إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 09-02-2020, 12:35 AM
د.طارق أحمد البكري د.طارق أحمد البكري غير متواجد حالياً
عضو نشيط
 
تاريخ التسجيل: Mar 2006
الدولة: kuwait
المشاركات: 929
عناقيد الكرز 8 والأخير

المشهد السادس عشر والأخير
نهاية الظالم

جنّ جنون الحاكم عندما علم أن ابنته هربت من القصر..
لكن الفتاة لم تكتف بالهرب فقط.. بل التحقت بالمتمردين على سلطانه، بل وأكثر من ذلك فقد انطلقت لتقاتل جنوده في خندق واحد مع الذين يعتبرهم الحاكم أعداءه الأشرار..
نعم..
قاتلت معهم بعنف..
تلك الفتاة المرفَّهة البسيطة، تعلمت كيف تقاتل..
كيف تحمل السلاح.. لتحارب جنود الحاكم وهم يحاولون الاعتداء على الناس والاستيلاء على أملاكهم بقوة، متسلحين بأمر من الحاكم..
رأت المقاومين وقد تعطرت ثيابهم بلون يشبه لون الكرز..
تذكرت يوم كانت تسيح في الوديان والسهول بين عناقيد الكرز.. تأكل ما طاب لها من حباتها الوردية المشرقة المتلألئة.. فينقط الكرز على ثوبها مطراً بلونه الأحمر الفاتح والداكن.. حتى يغرق ثوبها بلون الكرز..
كان المقاومون يبدون وكأنهم في يوم الحصاد..
وانتشرت أخبار الأميرة المقاومة ساطعة مثل النار في الهشيم..
"ابنة الحاكم تقاتل أباها من أجل الشعب"..
ازدادت مشاعر العزة والكرامة التهاباً واشتعالاً...
شعر الشعب بقوة هائلة تتفجر من كل مكان وتنبعث من داخله وتنتشر في أنحاء البلاد..
ثار الشعب كله.. حتى أن جزءاً من جيش الحاكم لم يعد ينفّذ كل أوامره.. فبدأ الحاكم يفقد قوته شيئاً فشيئاً..
انقلب الضباط والعناصر الطيبون على قائدهم وزوجته الشريرة..
أمسكوا به وزجوا به في السجن وبحثوا عن زوجته لكنهم لم يتمكنوا من العثور عليها.. اختفت ولم يعد له أي أثر.
اجتمع الناس يهتفون بحياة ابنته الأميرة.. فالناس تحب الهتافات كيفما كان الحال. طالبوا بأن تكون الحاكم المطلق مكان أبيها.. وكأنهم لم يتعظوا من الويلات التي جرها عليهم مثل هذا الحكم.
لكن الأميرة رفضت ذلك تماماً..
لم تفكر أبداً بأن تكون آمرة ناهية، أو أن تكون مكان أبيها، أو أن تنصب قائدة عليهم، فهي لا ترى في نفسها ذلك، كما أنها لا تحب القصور.. فهي بالنسبة لها سجون..
رفضت رفضاً قاطعاً..
عرضوا عليها أن تختار الحاكم.. فرفضت..
عرضوا عليها أن تختار أحد المناصب أساسية في الحكم.. فرفضت..
لم يكن كل ذلك همها.. قالت لهم: "أريد أن أكون فرداً من الشعب.. لن أطلب أي أمر شخصي.. باستثناء أمر واحد!!"..
قالوا لها إن ما عليها أن تطلب فيستجيبوا..
هي لم تطلب في الحقيقة.. لكنها صارت ترجو الناس الصفح عن أبيها.. وأن يطلقوه من المعتقل ويسمحوا له بالرحيل بعيداً بعيداً.. توسلات الأميرة كانت أقوى من كل جرائم أبيها..
الناس هنا طيبون.. لم يكن للانتقام مكان في تصرفاتهم.. استجاب الجميع على الفور لطلب الأميرة.. وتركوه يغادر بلادهم.. لكنه كان أعزلاً وحيداً منبوذاً بعد أن اختفت زوجته الشريرة..
لم يتركوه يذهب دون أن يزودوه ببعض المال والطعام، وسمحوا بأن يرافقه بعض أفراد حاشيته المقربين..
لكنهم هؤلاء أيضاً ما أن خرجوا من الأسر حتى تخلوا عنه هم أيضاً، وتركوه وحيداً بعد أن سلبوا منه ما كان معه من مال وطعام.
