الآتية: لابد من تخفيض سكان العالم إلى 4 مليارات أى التخلص من 2 مليار بحلول عام 2020، وهذا يعنى القضاء على مائة مليون شخص كل عام، طبعا من أفريقيا أساسًا ومن آسيا، كيف يتم القضاء على ثلاثة محاور: المحور الأول، المجاعات واستخدام الحبوب الغذائية لإنتاج الوقود. المحور الثانى الأمراض جرثومة السل الجديدة التى ظهرت فى أفريقيا لا تضع أى أبحاث لإنتاج مصل لها، خليها تفتك بمن تستطيع. المحور الثالث والأخير هو تفجير الصراعات مش بس بين دول العالم الثالث وسط كل دولة وإشعار كل أقلية أو مجموعة بقيمتها وحقها فى ثقافة مستقلة. آخر نقطة هى احتضان الديكتاتوريات الحاكمة فى العالم الثالث مرحليا، ومساعدتها على الوصول لأقصى قدر من الغنى والثراء حتى تزداد الفجوة الهائلة بينها وبين شعوبها فيسهل على قادة الغرب عندئذ أن يطلبوا منها تنفيذ ما هو ضد شعوبها.
شكرا .. وأنا آسف إذا أطلت لكن كان مطلوب أن أحط هذه المعلومة أمام حضراتكم، وهذا التقرير موجود وحُصل عليه وتُرجم إلى اللغة العربية بمعرفة رجل فاضل مصرى من المثقفين وهو شقيق الدكتور أحمد مستجير العالم الراحل، وموجود هذا التقرير، وأعتقد أنه ينبئ بمستقبل يجب علينا أن نفكر فيه.

د. أحمد إبراهيم محمود

شكراً سمو الأمير، هناك في الواقع عدة نقاط أساسية يتعين الإشارة إليها فيما يتعلق بالعرب والتكنولوجيا النووية، باعتبار هذه المسألة واحدة من أبرز القضايا المثارة على مستوى منطقة الشرق الأوسط في الفترة الحالية، في إطار ما يمكن أن يوصف بـ "موجة عامة" تشمل العديد من دول المنطقة الراغبة في ارتياد مجال التكنولوجيا النووية. وأبرز هذه النقاط ما يلي:
1. إن هناك أزمة طاقة حقيقية تعاني منها الكثير من الدول العربية، فيما يمثل الدافع الحقيقي وراء الاتجاه المتزايد نحو الحصول على التكنولوجيا النووية بالنسبة لهذه الدول، وأبرزها: مصر، الأردن، اليمن، المغرب، السودان، حيث تعاني هذه الدول من ضآلة أو انعدام احتياطياتها من موارد الطاقة، سواء النفط أو الغاز الطبيعي، مما يدفعها بالتالي للبحث في بدائل أخرى، لاسيما الطاقة النووية، من أجل التغلب على مشكلة النقص المتوقع في إنتاجها من الطاقة.
وتبرز هذه الخاصية بالذات في حالة الدول العربية التي لا تمتلك ثروات نفطية، مثل المغرب والأردن، والتي تستورد أغلب احتياجاتها من النفط والغاز الطبيعي، وباتت تعاني بشدة من ارتفاع تكلفة هذه الواردات عقب الارتفاع الجنوني في أسعار النفط العالمية. وتبدو هذه الخاصية أيضا في حالة مصر، التي تضافرت فيها عدة متغيرات تتعلق من ناحية بتراجع احتياطياتها من البترول والغاز الطبيعي، بل إن بعض التقارير تتحدث عن إمكانية نضوب هذه الاحتياطيات في غضون 15 عاماً، كما يترافق ذلك من ناحية ثانية مع الزيادة في نسبة استهلاك الطاقة الكهربية، والتي تقدر بحوالي 15% في عام 2008، مما يزيد من الحاجة لتنويع مصادر الطاقة لديها.
2. إن القول بأن هناك متغيرات دولية أو إقليمية ساهمت في بدء وتنشيط البرامج النووية العربية، مثل أزمة البرنامج النووي الإيراني، أو وجود ضوء أخضر أمريكي بالموافقة على بدء برامج نووية في بعض الدول العربية، يظل في نهاية المطاف مسألة غير دقيقة تماماً، لأن الأصل في هذه المسألة هو وجود أزمة طاقة في تلك الدول لا يمكن أن تحل إلا من خلال امتلاك تكنولوجيا نووية، باعتبار ذلك العامل الرئيسي المحرك للموجة الراهنة من الاهتمام بالتكنولوجيا النووية على مستوى منطقة الشرق الأوسط.
أما فيما يتعلق بتأثير المتغيرات الدولية على هذه الموجة الراهنة، فقد كان متبايناً، إذ كان هناك قدر ملموس من التفهم الأمريكي والدولي للحاجة إلى التكنولوجيا النووية بالنسبة للدول ذات الموارد النفطية المحدودة، مثل مصر والأردن والمغرب، في حين أن تأثير المتغيرات الدولية سالفة الذكر لم يكن إيجابياً أو مواتياً بالنسبة لجميع الدول العربية، وإنما كانت لها تأثيرات سلبية في بعض الحالات، إذ لم يكن هناك ترحيب أمريكي ببدء برامج نووية بالنسبة لكل من دول الخليج العربي أو ليبيا، حيث أعلنت وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس في ديسمبر 2006 عن اندهاشها من حاجة دول الخليج الغنية بالنفط للتكنولوجيا النووية، وذلك عقب صدور قرار قمة مجلس التعاون الخليجي بإعداد دراسة عن بدء برنامج نووي على مستوى دول المجلس، كما لم تتجاوب الإدارة الأمريكية مع رغبة ليبيا في التعاون نووياً مع الولايات المتحدة، مما دفع القيادة الليبية للتعاون مع فرنسا في هذا المجال.
ورغم ما أشيع من أن الاتجاه نحو امتلاك التكنولوجيا النووية من جانب بعض الدول العربية، لاسيما الرئيسية منها، ارتبط بالصراع على الدور والمكانة الإقليمية، وهو ما يرتبط بأزمة البرنامج النووي الإيراني، فإن هذه النوعية من التحليلات رائجة بالأساس في الصحافة الشعبية، وليس لها مصداقية كبيرة من الناحية العملية، إذ أن المؤكد أن امتلاك التكنولوجيا النووية لا يعتبر مسألة هينة يمكن إنجازها في مدى زمني قصير، وإنما هي مسألة معقدة للغاية، تحتاج إلى توافر قدرات بشرية وعلمية ومادية ضخمة، ثم بعد ذلك كله يكون من غير المتوقع أن يؤدي امتلاك التكنولوجيا النووية إلى تعزيز المكانة الإقليمية لدولة تعاني من اختلالات جسيمة في الكثير من مقومات القوة الشاملة الأخرى، مثل السكان أو القدرة العسكرية أو الموارد أو مستوى التنمية البشرية.. وما إلى ذلك.
3. إن دولة مثل مصر تمتلك برنامجاً نووياً عريقاً يعود إلى أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، ومر بمراحل تطور عديدة، وكان قريباً للغاية في بعض الفترات من إنشاء محطات قوى نووية لإنتاج الطاقة الكهربية، لا ترتهن في قراراتها المتعلقة بالتكنولوجيا النووية لمتغيرات دولية وإقليمية فقط، وإنما تركز بالدرجة الأولى على احتياجاتها الوطنية الملحة، علاوة على الاهتمام بمدى توافر عوامل الأمان النووي، تفادياً للمشكلات التي أدت إلى توقف المشروع النووي المصري في الثمانينيات.
4. إن النقاط سالفة الذكر تشير إلى أن دور المتغيرات الدولية والإقليمية سالفة الذكر يمكن أن يكون مجرد دور مساعد فقط، ولكنه لا يمكن أن يكون سبباً وحيداً أو رئيسياً وراء دفع وتحريك الموجة الراهنة من البرامج النووية في المنطقة العربية، ناهيك عن هذه المتغيرات لا يمكن التعويل عليها لبناء برامج نووية مستدامة وقابلة للاستمرار والتطور، إذ أن ذلك يحمل مخاطر انتكاس وتراجع تلك البرامج في حالة تبدل المتغيرات الإقليمية والدولية التي كانت قد حفزتها، مما يعني أن المحك الرئيسي يجب أن يتركز بالأساس في المتغيرات الداخلية الوطنية في كل حالة، لاسيما فيما يتعلق بدور التكنولوجيا النووية في حل مشكلات الطاقة وتحقيق النهضة العلمية في الدول المعنية.
أما فيما يتعلق بمسألة تخصيب اليورانيوم، فإن المعروف أن التخصيب يكون إما بهدف إنتاج الوقود النووي اللازم لتشغيل المفاعلات النووية أو بهدف إنتاج يورانيوم مخصب بنسب عالية من أجل إنتاج السلاح النووي. ونظراً لأن الدول العربية التي تعتزم بدء برامج نووية تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك رغبتها في حصر أنشطتها النووية في إطار الاستخدامات السلمية، وتحت الإشراف الكامل للوكالة الدولية للطاقة الذرية، فإن ذلك يحصر مسألة تخصيب اليورانيوم في الدول العربية في إطار الاعتبارات الفنية البحتة، مما يثير عدداً من النقاط المهمة هنا:
1. إن امتلاك كل دولة لقدرة وطنية في مجال تخصيب اليورانيوم يتوقف بالأساس على مدى امتلاكها لعدد كبير نسبياً من المفاعلات النووية، بما لا يقل عن 10 مفاعلات قوى من الحجم المتوسط، بما يبرر حاجتها لإنتاج كميات كبيرة نسبياً من الوقود النووي، من أجل تشغيل هذه المفاعلات، أي أن هذه المسألة تبقى محصورة بالدرجة الأولى في إطار الجدوى الاقتصادية واقتصاديات تشغيل المحطات النووية.
2. إن الدول العربية لا يجب أن تبقى متأثرة في تعاملها مع مسألة تخصيب اليورانيوم بهواجس أزمة البرنامج النووي الإيراني، وبالرفض الغربي الشديد لامتلاك إيران لقدرة وطنية في مجال تخصيب اليورانيوم، إذ أن علاقات إيران مع المجتمع الدولي تتسم بقدر كبير من التأزم والعداء المزمن، لاسيما مع الولايات المتحدة والغرب، كما أن أنشطتها في مجال التخصيب تحيط بها شكوك عديدة بشأن اشتمالها على مكون عسكري يهدف إلى إنتاج السلاح النووي.
ومثل هذه المتغيرات غير موجودة في الحالة العربية، إذ أن علاقات أغلب الدول العربية مع المجتمع الدولي عموماً، ومع الدول الغربية خصوصاً، تتسم بدرجة أكثر من التعاون والتفاهم، بخلاف الحالة الإيرانية، ناهيك عن أن أغلب الدول العربية تتمتع بسجل طيب للغاية في مجال احترام المواثيق الدولية المعنية بمنع الانتشار النووي، لاسيما مصر والسعودية والمغرب والأردن وبقية دول الخليج العربي، ولا تثار بالتالي شكوك بشأن رغبتها في امتلاك السلاح النووي.
ويعني ما سبق أنه ليست هناك حساسيات أو محاذير سياسية أو عسكرية أو استراتيجية يمكن أن تحيط بأي خطط عربية محتملة لامتلاك تكنولوجيا تخصيب اليورانيوم، وإنما هذه المسألة يجب أن تبقى مرهونة بالاعتبارات الاقتصادية البحتة، أي في حالة ما إذا أنشأت الدول العربية عدداً من المحطات العربية يبرر الحاجة لامتلاك قدرة مستقلة في مجال تخصيب اليورانيوم.

