إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 01-07-2006, 02:29 PM
عبد الباسط خلف عبد الباسط خلف غير متواجد حالياً
كاتب وصحافي فلسطيني
 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
الدولة: فلسطين
المشاركات: 1,513
Exclamation فاطمة

فاطمة










مجموعة أقاصيص















فلسطين المضطهدة، خريف 2003


تنويه: هذه أول مجموعة قصصية أكتبها، وتتحدث كلها حول المرأة وحقوقها وحرياتها.











تسلسل الأوجاع
الإهداء.………………...3
سيرة ومسار…………….3
طريقة أحرى للقص….. 7
الرماد والعصفور …......9
بجوار شجرة التوت …...13
الديكتاتور........……....18
فرح رضيع....……......24
مستنقع وأنهار.………....27
الصبي.....................30
مسرحية بلا مهندس للديكور......34
فاطمة....……………....37
ربيع اسود..…………....41
ثعالب..………………...45
قضبان وشوق……….....49
خيانة كخط الاستواء..…...53
يوميات وقحة........…....57
الصمت الحرام.............61
حنان تحت الحراسة........65
شيطان......................69
سطور عرجاء..............71
براءة مغدورة...............73
نصوص متمردة..……...79
كان ومشتقاتها……….... 81
أقاصيص سريعة………….84
أدب آخر………..……….88








الإهداء:

إلى فاطمة التي لا تحمل جواز سفر، ولم تمنحها السلطات تأشيرة دخول لأراضيها، بدعوى أنها قد تتسبب لغيرها بأوجاع سريعة الانتشار.

سيرة ومسار:

تتسلل إليك، بعد تصفحك للبريد الإلكتروني القادم من رام الله، طائفة من الأسئلة، صارت تتكاثر كبكتريا لا تعترف بتنظيم النسل. فكيف يمكنك الإشارة بسطور وجيزة عن علاقتك بقلمك وورقك، فذلك يشبه عجز العشاق عن التصوف بأنصافهم المشتركة في "حفنة" من الدقائق، و يقترب من إصابة ريشة فنان بالعقم وهو يسعى للتعبير عن وفائه لمن أختطفها موت صناعي قبل أن يخفق قلبهما المشترك في مملكة سريالية، في لمح البصر.
تقرر الإطاحة بترددك، وتعيد عجلة الزمن إلى الوراء، منذ أن كانت خريطتك الخاصة لا تتقن المجاز المرسل ومشتقات البديع، ولا تجيد أوراقك السباحة في بحور الشعر، ولا تعرف جملك الاسمية أو الفعلية كلمات المرور إلى منجم الصرف الثري أو النحو النقي.
ما أن شققت طريقي نحو الكتابة، وأنا على مقاعد الدراسة الوسطى، إلا وبدأت أشكل في نفسي أسلوبا خاصاً، صرت أسأل أعماقي على شرف ما كان يطلبه معلم اللغة العربية السمين والذي يعشق السمك المعلب، من موضوعات للتعبير، عن مشروعية حضور الأنا والآخر فيما أخطه، شرعت أخاطب ذاتي بتلقائية : هل من المشروع أو المباح أن أشير قليلاً إلى تجربتي الذاتية؟ وماذا عن تمرير القليل من مواقف طفولتي التي كثيراً ما نطرق "جدران" ذاكرتي ؟ وبأي الأشكال أصنف الخاص من العام؟ وهل من حدود فاصلة وواضحة بين النمطين الضدين،كتلك التي اعتقدت بوجودها لأول مرة عندما اقتحمت أذني لفظة مدار الجدي وخطوط العرض والطول؟
مع كل خطوة كنت أتقدم فيها من المدرسة الأساسية صوب الإعدادية، كانت الأسئلة تتكاثر بوقاحة، وتتعقد شيئاً فشيئاً… على عتبات الإعدادية سألت مدرس اللغة العربية لماذا لا تمنحني علامة كاملة في التعبير، فلا أخطاء لدي لا في القواعد بنحوها أو صرفها ولا بالإملاء وهمزاته وأحرفه الفارقة، وحتى جمعه المذكر السالم الذي بقيت أربط بينه وبين أحد جيراننا في بلدتنا الهادئة ؟
تناسيت قليلاً أدبي ونقدي الغر لنسختين من نصوص درامية عرضتها الشاشة الصغيرة الأردنية، والتي زاوجت فيها بين العام الذي حمله مضمون السيناريو والخاص الذي عشته مع جدتي القريبة الماثلة في البطلة التي سرقتني طوال الشهر، وسببت لي توبيخاً من والديّ لأنني أبالغ في التعاطي مع التلفاز منزوع الألوان.
في دفتر يومياتي الأزرق السماوي الذي كنت متحفظاً من إشهاره على الملأ بلا رقابة أو قطع لطريق الحقيقة، لولا تشجيع الصديق الناقد تحسين، تحدثت عن شجون و هموم بروائح متفاوتة، أشرت مثلاً للغزو الإسرائيلي للبنان العام 1982 في القصة نفسها التي كتبتها عن شقيقتي عزيزة، وأشرت لنصائح العجوز لي ولشقيقي في يوم اغتيال رشيد كرامي ( رئيس الحكومة اللبناني السابق) في طائرة مروحية، وربطت بين يومياتي مع أخي و فترة حكم السلاجقة لعالمنا، وكتبت عن القدس لأول مرة على خلفية تدوين حواري مع أبي حول السماح أو عدم السماح لي بالذهاب في رحلة المدرسة. ونحتُ اسماً بديلاً لحقلنا السهلي على غرار مدينة في القوقاز الروسي راج الحديث عنها في نشرات الأخبار وتشابهت قليلاً مع اسمها الأصلي، وأشرت لنزهة بريئة مع رفاقي الصغار في اليوم ذاته الذي اغتيل فيه أحد السفراء الأجانب في مدينة الضباب.
في المعتقل الاحتلالي، حيث كنت وفق تعريفات منظمات الأمم المتحدة طفلاً في السابعة عشرة وأقل بقليل رحت أنسج قصصي القصيرة محاولة لتطوير النمط القصصي، تخليت عن الخاص بشكل لافت، ورحت أسرف في الحديث بعموميات تجافي الخصوصية، لأن رفاق القيد المستقطعة حريتهم يمُثلون قضية واحدة تحاول التمرد على القيد والسجان.
بعد أن تسللت أقدامنا وعقولنا للجامعة، راحت الحيرة تتملكني، بين دراسة الأدب الخالص أو الصحافة الصافية، وصلت في نهاية المطاف لقرار نهائي بالتحول لصحافي يعشق الأدب ويستفيد منه لصالح نصوصه الإنسانية وقصصه وتقاريره وأخباره.
أعدت نَشر نفسي في قسم تسجيل الطلبة عشرات المرات، في كل مرة كنت أختار كلية الآداب، وقبل أن يجف خبر قراري ، أعود مسرعاً للتراجع…
أذكر أنني وفي المقابلة التجريبية الأولى والتي أجريتها مع أحد الإذاعيين، جعلت أسئلتي أطول من إجاباته و رحت أتحدث له عن ذكرياتي مع إذاعة الثورة الفلسطينية التي كنا نسترق الاستماع إليها، وظهر الناتج النهائي وقد بدت فيه رائحة الأدب و الذات أيضاً مع إشارات رمزية هنا وهناك، وجاء تعقيب المشرف: لماذا كل هذه الصور والأمثلة في المصنوعة الصحافية…؟؟
قال لي مدرس الصحافة: أنت تصلح لأن تكون مؤلفاً في المقام الأول، وبوسعك الكتابة للأدب، والتفنن في انتقاء العناوين والشعارات والرموز …
عشية انتقالي لبلاط صاحبة الجلالة رحت أحاول إعلان الانقلاب الأبيض على الأدب، وبقيت على صلة به، كتبت عن غير شأن اجتماعي ورافقتني المحسنات البديعية والأساليب الإنشائية و الوصفية إلى أن قررت في نهاية المطاف إعلان حالة طوارئ.
كان من نصوص الإعلان الاستثنائي، أن أمشي في مسارين متوازيين( شبهتهما بما كان يشيع من أحاديث عن مسارات السياسة والتفاوض وبخاصة المسارين السوري واللبناني)، أمارس في الدرب الأول كل الذي أعشقه من كتابة لقصص قصيرة ويوميات وسير ذاتية وغيرية. وأعلن في الجهة المقابلة الولاء لمواد صحافية غير جافة، وفق بنية القصص الصحافية أو الشكل الإعلامي الذي يطوع اللغة ويجعل الوصف سيد الموقف وينجح في جعل القارئ هائماً متخيلاً لما يقرأ بخلاف الصحافة الجافة التي كنت أشبهها بنقد ربيعه بن حذار الإسدي حينما قال لأحد الثلاثة من الشعراء الذين تنافسوا أمام أذنيه: أنت شعرك كلحم أُسخن فلا أُنضج فأُكل ولا تُرك نيئاً فينتفع فيه.
نجحت في ذلك، وساعدني الزميل بسام الكعبي في تبني مدرسة الفصل بين المسارات وكذا الناقد تحسين يقين الذي سُر بتوظيفي للأدب يوم كان محرراً للصفحة الثقافية في جريدة" الحياة الجديدة". وصرت بعدها "أصحف الأدب وأُدب الصحافة"، من غير أن أوفق في إصدار مجموعة قصصية مطبوعة.
ومن الطريف أنني في إحدى المرات أرسلت نصاً صحافياً لإحدى الجرائد العربية الصادرة في كندا عبر الإنترنت والورق أيضاً ( عرب 2000)، لكن رئيسة التحرير مي إلياس ظنت أن الذي صدرته لها قصة أدبية خالصة، فوضعتها في خانة الأدب مع كومة من القصائد، بالرغم من أنها تتحدث عن طفلة صغيرة احترفت الغناء وراحت تصدح به في أزقة مخيمها، وشجعها والدها في إنتاج كاسييت(شريط) وقرص مدمج لها قبل أن تكمل ربيعها السابع.
في ليل قائظ، طُلب مني إعداد دراسة عن تاريخ شبكة المعلومات الدولية" الإنترنت" في وطني، قلت لنفسي بداية: حذار حذار من الكلام الجاف، ورحت أبحث عما يلطف حدة النص ويعلن رفضه للتجريد الرقمي.
وذات نهار، تقرر إطلاق النار على ترددك في كتابة القصة القصيرة المعدة للنشر، وتبدأ بالتخلي عن التمترس وراء الطراز الخاص الذي يُكتب ولا يخرج إلى الملأ، بدأت المجموعة الأولى المعدة للتنافس على جائزة أدبية في دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة ( فاطمة) بسبعة عشرة قصة تحدثت في معظمها عن حواء التي تتعرض لطيف من الاضطهاد النهاري والليل على حد سواء،وأرتفع العدد لاحقاً. كان العام سيد الموقف ولم تخل المسألة من الإشارة للخصوصية غير الدخيلة، تذكرت كفاح أمي وجد أبي وتمييز جدتي وهشاشة النظام الريفي غير المستند لاصول، وربطت بين صدى حواء المثقلة و نظيرتها القادرة على التحدي.
في كل محور تقريباً، أضفت القليل من الخاص إلى العام كطاهٍ يجود بالقليل من التوابل والمطيبات لأطباقه غير الرخيصة.
بعدها هاتفتني مؤسسة تعني بالطفولة، وأرادت الكتابة الإنسانية عن الأطفال الذين سرق الرصاص الأعمى رحيق حياتهم وتركهم أسرى لكراسي إعاقة تبعث على الحسرة، فتشتت عن ثلاثة عشر كوكباً، و جالستهم وطاردتهم بأسئلة لم تخل من الأدب والبلاغة والتشبيهات والاستعارات.
قلت لأمجد: ماذا عن الليل الوقح الذي كنت وأنا في عمرك أخاله كذا وكذا؟؟
سألت إبراهيم:كيف تُعرّف الخوف الذي ظننته في طفولتي كمارد بشعر كستنائي غير مرتب؟
انهلت على محمد بافتراض: ما العمل الأول الذي ستقوم به إذا ما استعادت قدماك عافيتها، هل ستذهب مثلي في الظهيرة إلى شجرة التوت الضخمة في بوابة بلدتك لانتقاء أطايب الثمر؟
تحادثت ومصعب، وقلت : وأنا في التوجيهية التي أعاقته الرصاصة العمياء الحاقدة عنها حلمت بدراسة الأدب، وماذا عنك؟
في أمسية فاترة حرارتها، وأنا عبر الأثير أتعرض لمساءلة أدبية صحافية، خفت من الوقوع في مصيدة المبالغة بالإشارة إلى نفسي، فنوهت بداية لقضية أنني أتحدث بلساني عن غيري…
وتشرع كعادتك في كل عام منذ كنت طفلا بتدوين يومياتك، أحيانا تتسلل إليك الفوضوية، و مع أخرى يطاردك الاستعجال، و في محطات ما تكتب من القلب والروح. تفتش بعد "نزاع "العام 2003 مع الموت عن هموم تستحق أن يطالعها غيرك …
تطور عشقك لمذهب " أنسنة " كل ما يستحق أن يكون له لسان بالإنابة الذي دفعك للإطاحة بترددك، والقبول بوأده.