وهكذا رحل الحاكم وتفرق من كان معه من بعض المجرمين.. ولم يعد يسمع الناس عنه أي خبر لفترة طويلة منذ ذلك الحين.
أما الأميرة فلم تسكن قصراً ولا بيتاً فخماً كما أعلنت من قبل.. عاشت كما أرادت.. مثل الشعب..
لم يسكن أحد بعد ذلك قصرها المرمري ولا قصور أبيها.. الناس لا يحبون القصور المبنية على جراحهم.. هجروا القصور، وجعلوها ثكنات للجيش ومراكز للدولة..
وعاشت الأميرة بعد ذلك زمناً لم ينس فيه الناس قصتها.. بل كانت هذه القصة محور حديثهم دائماً..
تزوجت ابن الطبيب الذي عالجها في الكهف..
كانت الأميرة كانت تفكر دائماً بأبيها.. فهي تحبه، وتدرك أنه طيب القلب لكنه وقع تحت تأثير زوجته الساحرة الشريرة..
لم تتحمل الأميرة الابتعاد عن والدها بضعة أسابيع، شعرت بالحزن والكآبة.. وانعكس ذلك على صحتها.. ومرضت مرضاً شديداً..
انشغل كل الناس بمرض الأميرة.. وقام الجميع يدعو الله لها بالشفاء.. جاؤوا إليها بأحسن الأطباء.. لكن أحداً لم يعرف سبب مرض الأميرة.. وكان مرضها يشتد يوماً بعد يوم..
خافت الأميرة أن تموت من دون أن ترى والدها.. فاستأذنت من زوجها لكي يبحث عن أبيها حتى تراه قبل موتها..
لم يكن أحد يستطيع أن يرفض طلباً من طلباتها، فهم جميعاً يحبونها ويعرفون فضلها، فكيف وهي في هذه الحالة من الألم والمرض.. فاستجاب لها زوجها على الفور.. وانتشر خبر أمنية الأميرة في أنحاء البلاد.. فأسرع الجميع للبحث..
إن أهل البلاد هذه طيبون بالفعل، نسوا كل ما فعله الحاكم بهم، ولم يتوقفوا عند ما فعل.. بل صاروا يتسابقون ويتنافسون على من يجد الحاكم المخلوع ويحضره للأميرة.
الفرسان الشباب الأشداء كانوا أكثر الناس حماسة.. قاموا بعملية بحث واسعة المدى.. ولم يناموا ليومين متتاليين.. وكانوا يذهبون إما جماعات أو وحداناً.. الجميع يتسابق ويسرع في كل الاتجاهات.. كأنها مسابقة الفائز فيها يحصل على جائزة عظيمة..
الكل يريد أن يرضي الأميرة.. الكل خائف من موتها..
يريدون أن تستعيد عافيتها وتبقى بينهم حتى تشيخ..
يريدون أن يفرحوا قلبها..
ربما لو رأت أباها تعود الحياة لتنبض بقوة من جديد في قلبها الضعيف..
بذلوا جهداً عظيماً أكبر بكثير من البحث والجهد الذي قام به جنود الحاكم يوم قاموا بالبحث عن ابنته الأميرة نفسها يوم اختفت، وعثر عليها المقاومون بعد أن سقطت عن فرسها في رحلتها الهائمة الطائرة بين أشجار الكرز... فهم مازالوا يذكرون القصة ويروونها بلا انقطاع..
بل من شدة تعلقهم بها قاموا بتسمية الساحة الكبرى في عاصمة الحكم باسم (ساحة الكرز)، بل إنهم زرعوا أشجار الكرز في كل الطرقات، وكتب الشعراء القصائد الكثيرة التي تمدح عناقيد الكرز..
وأكثر من ذلك.. كان الكرز هو الشعار الرسمي للحاكم الجديد.. وأول شيء فعله هذا الحاكم بعد أن تسلم الحكم أن منح الأميرة الصغيرة وساماً اسموه (وشاح الكرز من الرتبة العليا)..
بذل الجميع جهداً لا يقارن..
كل فرد في البلاد..
من حاكمها الجديد إلى أصغر فرد فيها..
وبعد بحث طويل مضني.. وجدته فرقة من المتسلقين الشبان الشجعان في غابة شديدة الانحدار خلف الجبل العالي.. في مكان لا يمكن أن يصل إليه أحد بسهولة.