أ. عادل إبراهيم

هناك تحديات عالمية تواجه صناعة البترول سواء الخاصة بزيادة الطلب العالمى على البترول أو تناقص معامل التكرير، وفى نفس الوقت ارتفاع أسعار البترول مع ندرة أجهزة الحفر وشركات المقاولات وغياب العمالة الماهرة، فهذا كله يؤدى إلى مجموعة من المصاعب التى تعانى منها الدول العربية. وأنا من خلال تجربتى على مدى 30 سنة فى قطاع البترول، ويمكن أنا عاصرت الأستاذ الدكتور حسين عبد الله عندما كان وكيل أول وزارة البترول ورئيس جهاز ترشيد الطاقة، وممثل مصر فى منظمة "أوبك"، ومنظمة الدول العربية المصدرة للبترول "الأوبك"، وطبعا منظمة الأوبك الآن تتم محاربتها، وهناك عدد من أعضاء مجلس النواب الأمريكى قدموا مشروع قانون معاداة أوبك، حتى لا يكون لها أى دور فى موضوع الأسعار. ولكن أنا من خلال قراءتى للأوراق الثلاث عن "مصادر الطاقة فى العالم العربى .. الواقع والمستقبل"، أنا كمواطن مصرى أتخيل أو أتمنى أن تكون عندنا منظمة عربية مثل المفوضية الأوروبية للطاقة يكون لها دور كبير جدا فى تقوية صناعة البترول والغاز العربية، لكى نستطيع أن نساعد أنفسنا كعرب من خلال منظمة قوية، وأن يكون هناك نوع من الاستثمارات المشتركة فى تنمية صناعات البترول بعيدا عن الشركات الأجنبية التى يمكن أن تكون لديها أغراض معينة وفى نفس الوقت نقوى دور الشركات العربية والشركات الوطنية فى التفاعل. والملاحظ أن كل التعاون المشترك بين الدول العربية كان تعاونا ثنائيا مثل خط "سوميد" ومثل "خط الغاز العربى"، وفيه مشروع خط "دولفين"، وبعض الشركات العربية قامت أيضا بمبادرات فردية مثل شركات من الإمارات وشركات من السعودية بمشروعات داخل الدول العربية. فلماذا لا نتبنى نحن ككتاب أو كمفكرين أفكارا لتقوية دور منظمة الأوبك فى صناعة البترول العربية، ومن خلال الدعوة إلى استثمارات عربية قوية مشتركة،من خلال تفعيل التعاون بين الشركات العربية فى قطاع البترول والغاز، ومن خلال مشروعات مشتركة. ويمكن أخيرا موضوع خط الغاز العربى مع الاختلاف طبعا حول الكميات والصادرات والأسعار، إنما هو فيه فكرة إقامة شبكة غاز عربية يدخل فيها العراق للاستفادة من الغاز لديه وتعويضه النقص فى بعض الدول العربية الأخرى. وأنا باختصار أتمنى أحلم كمواطن عربى أن يكون لنا كعرب دور مؤثر فى العالم من خلال مصادرنا القوية كالبترول والطاقة والغاز.

د. رفعت لقوشة

لقد استمتعت كثيرا بقراءة الأوراق الثلاث، وبعرض الدكتور حسين، وكل المداخلات. ولكن مبدئيا لى مداخلة أتمنى أن تكون موجزة. لاشك أن هناك إشكالية للطاقة تواجه العالم العربى وتواجه العالم. هناك موارد بدأت فى النضوب، والبترول لا غنى عنه حتى الآن، ولذلك فإن مسمى الطاقة البديلة قد يستدعى بعض التحفظات: فهى طاقة مساندة وليست طاقة بديلة، لأنه لا يوجد بديل حتى الآن للبترول فى ك استخداماته. وفى كل الأحوال هذه الإشكالية تتوافق مع نقطة فى اقتصادات الطاقة والتنمية ستمثل خطا أحمر وهو أنه غير مرغوب وغير مسموح بالمرة أن نصيب الفرد من الكهرباء يتناقص، لأن مجرد التناقص يعنى أن هناك خطاً أحمر فى مستقبل التنمية، والمستقبل شئنا أو لم نشأ يدعو إلى استثمارات كبيرة فى مجال الطاقة، وحتى أيضا فى مجال البترول على الرغم من أن هذه الاستثمارات مترنحة حتى الآن فى ضوء حالة اللايقين والمضاربة بسبب انخفاض سعر الدولار.
كما أنه فى العالم العربى، شئنا أو لم نشأ لا نستطيع أن نتجاهل الآن الخيار النووى. وهو ليس خياراً فى قبضة اليد، ولكنه خيار إكراه الضرورة. فبعض ما هو متاح لدينا فى العالم العربى من البترول ينبغى أن يُستنفد كله فى إنتاج الكهرباء طالما أن هناك بدائل لإنتاجها، والطاقة المتجددة سواء الشمسية أو الرياح لا تمثل حتى الآن نسبة ذات مغزى فى إنتاج الكهرباء.
إذن تبقى الطاقة النووية موضوعا للمناقشة ويضاف إلى ذلك فى العالم العربى أيضا سببان: السبب الأول هو ما ينتظرنا من مشكلة المياه، ونحن تنتظرنا مشكلة كبيرة فى المياه، ويصعب أن نتجاهل ممرا مهما لحل المشكلة من خلال تحلية مياه البحر، وقد تكون الطاقة النووية هى أفضل الممرات لتحلية مياه البحر. والسبب الثانى هو أنه قد يجذب البعض فى العالم العربى حديث الوقود الحيوى، وبالمناسبة الوقود الحيوى ليس بديلا للبترول، وهناك دراسات أثبتت أنه لو تم توظيف كل محاصيل الحبوب فى العالم لإنتاج الوقود الحيوى، فهى لا تكفى إلا حوالى 16% فقط من الاحتياجات العالمية من الطاقة. ولكن ما العمل إذا ذهب البعض فى العالم العربى واستغل بعض المحاصيل الزراعية لإنتاج الوقود الحيوى؟ هذا وارد، فإذا حدث فسوف تزداد معه الفجوة الغذائية وإذا كان الخيار النووى فى تقديرى هو خيار إكراه الضرورة فعلينا أن نمسك بتفاصيله.
صحيح أن هذا الخيار لا يعطينا تكلفة رخيصة، وأنا أوافق تماما الأستاذ مجدى الذى يقول أن التكلفة ستكون 33% فقط من تكلفة الطاقة من المصادر البترولية وخلافه. التقدير عندى التكلفة سترتفع لحوالى 71% فإذا كانت تكلفة البترول وخلافه 100% فإن تكلفة الطاقة النووية قد تصل إلى 70% أتخوف أن ترتفع أكثر من هذا فى ظل حالة التضخم. ولذلك قد يكون مقبولا ومشروطا أننا إذا قبلنا بالخيار النووى نقبل بسياسات للحد من التضخم، وهذا يخفض من نسبة التكلفة، ولكن فى كل الأحوال طالما أننا قررنا أو هكذا نرى أنه خيار إكراه الضرورة فلنمسك بكل تفاصيله. ومن بين تفاصيله إنشاء القاعدة العلمية المحلية ثم الدخول فى شراكات تكنولوجية مع العالم، وهذا لا يضرنا فى شئ طالما أننا طرف فى حوار، وأظن أيضا أن من ضمن شروطه تنشيط المجتمع المدنى بمعنى أن يكون المجتمع المدنى رقيبا على كل عمليات دفن النفايات التى قد تترتب على تفعيل هذا الخيار، ولابد أن يكون لدينا كمواطنين ثقة فى أن كل ضمانات الأمان مكفولة، وعلينا أن نمنح هذه الطمأنينة أيضا للعالم.

د. محمد رضا محرم

بسم الله الرحمن الرحيم... شكرًا سمو الأمير .. إإذن لى أن أسجل ابتداء تقديرى لتوجهك العروبى والذى عاصرناه وشاهدناه مبكرا ومنذ الستينيات. أُعجل بإثبات هذا لأننى أنوى أن أوظفه فى ختام مداخلتى. وأرحب بالأخ العزيز الدكتور حجاج بو خضور القادم إلينا من الكويت، وصاحب المقامة البديعة التى قرأناها والتى تنطوى إلى جانب البلاغة والإدراك على إفادات أو إنذارات جادة لابد أن نلتفت إليها.
شكرًا لجميع الزملاء الذين قدموا الأوراق. وسوف أُعقب على بعض ما فيها، أو أشير إلى بعض ما فيها، وأنا أنتقل من ملاحظة تلغرافية إلى ملاحظة أخرى، نظرًا لضيق الوقت، لعلى أصل معكم ومع هذه الكوكبة المحترمة التى يسعدنى أن أجدد لقاءاتى ببعض من فيها، وألتقى بالبعض الآخر لأول مرة، لننتهى إلى أمر قد يكون هو المخرج من حالة الأسى وحالة البكاء أو التباكى التى عشناها. لى عدة ملاحظات.
الأولى أن العرب فاعل سلبي في عالم الطاقة... كيف يكونون إيجابيين؟!..... نحن باستمرار نضع هوامش على متون نحن غرباء عنها. الآخرون يصنعون الوقائع ويكتبون عنها. إنتاج النفط، الطلب عليه، الاستهلاك، التوقعات فى المستقبل، الصراع عليه فى الشرق الأوسط وفى خارج الشرق الأوسط، هو فعـل الآخـرين، نحـن هكذا فيمـا عدا لحظـات استثنائيـة يذكرنا بها أستاذنا د. حسين عبد الله حين يسرد بعض ما حدث فى 1973 بعد حرب أكتوبر. ربما هذا ملمح عظيم ولكنه خاطف. أما فى باقى الفترات فنحن نقدم الطاقة لمن يطلبها، وعادة نسلم الطاقة لمن يأخذها أو يغتصبها إذا استدعت الأحوال. ولعل القراءة فى العراق تقول "ما لا يأتى بالحسنى سوف يأتى غصبا".
النقطة الثانية وهذه تتعلق بالأسعار والعائدات، وقد تناولها الزملاء فى أوراقهم. هل أُذكِّر بمقولة الأستاذ أحمد بهاء الدين رحمه الله "أن العرب فقراء بالنفط .. فقراء بدونه". أُحدِّث الكلام وأقول لكم أكثر فقرا بدونه، حتى وإن ارتفعت الأسعار إلى الـ 140 دولارًا التى يتمناها أخى الدكتور حسين عبد الله. فهذه التغيرات العنيفة التى تحدث مؤقتة سواء فى الأسعار المنخفضة، حين وصلنا إلى 11 و 12 دولارًأ فى أواخر التسعينيات، بينما كان السعر فى أوائل الثمانينيات عند 37 دولارًا، أو مع الأسعار المرتفعة للغاية حاليًا والتي قفزت من 30 إلى مايزيد على 120 دولارًا في شهور. هذه التذبذبات الحادة سواء بالزيادة أو بالنقص لا تعبر عن حقيقة، وأعتقد أن الدكتور حجاج عرض محدودية الفوائض البترولية بمقارنتنا نحن العرب بدول مثل المكسيك وهولندا مع فارق السكان. ودون الدخول فى تفاصيل أنا معى إحصاءات كاملة عن النواتج الإجمالية المحلية. العالم العربى كله هو دون المكسيك، العالم العربى هو دون هولندا، العالم العربى هو تقريبا ضعف بولندا. وهو مثل أستراليا، ناهيك عن أن عدد السكان فى بولندا 30 مليونًا، وفى استراليا 20 مليونًا .. الخ. هذه الفروق مهمة، فيجب أن نبحث عن مخرج أكثر من الحلم بالعائدات، والحلم بالأسعار، والحلم فى أن الآخرين لا يزالون فى حاجة إلينا.
الملاحظة الثالثة "الصيفة ضيعت اللبن". شكرًا يا دكتور حجاج لقد ذكرتنا بالحكمة العربية القديمة. لكن من سنة 1927 مع بداية نفط العرب حتى 2008 ضاع نصف الوقت. طبقًا لمنظور "هيبرت" الذى وضعته بين أيدينا، فأنا أقول لا أكثر من 70 إلى 80 سنة مهما تفاءلنا مثل التى ضاعت. حقبة الذى ضاع انتهت. نرجو أن يكون حظنا أفضل مع الحقبة التالية وقد وصلنا إلى قمة المنحنى، وسنبدأ الإنحدار على مستوى العالم العربى، وفى منطقة الخليج خاصة. أنا أتحدث عن حقبة يجب ألا تضيع.
النقطة الرابعة، ما يتعلق بهيكل المساهمات للبدائل المختلفة للطاقة الذى قدمه أخى مجدى صبحى. هو حاول أن يستقرئ منه تغييرات، وأنا أقول منذ 1990 حتى الآن هى تغييرات هامشية، ولا يزال إسهام كل صنف من صنوف الطاقة فى نفس الحيز تقريبا، حول 35% للبترول ، 22% للغاز، وحوالي 6% للتوليد المائي، 6% للطاقات النووية ، ومشاركة محدودة للطاقات المتجددة من الشمس والرياح .. إلخ . وأظن أن هذا قد يستمر حتى حلول 2020.
النقطة الخامسة تتعلق بالنووى وأنا أتحدث من الموقع الفنى، ومهنيا بحكم التخصص والارتباط القريب، لكنى حريص على اقتصاديات هذا البديل، وهو بديل جاد. وأنا آسف أن أخى مجدى صبحى قال إنه هزل فى موقع الجد. لا ..... بل هو الجد الذى أخره ونرجو ألا يضيعه الهزل. أخى الدكتور رفعت لقوشة قال إنما هو إكراه الضرورة وأنا أوافقه على ذلك. الحالات التى سردها الأستاذ/ مجدى صبحى حتى ننصرف عن هذا البديل تحتاج إلى تحليل. حالة ألمانيا هى قضية سياسية والائتلاف القائم والخضر طرف فيه، هنا فهم خاطئ للموضوع. بلغاريا وتشيكوسلوفاكيا هناك مفاعلات قديمة وبالتالى هناك حرص للاتحاد الأوروبى أن يأخذ موقفًا بشأنها. لكن أذكره بأن فرنسا 83 % من إنتاجها من الكهرباء. من التوليد النووي فهذا موضوع فى الحقيقة يجب أن نأخذه بجدية، خاصة إذا تذكرنا المحدودية المطلقة لموارد البترول والغاز فى مصر. وقد لا يصح أن أقول أرقاماً أمام الدكتور حسين عبد الله فهو صاحب الشهادة التي لا ترد. مصر دخلت مجاعة فعلاً، مصر تستورد بترولاً، مصر تستورد غازًا. أما الغاز الذي يصدر منها فهي تدفع عليه غرامات ولا يعود عليها شىء مادى، وهذه قضية أخرى. لكني أريد أن أقول إن حالة مصر حالة فيها إكراه المضطر أو المضطر المكره كما قال الدكتور لقوشة.
الملاحظة السادسة .. العرب يصطلون فى حزام الشمس الحى فمتى يستفيدون منها اقتصادياً؟..... نحن يمكن أن نكون موردين للطاقة الشمسية لأوروبا فى شبكة الكهرباء الموحدة التى تربطنا بها، ولكن نحن في حاجة إلى التكنولوجيا، البحوث، القرار، الإدارة السياسية.
النقطة الأخيرة .. ماذا نفعل؟ ..... أعود يا سمو الأمير لأُذكِّر بتوجهك العروبى وأطلب منك أن تحمل لواء تشكيل جماعة ولنسمها جماعة الموارد الأربعة: الأرض، المياه، الطاقة، البشر .. هذه المزاحمة التى نعانى منها نحن العرب فى الغذاء قبل الوقود الحيوى وبعده، ونعانى منها فى المياه قبل الخلاف مع دول الجوار وبعده، أيضا الطاقة التى تؤكد كل التوقعات وكل الدراسات أن المسألة لا تستغرق غير عدة عقود عدها البعض ثلاثة وعدها البعض خمسة وتفاءل البعض ووصل إلى سبعة أو ثمانية عقود. نريد فى هذه الفترة أن نعود عروبيين. أن نتوحد كعرب. أن نتوحد بالأرض الممتدة من المحيط إلى الخليج كما يقال، الصالح منها للزراعة وغير الصالح. نريد أن نتكامل ونتعاون فى موضوع المياه سواء مياه الأنهار أو المياه الجوفية أو المياه المحلاة من البحر. وكل البدائل الجديدة وعلى رأسها النووى تفتح لنا اختراقاً جديداً فى هذا المجال. ثم نوظف طاقاتنا بإحداث تنمية بالمياه على الأرض، عن طريق البشر الذين نتمنى لهم تعليماً جيداً وصحة جيدة. ولو أننا فعلنا هذا وبدأناه الآن، فربما مع أفول عصر النفط واشتداد أزمة أو عذاب الطاقة نكون قد وجدنا مخرجاً عربياً فى توحدنا وتكاملنا .. وشكرًا على حسن استماعكم.