طريقة أحرى للقصص…

ينجح الصحافي والأديب وعاشق الحقيقة أحيانا في التخلص من "حراس البوابات"، ويعلن في أخرى العصيان المدني على الرقابة بشتى روائحها، ويعمد في اتجاه ثالث للدمج بين القصص القصيرة والقصص الصحافية ذات الروح والناطقة بلسان الأحداث والمجسدة لها. ويُكره غالباً على سلوك طريق التفافي للفرار من الرقابة الذاتية.
يتعرف على أقاصيص واقعٍ مصنوعة من وجع نقي، هنا الضحية فيها مدانة حتى لو أثبتت براءتها، ويتولى النطق بالحكم قاض جلاد لا يعرف غير لغة الإدانة.
في هذه الأقاصيص منزوعة الحرية ثمة وحدة اندماجية تحاول تقديم الواقع ونقده، وفيها "تبادلية" في المكان والزمان والشخوص الناعمة، تجنح نحو إيصال الحقيقة بطرق التفافية،لم يتعرف إليها قُطّاع الحقائق بعد.
فاطمة، محاولة لمنح حواء وسواها إنصافا ما في دنيا لا تعترف إلا بالوأد المستدام.
ذات نهار، استطعت الوصول لمعذبة في الأرض، تعرضت لأطياف من الذل والعذاب، ذريعة زوجها: ثمة جن ما في جسدها، والواجب يحتم تخليصها منه، راح يضربها ويوجه دعوة مفتوحة لمن يودُ ذلك من الأشقاء، صمتت ثلاث عشرة سنة، لأنها تريد الحفاظ على أولادها، حتى غادرت روحها جسدها المضطهد.
عدت إلى حيث أمارس شغفي في الكتابة، وصنعت قصة قصيرة عن معذبة كبيرة، تهافتت علي أصناف الرقابة الخارجية والذاتية، حرّفت وبدّلت في الشخوص وطورت قليلاً في الحبكة والأحداث، لم تنعم هذه المعذبة كما قالت شقيقتها بإنصاف كلامي… بعد أسابيع من النشر المقصقص أجنحته، ماتت الضحية ولم يعلم أحد باسمها، مثلما لف الغموض تفاصيلها الصغيرة...
فاطمة، تتحدث بحرية غائمة جزيئاً، و تتمنى أن تنهمر قطرات المطر للتخفيف من حدة ألسنة عمياء تتعاظم لحظة في إثر لحظة…





































وجع تمهيدي:
الرماد والعصفور

قد يصلح العصفور للتحول إلى بطل قومي، وربما نصنع من ريشه المخملي
رداء يخفف من الأحزان دائمة الحضور…