وجدوه يسكن كهفاً صغيراً لا يظهر من كثافة الأشجار التي تحيط بمدخله..
لم يكن يريد مغادرة وطنه لذا استقر في مكان قريب جداً لا يخطر على بال أحد، كان شديد الهزال والضعف، مر وقت طويل عليه في هذا المكان، فأصابه المرض هو ايضاً.. ولم يعد يذكر كثيراً من تفاصيل الماضي بعد أن تركته زوجته الساحرة وتخلص من شرورها.
يا لها من ذاكرة مبعثرة تذوب يوماً بعد يوم، كما يذوب ثلج مع وداع فصل شتاء. وفجأة تضاء بعض زوايا مظلمة، لكنه لم يفلح باستعادة تفاصيلها، كان يزحف نحوه زحفاً سريعاً، يقضي على ما تبقى من ذاكرة مهترئة.
وجدوه منفصلاً بلا ماض، ينسى لساعات وربما لأيام كل الماضي، ولا يتبقى له غير اللحظة، وعندما يعود إلى نفسه يتذكر بعض الأشياء الباهتة كسحابة صيف تمر وتمضي.
وجه ابنته وحده لا يغيب عنه، في وقت ذاكرته وحين ضياعها، تبقى معه حتى النهاية، كأن الصورة محفورة في العمق. مثل ظله تعيش معه، مثل نسمات الربيع، تشعل شموعاً حوله كلما هبط ليل على ذاكرته، تمسك يديه، فيعود ليجد نفسه بين كفيها.
عندما علمت ابنته أنهم عثروا عليه فرحت.. احضروه إليها من ذلك الكهف المظلم.
عندما رأته بكت من الفرح.. عادت عيناها تشعان من جديد.. كأنها وردة كانت ذابلة فما أن سقيت بالماء حتى أشرقت من جديد.. حضنته بكل ضعفها.. أحست بحاجته إليها أكثر من احتياجها إليه.. أدركت أنها لا بد أن تقوى لترعاه وتعتني به..
حدثته وحدثها.. كان يسرح في خياله بعيداً فلا تدري بماذا يفكر؟؟!!!.
سألته:
"أين ذهبت؟؟؟؟؟!!!!!".
أجابها:
"لا أدري.. لا أدري.. كيف أذهب وأنت تمسكين بي بكل هذه القوة؟؟ أعرف نفسي، فأنا خبير متمرس، أفهم ما معنى أن يصاب الإنسان بالظلم، خصوصاً أني لست هرماً إلى حد كبير، لكن صدمتي تلتهم ذاكرتي الضعيفة بشراهة وشراسة بالغة، كما تلتهم دودة نهمة أوراق الشجر.. لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً، وقد أضررت كما يبدو بكثير من الناس".
الأطباء أخبروها بأن علاجه صعب ولكنه ليس مستحيلاً..
هي تقول أيضاً أن لا مستحيل مع الحياة.
استعادت عافيتها بسرعة مذهلة.. عادت تلك الأميرة النضرة.. غمرت السعادة قلوب الناس جميعاً فرحين لأنهم تمكنوا من إنقاذ الأميرة..
أما الأميرة فقد كانت سعيدة بأبيها.. اختارت أن تكون له ممرضة خاصة.
وهل هنالك أجمل من أن تكون البنت ممرضة لأبيها؟؟؟؟
كانت تمر بعض الأوقات لا يذكر فيها نفسه، فتغني له أغنيات طفولية ساحرة، ليست كسحر المرأة الشريرة..
هذا سحر من نوع خاص..
يستيقظ حيناً من غيبته على صوتها الرقراق، فتنشد له كما تنشد أم لابنها الرضيع، ترجو نومه.
ما أطيب قلبها، هل كان معها كما هي معه الآن؟؟؟؟؟؟؟؟!!!!!!!!!!!!!!
بات لا يعلم عن ماضيه إلا اليسير اليسير، لكن ذاكرته الضعيفة نشطت على خير ما فيها.. ولم تنشط على الشر الذي كان فيه.. وكأنما حكاية زوجته الشريرة أمحت بشكل شبه كامل من ذاكرته، وهذا الجزء من حياته خصوصاً أطبق عليه ظلام ليل بهيم، فلا يرى من خلاله كثيراً من الذكريات.