أ. مصباح قطب

شكراً لسمو الأمير، وشكرًا لكل الموجودين .. أنا اسمى مصباح، لكنى لا أدفع فاتورة كهرباء ربما لأن الواحد مطفأ طول الوقت. ولكنه نموذج للترشيد، وأنا سأبدأ بالنقطة التى أشار إليها الدكتور طه عبد العليم، وهى نصيب المواطن من الطاقة .. كانوا يقولون زمان أن أوروبا أكلت فحمها وإن علينا أن نأكل أشياء كثيرة فى العالم العربى، يعنى علينا أن نشرب شمسنا ونأكل على الأقل جزءاً من بترولنا وجزءاً من مصادر الطاقة الموجودة عندنا ، وأن نكون عادلين فى حصول الطبقات الأدنى فى المجتمع على نصيبها من الطاقة، و أنا أتحدث على النصيب المباشر، وليس إنه مثلا السعودية أو فى مصر يوجد إيراد ممكن أعيد توزيع جزء منه على الفقراء، وإنما استخدام الفقراء للطاقة بشكل أكثر حتى لو انطوى على قدر من الهدر أنا رأيى إنه فى صالح التنمية لأن الطاقة تفتح أذهان الناس وتفتح أمامهم آفاقاً أوسع من الناحية العملية والحياتية بشكل عام.
أظن أيضا أنه من المناسب أن تصدر من هنا دعوة إلى أنه يجب استخدام الطاقة وموارد الطاقة أيضا فى زيادة التشبيك الوطنى أو القومى فى كل بلد عربى، لأن أخشى ما أخشاه بعد ما حصل فى أيبى بالسودان الآن إنه فى أى مكان يوجد بترول أو غاز أو شمس، يأتى من يريد إقامة دويلة ويأخذ تمويلاً من الخارج. وعلينا أيضا أن نراعى أهمية ذلك وكما قلت استخدام موارد الطاقة استخداماً رشيداً واستخدام موارد الطاقة بعدالة فى داخل الوطن الواحد.
الأستاذ مجدى صبحي يقول فى ورقته إن تكنولوجيا الطاقة الشمسية ليست سرية. الحقيقة أنا لست متأكداً لأن عندى مثلا عمليا. أنا كنت من حوالى شهر مع رئيس الهيئة العربية للتصنيع. وهو يقول إنهم كان عندهم رغبة يعملوا (جوين فينشر) مع أى شركة من الشركات العالمية الكبيرة وندخل بأى نصيب وفى البداية نتعلم ويكبر نصيبنا بعد هذا. ونحن نعرف أن ألمانيا وبعدها أسبانيا وبلجيكا ثم الهند هى أهم أربع دول تعمل حالياً فى الطاقة الشمسية. بالنسبة للدول الثلاث الأولى لم يرد أحد عليه مع إنه هناك تقاليد فى الشركات الأوروبية انها عندما تتلقى خطابك ترسل لتقول وصلنا وشكراً. والهنود سألوا عن الدافع لأن ندخل معكم فى شراكة، ونحن نبيع منتجنا والطلب عليه يزيد، وأنا أظن إن ألمانيا تعمل لخفض تكلفة الطاقة الشمسية. وهذا مؤكد ينطوى على أسرار. وعلينا أن نجد الوسائل المختلفة للحصول على جزء من أسرار هذه التكنولوجيا فى العالم العربى. والميزة الكبيرة فى الشمس إنه بدخول الطاقة الشمسية فالإنتاج يكون أسرع من أى عمل آخر سواء محطة كهرباء أو محطة طاقة نووية، فالطاقة الشمسية ممكن بشكل سريع تدخل فى الدورة الشمسية. وقد قيل من قبل إن بترول العرب للعرب، وأعتقد إن التكلفة السياسية لشعار شمس العرب للعرب أقل كثيراً، من الممكن بالفعل أن تكون شمس العرب للعرب. أحد الزملاء يقول انه لا مجال لاستخدام سلاح البترول وإنه انتهى. فإذا كانت الناس تستخدم الغذاء كسلاح وهو شىء لا أخلاقى ولا دينى ولا قانونى، فكل الأوراق يمكن استخدامها طوال الوقت. ولكن الفكرة كيف تستخدمها، ليس بالضرورة أن أستخدم النفط بإيقافه كما حصل فى 73 ولكن هناك مائة طريقة وطريقة لاستخدام النفط للضغط لتحقيق المصالح العربية.
أذكر أيضا "توماس فريدمان" بعد ما زار الهند كتب عدة مقالات يمكن "الشرق الأوسط" كانت ترجمتها وأنا قرأتها مترجمة يقول فيها إنه يدعو لعقاب ما للدول النفطية، وأن الهند لأنها ديموقراطية لم يأت منها إرهابيون فى أحداث سبتمبر 2001، فالدول النفطية هى الدافع الأساسى للفلوس للإرهابيين، والفلوس التى لديها معطلة الديمقراطية، وعلينا أن نجد طريقة لنعاقب هؤلاء البشر. وأنا لاحظت إنه فى خطاب بوش فى شرم الشيخ قال إن الولايات المتحدة فعلاً تدعم البحث عن بدائل ويرى أن العالم العربى لو استند على غير الطاقة وغير البترول سيصبح أفضل. وأنا أخشى فعلاً أن يكون هناك عقاب ما قادم، وقد يأخذ هذا العقاب ما قاله الدكتور طه عبد العليم عن كسر دورة الصعود والمضاربة الحالية فجأة بحيث تعود من 140 دولارًا وهو السعر الذى يراه الدكتور حسين عادلاً إلى 20 أو 30 دولار ، ومن ثم يجب أن نكون حريصين جدا فى ما هو قادم. ولا أعتقد أن "توماس فريدمان" فى مسألة الطاقة يؤثر فى المحافظين الجدد فقط، بل ربما أيضا فى السياسة الأمريكية بشكل عام. والنقطة الثانية إن السعودية طرحت من حوالى 6 أو 7 شهور دعوة لإنشاء مؤسسة مشتركة إقليمية لتخصيب اليورانيوم، طبعاً الناس ساعتها أخدتها في سكة أخرى، ولكن أظن أنه من المهم أيضا تبنى هذه الدعوة وتقديم كل الضمانات لأى طرف عنده أى شك إنها ستكون مؤسسة مستقلة، وتعمل بكفاءة وهدفها تحقيق مصالح الجميع بدلاً من أن تقوم كل دولة على حدة من الدول الساعية لامتلاك الطاقة النووية بأنها تعمل عمليات تخصيب وتواجه المخاطر السياسية وحدها.
أخيراً أذكركم اننا من سنة 70 وتحديداً يونيو 71 مصر عملت عملا مهما جداً فى ظروف بالغة التعقيد سمى وقتها خطة الزحف البطئ لبناء حائط الصواريخ لمواجهة الطيران الإسرائيلى. فى هذه الفترة كان هناك عمليات تمويه متعددة. وفى الآخر عملنا حائط صواريخ تمام. لكن أنا أظن إنه آن الأوان إن كلاً من مؤسسات إنتاج البترول فى العالم العربى والبنوك المركزية العربية تعمل عملية زحف بطئ، فى ظل طبعاً الوضع الموجود عالميا، ممكن يكون الأمريكان فى حالة هيجان خوفا من تقليل نصيب أو حصة الدولار فى احتياطياتها الدولية فى البنوك المركزية شيئا فشيئا. أظن إنه على مدى 10 أو 15 سنة ممكن نعمل عمليات توازن مطلوبة تقينا من أخطار شديدة .. شكراً سمو الأمير.