في زمن أقل ما يمكن وصفة بالغابر، انتصف نهار يوم رث أشرقت شمسه على استحياء، وانسلت قواه من وسط ربيع بارد أخذ قليل الدفء ينسكب إليه من ضياء محترق، كان المشهد عادياً لولا صوت الطائر الغريب في كل تفاصيله، الذي راح بضعفه يتمرد على الصمت الوقح المفروض على " سماح "الفتاة السمراء المعذبة، تلك التي ملّت الانتظار وتفاصيله القذرة ولم تجد من يصغي إليها غير كائن بلا وزن نوعي لا يستطيع في أحسن الأحوال مقاومة العبث الملتف حول عشه.
راحت هي تستدرجه لصداقة متينة تعوضها عن النقص الكبير الساكن في فؤادها المكسر، وشرع هو بمجاراتها...أخذ يراقب نهارها وليلها ويقُص لها حكاياته، ودأبت هي على مخاطبته بتلقائية، تعلم لغتها وبات يدرك الجّر والممنوع من الصرف والتوكيد ونائب الفاعل. راحت تقلد إنشاده، وحاول بشق الأنفس كتابة قصة قصيرة جداً عله ينصف صديقته الطارئة على حياته. لم يقرأ الطائر أجنحة جـبران خليل جـبران المتكسرة، لكنه وصل إليها بقلبه الذي تحول لاستراحة صنعت من عذاب خالص.
ذات شتاء تسللت الحمى إلى سماح، ولم تفلح خطوط دفاعها أو تحصينات كريات دمها البيضاء في دحر المرض. لم تدر ما الذي تصنعه لنفسها، سألت أعماقها الزجاجية المحترقة بعفوية: هل من الممكن أن أتحول لطبيبة ومريضة في اللحظة ذاتها؟
بالطبع لم تتعثر بإجابة، وقبلت بالصمت الحرام.
تسلل الطائر من نافذتها المحطمة، كما كل جوارحها وحاول –والتعب يسيطر عليه- التصرف كما البشر، بحث في أركان غرفتها فلم يجد كمادةً بيضاءَ تقدر على امتصاص نقمة الألم، فراح يملأ منقاره بماء بارد تجمع في حوض مهمل يجاور البيت الصغير في تضاريسه و القذر بذكرياته، لينقله إلى جبهتها الملتهبة. صارت قطرات الماء البارد تتحول لبخار بلمح البصر، تكرر ذلك غير مرة، لم يسأم حرفة الممرض فهو بحاجة لدليل كي تتأكد سماح أنه صديقها الوفي بالفعل، وفي العادة فإن الأصدقاء ما يتألقون في أوقات الأزمات.
أفلح الطبيب الطارئ أخيراً في " قتل الحمى "، وراحا يقتربان من بعضهما بعضا بصداقة أكثر تماسكاً، أخذت تروي له حياة مشقاتها لتقول : ولدت في يوم أغبر، فأنا الابنة الخامسة لعائلة تاق قائدها لصبي يطفئ نزعته الجارفة لحياة تعُج بالذكورة، ليس لأنه شغوف لهذا الحد بالأبناء، ولكن لأن والدته سببت له عقدة من الإناث، في كل يوم كانت تمطره بسحابة من التحذيرات، تفوق المنخفضات الجوية ذات المنشأ القطبي.
إياك وإياك…وأحذر من….و" هَمُ البنات إلى المماتِ "ومن سيتولى عرشك؟، ولمن ستضيع تركة والدك ؟فأنت الوحيد، وأراضيك شاسعة " يطارد فيها الخيَّال ". كـُبر أبي وكبر الحقد الصناعي في قلبه من الجنس الناعم الذي كان يتنعم به مرة في نهاره ويجرحه ألف مرة. زوجوا والدي وهو في الثالثة عشرة من عمره، ولم تكن عروسه إلا في العمر ذاته تقريباً. كبُر والدايَّ وارتفعت فيهما غرائز الأمومة وأخذت النصائح الجنسية وغيرها تنهال عليهما، وكذا الأوامر من الأقربين و"المشرّعين" أيضاً. تلهفا لرؤية أول الغيث، لكنهما بكل جوارحهما لم يجهزا نفسيهما لأن يكون القادم الجديد أنثى؛ على الأقل لأن نصائح العائلة الممتدة ورغباتها لا تعترف بالإناث حتى هذه اللحظة ولا تفكر في إدخال إصلاحات على سياستها هذه ولو أمُرت بذلك من قوات تضاهي "التحالف" أو "المحور".
جاءت النتيجة عكسية، فلم تكن هناك فحوصات طبية أو كشوفات سابقة للتعرف على نوع الجنين في أحشاء أمه، قالت الداية التي تعلمت المهنة عن طريق المشاهدة: يا خسارة، بنت، كررت ذلك عشرات المرات وكأنها تؤكد بأسى عما رأت...
اسّوَدت الوجوه أو أضافت للونها الشاحب المزيد، وتصاعدت النقمة العمياء، وشرع الحضور بتعزية الأب والجدة بكل وقاحة، وتناسّوا الأم، ولم يوفروا لها أسباب الراحة؛ لأن الحصاد لم يرق لأحد.
بالكاد مرت الأربعون يوماً الأولى بعد الوضع، لتزرع في أحشاء أمي كرة أخرى للتعويض، ولطلب استرضاء جدتي العجوز. كبر بطن أمي، وأهملت شقيقتي الأولى.
حانت ساعة الصفر الثانية، وتهافت الجميع من نسوة الحارة القديمة لسماع صراخ الأم، وللحصول على عطايا الأب ميسور الحال، إذا ما ضحكت له الدنيا، لكنه بكى بعد أن عرف أن أنثى أخرى سقطت عليه كقذيفة صاروخية لم تخطئ هدفها.
قال لزوجته، وهو يعض على شفتيه، قبل كل شيء : ما الذي وضعته يا امرأة ؟
أجابت بخوف خجول: سامحني، مشْ بيدِي!!
علا صراخه عليها، مثلما أكملت أمه التأنيب والغمز واللمز : الثالثة ثابتة يمّـا …
اقترب الطائر ليمسح بجناحه دموع الراوية صديقته ولم يستطع، فهي أكبر من أن تُزال.
عاد الزوجان لتكرار تجربة ثالثة، والخوف يحتل تضاريس وجهها. وحتى لحظة العشق المفروض أن تكون بأجمل صورها كانت جافة فهدفها الوصول لولي عهد، بدأ العد وحانت ساعة الصفر مرة أخرى وكأن انتخابات مصيرية ستعلن نتائجها: ترقب، خوف، وصايا، تنبيهات، قوائم أخرى صادرة عن "الهيئة العليا" للعائلة الممتدة.
الغريب هذه المرة أن قرارا جائرا أصدرته العجوز : من الآن فصاعدا سيُحكم على زوجتك يا ولد بالعمل حتى يوم ولادتها، فربما يعلمها التعب ألا تكرر غلطتها !!
لم يكن من الأب إلا الصمت والتأييد بخلاف الطائر الغريب الذي أنتفض وأرتعـد من قسوة الأم وأبنها، قاطعَ سماح، وأين قلبه ؟
ردت : تحول لصخر.
راحت أُمي المسكينة تعمل ليل نهار، الشمس تقتص من مساحات وجهها الجميل، العرق يحول ملابسها لشيء آخر، الإعياء يحاصرها، وكأنها شعرت بأن أنثى أخرى ستثلث العدد، وتسقط بمصيبة فوق رأسها.
ذات ليل موحش، حيث السماء تغرق الأرض بماء وسط كانون البارد لم يعترف بهدنة المخاض.
جاء المخاض فأسرعت " الحاكم العسكري " أو العجوز إلى البيت الطيني القارس البرودة، ومعها الداية(القابلة)، وبعض المتطفلات والباحثات عن مآرب.
تصاعد دخان ضحكات أم علي وكأنها تعلم النتيجة سلفاً.
تهامست رضية وكريمة والسخرية تفوح من وجهيهما. خمّنت آمنة نفسها لما سيحدث للزوجة المغلوبة على أمرها.
أُعدت الماء الساخنة، وبسرعة أمتزج صراخ طفلة ملائكية وصوت الرعد ولمعان البرق، أضاء وجه الرضيعة ليل البيت الموحش وأطفأ نوره. عادت الدموع لمرافقه الأم، والاسودادُ يسيطر على العجوز والأب ….
بسرعة أيضا حملت العجوز نفسها وهي تتحدث مع هواجسها: "القِدرْ بركبش إلا على ثلاث"؛ وكأن " قمة استثنائية " ستنعقد على عجل، فأمن العائلة القومي أصبح مهدداً، ولا بدَ من رفع حالة التأهب لأقصى درجاتها… قالت له: وبعدين مع الـ….، إلى متى ستظل تنجب بنات ؟؟
تلعثم وقال لها أخبرني ماذا أفعل ؟
أشارت عليه بتطليقها إذا ما تكررت المصيبة ثانية، فلم تعد أفعالها تطاق ولا بد من معاقبتها.
حمل والدي القرار إلى أمي، وقبل أن يقول لها حمداً لله على السلامة، أو يرى وليدته، قال لها: أسمعي لديك فرصة أخيرة، فإذا لم تنجبي طفلاً سأطلقك، وأرجعك وبناتك لبلد أهلك.
بالوتيرة ذاتها أعادت الأحداث تكرار نفسها كما في المرات الثلاث، وتصاعدت شدة الظلم، وتحولت والدتي لخادمة تحت أقدام جدتي، في تشرين أول وضعت أمي زوجاً من البنات أنا وصفاء، ونفذ والدي وَعده وطلقَ أمي، وتخلى عنها وعنّا …
اصطحبتنا وأخواتي لقرية أخرى وراحت تعمل أجيرة في حقولها، وسكنا منزلا رثاً، وبدأنا في حياة سوداء، لم تمض غير أربع سنوات إلا وماتت أمي حسرة.
تحولنا لخمس يتيمات، راح بعض المحسنين يقدمون لنا العطف أحياناً، كبرنا وتفرقنا كل إلى شأنه، تزوجت ثلاثُ من شقيقاتي، ولحقت أخرى بأمي، وبقيت أنا وحيدة …
سألها الطائر: وماذا عن والدكن ؟
ردت بدموع : لم يتعرف علينا، أو يحاول السؤال عن مصيرنا. لكننا تسللنا مرة إلى قريتنا، وعرفنا أنه تزوج من أخرى، ورزق بولد وحيد، أقام يوم ميلاده الدنيا ولم يسمح لها بالجلوس، وذبح الذبائح، وأنفق أموالاً طائلة، ونقل إليه كل تركتِه وهو على قيد الحياة، ولقي نهاية تشبه نهايتنا.
الطائر مذعوراً ومليئا بفضول غير متسلسل : وما الذي حدث ؟
أعاد ذلك مرة أخرى، وبإلحاح أكبر.
احتجب صوت سماح، ولم ترد.
ألح الصديق الوفي ثانية.
ردت سماح على استحياء :تخلي أخي عن والدي، وألقاه في بيت خرب، ولم يعد يسأل عنه، حتى يوم وفاته أمر ثلاثة من رجاله بدفنه بشكل سري وبسرعة البرق.
وضعوه في التراب، وبقينا نحن نسكن بيتاً من تراب، يتسلل إلينا البرد ويحاصرنا الجوع، وتطاردنا النظرات القاتلة ….
بكى الطائر بحرقة، ولم يسأم البحث عن شكل تضامني مع مرافقته من البشر، الذين يحرصون في الغالب إما لاصطياده أو التهام جسده، والمعتدلون منهم يقتطعون حريته في قفص ذهبي يظل سجنا وللأبد بالرغم من رخامية مظهر المعتقل الخارجي...
بالغت سماح في النداء على كل الأسماء التي تعرفها:أمها، الشقيقات، الصديقات، الجيران فربما يستمع إلى استغاثتها أحدُ ما فيمد لها يداً.
مرت ساعات وساعات إلى أن لفظت أنفاسها الأخيرة، وسقطت جثة هامدة؛ أكرهت رائحتها عابرُ سبيلٍ على حفر قبرٍ على عجلٍ لجسدها النحيل.
لم يحتج لطويل الوقت فجسد سماح قزَّمه الألم الذي أعاده إلى الوراء عشر سنوات، أستل هذا العابر قلمه الذي شارف على الهلاك وكتب على شاهدة بخط كله اعوجاج: الفاتحة على روح المرحومة إكس…!!
لم تصمد العبارة طويلاً، فالحبر استسلم من غير مقاومة للشمس والمطر والرياح، وقبل بتآكل ذاته. بعد صيف أو أكثر مر من المكان العابر ذاته وكتب في يومياته الممزقة هذه المرة : إكس لا تساوي واي، إذن واي في هامش القبر أو على يساره، الصفحة عفنة، لا يهم فهي قابلة للاشتعال أو المضغ، الحروف منزوعة التأثير، الشاهد البالي للقبر الصغير كلؤلؤة في صحراء، صدى الكلمات متمرد إلى وقح، الأوتار الناعمة لا تجيد فن الطهي، و العزف بحاجة لقيثارة عمياء ….