يتحدث أحياناً في لحظات وعي: "لا أدري تماماً ما الذي جرى معي، أرى خيالات من ذكريات مؤلمة.. أرجو أن تكون مجرد تهيؤات غير حقيقية.. كم أخجل من هذه الذاكرة الصدئة. أشعر أن ذاكرتي مثل ذاكرة طفل.. بل أشعر أن طفولتي تزداد طفولة، وأنها تولد من جديد"..
جمال النفس يغلب جمال الشكل، وأناقة الداخل عنوان وسر التفوق على أناقة الهندام، كما أن طهارة اللسان ونظافة القلب واليدين أرقى من نظافة المكان. والارتقاء الى المعالي لا يكون بالأماني.. والعلا ليس بمنصب ولا بجاه أو بمال..
فكم من فقير نقش اسمه في سجل التاريخ بحروف بهية.. وكم من غنى عابر لم يلحق بصاحبه غير الأذى الباهر..
والكتب تحكي عن أشخاص لم ينفعهم منصب ولا جاه..
ومع علو مكانة العلم، فإن العلم نفسه قد ينعكس أحياناً ضرراً على صاحبه وعلى الناس من حوله، وربما على الدنيا في عصره وغير عصره، فكم من عالم لم ينفعه علمه، بل استخدم ما آتاه الله من علم ليضر به الآخرين.. ويغير الحقائق، ويزور الوقائع. ويهدم ولا يبني.
لذا فإن جمال النفس يعلو ولا شيء يعلو عليه. فهذا الجمال ينعكس على كل جمال أو قبح في الدنيا.. فلا العلم ولا المال ولا المنصب يمكن أن يمنحوا الناس جمالاً بغير جمال يخرج من الداخل. فالحرص على أن تجميل النفس وتزينها من الداخل.. يبدي الجمال الحقيقي الذي يأتي عفواً، طوعاً أو غضباً، لكن المهم أنه يأتي بصورته الناصعة وبلا تكلف.
وانشغلت الأميرة الصغيرة بعد ذلك بكتابة القصص من جديد.. وتذكرت قصتها التي كتبتها لوم تكملها..
صارت تحكي لأبيها في كل يوم قصة من تأليفها..
وعادت الأميرة إلى قصتها القديمة.. إلى قصة الفتيان الذين كانوا يريدون التحرر من بلدتهم الغريبة التي لا تعرف نظاماً للشمس ولا للقمر.. تذكرت أنها لم تكتب لها خاتمة..
كأنها لا تحب خواتيم القصص..
هي تريد قصصاً بلا نهايات.. قصصاً تروى وتستمر بلا توقف.. بلا حجب ولا ستائر تخبر بأنها انتهت.. فتظل "تروى" بالألسن و"تروى" بالخيال كما يروي الماء النبات الطيب فينمو ويكبر في الأحلام كما في الواقع..
عادت إلى قناديل الأمل.. تطل عليها من "نافذة الفرح".. إلى (عناقيد الكرز) التي تشرق حباتها بسخاء وبهاء، فتتدلى أغصانها بتواضع وخيلاء.. تباهي الطبيعة الجميلة بلونها اللماع الذي يشبه دم الأحرار برونقه الأخاذ.
تذكرت كيف عادت الحرية شمساً تشرق كل يوم في الربيع وغير الربيع..
في كل الفصول والمناسبات.. وطعم الحرية له طعم فريد لا يتغير.. ولا يكون لذيذاً إلا بلون وطعم الكرز..

(((((النهاية)))))
__________________
لكل أمر مستقر
رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
عناقيد الكرز 7 د.طارق أحمد البكري مكتبة المنتدى 0 09-02-2020 12:34 AM
عناقيد الكرز 6 د.طارق أحمد البكري مكتبة المنتدى 0 09-02-2020 12:33 AM
عناقيد الكرز 5 د.طارق أحمد البكري مكتبة المنتدى 0 09-02-2020 12:33 AM
عناقيد الكرز 2 د.طارق أحمد البكري مكتبة المنتدى 0 09-02-2020 12:31 AM
رواية: عناقيد الكرز د.طارق أحمد البكري مكتبة المنتدى 0 09-02-2020 12:28 AM


الساعة الآن 07:51 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتدى حوارات الفاخرية @2011
Designed By csit.com.sa