د. حسين عبدالله

تعقيبا على ما أثاره الأخوة الزملاء فى موضوع الطاقة النووية أرجو أن أشير إلى دراسة موسعة فى هذا الموضوع نشرت لي في التقرير الذى أصدرته دار الأهرام فى مستهل 2008 بعنوان "الاتجاهات الاقتصادية الاستراتيجية". ومن ناحية أخرى فقد شاركت كاقتصادى فى المشروع النووي المصري الذى بدأ في أوائل الثمانينيات. ولم يكن حادث شرنوبل هو وحده الذى عطل المشروع ولكن إنتاج مصر من النفط كان يكفى احتياجاتها ويحقق فائضا لتصديره، وذلك فى وقت كانت أسعار النفط قد أخذت فى التآكل ومن ثم بدت الطاقة النووية كاختيار ثانوى بالنسبة للنفط والغاز المصرى الذى بدأ استخدامه محليا منذ 1975.
النقطة الأخيرة في دراستى التى ذكرتها عن الطاقة النووية أن تلك الطاقة لا تصبح منافسة للغاز الطبيعي في توليد الكهرباء إلا إذا تجاوز سعر الغاز 6 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية. وبمقتضى العقود المصرية المبرمة مع الشريك الأجنبي تملك مصر الحق فى شراء ما يحتاجه الاستهلاك المحلى من الغاز من نصيب الشريك الأجنبى بسعر لا يتجاوز 2.65 دولار للمليون وحدة. ولذلك أرى تغطية العجز فى الاستهلاك المحلى خلال الفترة القادمة بالاعتماد على شراء الغاز من نصيب الشريك الأجنبى بالسعر المحدد فى الاتفاقيات، وألا يسمح للشركات بالتحلل من التزاماتها اذ تطالب برفع هذا السعر إلى نحو 4.70 دولار.
وأخيرًا أنصح بدخول العرب فى موضوع الطاقة النووية كمجموعة متضامنة للاستفادة من التفاوض الجماعى وتوحيد التقنيات المستخدمة بحيث يسهل تبادلها بين الدول العربية وأيضا تبادل الخبراء. ومن ناحية أخرى فإن الدول الموردة للتقنيات النووية لا بد ان تقيم وزنا لمجموعة عربية تمتلك من النفط والغاز والموارد المالية ما يؤهلها لكى تعامل معاملة الند بدلا من الانفراد بكل دولة على حدة.

أ. سعد هجرس

الحقيقة الأوراق والمناقشات التى طُرحت تعطى صورة ممتازة جدا للفرص والتحديات التى نواجهها حاليا بالنسبة للطاقة.
ولكن كنت أتمنى تركيزا أكثر فى الأوراق على عدد من الأمور من ضمنها علاقة أسعار النفط بأزمة الغذاء وخصوصاً إنها ليست أزمة عارضة، وإنما أزمة ربما سيتوجب علينا التعامل معها لسنوات طويلة. المسألة الثانية علاقة قصة الطاقة وأسعار البترول بشكل خاص بالتغيرات المناخية فى العالم.والنقطة الثالثة النواحى السياسية والأمنية فيما يتعلق ببترول الشرق الأوسط بالذات لأنه كما قال أحد وزراء الدفاع الأمريكان السابقين أن العرب لايملكون البترول، بل يجلسون على البترول فقط، فلا هم يستخرجونه، ولا هم الذين يكررونه، ولا هم من ينقلونه، ولا هم الذين يتاجرون فيه، ولا هم الذين يحددون أسعاره! إنهم فقط يجلسون على البترول لفترة طويلة جداً، بحيث أصبح الوضع، وربما تصور كثيرون ، وربما يكونون على حق، إن الصراع العربى الإسرائيلى لن يحل إلا مع نضوب البترول. مع نهاية آخر برميل بترول تحل قضية الصراع العربى – الإسرائيلى. لكن على كل حال، فيه تطورات موضوعية خارج سيطرة الأمريكان والإسرائيليين وغيرهم، بعضها بفعل الطبيعة وبعضها بفعل الإنسان. ولا دخل للأمريكان فيها بشكل مباشر.
وأبدا بالتغيرات المناخية. هناك مسائل مهمة بالنسبة لتغير المناخ العالمى، ولها علاقة وثيقة ومباشرة بقضية الطاقة ووضعها ومستقبلها. وهناك دولتان عدد سكانهما أكثر من 2 مليار دخلتا سوق الطلب على البترول بقوة فزاد مستوى معيشتهما فأثر على البترول والغذاء وكل المسائل. أكثر من 1.3 مليار صينى و1.2 مليار هندى. وهذا له تأثيرات مهمة جداً فى المنطقة من ضمنها إنه للمرة الأولى الولايات المتحدة الأمريكية بالرغم من إنه لها قواعد فى المنطقة وما إلى ذلك (وهذا لابد أن يكون فى اعتبارنا ونحن نتناقش فى أى استراتيجيات مستقبلية) فهى تواجه ظروفاً صعبة حاليا فى التعامل مع حماية مصالحها فى المنطقة باستخدام خيار القوة. وواضح إن هناك سيناريوهين أساسيين حول تفاعل أمريكا واللاعبين الأساسيين مع فضاء الطاقة، السيناريو الأول الصراع والمواجهة وهى ليست بالضرورة عسكرية، ولو أنها عسكرية الآن أيضا. ولكنها تظل منافسة تخلق نوعًا من التوتر بين أمريكا واللاعبين الآخرين فى المنطقة وقد يفرز هذا ظروفاً أصعب فيها.
والسيناريو الثانى إن الولايات المتحدة قد تبدأ فى العمل بطريقة أو منهج تعاونى مع اللاعبين الآخرين. وفى كل الأحوال ونحن نناقش قضية بترول الشرق الأوسط لأبد من إدراك وجود مخاطر حقيقية تهدد أمن الطاقة فى المنطقة، ومن ضمنها أن دول مجلس التعاون الخليجى لا يمكنها تجاهل مخاطر التوتر الحالى فى المنطقة خاصة وأن شركات النفط فى منطقة الخليج ليست محلية ولكنها أمريكية وقد تتأثر بسياسة الولايات المتحدة وصراعاتها فى الشرق الأوسط.
كما أن الصراع العربى الإسرائيلى قد يؤدى إلى تفجر الأوضاع وفقدان الاستقرار فى المنطقة فى أى لحظة. وهناك أيضا العامل الإيرانى فى الموضوع وصعود دور إيران فى المعادلة. ولا ننسى كذلك الوضع فى العراق وما يمكن أن يؤدى إليه. كل هذا ممكن أن يترتب عليه أمور شديدة لازم نضعها فى الاعتبار.ونأتى إلى الكلام عن نضوب النفط والمرحلة التى سيصل إليها من 50 إلى 80 سنة أنا رأيى أن هذا يخلق فرصا وتحديات سواء من كلام أستاذنا الدكتور حسين عبد الله أو الأوراق المقدمة من الدكتور حجاج والأستاذ مجدى صبحى والدكتور محمد المرسى، يتضح أننا إزاء وضع جديد فى المنطقة سيكون فيه تراكم غير مسبوق على الإطلاق. حسب كلام الدكتور حجاج إنه قد يتجاوز دخل دول المنطقة دخل الدول الصناعية الكبرى سنة 2050 إذا تم الاستمرار فى ذات الاستثمار. وبالأرقام كان متوقعا أن تتمتع دول الخليج بإجمالى دخلها المحلى الذى سيصل إلى 800 مليار دولار فى عام 2007 . وهذا حصل فعلاً ومتوقع أن ينمو إلى 812 هذا العام. وهذا سيكون متجاوزًا لاقتصاديات بعض الدول الكبرى مثل المكسيك واستراليا وهولندا. وليس من المستبعد أن يتحول الخليج إلى أكثر المناطق ازدهاراً فى العالم خلال العقود المقبلة. والصناديق السيادية تقدم ملامح لهذا سيبلغ مجموع ما ستحققه دول الخليج فى الفترة من 2005 إلى 2010 من صادرات النفط فوائد مالية تراكمية تصل إلى أكثر من تريليون دولار نتيجة ارتفاع أسعار النفط. وهذه المبالغ الهائلة يترتب عليها تغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية، بدأنا نرى بوادرها إنه فعلا لا توجد مبادرة سياسية فى القاهرة. كما أن هذه المبالغ الطائلة والخيالية وغير المسبوقة لا يمكن لأى أمير أن يصرفها فى اللهو . نحن نتحدث الآن عن واقع جديد تماماً.
أفتكر مع إنى لا أحب فكرة آخر فرصة إنما هذه الفرصة ربما لن تتكرر بالنسبة للمنطقة كلها وليس فقط بالنسبة للدول المنتجة للبترول. وأنا بصرف النظر عن الأبعاد الأيديولوجية لقضية الوحدة العربية والقومية العربية وأنا لست من أنصار فكرة القومية العربية، عموماً، ولكن بصرف النظر عن هذه الأمور فهناك ضرورات اقتصادية وليس إكراه الضرورة كما يقول الدكتور رفعت، وإنما هناك ضرورات حياة وبقاء بالنسبة للمنطقة سواء للأغنياء المنتجين للبترول لأن بعد 50 إلى 60 سنة إذا لم تحدث تنمية رشيدة سيتحولون إلى مدن الملح كما قال عبد الرحمن منيف، أو بالنسبة لدول الماء أيضا فهناك إذن عوامل موضوعية بصرف النظر عن الاعتبارات القومية والأيديولوجية تدعو إلى خطاب جديد. يمكن كما قال الدكتور رضا محرم مثلاً رباعية الأرض والمياه والطاقة والبشر. هذا ليس كلاماً فى الشعر ولا ثلاثية نجيب محفوظ . ولكن هناك امكانية موضوعية لأن يتم التعامل مع قضية الطاقة فى التكامل مع الأمور المختلفة كما قال الدكتور رفعت لقوشة. وهذه نقطة مهمة جداً إنه هناك علاقة وثيقة بين قضية المياه وقضية الطاقة، وبين قضية الغذاء وقضية الطاقة، وبين نوعية البشر الموجودين وبالتالى لها علاقة بقضية التنمية البشرية وقضية الديمقراطية وقضية حقوق الإنسان. إذن نحن نتكلم عن خطاب متكامل. وهذا هو التحدى بالنسبة لنا فى مصر، يعنى نتكلم عن خطاب مصرى جديد لأن أحد الأفكار التى أنطلق منها شخصياً إنه نخبة ما بعد الحرب الباردة وما بعد الاستقلال انتهى دورها وهناك حاجة لخطاب جديد وسياسات جديدة على المستوى المصرى وعلى المستوى العربى، وعلينا كجماعة ثقافية مصرية أن نلعب دورا مهما فى هذه المسألة وأن نطرح أفكاراً بشأن الوضع الجديد عموما وليس فقط الطاقة النووية ولأن مشروع النهضة فيه عناصر كثيرة جداً، فهل نريد محطات نووية تسليم مفتاح أم أن هذا من صور تحديث التخلف وتعميق التبعية، فلا أمل فى المنطقة إلا إذا أصبح فيها مشروع علمى لتوطين التكنولوجيا كما قيل. وعندنا الإمكانية الآن حين نتكلم عن التريليونات وما إلى ذلك لتوطين التكنولوجيا وبناء مشروع عربى كبير جداً وضخم فيه بحث علمى وفيه منظومة علمية حديثة، من أجل تحديث العالم العربى، ولا يمكن أن نتصور ذلك من غير التعليم ومن غير الديمقراطية اللتين قام عليهما مشروع النهضة فى آسيا.

أ. عبد الفتاح الجبالى ..