دموع ثانية:

بجوار شجرة التوت
لو عرفت شجرة التوت ما الذي يحدث تحتها، لشابت أوراقها وسط الربيع الحار، ولتحول ثمرها إلى علقم مستورد ، يرجح أنه مصاب بمرض" السارس"…

أخذت السحب تتلبد فوق قرية وادِعة تحاول جاهدة غسلها من خطايا " حلـف التآمر "، ثلاثة رجال وأمراه أيضاً قرروا ببساطة إعدام " سحر " بدعوى أنها جلبت العار للعائلة، قتلوها بضربة قاضية على رأسها وأمتزج دمها بشعرها الأشقر الذي لم يرَ الشمس في عمره، فمجلس العائلة دائمُ التسَّلط، قرر فرضه عليها بقوة السلاح منذ أن بَلغت السابعة ….
عند ذلك المكان القذر، وبجانب شجرة توت عملاقة تهامس علي وأسعد و فوزي و فتحية، وقرروا إصدار حكم سريع لا هيئة دفاع فيه، مثلما تنقصه الحكمة والمحامونَ ولجان الاعتراض …
عند خيوط الفجر الأولى أنسلَ أربعتهم نهضوا بسرعة فاقت تمدد الضوء، تناولوا ما تيسر من طعام ممزوج بالحقد الأعمى واتفقوا عقد الجلسة الأولى، هناك أيضاً دار الحوار الغريب لهيئة الأركان الرباعية:
علي برائحة جسده النتنة، ابن عم هادئ و طيب، لا يعرف بالطبع فك الحروف ويستخدم أصابعه في البصم على وثائق يجهل محتواها، يقف في ركن شمالي تحت شجرة توت حمراء كانت تُغري الصبية، ويتقاطرونَ إليها للانقضاض عليها في الظلام الذي يهبط سريعاً، تماماً كجيش العصافير الذي يلجأ إليها أملاً في ملاذ آمن وطمعاً في القليل من التوت الأحمر.
أسعد المتهور السمين مثلما يطلق عليه أهالي الحُوش، لا يعرف غير القتل والذبح والضرب، لدرجة أن يطاردُ الذباب، ويصَفعه وهو على وجهه العريض وتجاعيده التي تعبر عن عمره الكبير وحكمته الضائعة، يلف جسده بثوب لا يمكن التعرف على لونه من شده صفاره.
لا أحد في البلدة الصغيرة يذكُر يوماً أنه ضحك أو لاطف صغاره، يسمونه " العملاق " ويسارعون للاختفاء من أمامه. فعيونه مكدسة بالشرر الأحمر، وعقلِه تآكلَ مع الأيام.
يقولون أيضاً إنه يجافي الاغتسالَ ولا يعرفه.
في الجهة الغربية وقف فوزي، وفمه محشُو بالكلام المـُكسر، واخذَ يتلعثم تارة ويُحدث نفسه أخرى، وفوزي الأسمر الوجه صغير العقل، قرر ألا يتزوج لأن والدته قالت له ذات يومٍ : لا أريد أن تضيع، وتنسَ عملك مع امرأة، وتُذهِب أموالكَ على أطفالٍ.

فتحية تربطها بسحر صلةُ أخوة مفترى عليها، فهي من أم مختلفة، غالباً ما كانت تنهال على سحر بالضرب والشتائم والأوامر والنواهي، وكانت تطالب بالسكوت لدرجة أنها تجُبر على النطق حال قدوم والدها بأنها تعثرت في الطريق وسال دمها، فبعد وفاة والدتها، تزوج أبوها من ربيحة التي قالت لها في يوم عُرسِها: سأُريكِ نجوم الـُظهر، رغم أنها لم تتجاوز الثالثة من عمرها!
تقدم العشرات لخطبة "سحر" لكن زوجة والدتها، كانت ترفض تزويجها فهي الخادمة المطيعة، قليلة الكلام و الجدال، الخجولة، والأهم أنها تخفي في صدرها كل ما تتعرض له من إهانات.
جلس الأربعة، وكأنهم علماء حكماء، تحدثوا وقرَّروا وتوعَّدوا …
علي : ماذا سنفعل ؟
أسعد: سنقتلها في الصباح القادم !
فتحية، وقد دخل الفرح لقلبها: ولماذا إلى الصباح " الليل أبو سَاتر !!!
فوزي:" مثل ما بِدكُم."
ُبدّل علي رأيه ويُطالب بالتمهل، فالقتل جريمة، وماذا سيقولون للناس؟
تارة ثانية ينشب جدلاً أحمرَ بين الأربعة…
أسعد : البنت عملت واحد أثنين ثلاث…
فوزي : يوقع على بياض كعادته، ولا يستخدم عقله، فربما نسيه هذا الصباح في المنزل!
علي : نريد أن نتأكد.
فتحية : "لليش(لماذا) يا جماعة!"
علي : حرام.
أسعد : يطرده من الجلسة، ويصدُر قراراً بمعاقبته.
ينفض الاجتماع الثلاثي، بعد استبعاد علي، ويتوجه الفرحون كلٌ إلى شأنه.
يسرع أسعد إلى عمله فقد تأخر كثيراً، يأمر بإعداد زوًّادة ويطير، وقد أصدر قهقهً سمعها الجيران واستغربوا منها، وقالوا :" الله يستر من هاليوم.."
فوزي يعقد لقاء مع والدته ويعلمها بالنتائج، ويقرر بعد أوامر أسعد تجهيز نفسه، فهما اللذان سينفذان الحكم ويغسلان العار المزعوم.
وصل أسعد إلى الحقل واخذ يمازح الفلاحين، ويطالبهم بالسرعة لأنهم اليوم سيعودون للبيوت باكراً بخلاف ما اعتادوا عليه في العادة.
نقلَ فوزي فأساً لمكان قريب من مخزن الحبوب والحنطة، وأنهال عليها بالتراب، وأخذ يجهز نفسه للفجر مثلما خطط له أسعد، الذي سيتولى خِداعها وإحضارها لغربلة الحنطة، وما أن تهُم بذلك يتَّسلل فوزي لإحضار أداة الجريمة فيغرسها في رأسها ثم يدعى هو وأسعد وفتحية و" أنصار التحالف " أنها تعثرت في مدخل البيت وشاءت الأقدار أن تسقط على الأرض، وتستقر الفأس المعدة للعمل في رأسها.
عاد اسعد باكراً بخلاف العادة من حقله وأخذ يجهز نفسه للنوم، بعد تناول عشاء مع فوزي أعدته لهم فتحية، وضمت مائدة الطعام الشحوم واللحوم التي لا تعرف بالعادة طريقها إليهم إلا في المواسم والأعياد الرسمية المعترف بها وغير المُختلف بشأن توقيتها أو في فترات السماح بالخروج عن قاعدة البخل المبالغ فيها، راحا يتناولان الأطعمة وكأنهما يحتفلان بالمؤامرة ويتمنيان لو أن تُباح لهم الخمرة ليأخذان نخَب النصر. المفارقة أن فوزي قال لأسعد : الخمرة حَرام، وحَرام تمني شُربها !!
تسلل كل واحد لفراش بالٍ لا يصلح إلا أن يكون ملجأً غير شرعي لفئران الحقول المهجنة وناما بهدوء، وهما يتمنيان أن يرحل الليل بسرعة.
حلم الأول بأنه يغرقه في ماء أسود، فيما أسع لم يتذكر لضعف ذاكرته حلمه الأحمر، استيقظا في منتصف الليل تحدثا قليلاً بصوت مرتفع، ودونَ اتخاذ الاحتياطيات اللازمة، وعادا لنومهم، في الغرفة المجاورة نامت فتحية وهي تطلب من أمها حكاية مُضحكة، راحت الأم تقص عليها حادثة تدلل على غباء تاجر وأمانته كما ادعت. تقول القصة: إن التاجر موفق أراد السفر عبر البحار البعيدة لشراء بضائع، وقبل ليلة من رحيله قدم إليه جاره، وتمنى عليه أن يحضر له قُطيننا ( يقصد تيناً مجففاً )، ظن التاجر أنه يريد قِطَّيِن اثنين. فحينما عاد من سفره، وبينما كانت السفينة تقهر البحر وتشق طريقها فيه، اقتحمت فئران مخازن المركبة وراحت تعيث الفساد في الحنطة، فأطلق توفيق العنان للسنورين الأبيضين كي تقتطع أجساد الفئران، إلى أن أنقذت الموقف. تعاقبت الأحداث، وجاء قبطان المـَركب وأبتاع بعد إلحاح القطين، إذ أن وضعهما في كفة ميزان، وقابلهما في الكفة الأخرى ذهباً خالصاً … وما أن عاد التاجر توفيق الذي يطلقون عليه "الصادق"، إلا وأنطلق إلى جاره سالم ليخبره بما حدث وليمنحه الذهب …
عَلت ضحكات فتحية وخلدت بسرعة للنوم، وقبل الهزيع الأخير من الظلمة انتابتها موجة قلق غامر، فقررت الاستيقاظ طوال الليل، كي تنبه فوزي وأسعد لمزاولة جريمتهم، وخافت من أن يخدعهم النوم…
أخذ ديك الحي الأعرج يهدد صفاءه، وراحت خيوط الفجر تُلقي بالليل بعيداً، وصلت فتحية إلى ساحة المنزل، فإذا بالشريكين يستيقظان بسعادة غامرة، فاليوم سيزيلان عارهما ويفرحان بنهاية قصة يوم الثلاثاء المشكوك فيها.
استمعوا لبكاء علي، ففتحوا عليه الضحك، ونعتوه بالجبن والعجز، ولم يستطع سوى الرد عليهما بصمت، وعمد لغمر نفسه في فراشه، فهو لا يستطيع صنع شيء، بعد أن تُوفي والديهِ وهو في السادسة.…
بدأت المحاكمة الصُورية والجريمة، ادعى أسعد الانشغال، وتوجه فوزي خلسة إلى مخزن القمح، واختبأ بين الأكياس كما تفعل الفئران، وصلت " سحر " إلى إليه، أمهلها قليلا كي يتعرف على آخر كلماتها التي لن تصدح بعد اليوم في فناء المنزل، راحت تعمل بجد وتشدو بأغنية شعبية تشير لمعاني الأخوة، توقفت قليلاً عن العمل بعد وخزةِ شوك أجبرتها على قول "أَخّ"، لم يفهم فوزي كعادة من غبائه، وأنسل إلى حيث أخفى فأسه الحادة التي ابتاعها من زيارته الأخيرة للمدينة، عاجَلها بضربات لم يستطع جسدها الضعيف وقلبها الناعم صدها، فانتقلت لعالم آخر، ضحك فوزي وغادر المكان ومعه السعادة الغامرة.
وصل لمكان انعقاد مؤتمرهما الأول، شجرة التوت الضخمة، كان أسعد و فتحية قد سبقاه بالوصول، أخبرهم بفعلته السوداء، عادوا ليكملوا المؤامرة.
فجأة ظهر علي ومعه دليل براءة سحر، عرضه عليهم، لم يصدقوه واتفقوا أن يعلنوا نبأ جنونه على الملأ.
كلفوا فتحية بإغراء أطفال القرية ومنحهم القليل من الرشوة، كي يتولوا إلصاق صفة الجنون بعلي، وفعلوا ما أُمروا به.
لحقوا به وشَرعوا في قرع الطبولِ وراءه، أخذ الخبر المـُختلق ينتشر في القرية كالنار في الهشيم المهترء، صدّق الناس الرواية و راحوا يتداولونها.
قالت الأم بَسيطة: بِنقول علي فقد عقله وقتل سحر، ونخَرج منها مثل الشعّرة من العجين ….
فوزي ثانية أجبر على تَولي المسألة، لأنه الحلقة الأضعَف ولا يستطيع مخالفة ما يملى عليه، أخذ يصرخ بأعلى صوته: قتلها المجنون.. قتلها علي!!
خرج الناس عن بكرة أبيهم، راحوا يتفرجون على مشهد الجريمة وعاجلوا في دفن جثتها،لم يستطع على سوى الفرار لبلدة نائية ومعه دليل براءة نقلته له الجارة المـُقعدة التي سمعت كل التفاصيل، فسحر لم تفعل شيئا سوى أنها خرجت لفناء بيتها ذات ثلاثاءِ، وادّعت زوجة والدها أنها تبادل ابن الجيران الغزل، وهذا دليل على علاقة جنسية تربطهما معاً!!
لم يكن ابن الجيران إلا صافي طالب ثانوية عامة يُعد لامتحاناته قبل السفر إلى الخارج لدراسة الطب، وهو لا يفكر في شيء إلا بدراسته،والأهم من ذلك كله أنه يرتبطُ مع هذه الفتاة بأُخوَّة في الرضاعة كما أخبرتها أمها قبل وفاتها، وهي الحقيقة ذاتها التي تعرفها زوجة والدها الظالمة، لكنها شاءت إقفال عينها ولسانها، واستغلت مرض زوجها المستعصي لتنفيذ أحلامها… !!.
قالت الجارة المـُقعدة:"بُكرة بذوب الثلج وببين اللي تحته"، في إشارة إلى الجريمة التي بحاجة لأن تسقط ورقة التوت عن مرتكبيها..
دارت رحى الأيام كطاحونة قمح فرغ فمها من الحنطة، وباتت تحتاج للمزيد.
توفيت ربيحة بمرض لم يعرفوا له دواء، أما فتحية فتزوجت من طاعن في السن ولم تنجب سوى طفلين كفيفين، وأسعد خسر كل أمواله يوم احترق منزله وأتت النار على وجهه، بينما كان يهم بمحاولة إسكات ألسنة اللهب التي اشتعلت في مخزن الحنطة الذي كان مسرح جريمة قتل بدم شديد البرودة.
فيما فوزي الذي حافظ على عهد أمه ولم يتزوج أصابه الجـَرب، وراح الجميع يتهرب منه فقضى ما تبقى من عمره حبيس بيت عفن إلى أن جاءه القدر، وباءت محاولات الطبيب صافي الذي كان مبرراً غير صحيح لقتل سحر بالفشل، فالمرض تمدد ووجد في جسد فوزي مستعمرة شرعية لا يرغب صاحبها بالمقاومة ويريد التعايش معه إلى أن تحول لجثة هامدة بالكاد وجدت من ينبش لها قبراً ويواريها التراب..



