بسم الله الرحمن الرحيم .. الحقيقة في اختصار ، ولكي لا أطيل .. الحقيقة الموضوع من الأهمية بمكان، والآراء التي سمعناها آراء غاية فى الأهمية ولكني أعتقد إن العالم منذ بداية عام 2008 أو منذ نهاية 2007 يشهد تغيرات وتطورات جوهرية غاية فى الأهمية وهذه التغيرات تظهر فيما يحدث في العالم في الفترة الحالية، من أزمات مرتبطة بأزمة الرهن العقاري الأمريكي وصولا إلى سوق النفط وما يحدث به مرورا بأزمة الغذاء وغيرها. أنا أعتقد إن هذه المسألة، والتي أشار إليها الدكتور رضا محرم سريعاً ليست في سوق النفط فقط ، العالم فيه تغيرات جوهرية والأزمة الحالية أزمة صعبة وكبرى، أنا أعتقد إنها فيها كلام كتير قوى فى المستقبل المنظور والمستقبل البعيد وكما ذكر الأستاذ سعد فى دور الصناديق السيادية وهذه مسألة غاية في الأهمية ويجب علينا أن نتعامل معها بطريقة سليمة. أنا أعتقد إن المسألة هتبقى أخطر كتير من موضوع النفط، القضية الأساسية دائما موضوع النفط ومصادر الطاقة البديلة الحقيقية مسار جدل وحوار منذ منتصف السبعينيات فالدكتور محمد دويدار كتب كتابه الشهير "البترول نعمة أم نقمة ا"، الدكتور طه "النفط والنزاعات المسلحة فى المنطقة وعلاقته بالنفط"، والمئات من الكتابات فى هذا المجال. أستاذنا الدكتور حسين فى موضوع الكرامة العربية، "توماس فريدمان" عمل المؤشر الذي أشار إليه مصباح في علاقة الديمقراطية بالثروة النفطية، وعمله ونشره فى "الفورن بولسى" وهذه مجلة لها طبيعة خاصة باعتبارها مجلة تعكس توجهات معينة فى الإدارة الأمريكية. وهم مهتمون بهذا الموضوع ويقيس المؤشر مدى العلاقة بين الثروة النفطية والديمقراطية فى البلدان وهى مسألة مهمة جداً، هذا من المنظور السياسي .
أنا عندي 3 أو 4 أمور أريد أن أشير إليها في هذه العجالة ، أنا ملاحظ الحقيقة فى الحوار لدينا نظرة أحادية للمسألة بمعنى إنه حينما نبحث عن مصادر الطاقة البديلة نتحدث عن النفط أو الطاقة النووية، أو غيرهما، باعتبارهم بدائل لبعضهم ، وهى مسالة غير مفيدة ونحن نرسم خطوط المستقبل لن النظرة الأحادية لما يحدث فى العالم ليست الولايات المتحدة فقط، الحقيقة فعندما تحدث أزمة كبيرة وكساد فى الولايات المتحدة الأمريكية أو تراجع اقتصادى كبير بنلاقى الصين والهند يتأثرا إيجابياً فى النمو العالمى بحيث إن نسبة إسهامهم فى التجارة تقلل من هذه الآثار هذا على المستوى العالمي، وبالتالي يختلف عن أزمة الكساد العالمي فى الثلاثينيات، ومن هنا الحقيقة فيه عوامل أخرى بدأت تلعب دور مهم جداً فى التحركات على الصعيد العالمى ممكن نستغلها وممكن نتعامل معها بطريقة صحيحة، شريطة أن يكون لدينا إمساك بجوهر المسائل التى نريدها فى المستقبل هذا فيما يتعلق بالأمور الجوهرية، فهذه النظرة الأحادية للبدائل ليست سليمة ويجب أن ننظر إلى الأمور بنظرة متكاملة. بمعنى آخر فقد يكون البديل النووي بشروط معينة كما قال الدكتور رفعت ، يصلح للتطبيق فى الفترة القادمة جنبا إلى جنب مع المصادر الأخرى بحيث ينقل الاقتصادات العربية نقلة تنموية معينة تؤدى إلى الاستغناء عن البديل النووى لصالح البدائل الأخرى وهكذا أقول إن النظرة المتكاملة للأمور غاية فى الأهمية، دائما نبحث عن مصادر، من كلمة مصادر يجمعها تبقى هى المصادر مع مجموعها تمكن البلدان من الحصول على احتياجاتها من الطاقة بأقل تكلفة ممكنة من الناحية الاقتصادية وبأفضل شروط أمان ممكنة من الناحية الأمنية ومن الناحية القومية يصبح الأمن القومي مسألة غاية في الأهمية، هذا مرتبط في الحقيقة إذا كنا نتكلم عن النفط كثروة ناضبة كما أجمع الحاضرون ، فهناك مسألة هامة جداً متعلقة بما يسمى حق الأجيال القادمة في الثروة الحالية، الذي يحدث الآن هو نوع من هدر إمكانيات معينة لثروة ناضبة وبالتالى جيل حالى بيأخذ أو بيفتئت على جيل المستقبل، بعض الدول العربية تحوطت، اعتقد أن الكويت لديها صندوق لهذه المسألة، موريتانيا لديها مشروع شبيه بذلك. الأطروحة تتم فى هذا الإطار من وجهة نظرى، كيف نضمن ،على الأقل، إن الثروة الحالية أو تراكم الثروات المتوقع مع ارتفاعات الأسعار المذهلة فى أسعار النفط فى الفترة الحالية يعود بالنفع على المسألة التنموية فى المنطقة العربية. أنا أعتقد أن هذا رهن بأمور متعلقة بالتأكيد العمل العربى المشترك مسألة مهمة ولكن لابد أن ندرك مصالحنا تماماً بمعنى إنه لابد أن يعى العالم العربى إن إمكانية امتلاك التكنولوجيا التى تؤهله للدخول فى المستقبل مسألة مهمة جداً وبالتالى لابد أنه يستثمر فى هذه التكنولوجيا بدرجة أعلى من الفترة الحالية، للأسف الشديد كل ما تتراكم من خلال خبرة القراءة السياسية للثروة النفطية فى المنطقة العربية كلما تراكمت الثروات النفطية لدى بعض البلدان العربية أو الثروات عامة كلما أدى هذا إلى التراجع عن برامج الإصلاح الاقتصادى ، حتى مصر حينما نجحت المرحلة الأولى فى تجربة الإصلاح الاقتصادى التي تمت في بداية التسعينيات ، وحدثت بعض الإنجازات مثل إعادة التوازن إلى الموازنة العامة وميزان المدفوعات بمجرد هذا التحسن لم ننتقل إلى المرحلة الثانية اى إلى القطاعات الإنتاجية والسلعية والزراعة والصناعة وهكذا فهذه مشكلة حقيقية فى المنطقة العربية، الثروة التي تأتى عن طريق النفط وغيره ، يحصل نوع من التراخى والتراجع تجاه النظرة إلى الأمور التنموية الجوهرية كيف نصلح الخلل فى الهياكل الإنتاجية العربية بحيث تصبح قادرة على الاستمرار أنا أعتقد جوهر الإشكاليات نحتاج إلى التعامل معها بطريقة تفصيلية أكثر بكثير وتحتاج فعلاً ، إلى الجماعة التي اقترحها الدكتور رضا محرم هذا دورها لو بنفكر فعلاً فى المستقبل كيف تصبح الثروة أداة جيدة لتحقيق الأهداف التنموية ولا تؤدى إلى انهيار تجارب الإصلاح مثلاً على سبيل المثال أو تؤدى إلى انهيار مسائل الديمقراطية وخلافه لأنه دائماً فى "Trade off " بين ثروة الدولة بحيث تستطيع ان تنفق أكثر على بعض المجالات الاجتماعية وبالتالى تتوارى المسائل الثانية وراء المسائل عن الديمقراطية والمسائل بهذا الشكل أنا أعتقد إن هذه أمور غاية فى الأهمية وبالتالى النظرة الأحادية للبدائل هذه تحتاج إعادة نظر، النظرة الأحادية للقوى الوحيدة الفاعلة فى العالم هذه تحتاج إعادة نظر، النظرة الأساسية للتغيرات الجوهرية التي تحدث فى الاقتصاد العالمى وأنا مؤمن إنه ومنذ نهاية السنة الماضية 2007 هناك تغيرات غاية فى الأهمية لابد أن نتابعها بدقة لكي نرصدها بدقة ونتمكن من التعامل مع المصادر البديلة أو المصادر المتكاملة فى المنطقة العربية .. شكرا ..

د. إيهاب الدسوقي

شكراً .. فى البداية خالص الشكر للأمير طلال بن عبد العزيز على تنظيمه للصالون الفاخرية للثقافة والمعرفة، أيضا خالص الشكر للدكتور وحيد عبد المجيد لهذا التنظيم الجيد واختياره لكوكبة من الخبراء وأشكر أيضا الأساتذة الأربعة الذين قدموا الورق إلى هذا الملتقى.
فى الحقيقة أنا لما استمعت وقرأت الأوراق الأربعة،استنتجت أربع عناوين أعتقد أنهم عناوين مشتركة يجمعوا ما بين الأوراق وجوهر الموضوع المطروح للمناقشة. والحقيقة لم أجد اختلاف كبير بين الأوراق وبين المناقشات لكن أعتقد إنهم العناوين التى تحتاج إلى مناقشة،و نطرح فيهم بعض الأفكار.
العنوان الأول هو "بدائل الطاقة"، العنوان الثانى هو "سيطرة الشركات الغربية على النفط أو على مصادر الطاقة"، العنوان الثالث ويختص "بترشيد الطاقة"، العناوين الأربع "الأسعار والاحتياطيات والطلب على النفط"، أنا هقول كلمتين فى كل عنوان أفتح باب الأفكار ويا ريت نتناقش حولهم، بالنسبة لبدائل الطاقة فيه جدول غاية فى الأهمية وضعه الدكتور مجدى صبحى فى ورقته وهو على استهلاك مواد الطاقة النووية من سنة 80 حتى 2005 هذا الجدول يوضح الصورة فى الحقيقة،حيث يوضح إنه مازال الاعتماد على النفط والغاز يمثل 60 % من مصادر الطاقة، الفحم 26 %، الموارد المائية 6 %، الطاقة النووية 5.9 %، الشمس والرياح أقل من 1 %، النظرة لهذه المصادر وتحليلها يدعو فى الحقيقة إلى عدم النظر نظرة احادية بمعنى تنفيذ مصدر يلغى تنفيذ مصدر آخر فنحن نقارن بين تكلفة ومخاطر وعائد،وهى تتأثر بعوامل اقتصادية وعوامل اجتماعية وعوامل سياسية بدرجة كبيرة،ويجب فى النهاية أن نقيس هذه العوامل السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية ، وما هى التكلفة، وما هو العائد على المجتمع، وفى الحقيقة من ناحية مصادر الطاقة التى تعتبر مصدر أساسى للحياة، أعتقد إن فكرة التنويع فكرة غاية فى الأهمية، فكرة التنويع نستخدمها فى الاستثمار نقول التنويع يقلل المخاطر، أعتقد إن هنا تكون لها أولوية أكبر، خاصة لا يوجد مصدر من المصادر مضمون على المدى الطويل، الدكتور حجاج، الأستاذ مجدى، أستاذنا الدكتور حسين وأكثر من كلمة تكلمت عن الطاقة الشمسية موجودة فى الوطن العربى، ولابد أن نستغلها وأنا أوافقهم على ذلك، لكن هل إحنا ضامنين إن مافيش تغيرات فى المناخ ممكن تحصل، قد تقلل من الطاقة الشمسية وساعتها ما نقدرش نعتمد عليها، أنا بكلمة واضحة وقصيرة أنا أقول إن فى مصادر الطاقة لابد من التنويع بمعنى الاعتماد على جميع هذه المصادر وقد يكون هناك مصدر الوزن النسبى له أكثر من الآخر ولكن لابد من الدخول فى جميع مصادر الطاقة لأنها مسألة حياة، هذا بالنسبة للنقطة الأولى نقطة بدائل الطاقة.
النقطة الثانية فكرة سيطرة الشركات الغربية ومتعدد الجنسية على النفط طبعاً دى من إحدى المشاكل التى تقلل العائد للدول النفطية، وبتقلل العائد للوطن العربى بصفة عامة، الفكرة هنا أنه لا يجب أن نبكى على هذه الشركات ولكن يكمن الحل فينا فى الوطن العربى ، الدكتور طه عبد العليم تكلم عن التكامل الاقتصادى العربى أعتقد إن ده كلام منذ الخمسينيات بنتكلم عليه ولكن لم يحدث ولن يحدث ولكن أنا أتفق مع الأستاذ عادل إبراهيم فى الحقيقة فى الفكرة المهمة فى إقامة مشروعات مشتركة أنا فى رأيى هو المدخل الأساسى لحل مشاكل كثيرة منها مشكلة النفط منها أيضا تحقيق التكامل الاقتصادى العربى، المشروعات المشتركة تقام على أسس اقتصادية صحيحة وليست على عواطف وليست على نواحى اجتماعية وليست على حب العرب لبعضهم البعض أنا بأعمل دراسة بأعرف إزاى أعمل مشروع مشترك ينجح، نجاح المشروعات المشتركة ممكن يكرس لنا فكرة التكامل الاقتصادى وقد يعظم من عائد النفط وأيضا يعظم من المصادر الأولية للطاقة النووية.
النقطة الثالثة أو العنوان الثالث هو ترشيد الطاقة فى الحقيقة أنا أنظرإلى ترشيد الطاقة على نفس الأهمية لموضوع مصادر الطاقة الأولية، لأننا إذا كنا بنشوف إيه بدائل الطاقة فعلينا أيضا أن نرشد مصادر الطاقة لأنه من المفارقة الغريبة إن مصادر الطاقة فى الوطن العربى وفى العالم النامى فيها إهدار، يعنى لما ننظر للمياه فى مصر والدول العربية وكل المصادر فيها عدم ترشيد بدرجة كبيرة على الرغم من أن هذه المصادر هى المستقبل.
الموضوع الرابع والأخير هو الأسعار والاحتياطى والطلب وأستاذنا الدكتور حسين عبد الله غطاها بمهارة ولكن أنا عايز أتكلم فيها بزاوية أخرى، زاوية إن بعض الأحاديث كانت بتتكلم على الولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص والعالم الغربى إنه بيستغلنا وبيستغل الوطن العربى. بغض النظر عن ده حقيقى أو مش حقيقى، لكن التفكير فى هذا المنطق لا يجب أن يهدف إلى الهجوم على أمريكا ولكن لابد إن إحنا نفكر فى الوطن العربى كيف نقوى اقتصاديا ويحين يوم من الأيام نسيطر على الأسعار، ونستخدم النفط استخدام أمثل يؤدى إلى تنمية اقتصادية حقيقية، لكن ما نفضلش ننتظر إن أمريكا بتستغلنا، وأمريكا هى إلى بتحدد الأسعار، الفكرة هنا فكرة تعارض مصالح، كل طرف لابد إنه يدور على مصالحه ده شىء منطقى وشىء طبيعى، وسوف يستمر لكن المناداة إن الولايات المتحدة الأمريكية توقف استغلال القمح أو المواد علشان إنتاج الطاقة أعتقد إنها مش هتجيب صدى، لكن يجب أن نحذو بتجربتهم وكذلك الاعتماد على زراعة المواد الغذائية، وشكراً.

د. وحيد عبد المجيد

سأتحدث فى نقطتين بشكل سريع . الأولى تتعلق بالأبعاد الاستراتيجية من زاوية مصادر التهديد للطاقة العربية ، وخصوصاً فى المنطقة التى تتركز فيها هذه الطاقة وتتركز فيها الثروات الناجمة عن هذه الطاقة أي الخليج العربي ، وأعتقد إن التهديد سيظل فى مستوى آمن ما بقى النظام العالمى على حالته الراهنة ، أو أحاديثه بخلاف ما يرى كثيرون ، وأن هذا التهديد سيتعاظم كلما اتجه العالم إلى نوع من التعددية القطبية وبدأ يحدث تنافس بين القوى الكبرى على الطاقة العربية، وخصوصاً وأن بعض القوى المرشحة للصعود إلى القمة العالمية عندما تصبح متعددة الأقطاب هي قوى لديها مصالح كبرى في منطقة الخليج وخصوصاً الهند والصين .
ولدى الهند مشروع مستقبلى لدورها فى العالم . وتحتل منطقة الخليج مكانة متميزة في هذا المشروع ، الذي لا يلقي اهتماماً عربياً يذكر بسبب انشغالنا الشديد بالاستراتيجية الأمريكية . وإيران التى يزداد نفوذاً لديها مصالح معروفة أيضاً فى منطقة الخليج . ولذلك أقول أنه كلما تعددت القوى الكبرى في قمة النظام العالمي. ازداد التهديد للطاقة العربية . وينبغي إدراك أن هذا التحول في النظام العالمي لن يكون بعيداً جداً ، وخصوصاً بعد الإخفاق الذي منيت به الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق والشرق الأوسط بشكل عام .
فقد كان معظم التوقعات يميل ، حتى وقت قريب ، إلى أن هذا التحول من الأحادية إلى التعددية القطبية لن يحدث قبل منتصف القرن الجاري . والآن يزداد الاعتقاد، أنه قد يحدث في حدود 2025 أو 2030 على الأكثر .
ويقتضى ذلك أن نبحث في السيناريوهات المستقبلية ، وكيفية تعظيم الاستفادة من عوائد الطاقة العربية الآخذة في الازدياد لتحصين العالم العربي ، وخصوصاً منطقة الخليج ، إزاء التهديدات التي ستزداد لا محالة .
وينقلني ذلك إلى النقطة الثانية ، وهي فرص وامكانات التطوير العربي فيما يتعلق بقضية الطاقة وانطلاقاً منها . وقد أثير موضوع الطاقة النووية . ولكن هذا الموضوع ينبغي أن يطرح سؤالاً جوهرياً هو كيف يمكن أن يكون الطاقة النووية إضافة إلى القدرات العربية عموماً ، وليس فقط إضافة إلى مصادر الطاقة ، لأن ما يطرح حالياً في عدة دول عربية بشأن انتشار برامج طاقة نووية سلمية لا علاقة له بهذا السؤال . فلا اهتمام يذكر بتطوير القدرات العربية انطلاقاً من الطاقة من الطاقة النووية ، ولا تفكير بالتالي في أن تكون هذه الطاقة رافعة لنهضة علمية وتكنولوجية تحقق نقلة نوعية واختراقاً حقيقياً في امكاناتنا العربية الضعيفة . فالاهتمام بانتشار برامج للطاقة النووية السلمية الآن ليس أكثر من رد فعل سياسي يفتقد إلى الأسس العلمية والمعرفية الضرورية لتحويله إلى خيار نهضوي .
ومع ذلك تظل هذه " الهوجة " التي نراها في إقدام عدد متزايد من الدول العربية ، على إنشاء برامج نووية سلمية تطوراً إيجابياً ، حتى لا تؤدى تفاعلات الصراع على البرنامج النووي الإيراني إلى تمكين أمريكا وإسرائيل من وضع يقود في هذا التطور الإيجابي لا يكتسب قيمة استراتيجية فعلية إلا إذا نظرنا إلى الطاقة النووية باعتبارها فرصة لتطوير البحث العلمي والتكنولوجي العربي الذي مازال مستواه مخجلاً تماماً .

د. طه عبد العليم

الحقيقة أتوجه بالتحية للتوجه العروبى لسمو الأمير طلال بن عبد العزيز، وأتصور فيما تبقى من عصر النفط أنه بمقدور مصر والسعودية أن تلعبا دورا مهما للغاية لمواجهة تحديات اللحظة الراهنة وتحديات المستقبل. وردا على ما قاله أحد الأخوة المشاركين فى هذه الندوة من إن التكامل الاقتصادى العربى مشروع لم يتحقق ولن يتحقق ولو بعد مائة عام! أود أن أقول أن السبب الموضوعى لإخفاق محاولات بناء التكامل العربى فى الماضى، وتجاوز ما يبدو من إخفاق فى المستقبل، كما نتعلم من خبرة العالم كله، هو إن التكامل يتوقف على تقدم التصنيع والتقدم العلمى التكنولوجى وتنويع وتقدم القدرة الإنتاجية، أى أن التنمية والتصنيع هى الطريق الحاسم للتكامل الاقتصادى الإقليمى، وهو ما افتقدته المنطقة العربية ولا تزال!
وأتصور أن مصر والسعودية يمكن أن ينهضا بدور الرافعة فى بناء التكامل الاقتصادى العربى المنشود، وخاصة باستثمار الفوائض المالية البترولية، التى يقدرها الأستاذ سعد هجرس بنحو 5 تريليون دولار وأتصورها فى حدود تريليون ونصف دولار، والتى تملك المملكة العربية السعودية جزءا مهمًا منها، واستثمار ما تمتلكه مصر من سوق واسعة نسبيا، والأهم ما تملكه من موارد بشرية تشمل الحد الأدنى من الكتلة الحرجة من القوة العاملة القابلة للتدريب والتأهيل فى كل مجالات التنمية والتصنيع والتحديث التكنولوجى. وقد أضيف أنه من منظور العولمة الاقتصادية، أن قدرة البلدان العربية- شأن غيرها من البلدان- على المشاركة فى إدارتها، بمعنى وضع قواعدها وبناء مؤسساتها وعملها، تتوقف على القوة الاقتصادية النسبية. وبهذا المعيار يمكن أن نفهم أساس ضعف الدور العربى فى إدارة العولمة الاقتصادية.
والواقع، كما يقول الأستاذ مجدى صبحى، أن أمريكا حتى عام 1968 كانت قوة بلا منافس على الصعيد العالمى، ومن هنا كان تأثيرها المنفرد تقريبا فى صنع النظام الاقتصادى الدولى وقيادة مجمل النظام العالمى. ومع الصعود الآسيوى والوحدة الأوروبية صار هناك شركاء لأمريكا فى صناعة قرارات إدارة العولمة الاقتصادية. أما نحن العرب فلسنا شركاء فى إدارة هذه العولمة، ولن نصبح شركاء إلا إذا ضاعفنا قوتنا الاقتصادية العربية وبشكل خاص عبر التصنيع. وبكلمة، لا بديل للبلدان العربية لتغيير علاقات القوة غير المتكافئة عالميا فى غير صالحها سوى بتسريع عملية التقدم الصناعى التكنولوجى العربى، وهو ما تتوافر إمكاناته المالية والبشرية وغيرها. وفى ذات السياق، أؤكد أن ما تعانيه البلدان العربية من فجوة معرفة كما سجل تقرير التنمية الإنسانية العربية تفرض ضرورة المزيد من الاستثمار العربى المشترك فى مجالات التعليم والبحث العلمى التكنولوجى والبحث والتطوير. وأما فرص التجاوز العربى لفجوة المعرفة، فتدل عليها مؤشرات تقرير التنمية البشرية فى العالم سنة 2007/2008، والتى تبين أن مؤشر عدد العلماء والفنيين لكل مليون نسمة فى مصر يفوق نظيره فى بلد مثل الهند، نرى جميعا ما تحققه من قفزات كبرى فى مجال ثورة المعلومات. وأما العقبة الرئيسية أمام توفير قوة الدفع لقفزات مصرية مماثلة فإنها تبرز فى تدنى نسبة الإنفاق على البحث والتطوير، والتى لا تزيد على 0.7 % من الناتج المحلى الإجمالى المصرى. وأتصور أن للسعودية مصلحة وطنية مؤكدة فى تجاوز هذه العقبة، وتوفير دفعة قوية للبحث العلمى والتكنولوجى لمصلحة البلدين معا، ولمصلحة البلدان العربية مجتمعة.
أضف إلى هذا، أن السعودية مستوردة صافية للغذاء ومصر مستوردة صافية للغذاء، ومن ثم فان قضية تنمية الموارد الزراعية واستغلال الأرض القابلة للزراعة من شأنه تعزيز الأمن الغذائى للبلدين، خاصة فى مواجهة الإصرار الأمريكى والأوروبى على نزعة تحويل الموارد الزراعية من انتاج المواد الغذائية إلى إنتاج الوقود الحيوى. وأسجل هنا أن مصر تضم نحو 3.4 مليون فدان قابلة للاستزراع، وأن فرص زيادة نسبة الاكتفاء الذاتى من الغذاء قد تحقق الكثير منها ولا تزال ثمة فرص للزيادة برفع الإنتاجية باستخدام البذور المنتقاة أساسا. ومع اتفاقية حماية حقوق الملكية الفكرية، تعرف سموك، وقد ساهمت بكتاب متميز فى هذا الموضوع، أن القيود المالية والاحتكارية ستتضاعف على توريد البذور المنتقاة. وإذا أضفنا نزعة تضاعف القيود على توريد المعرفة والتقنية إلى العالم العربى بزعم تقييد امكانات الاستخدام المزدوج العسكرى والمدنى لهما، وتقييد فرص وصولهما للإرهابيين، فإن التعاون المصرى السعودى، كنواة للتعاون العربى، يصير أمرًا لا غنى عنه لبناء القدرات المعرفية والتقنية العربية للزراعة وغيرها.
وفى مجال التوسع الزراعى الأفقى، أتصور أن التعاون المصرى السعودى ينبغى أن يمتد ليشمل السودان، وهو أمر من شأن أيضا تعزيز استقرار ووحدة السودان، وهو ما من شأنه تعميق مفهوم الكسب المتبادل فى العلاقات العربية - العربية بدلا من مخاطبة العواطف العربية، التى لم يعد لها مجال على جدول أعمال اقتصاد السوق والعولمة الاقتصادية. وقد أضيف هنا، أن السعودية وقد صارت من من البلدان القائدة فى العالم فى مجال تحلية المياه بنسبة ما تنتجه منها، قد تحقق منافع لا تقل أهمية وربما أكثر جدوى اقتصاديا، بالمساهمة فى مشروعات تنمية موارد مياه لتوفير غذاء أرخص للسعودية والمنطقة ككل.
وبالنسبة لما أثير بشأن البديل النووى أؤكد أننى مع تخصيب اليورانيوم فى مصر وغيرها من البلدان العربية التى ستبنى محطات للطاقة النووية، رغم تخوف الزميل الدكتور أحمد إبراهيم من العواقب السياسية. لكننى أؤكد على أن التطلع المصرى والعربى المشروع لامتلاك هذه المعرفة، ينبغى أن يتم فى إطار شفافية كاملة وتحت إشراف كامل لوكالة الطاقة النووية وبالمعدلات الآمنة التى تقرها الاتفاقيات الدولية ذات الصلة. وقد يجدر أن ألفت الانتباه هنا إلى أن الجهد الغرب الحثيث لتسويق الطاقة النووية فى البلدان العربية، يأتى فى سياق إعادة تدوير الفوائض البترولية لصالحه، لكن القرار بالنسبة للبلدان العربية ذات الوفرة النفطية، ينبغى أن يرتبط فى تقديرى بمزيد من تعميق الصناعات البتروكيماوية لمضاعفة الصادرات ذات القيمة المضافة والمحتوى المعرفى الأرقى، وخاصة بالاستناد إلى تطوير القاعدة العربية للبحث العلمى والتكنولوجى.
وأؤكد هنا أن فرص التكامل الاقتصادى العربى عبر تعميق التصنيع العربى المشترك قد تضاعفت مع انتهاء تناقض المصالح الذى عانته البلدان العربية فى زمن الحرب الباردة، وتقارب النظم الاقتصادية الاجتماعية بتحول البلدان العربية إلى اقتصاد السوق المفتوح، وغياب نزعات الهيمنة سواء لدى مصر أو لدى السعودية المنوط بهما توفير قوة الدفع للتكامل والتصنيع بين البلدان العربية.
وأخيرًا، أتقدم باقتراح إلى سمو الأمير بالعمل على تعميق التعاون بين مراكز البحوث والتفكير العربية، سواء عبر هذا المنتدى أو غيره، وقد تتمثل الآلية بعقد لقاءات دورية ومؤتمر سنوى لمراكز البحوث والتفكير المصرية والسعودية، فى كل المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، لبحث فرص تعميق العمل العربى المشترك بناء المستقبل العربى فى عصر العولمة ومجتمع المعرفة.