الحزن الثالث:
الديكتاتور
آتي إلى زيد وعمرو و"إكس" و"واي" لأعلمهم فن المكر…

أخذت السماء تتلبد بسحب سوداء توحي بأن شيئاً ما سيغزو ذلك الريف الهادئ، إلا من خطايا متفرقة هنا وهناك. في بيت طينيٍ يستلقي باسترخاء على ربوة صغيرة، متواضع في جدرانه وسقفه ومقتنياته. وتتشارك الأجساد في حياة "ثنائية "مع طيور وبهائم.
كان الظلم مُتَعَدد الجنسيات، وبمعايير مزدوجة لعائلة أبو سليم الممتدة، رضوة امرأة تتقلد كل الصلاحيات :تأُمر وتنهى وتُحذر وتَتوعد وتُخطط وتهدد، وزوجٌ ضعيفٌ في شخصيته لا يستطيع الكلام في وجها، لأنها أولاً بنت فلان ووحيدة بين جيش من أخوة، ونقلت إليها والدتها كل ما تيسَّر من فنون الشيطنة والشعوذة المباحة وغير المشروعة على السواء.
لم تتعلم رضوة مثلما لم تسمع يوما بكلية أو جامعة، ولكنها أدركت كل تفاصيل فن التلذُذِ بعَذَابات الآخرين، فلم تُوفر أحداً في ظلمها ألا من كان سعيدُ الحظ،وهنَّ علياء وسعدة اللتان أنجبتهما إضافة لسبعة أخوة وست بنات، لم يعرفن الحياة غير أيام معدودات، إذ اختطفهُن المرض الذي وجد الجهل والتأخر، فراح يَصول ويجول ويتفننُ في " تَقنين " عدد الأحياء، تماماً مثل المصير الذي لقيه ثلاثة من الأشقاء.
بقي في قبضتها إلى جانب علياء وسعدة ثلاثة أشقاء سليم و سعيد وعلي، أما الأربعة الآخرون فآثروا تحزيمَ حقائبهم والفرار من النكبة السوداء التي هبطت عليهم، ولم تمهلهم حتى في التفكير بشيء، توزعوا إلى الضفة الأخرى للنهر كهيثم وكمال، فيما اختار عبد الله العيش والعمل في الشام، أما إبراهيم فرحل إلى ألمانيا، وراح أربعتهم ينسون قليل حنان أمهم غير المأسوف عليه.
أخذت رضوة تنهال بالنصائح على أولادها، إياكم من كذا وكذا، ولن تذهبوا للمدرسة فكلامها لا يُطعمُ خبزاً ولا عسلاً، وسنشتري أرضاً، وسنزرع الحنطة والسمسم والبرسيم، وسنعمل في تعمير خَلة جوهر طوال الشتاء والربيع، وسنحصد الشعير باكراً حتى نبيع المحصول قبل غيرنا، وسنشتري أرض أبي حسن ونوسع أرضنا، وسنأكلُ كذا وكذا،وسنشرب حليب البقرة المريضة، وكأن سابقة ما ستسقط على مسامع الأبناء الذين لم يفرحوا منذ فترة بارتشاف الحليب إلا خلسة….
كبر الأبناء وأخذت تمَنحهم جرعات من الحقد والتمييز والمُفَاضَلة، فسليم الكبير في كل شيء، وعلي خادم الجميع وسعيد لا يصلح لشيء، راحت تحُابي إيجابياً لسعدة وعلياء وتسرب إليهن كل ما يمكن من مال وبيض وحِنطَة، حتى عندما كانوا يتحلقون على طعام ما، يذهب النصيب الأكبر لصالحهن، أما الأبناء فلا بأس في أن يجوعوا لأنهم رجال " بوخذواْ لُقمتهم من ثم السَّبع " القول الذي كان لا يفارق لسانها لا ليل ولا نهار.
أخذت الأيام تُسرع وراح الشيب يعبث برؤوس الثلاثة الذين تَوالوا بسرعة، فسليم أكبر من علي بأحد عشر شهراً فقط. كانوا يعملون ليل نهار، امتلأت جيوبهم واتسعت أراضيهم لكن المحبة لم تعرف طريقها إلى قلوبهم، كل واحد من هؤلاء راح يَسَّودُ قلبه على أخيه وأخواته بمباركة رضوة التي أزداد تدخلها يوماً بعد يوم في تفاصيل الأبناء.
ذات نهار صيفي وبعد تحقيق أرباح طائلة، قررت أم سليم التي لم يسمع أحدُ في يوم من الأيام عن المدعو زوجها الذي كان رجل ظل على ما يبدو،إحداث تغيرات في نظام العائلة، على غرار " جلاسنيس " أو " بروستريكا " الرئيس الأخير للاتحاد السوفياتي ميخائيل غورباتشوف، الذي جاء بعدها ببضعة عقود. جمعتهم في علّيَتها الباردة ذات الباب الضيق والمخابئ السّرية والتفاصيل الصغيرة الأخرى، قالت لهم: سَنُزَوّج سليم من ابنة الحاج ربحي، فهي تستطيع مساعدتنا في عملنا ويقولون إنها تساوي " عشرة رجال "، لم تَستشر سليم رغم محاباتها له، وقالت في مؤتمر صحافي غابت عنه وسائل الإخبار: من الغد سأزور بيت والدها وسنأخذها بعد يومين،عليك اليوم الذهاب للعمل. أنفضَ الاجتماع ولم يَعقب أحد في العلن، غير أن علياً وسعيداً راحا يعقدان في أعماقهما مؤتمرا سرياً موازياً على الأقل للتنفيس عن غضبهما البركاني.
قال علي لنفسه: إلى متى سنظل على هذا الحال؟
ردت عليه: عليك بالصبر والتقرب إلى والدتك كثيرا علها تخصصك بشيء.
أتفق ونفسه على التحول إلى مخُادِع يستغل كل فرصة مهما صغرت أو كبرت، للحصول على رضا أمه، فتزوجه هو الآخر.
فالمكان متوفر وبالإمكان اقتسام العَقد الكبير الخاص بالعائلة مثلما يشيع ويُعمل به، بينه وبين سليم.
فكر سعيد من جانبه بالفرار والهرب إلى بلد آخر واللحاق بأخوته، فالجميع هنا يكرَهون الأرض التي يسير عليها، ويتمنون له الموت بسرعة في كل يوم.
أسرَّ في نفسه انتهاز فرصة قريبة تسبق زواج سليم، وسرقة بعض المال من علّيَة أمه، والهروب "في ليله ما فيها ضوْ قمر".
أخذ يتربص بأمه ويراقب كل تحركاتها، إلى أن توصل إلى خزنة " بنكها المركزي "، قال لنفسه: إنها هناك تحت برميل الزيت في ركن العليَة الشمالي، سأغزوها في القريب…
تجهز سليم للزواج، وعلي للتآمر، وسعيد للسرقة والهرب، وسعدة وعلياء اهتمتا بآلية حكم زوجة أخيهم الجديدة رسمية. قالت الأولى للثانية: سنجعلها تتمنى الموت إذا حاولت رفع رأسها، ردت عليها علياء : سنحولها لخادمة لنا وسنرتاح من كل شيء.
انتظروا جميعاً استغلال الفرصة السانحة،تمهيدا لتحقيق أحلام قديمة، وأبو سليم كعادته لم يفكر حتى بمجرد الحُلم فقلبه بارد ولا يسعى للحرية، فهو وضع عقله في جرة ماء، ثم كسرها، ولم يعد يفكر إلا في قضايا صغيرة.
يوم الجمعة جرت مراسمُ الزفاف،لم يكن سليم يَعرف رسمية، فهي منشغلة بأعمال المنزل، ووالدها قال منذ أن جاءت إلى الدنيا لن تدخل بيت أحد غريب إلا يوم زواجها !
أمرت رضوة بذبح أربع دجاجات أصبحت عاجزة عن البيض، وديكين عفا عليهما الزمن مع القليل من المفتول بحمص نخره السوس ولم يعد صالحاً للزراعة، تناول بعض الرجال وليمة تحدث عنها الجيران واشتموا رائحتها من دون أن يحالفهم الحظ في تذوقها، أطلقت رضوة زَغرودة لولدها لم ترق لسعدة وعلياء.
دخل سليم وزوجته لعَقد العائلة، وأنتقل علي وسعيد لبيت قديم كان مخزناً للحنطة. بعد يومين بدأت الأوامر تنهال من رضوة وقرر سعيد الإعداد في مشروعه.
قدمت سعدة وعلياء لرسمية بدعوى المباركة، راحت الاثنتان تقولان: أعمالنا كثيرة، وعليك مساعدتنا في زراعة السمسم وقلعه وتجهيز زريبة البقر وإطعام الدجاج وتحضير وجبات الطعام وتنظيف الأواني والبيت وغسل الملابس….. لم تشأ رسمية إغضابهما فردت عليهما بصمت واستحياء.
قبل أن يصيح ديك الحاجة رضوة، راح سعيد ينفذ مخططه، وضع يده على مائتي ليرة، وفرّ على حمار العائلة القبرصي إلى شرق النهر.
في الصباح خرجت أم سليم بسرعة إلى عملها حيث تشرف على حلب الأبقار و إطعام الدجاج وبيع البيض واللبن واستلام النقود، انشغلت ولم تعد إلا بعد أن أخذ الظلام يطوق القرية، أسرعت إلى نومها ولم تُعر خزنتها الانتباه فاليوم لم تجمع نقوداً ولا داعي لعمل كهذا.