د. رفعت لقوشة

أود أن أتوقف أمام ثلاث نقاط تحديداً. أعتقد أن الحوار الذى أدير اليوم يقترب من التلامس مع مفهوم أمن الطاقة الذى هو جزء لا يتجزأ من المفهوم المحدث للأمن القومى. وأعتقد أن حديث اليوم يمكن أن يذهب بينا إلى أن أمن الطاقة هو دفاع عن الحدود الاقتصادية، وبالتالى فإن مشروعات التطوير ومشروعات الطاقة البديلة هى جزء من أمن الطاقة، والقدرة على حل المشاكل الإقليمية هى جزء من أمن الطاقة.
وعندما نقترب من منطقة الخليج أنا عندى تصور أن إنشاء مجلس التعاون كان أيضا جزءا من أمن الطاقة، لأن الأصل فيه هو محاولة التأكيد على مفهوم السيادة على الثروة. فالتصور عندى أيضا أنه فيما يتعلق بمنطقة الخليج ربما تكون الاستثمارات فى مصاف فى التكرير هى جزء من أمن الطاقة. ولكن من المؤكد أيضا أن مقايضة الثروة بالمعرفة هى جزء مهم للغاية من أمن الطاقة، وقضية المعرفة التى طرحت وبناء القاعدة العلمية فى العالم العربى ، أنا لا أنحاز كثيراً إلى مقولة أن هناك عجزا عن التمويل. فهناك أشياء أخرى تم تمويلها، فضلاً عن أن القاعدة العلمية عادة تقبل بالحد الأدنى من التمويل. ولكن لن تؤسس القاعدة العلمية فى العالم العربى لأن البعض لم يرغب فى أن يدفع تكلفتها السياسية. والتكلفة السياسية لأى قاعدة علمية هى أن تتحول إلى شريك قرار فإذا لم يكن مقبولاً أن القاعدة العلمية هى شريك قرار إذن سوف يكون القرار هو عدم تكوين قاعدة علمية. وملاحظتى الأخيرة تتعلق بربط البترول بالدولار أو فكه ارتباطاً باليورو فى ظنى الشخصى أنه سواء كان الارتباط بالدولار أو باليورو ففى الحالتين أظن إن دول الخليج عليها أن تستعد خلال الفترة القادمة لأن تشهد موجة تضخم.

سمو الأمير طلال .

من أكثر ما يشغلنا الآن التعاون العربي في مجال الطاقة من خلال تبادل الخبرات ، وتبادل المعلومات ، وأنا ما زلت مؤمناً بدور الجامعة العربية . وهي حققت نجاحاً في بعض الأمور . وعلينا أن ندعم دورها .
وأرجو أن يحدث تعاون عربي في الطاقة النووية للأغراض السلمية.
ولكن أنتم تتحدثون عن المستقبل ، في حين أنه ليس لدينا مركز أبحاث علمي في العالم العربي كله للنفط أو المياه .
لقد أضعنا فرصاً كثيرة كان يمكن للتعاون العربي فيها أن يحل مشكلات كبرى ، مثل مشكلة الغذاء الآن . وقد أثير في النقاش موضوع الأراضي الشاسعة القابلة للزراعة في السودان ، وكانت هناك محاولات في فترات مختلفة لم تحقق نجاحاً بسبب عدم الاستقرار في السودان . ولكن يمكن للتعاون المصري – السعودي أن يحقق الكثير . وهذا هو ما أتمناه .

أ. مصباح قطب

أنا أعتقد أن هناك فرصة للمناورة فى ظل الوضع الموجود فى السودان وتمرير عملية ما للتعاون المصرى – السعودى فى مجال الزراعة. كان وزير الاستثمار المصرى هناك أخيرا وزار مناطق مختلفة فى السودان، وهو يقول - وهذا طبعا يمكن يدرس- أن فى شمال السودان مساحة يمكن تزويدها بالكهرباء من أبو سنبل المصرية وهى قريبة من الطرق ويمكن عمل مشروع مبدئي فيها فى حدود 300 ألف فدان. صحيح هى ليست مساحة كبيرة ولكن ممكن نعملها بسهولة لأن المنطقة خالية من النزاعات تماما وبعيدة عن دارفور وغيرها.
النقطة الثانية أذكر الحاضرين أن الولايات المتحدة الأمريكية دولة متخلفة فى موضوع الطاقة الشمسية، صحيح هم يتكلمون عن خطط خلال العشر سنوات القادمة ليحتلوا مكانة متقدمة، ولكن هذا يطرح علامة استفهام ، لأن الحزام الجنوبى لأمريكا غنى بالشمس وكذلك الظهير الخلفى لها فى المكسيك وغيرها يوجد كثير من الشمس. النقطة الثالثة: أظن أنه كانت هناك مقاومة فى الفترة الماضية لإنشاء منظمة لمنتجى ومصدرى الغاز فى العالم. ولكن أنا أعتقد أنه من الأهمية بمكان أن السعودية ومصر والجزائر تقدم مبادرة ما لتوحيد منتجى الغاز ويمكن أن يكون لها دور كبير فى التأثير و الاستفادة من هذه الطاقة المهمة الرخيصة نسبيا والآمنة بيئيا إلى حد كبير للاستخدام الداخلى أو تسوق خارجيا عبر عمل منسق وشفاف لأن الوضع الراهن ليس فى صالحنا جميعا. طبعا قطر هى أكبر مصدر للغاز ، ولكننى فى الحقيقة طول الوقت سيئ الظن إزاء الإخوة فى قطر وأن وجودهم فى أى مشروع يمكن أن يفسده. ولا ننسى أنهم تعاملوا مع إيران ومع صدام حسين أيضا من قبل. وزير خارجية قطر الحالى ،وهو رئيس الوزراء كان قد زار صدام حسين. فإلى هذا الحد هم يذهبون للمتناقضين. وأظن أيضا أن العالم الغربي مشغول بالثروة النفطية أكثر من إنشغالنا بها بغض النظر عن النظرة الموضوعية فيما يقال عن صناديق الثروة السيادية وعن تسييسها، فقد آن الأوان أن ننظم ملتقى لهذه القصة لأنها بالغة الأهمية . فالحقيقة أن ثروتنا تمثل حلا ومشكلة لدى الغرب فى آن معا. فهى تنفعهم فى اللحظة الراهنة لأنها تشترى بعض الأصول الموجودة وتزيد السيولة فى السوق فى أزمة الائتمان. ولكنهم على مدى أبعد عندهم تخوفات شديدة منا.

د. أحمد إبراهيم محمود

أود أن أشير هنا إلى حقيقة قد تكون محبطة أو مخالفة للكثير مما هو شائع، وهي أن إنشاء مفاعلات نووية أو محطات للطاقة النووية، قد لا يكون بالضرورة قاطرة للنهضة العلمية في المرحلة الأولى من هذه البرامج، أو على الأقل عند إنشاء المفاعل الأول للدولة المعنية، وإنما يمكن أن يكون البرنامج النووي قاطرة للتقدم العلمي في المراحل التالية. وكانت هذه الخاصية واضحة في البرامج النووية للعديد من الدول، ومنها كوريا الجنوبية وإيران، وذلك لاعتبارات محددة هي:
1. إن إنشاء المفاعل النووي الأول بالنسبة للكثير من الدول النامية لابد أن يكون بنظام "تسليم المفتاح"، باعتبار أن الدولة المعنية لابد أن تتعاون مع "شريك أجنبي"، حتى تحصل منه على التكنولوجيا اللازمة والخبرة العلمية والفنية الضرورية، باعتبار أن الدولة المعنية تكون ما زالت في بداية طريق ارتياد مسار التكنولوجيا النووية، ولم تمتلك بعد القدرات البشرية والعملية اللازمة، وتحتاج للخبرة الأجنبية في هذا المجال.
وكانت إيران قد حاولت تنفيذ سياسة "حرق المراحل" في مجال إقامة المحطات النووية، عبر إشراك مقاولين وطنيين إيرانيين لتنفيذ بعض أجزاء مشروع محطة بوشهر النووية، بالتعاون مع الشريك الروسي، إلا أن التجربة باءت بالفشل، حيث لم يكن المتعهدون الإيرانيون يملكون الخبرة الفنية الكافية، وتسببوا في تعطيل المشروع وإطالة المدى الزمني اللازم للتنفيذ، ثم اضطر الفنيون الروس لإعادة تنفيذ الأجزاء التي كان يفترض على الجانب الإيراني أن يقوم بها.
2. إن المحك الرئيسي لتطوير قدرة الدولة في المجال النووي يظل متوقفاً على مدى قدرتها على الاستفادة من الشريك الأجنبي، أو الشركاء الأجانب، في تدريب العلماء والفنيين الوطنيين، حتى يكونوا قادرين على المشاركة في إنشاء وتشغيل المفاعلات النووية الجديدة، بالإضافة إلى تطوير القاعدة الصناعية الوطنية، حتى تكون قادرة على الإسهام بفاعلية في مشروعات إنشاء المفاعلات النووية اللاحقة، وهو ما يمكن أن يكون بعد ذلك قاطرة لنهضة علمية واسعة في هذه الدولة، لاسيما إذا ترافق ذلك مع إنجازات مماثلة على مستوى المجتمع ككل.
وبالتالي، فإنه ليس عيباً أن يتم تنفيذ المفاعل النووي الأول للدولة بنظام "تسليم المفتاح"، عبر الاستعانة بشريك أجنبي، وإنما المهم هنا أن تستفيد الدولة المعنية من هذه التجربة في تطوير قدراتها الوطنية، من أجل الاعتماد على الذات بدرجة أكبر في المشروعات النووية اللاحقة، ومن أجل تحقيق نهضة علمية شاملة. إما إذا عجزت هذه الدولة عن ذلك، فإنها سوف تظل مضطرة لمواصلة الاعتماد على الشريك الأجنبي في كل مشروعات المفاعلات النووية اللاحقة، ولن تكون للبرنامج النووي قيمة تذكر في تحقيق نهضة علمية حقيقية في هذه الدولة.

أ. سعد هجرس

العالم كله الآن يحرص على قدر المستطاع أن يقنن استخدام النفط. فالنفط كما نعلم ليس مجرد مصدر للطاقة وإنما هو مادة أولية لكثير من المنتجات الصناعية. وبمعنى آخر أن الصناعة ترتكز بالدرجة الأولى على النفط كمادة أولية.
الأمر الثانى، وهو مهم جدا، أنا أعتقد ومن خلال المقالات التى أكتبها وغيرها كنت أوجه دعوة إلى أوبك أن تغير دورها. دور أوبك من خلال دراستى لأدائها أنها تأتى بعد الحدث أو تتحرك بعد الحدث. ولكن أوبك بدأت أن تكون مبادرة فعلا منذ عام 2000. فقد برزت بأنها هى التى تتحرك وهى التى تفرض معطيات السوق أو المعطيات التى يمكن أن تتأسس عليها التجارة النفطية، وهو الأمر الذى كان من اسباب ارتفاع أسعار النفط، أحد الأسباب طبعا. وكنت دائما أقول أيضا أنه ليس الإنجاز فى بيع النفط. فالنفط سلعة تسوق نفسها بنفسها، وإنما التحدى والإنجاز فى كيفية توظيف هذه العوائد، وتحويل هذه الثروة الناضبة إلى ثروة مستدامة، وأعنى بذلك كيفية الاستثمار بالتعليم.

د. وحيد عبد المجيد

ينبغي أن نكون واقعيين ، ولا نبنى قصوراً على رمال ، وأن نتذكر أن هناك مقومات أساسية لأى تعاون عربى فى مجال الطاقة خصوصاً ، وعلى المستوى الاقتصادى عموماً .
فالتعاون الجدى يحدث بين دول يحكمها القانون وتحترم فيه العدالة ويستطيع كل ذي حق أن يلجأ إلى قضاء ينصفه ويعطيه حقه . أما إذا كان هناك من هم فوق القانون ، فهذا يحول دون توفير الحد الأدنى من الثقة اللازمة لتبادل الاستثمارات بين الدول .
ولذلك توجد علاقة وثيقة بين التعاون العربي الجاد المثمر والتقدم نحو الإصلاح في بلادنا العربية حتى إذا كان ذلك بشكل بطئ وعلى مدى زمني طويل . ولكن المهم أن تكون هناك بداية جادة ومقنعة تطلق عملية إصلاح متواصلة تعطي أملاً في المستقبل .
وهذا الاصلاح ضروري أيضاً للانطلاق نجو بناء نهضة علمية تكنولوجية تأسيساً على برامج الطاقة النووية السلمية .
وعندما نتحدث عن علاقة وثيقة ممكنة بين الطاقة النووية والنهضة العلمية ، فهذا يعني أمراً محدداً لابد أن نفهمه قبل أن نخوض فيه ، وهو أن البناء الصحيح للطاقة النووية يحتاج إلى نهضة في الفرعين الأكثر أهمية في هذا العصر وهما الفيزياء والرياضيات . وبدون ذلك، يكون بناء مفاعلات نووية مجرد إضافة إلى قائمة طويلة نستورد فيها التكنولوجية بطريقة "تسليم المفتاح " التي لاتحقق أي نقلة إلى الأمام .
فالحديث عن العلاقة بين الطاقة النووية والنهضة العلمية يحتاج إلى جدية شديدة ، ويتوقف على وجود نخب تؤمن بأنه لا سبيل أمامنا إلى حالة أفضل في المستقبل بدون وضع الأساس المفقود الآن للبحث العلمي والتكنولوجي ، وندرك أن الطاقة النووية تكتسب أهميتها الحقيقية من أنها يمكن أن تضع أقدامنا على هذا الطريق .


أ. عادل إبراهيم

عندى اقتراح على أساس رؤية لكيفية تفعيل هذا الملتقى. فنحن نطرح أفكارا وآراء جيدة، مثل الفكرة التى طرحها الدكتور طه عبد العليم بشأن الاستفادة من الفوائض البترولية العربية فى تنفيذ مشروعات للتعاون بين الدول العربية. والرؤية التى أطرحها فى وجود الدكتور حسين عبد الله أن هناك مؤتمراً يُعقد كل أربع سنوات اسمه مؤتمر الطاقة، وتُقدم فيه مجموعة من الأبحاث والدراسات وبينتهى إلى لا شئ، مجرد أن كل دولة تعرض تقاريرها عن الطاقة والكهرباء والبترول والغاز والطاقة البديلة، كل 4 سنوات فى إحدى الدول العربية وتشارك فيه منظمة "الأوابك" ومجموعة من المنظمات العربية.
فلماذا لا نقدم الآراء والأفكار التى نطرحها هنا إلى هذا المؤتمر من أجل النهوض بالطاقة فى الدول العربية، أو أن ندعو بعض المسئولين فى المنظمات والجهات العربية المعنية ليشاركوا فى هذا المنتدى.

د. محمد رضا محرم

شكرا سيادة الرئيس ..
أنا الحقيقة أود أن أبدأ من الذي قاله الدكتور وحيد عبد المجيد. الحقيقة أنه وضع أيدينا على نقطتين جوهريتين: النقطة الأولى أننا نعيش فى فترة مفصلية ولحظة تغيير، وأن المؤشرات تقول أن ما كان فى السنوات التى مضت غير الذى سيكون فى السنوات القادمة. باختصار هناك مشروعات دولية أو عالمية وإقليمية تتصارع وكل منها له مقاصده. واضح تماما أن المشروع الأمريكى تعثر وبالمقابل فإن الخصوم حققوا نجاحات. آن الأوان لنا فى هذه المنطقة أن نتخفف من أثقال التاريخ ... العالم العربى يقع فى إقليم الشرق الأوسط، دول الجوار الفاعلة أو الفواعل فى منطقة الجوار إيران وتركيا. لنكن واضحين في مواقفنا من الآخرين في الحوار . نحن اليوم تنازعنا على دور قطربعد المصالحة التي تمت بها بين الفرقاء المتخاصمين في لبنان. والموضوع تراوح بين الجدية وبين المزاح والسخرية من الأحداث، وهل هى عارضة أم دائمة .. الخ. نحن نحتاج إلى روح جديدة تفتح الأبواب لتفاعل إيجابى. هناك مصالح وهناك مصالح متعارضة. نأخذ من أوروبا مثالاً. أوروبا في نصف قرن دخلت حربين عالميتين ليس مثلهما فى التاريخ. كَمُّ الدمار فى أوروبا، كَمُّ القتلى والضحايا، كَمُّ الخسائر لا حدود له. ورغم هذا تصالحت أوروبا، كل أوروبا، بل وتوحدت. من باب أولى علينا نحن العرب أن نتخفف من أثقال التاريخ القديم وأن ننظر للأمر نظرة عملية وفى إطار المصلحة، ونتكامل أو نتعاون لتحقيق المصالح إن يكن فى النطاق العربى وإن يكن فى النطاق المجاور. النقطة الثانية التي قال بها الدكتور وحيد وهى هامة جدا الخاصة بالعلوم الأساسية. هو قال تحديدا إن من المهم للغاية الاهتمام بالفيزياء النووية والرياضيات. أنا أقول حقيقةً العلوم الأساسية جميعها. دون أن تحترم العلوم الأساسية ليس هناك علم ولا تكنولوجيا. أنا من منطقة العلوم التطبيقية (هندسة) ولكن أنا متيقن بقدر خدمتى فى المجال الأكاديمى أن مجتمعًا لا تحترم فيه العلوم الأساسية، وكليات العلوم فيه مهانة، ليس له مستقبل فى العلم والتكنولوجيا. ولعل هذا يعيدنى إلى ما قاله البعض، وهو يتمنى أن عائدات النفط وفوائضه لابد أو يستحسن، أن توجه إلى التعليم، وطبعا هذا يكون أفضل في إطار التعاون والتبادل المركز في الإقليم. أتمنى ألا نتخوف ، كما هو عهدنا دائمًا، من المنظومات السياسية التى تدير البلاد العربية. نحن فى حاجة كجماعة علمية أن نتفق وأن نتطهر لكى نخلق رؤية نُسوِّقها لدى هذه القيادات. ليس من أجل مستقبل الأمة أو الشعوب فقط، وإنما من أجل مستقبل الأنظمة والأسر الحاكمة ذاتها، والأمر مرهون بأن تحدث هذه المصالحة مع التداعيات السياسية والاقتصادية والمالية التى تتراكم فى هذه المنطقة، مع العودة إلى التذكير بأن الفائض ليس بكثير. الأستاذ سعد هجرس علق على فوائض من أموال النفط تبلغ 900 مليار فى سنة 2007 أو 2008 حين يرتفع السعر إلى 140 دولارًا للبرميل. أود أن أقول بأن هذا بخصوص دول الخليج فقط. لو إننا أضفنا إليها دول الأوابك وأضفنا عليها بقية الدول العربية فإننا يمكن أن نصل إلى تريليون ونصف (1500 مليار). أنا سوف أضع أمام حضرتك المعلومات الآتية ومن بيانات 2004. المكسيك 700 مليار، الناتج المحلى الإجمالى، فرنسا فوق 2 تريليون، ألمانيا فوق 3 تريليون، أستراليا حوالى 600 أو 650 . ومن هنا فإن 900 مليار أو 1500 مليار ليس بالشئ الكثير. والولايات المتحدة أنفقت فى العراق 3 تريليون. ولهذا فأنا أود أن أقول حقيقةً أن الاحتياطيات محدودة والفوائض محدودة ، وعلينا كجماعة علمية أن نرتب لرسم صورة تُسوَّق لدى القيادات السياسية العربية، والتي رغم سخطنا عليها فإننا يجب أن نتعايش معها، ربما لكوننا مضطرين للتعايش معها، وعليها هي الأخرى أن تتعايش معنا. ونتمنى أن تستمع إلينا.
نقطة أخيرة أود أن أنبه إليها. علينا ألا نعلق أملاً كبيرًا على سعر 140 دولارًا لبرميل البترول. السلسلة الزمنية التي عرضها الدكتور حسين تشير إلى أن السعر في 1948 كان 2.8 دولارًا للبرميل، وفي 1973 كان 1.8، وفي 1981 كان 37، أما في 1986 فكان 13.5، وفي 1998 و1999 كان 11 دولارًا للبرميل. وتعنى هذه التذبذبات أن الطفرة إلى 140 دولارًا، رغم اليقين أن هناك فائضًا فى العرض عن الطلب، إنما هي نتيجة مضاربات في السوق، وليست بسبب نقص العرض أو زيادة الطلب.
والدليل أنه منذ أسبوع كان جورج بوش الرئيس الأمريكى فى السعودية وطلب من أوبك أن ترفع إنتاجها. وقد رفض السعوديون لأن العرض أكثر من الطلب. ولكن السعوديين جاملوه بـ 300 ألف برميل فى اليوم، وهذا لا يمثل شيئًا. فعلينا أن نُعمل تفكيرنا فيما وراء هذه الظاهرة الاستثنائية... المضاربة، والتوترات بالسياسة، والنزاعات الإقليمية، ولدت فوبيا تتحكم فى العالم وفي أسواق البترول... وأنهى بالقول أن ما هو متاح لنا محدود، وبالتالى نحن فى حاجة إلى فعل سريع ورشيد لتعظيم الاستفادة منه لكى ننتقل بهذه المجتمعات وبهذه المجموعات الحاكمة، أيًا كانت، إلى عصر ما بعد البترول، وفى سلام إن شاء الله.
رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الملتقى الثالث لصالون الفاخرية - ورقة د . محمد المرسى صالون الفاخرية صالـــون الفاخريــــــة 0 16-11-2008 12:21 PM
الملتقى الثالث لصالون الفاخرية - ورقة د. حسين عبدالله صالون الفاخرية صالـــون الفاخريــــــة 0 16-11-2008 12:18 PM
الملتقى الثالث لصالون الفاخرية - ورقة د. مجدي صبحي صالون الفاخرية صالـــون الفاخريــــــة 0 16-11-2008 12:16 PM
الملتقى الثالث لصالون الفاخرية - ورقة د.حجاج بوخضور صالون الفاخرية صالـــون الفاخريــــــة 0 16-11-2008 12:11 PM
الملتقى الاول لصالون الفاخرية - الجزء الثالث فني الموقع صالـــون الفاخريــــــة 0 16-11-2008 10:52 AM

الساعة الآن 01:56 PM.
Powered by vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتدى حوارات الفاخرية @2011

designed by : csit.com.sa