استيقظت في صباح اليوم التالي كالطائرِ المجنون الذي يبحث عن عشه، وضعت يدها على برميل الزيت فوجدته منحرفاً عن مكانة الذي باتت تحفظه وهي مغمضة العينين، تسللت بسرعة عمياء إلى خزنتها، تفاجأت بمصيبة كبيرة، أخذت تصرخ بأعلى صوتها:"سرقوني.. سرقوني أولاد الحَرام …"
على عجل، دفعت باب بيت سليم، صاحت بأعلى صوتها: قوُم يا هَامل، يا "أبو النسوان "، سَرَقونا وأنت "مخَمِج"( غارق في النوم). ذهل سليم ولم يعرف بماذا يجيب، فهو أيضا في وضعٍ لا يحُسد عليه وكان بحاجة لتجهيز نفسه من تبعات حادثة زواجه.
نهض كالمجنون : وينهم.. يا ويلهم.
انتقلت لعلي، كررت الأسطوانة نفسها، وصَعَّدت قليلاً، بسرعة سألته عن سعيد، مدت يدها لفراشة فوجدته بارداً، استرقت النظر إلى الحمار، كان هو الأخر في غير مربطه، تيقنت أنه هو الذي فعلها.
في العِلِيَة، قليلاً بعد وقت الضحى اجتمعت أركان العائلة، أبو سليم صامتاً كعادته ولا ينطق شيئاً ويكتفي فقط بهز رأسه. سليم مذعور، ويفكر في ما حدث ليلة أمس. و علي مذعور لأن التآمر أصبح لا معنى له، وأفسده سعيد. الأختان وجدتا الفرصة مؤاتية لممارسة المزيد من التسلط على رسمية.
قالت الأم : أسمعوا يا أولاد، من اليوم ورايح لن أسمح بعودة سعيد إلى البيت، وإذا مات لن أحضر جنازته، وإياكم أن تسمحوا له بالمشاركة في جنازتي. كررت ذلك مرات ومرات.
تابعت مؤتمرها :" سعيد خان العيش والملح، روحوا على شغلكم وأعملوا حسابكم أن المصروف ممنوع للموسم القادم"، لم يبقِ سعيد الفار في الخزنة إلا قروشاً تُعد على أصابع اليد الواحدة.
خرج سليم وسعيد كل إلى شأنه، أما سعدة وعلياء فبدأتا "بالنقِ"(حديث يعج بالنقد) على رسمية، مدعيتان أنها سبب البلاء.
قالت سعدة لأمها: من يوم ما دخلت بيتنا دخل معها الشيطان.
أعادت علياء ما تفوهت به أختها وأسرفت في ذلك.
قالت : شو رأيكم نعاقبها ؟
أيدتها رضوة بسرعة، وأسرعت إلى سليم ثانية: وجدت شعره مبتلاً وقالت له : الحقني يا ولد إلى العِلِّيَة.
أسرع والفزعُ يرافق خطواته التي راحت تدوي فوق درج ضيق أخذ روث الحمام والدجاج يتنافس على احتلاله إلى أن وصل مقر " الحاكمية العسكرية" تقريباً.
دخلَ ولم تسمح له بالجلوس : قالت أحمل أغراضك وأذهب للبيت القديم، لا نريدك هنا، فمن يوم ما دخلت رسمية بيتنا خِرب.
ذُعرَ سليم وأحمر وجهه،راح يتلعثم، ولم تسمح له بالكلام.
عاد لرسمية، وكأن عيناه تريدان الانفجار بالبكاء، عرفت بأن شيئا كبيراً قد حدث، وراحت تخفف من روعه.
هدأً الشرر من قلبه وعينيه وسرب إليها النبأ القاتل.
قالت له :سنرحل، المهم أن نظل معاً.
بدأ بجمعُ ملابسهما القليلة، وبعض الأشياء التي سمُح لهما بتملكها، وصلا للبيت الرث الذي كان علي وسعيد يتقاسمانه، جدران مكدسة بالشقوق، رائحة رطوبة، أصوات حماماتٍ يختلط هديلُها المنبعث في أعشاشها وقوارض تبحث عن مستقرٍ.
راحا يُعدان البيت للسكن.
في الليلة الأولى لم يذوقا طعماً النوم، غير أنهما أدمَنا على الفوضى والعبث، وراحا يتأقلمان بسرعة.
انقضي الصيفُ بسرعة ودخل الشتاء، وما أن قَدِمَ الربيع إلا وكُبر الجنين في أحشاء رسمية التي كابدت الأمرين، فهي التي ظلت تعمل طوال النهار كخادمة، وفي الليل تسكن بيتاً خرباً، اشتدت الأوجاع على رسمية واقتربت ساعة الوضع، ملأت المكان صرخات طفل أطلق الأب عليه اسم صابر، عله يصبر على ما ابتلي به،لم تجرِ مراسم احتفالية ولا عقيقة ولا حلوى فسعيد أفسدَ كل شيء.
لم تُسرّ الأم والأختان بالقادم الجديد، ورحن يزدن من إجراءات العداء لرسمية والرضيع صابر، قبل أن يكمل الطفل شهره الثاني وبعد أن أخذ الحر يتسلل إلى الأجواء، نجا صابر بأعجوبة من أفعى مرقطة كانت تسكن فوق رأسه، ومنذ تلك اللحظة لم تعرف الأم طعما ولا لونا لنومها المسود. قررت إقناع سليم بالرحيل لمسكن آخر، اقتنع سريعاً لكن والدته قالت: في ناس بناموا مع الغنم والبقر!
لم يقتنع بجواب الأم، وركب رأسه، وبحث عن بيت آخر لا أفاعي فيه على الأقل،لم يعثر على بيت فالقرية صغيرة والبيوت أسوأ من بعضها، "والناس والبهائم سواء "، رضيا بقدرهما، وأعد طيناً وتبناً للجم الشقوق، لم تفلح كثيراً وعاد الخوف لليلهم المظلم بوتيرة أقل.…
أطل تموز برأسه وراحت قوارض الأرض تنتشر بحرية، كُبر صابر قليلاً، وبينما كان يلهو في ركن البيت الحقير، تسلل عقربٌ أسمر إليه ولدَغه في وجهه، لم يستطع صابر الصمود، وأخذت السموم تنتشر في جسده كالنار في الهشيم.
ارتفع منسوبُ العداء في قلب سليم من أسرته الممتدة، وقرر هو الآخر الانفصال عن أسرته، لم تمانعه الأم التي نقلت كل كرمها لزوجي ابنتيها محمد ورافع، وراحا يتبغددان في أموال العائلة قريباً من سلوك سعيد الذي أسس متجراً وسط العاصمة عمّان، وراح يبيع السمن والزيت ويربح الكثير من المال، تزوج ووسع تجارته إلى أن تعرف على تاجر داهية التف عليه وقرر سرقة كل ما جمعه في سنوات، أخبره بأنه سيشاركه في صفقة كبيرة من الزيت،لم يكذب سعيد خبراً، فهو غرّ في حياته، و"تسرق القطة طعامه"كما كانت والدته تسمعه في طفولته البائسة.
هاجرَ لبلدة أخرى لا أم فيها كرضوة ولا شقيقات كسعدة وعلياء، رزق بابنة أطلق عليها رئيفة، ونجح في حقله فخبرته الطويلة سهلت عليه المهمة، وصار مضرباً للمثل.
انقلبت الأحوال، وتزوج علي وأصبح المسيطر على العائلة، توفيت رضوه وزوجها بفارق أربعين يوماً من دون أن يشارك أولادها المهَّجرون والفارون والمطرودن في وداعهما، كانت لحظة نزاعها مع الموت قاسية لدرجة أنها لم تتلفظ سوى باسمي سعدة وعلياء وتناست أولادها السبعة، نصحتها نسوة الحي بمسامحة سعيد على فعلته، غير أن الرفض كان سيد الموقف. سنحت الظروف لعلي بالسيطرة على ميراث العائلة كله، فهي اللحظة التي يتمناها منذ سنين.
تسلل النبأ إلى سعيد الذي سرق نفسه ذات يوم وجاء اليوم الذي يكون في ضحية للسرقة من حمدان التاجر، هرع مذعوراً من حيث كان، ووصل قريته في يوم ماطر، طرق باب بيت العائلة القديم، وجد علي يجلس في العِلِّيَة مكان والدته.
اقترب منه بمشاعر يابسة، لم يتخللها السلام والتحية، نشب حوارٌ ساخنٌ،كالديوك التي تستعد للمشاجرة، أستلَ سعيد سكيناً كانت في جانب العلية وزرعها في صدر علي، وهو يصرخ عليه : لن أسمح لك بالاستيلاء على كل شيء …سأقتلك !!
مات علي وفر سعيد ثانية، وتجمع الجيران على الصراخ، وراحت الأختان تستأثران بأملاك العائلة، إلى اللحظة التي ظهر فيها من جديد سليم الذي سيطر بقوة على كل شيء، وشرع بالاقتصاص على طريقته من سعدة وعلياء، جرّد زوج الأولى من مسكن والدتها، واستولى على حقل السمسم الذي كان زوج علياء ينتظر حصاده بفارغ الصبر.
توسلت إليه زوجته بأن لا يكرر الظلم الذي وقع عليه مع أختيه، لكن مقدار الحقد المزروع في قلبه استعصى على الاقتلاع السريع، وآثر الانتقام فموت صغيره صابر علمه القسوة وحوله لإنسان مختلف..




























ألم متناقض:
فرح رضيع

ترقص الدموع على أوتار مقطعة، وإن كان العازف أكتع…

شاء القدر أن يكون عادل الابن الأكبر لأسرة متعددة الأفراد. راح في كل يوم يحظى بالمزيد من الدلال والمحاباة، في كل شيء كانت الأفضلية له، يُستثنى من العمل ومن الاستيقاظ باكراً، لم يعرف رغم كبر سنه المشقة، وظلت يداه ناعمتين، لدرجة أن الحرير يغار منهما، كما دأبت جدته على وصف حالة التنعم المبالغ فيها.
كل شيء كبير أيضا كان من نصيبه، الخبز واللحم الموسمي والجبن والشاي، عدا عن بعض الامتيازات وكأنه يمتلك بطاقة ( في، أي، بي ) من الدرجة الأولى.
أستأثر بمكان نوم دافئ، كان أنانياً أو أجبر أن يكون كذلك، فالأم والأب والجدة ينادونه المدلل، رغم أن صوت أخشن وأرتفع منسوب الرجولة في نفسه الطفولية
تعلم أن يكون متطفلاً، مغناجاً، كثير الشكوى. وقررت العائلة أخيرا إرساله إلى المدرسة، واتفقت الوالدة والأب والجدة على أن يكون الوحيد من بين اخوته الذي يمسك بقلم وكراس ويتعاطى مع كتّاب الحي، جاء بسرعة ربيعه السادس، فرحت العائلة بذهابه في اليوم الأول للكتاب، أمسكوا بيده وأوصلوا إلى هناك، راح الصبية يسخرون منه، ويكررون الإغارة على أشيائه، لم يستطع الدفاع عن نفسه، فهو الذي تعلم أن يكون مرهوب الجانب بين أخوته الصغار والكبير في نظر عائلته. ولأنه سريع الالتقاط تعلم العدوانية، وبعد أقل من شهر صار متمرداُ، لم يصمد في الكتّاب، قرر أخيراً الشيخ صالح، طرده لأنه أصبح عقبة ومصدراً للفوضى ولم يكتب يوماً أي واجب.
قررت العائلة الكف عن إرساله للمدرسة. وقالت: لا فائدة منها بالنسبة لنا ولا نحتاجها، سنعلمه كيف يحافظ على أرضه الشاسعة.
تنامى جسده، وبقيت حواسه طفولية، نظراته لا تعرف حدوداً، لسانه لا يخرج إلا كلاماً بائساً، يده تمتد لأمكنة يجب أن لا تصل إليها، أرجله تقوده إلى الفوضى والهلاك، ينساق وراء طفولته التي يبدو أنها لا تعترف بنهاية، يكثر من الكلام الفارغ، لا يتقن أي عمل مهما صغر، اتكالي، طُفولي إلى مُتطفل.
ما أن شاهده والداه بهذه التفاصيل إلا وأعلنا إستنفاراً من نوع خاص، حاولا نقل معارف الفلاحة بالأرض إلى عقله المنغلق، لم يستوعب أي شيء، سرعان ما كان يعلن "العصيان المدني".
أخيرا آثرا ترك المجال أمامه مفتوحاً، وراح يهتم فقط بقتل الوقت و يضيعه على صغائر الأمور ويبتدع طرائق جديدة لهذه الغاية. أخذت الأيام تسرع في القدوم والرحيل، كبر عادل وأصبح شاباً مائعاً.
قالت أم عادل لزوجها صالح: ما رأيك بأن نزوجه فربما يعود إليه عقله؟
لم يتردد أبو عادل في قول: نعم رأي جيد، وبدءا يعلنان في نفسيهما قرارا بتزويجه من عزّية، ابنة أبو خالد السميح البكر، التي أصبحت عروساً بعمر الوردة، هكذا قالت أم عاد ل واستأنفت: ولدت عزية قبل اثنتي عشرة سنة، "وفي ألف مين يتمناها."
شكل أبو عادل جاهه لخطبة عزية لولده، لم يتردد أبو خالد من الدق على صدره: "أجتك عطية ما من وراها جزية !! والبنت يا عمي بنتكم ….."
سر أبو عادل بكرم مضيفة الحاتمي، عادت الجاهة بسرعة وفتش أبو عادل عن ولي عهده الصغير، ابن الرابعة عشرة، وراح يغمره بالأنباء السارة.
في رواق البيت القديم، اختلط صوت أبي عادل وهو ينادي على ولده، بهديل أسراب الحمام التي تبني لنفسها " عشاً "مفروشاً" في أعلى الطاقة أو النافذة المتواضعة التي يغيب عنها أي شيء لحمايتها من الشمس والمطر والرياح.
قدم إليه بسرعة فوجده متمدد في فراشه ويغط في نوم عميق، لم يستغرب الأب من نوم الظهيرة هذا، فهو الذي تسبب له بكل مأساته، هبط إليه وراح يعمل على إيقاظه من سباته الدائم : "عادل عادل … قوم يابا، شوفنالك عروس، بدنا نفرح بيك ……."
استيقظ عادل كالمجنون، وراح يقبل يد والده كما لُقن ذلك ولم يفهم معناه، وهو يسأل صحيح صحيح هالحكي … مش مصدق.....
رد الأب : نعم والعروس عزيه بنت جارنا أبو خالد، وراح يغمره بالتفاصيل والجاهة وكرم أبي خالد وتفاصيل الفرح.
هوّن أبو عادل كل المسائل، وذلل كل الصعاب، قال والفرح يسيطر عليه: ستسكن يابا هنا في الرِواق، وأخوتك وأنا وأمك سنعيش في البيت التحتاني، المهم نفرح بيك ….
لم يكن خالد الطفل في كل تصنيفات الدنيا، يتفهم معنى الزواج، فلم يتعلم ولم تكن شخصيته تحمل أي معاني القوة، فهو مهزوم من الداخل، والدلال دمر كيانه، ولم ينعم بثقافة أسرية أو جنسية.
كل شيء أمامه كان مغلقا، لم يكن يعرف شيئاً سوى اللهو الضحك والنوم والأكل، رفاقه بدورهم وما أن سمعوا بالخبر لم يفهموا معناه بالضبط، حاولوا سؤاله عن الذي يريد فعله، قال لهم سأصبح عريساً، وسيغني الناس لي ويركبونني على ظهر حصان ويزفونني، وسألبس هنداماً جديداً … هذا كل الذي فهمه من الزواج.
أعدوا الفرح وطعامه وشرابه ومادياته، ولم يفهموا العروسين معنى أنهما سيتحولان للعيش معاً.
لم يكن يوم الجمعة، اليوم الذي زفّ فيه عادل وعزية عادياً، فالجميع أفرغوا أنفسهم من العمل في الحقول، وتوجهوا للحفل، اهتموا بالأكل والشرب.
كانت رفيقات عزية أيضا لا يعرفن معنى العرس بالضبط، رحن يقلن لها: ستصبحين في عائلة لديها أبقار وستشربين الحليب كثيراً !!
انقضى العرس للطفلين بسرعة، وطغت أصوات الزغاريد على مجرياته، تفرق الحضور، وصعد العروسان إلى رواقهما، خلدا من التعب والإعياء للنوم، ولم يستيقظا إلا بعد ولادة النهار، فكرا بسرعة باللعب معاً، أحضرا مجموعة حجارة مكعبة تيسر الحصول عليها، وراحا يلعبان " القال " يقلبان كفوف الأيدي، والحجارة فوقها، ثم يتحولان لوضعها في باطن اليد …
قدِمت الأم في الصباحية ومعها طبق الفطور الشهي، أطايب الطعام من لحم وكبد وحليب طازج ممتلئ برائحة النار والحطب وجبن مقلي وبيض مسلوق وعسل، وخبز طابون وأشياء أخرى، طرقت الأم الباب على العروسين وأسرعت بالدخول دون منحهما فرصة الاستجابة، ذهلت أم عادل وهي ترى أبنها يلعب وعروسه هذا اللون من الألعاب!…
لم تتمالك نفسها، وقالت لهما بلهجتها الغاضبة : " شو بتعملوا … ؟؟" لزما الصمت ولم يكن يعلمان شيء عن الإجابة على سؤال كهذا.
كان الهدف من هذه الزيارة الخاطفة التعرف إلى رجولته طفلها، والتيقن من أن كنتها عذراء. لم تشاهد بقع الدم على القماش الأبيض الذي تسللت أمس ووضعته على فراش العروسين، فأصفرّ وجهها.
هرعت الأم كالفار من العدالة، وراحت تنقل الحكاية لزوجها الذي خفف من روعها، وقال لها : بكرة بتعلموا الدقة والرقصة…
أصبح اليوم لدى أم عادل طفلة جديدة، وعليها تربيتها على يديها، راحت تعلمها كيفية الحديث مع زوجها ومع الناس، وكيف تصنع الطعام وتصنع الخبز في الطابون وتحول الحليب إلى لبن، فعزيه كعادل مدللة، ولها ثلاث شقيقات…
مرت الأيام وكبر الطفلان وتعلما قليلا التخلي عن مواصفات الطفولة التي زرعها أهلهما في نفسيهما، ولم تتكلل جهودهم بالنجاح. بعد ثلاث سنوات ونصف رزقا بطفل،كان إذا بكى يشاركانه البكاء، وإذا ضحك يظنان أنه يريد رؤية جدته أم عادل !!
أعادا الكره سريعاً، وعندما حانت ساعة الوضع الثانية، حضرت قابلة القرية، وكانت الولادة متعسرة، جاءت الطفلة نعمة إلى الدنيا، ولم تتحمل أمها عزيه، أوجاع المخاض فعاجلها القدر، وقررت العائلة دفنها في فناء المنزل لتظل قريبة من أبنائها، وراح صغارها يبحثون عن أم، وعادل عن عروس تملأ الفراغ وكأنها كسلعة من طحين برزت الحاجة إليها لحظة افتقادها …








وجع خماسي:
مستنقع وأنهار

ترفض الأنهار الزواج العرفي، وتنحاز لعفة سرمدية…

ربحي صاحب الوجه الدائري والقامة القصيرة، لم يكن إنسانا عادياً، إذ أنتسب لعائلة عَريقة ويُعد وحيد عائلته من الذكور بين بحر من النساء. مثلما اعتادت والدته على التعريف به.
تَعلم أو عُلّمَ التعطش إلى امتلاك كل ما يقع عليه نظره، لم يكن في يوم من الأيام يقبل بالتنازل عن أي شيء ولو كان لا يلزمه لصالح شقيقاته السبع.
في كل يوم أخذ يسّتأَسدُ في أسرته، وساعده والِداه على إشباع سلطته.
ذات شتاءٍ قدم خال العائلة مرزوق العلي من قرية مجاورة لزيارتهم الموسمية، فصيفه مُتنازع عليه ولا يمكن أن يَقتطع أي جزء منه لتنفيذ نشاطات اجتماعية، قد لا تحقق العائد المادي الذي يهطل عليه في كل لحظة تشتد فيها حرارة شهر آب.
تَسامَرت العائلة والأطفال مع خالهم وفرِحوا بقدومه، لكن السعادة سرعان ما تآكلت كرماد الفحم المتطاير، لأن الكيسَ الذي كان على ظهره ليس سوى سرجاً لحصان مختار القرية أوصاهُ عليه الشتاء الماضي.
تواصل سهرهم إلى أن نفذ زيت القنديل، وما أن هبَطَ موعد النوم والنعاس، إلا وشعرت الأم بنقص في الأغطية، كانت فرائس الخال ترتعد وتتقاطع مع أصوات الرعد المنبعثة من سماء مظلمة، حلت الأم القضية بمنح شقيقها غطاء خاصاً من أغطية بناتها اللواتي يتكدسن بجانب بعضهن بعضا.
قالت رابعة :يـمّا خُذي من أغطية ربحي، معه اثنين …
ردت الأم بقسوة وصوت منخفض حرصاً على السّرِية أمام ضيفها : "سَكري ثمُك، عيب أخوك بتحملش(لا يقوى على) البرد !!"
تابعت رابعة بجرأة إضافية :" يعني إحنا حَديد.."
بلمح البصر أقفلت الأم فم ابنتها، وقالت لها: "انخَبلي يا بنت …"
تساقطت أوراق الأيام وكبُر الصغار وتقلص الكبار ورحل كلٌ إلى شأنه، الأم والأب إلى استراحة الموت أو عذابه، البنات زُوِجّنَ إلا رابعة وسميحة، فالقطار فاتهن، وتمنع والدهن في تزويجهن بأي شكل، وأصبح ربحي قائد " ميلشات مختلطة"، شاءت الأقدار أيضا أن تنقلب أمور بعض أزواج شقيقاته الخمسة، وتتحول من ثراء لفقر.
قَدِمت كريمة إلى ربحي، تعرضُ له سوء الحال طمعاً في أن يتحرك دمه لمساعدَتها بعد فقر زوجها ووفاة اثنين من أبنائها بسرطان الدم.
دخلت عليه المنزل ذاته الذي كان للأسرة يوماً، وجدته يتناول طعام الغذاء، استقبلها بفتور عالٍ، ولم يُكرر دعوته للمشاركة في الغداء غير مرة يتيمة.
ردت هي الأخرى : "أكلت بدارنا يا أخوي( أخي).."
انتظرته إلى أن يفرغ من طعامه، لتحدثه في حاجتها، وتبث لها شكواها علّه يعينها على مصائب الدنيا، ولا أحد بعد الله لها إلا هو.
رجوته للمساعدة ووصفت له سوء الحال، ركبَ إذناً من طين وأخرى من عجين، قصّر الحديث معها حاسماً رأيه بعدم المساعدة، مدعيا أن ضيوفاً سيأتون بعد قليل لطلب يده ابنته.
أجابها بعدما استأنفت رجاءها :ليس لك عندي شيء، وأبوك وأمك ماتوا منذ زمن …
كررت الطلب ثانية، ولم يكن منه إلا أن طردها وقال: لا أريد أن أشاهدك ثانية في منزلي !!
حاولت رابعة وسميحة التدخل لكن عبثاً، فهن مغلوبتان على أمرهما، وبالكاد يساهم ربحي في إرسال الطعام لهن، بعد أن وضعهن للعيش في مكان زَريبة البهائم.
قررت كريمة إخبار شقيقاتها المتزوجات بما حل بها، لم يكن بوسعهن أيضا فعل شيء بوجه غطرسة ربحي، فهو يَتمتع بكل الصلاحية لأن والدهن تنازل عن كل ممتلكاته له، ولم يعط أو يأمر بمنح البنات " سحتوتاً واحداً "..
عادت كريمة مكسورة الجناحين لأولادها، ولم تستطع توفير بعض المال اللازم لنشأت المتفوق والذي يرغب بالسفر إلى عمان لدراسة الطب، قررت في نهاية المطاف بيع أعز ما تملك من بقايا مصاغها الذي يذكرها بزوجها أمين.
أقبلت على صندوق الحِلي المزركش، كمن يلقى نظرة وداع أخيرة إلى أغلى الأحبة، وراحت تضعه في جيدها للمرة الأخيرة، تنازلت عن كل شيء وتوجهت إلى نشأت، وأوصت بأن يعمل المستحيل لرفع رأسها وحذرته من الانحراف، فهو أمل العائلة وينتظره الأشقاء الصغار.
تَهاطَل دمع الأم واختلطت به شظايا بكاء ولدها، أقبل عليها وألقى بجسده بين ذراعيها وراح يصعد من بكائه، ويطلب من أمه أن تعيد حليها لمكانه، وتنسى سفره ودراسته، لكن قلبها رفض ذلك وأمرته بالمتابعة.
راح نشأت يعارك الحياة، ويعيش بين الكتب.عمل في مطعم الجامعة، كان لا يعرف النوم إلا قليلاً، لم ينعم بشيء، ورغم ذلك حافظ على تفوقه، لأنه أراد أن يصنع فرحة في قلب أمه.
شاءت الأقدار أن يلتقي بابن خاله سمير القادم إلى الجامعة نفسها، كان سمير يتنعم بكل ما يريد، ولم يبال بدراسته، وراح يبعثر الأموال في كل الجهات ويسخر من نشأت الذي تنصل أمام معارفه من أن تكون هناك صلة قربى بينهما.
بعد حفنة من السنوات توفي والد زوجة ربحي الثري ولم يتوان عن إرسال زوجته للمطالبة بحقوقها في تركة أبيها.
قال لها : " للذكر مثل حظ الأنثيين"، وافقت على تصوره، وقبل أن يتغير لون التراب الذي دفن فيه، نالت حقوقها بنزاع مع أشقائها، ووافقت على أن ينقل زوجها كل ما يملكون للأولاد الثلاثة المـُدللين، أما البنات الأربع فلا شيء لهن، ولا يحتجن للمال ومستقبلهن في بيت أزواجهن، وفق اسطوانة الأب ربحي دائمة الدوران.


































الوجع السادس:
الصبي

في الليل، تكثر همسات الصبية ويتشوقون في ضوء النهار لارتشاف مذاق القهوة الصماء، ويرجعون ثانية للظلمة….

كان سعيد رجلا غريب الطباع، في كل يوم يشرع بتقليعة جديدة، لم يعرف أحد من سكان قريته أنه ثبت على رأي فكلام الليل عنده يمحوه النهار، ووعود النهار سرعان ما تتبخر، كون ثروة هائلة من عمل قذر في المهجر، راح ينمي حسابه المصرفي الخاص،ويكبر بطنه، شعره يحتاج لميكروسكوب كي يرصد كثافته المعدومة، قامته مربوعة، لا يخرج من بيته إلا وقد أقفل معدته بشتى الأطعمة، لدرجة أن أهالي قريته راحوا يطلقون عليه ألقابا كثيرة لشغفه بالأطعمة.
لم يقف شغفه عند هذا الحد، بل تجاوزه كثيرا، كان يقول: أن الحاج متولي رقم 2،في إشارة إلى دراما تلفزيونية صورت رجلاً مزّواجاً يحمل الاسم ذاته….
في قهوة متواضعة، وتحت شجرة سنديان نادرة، راح سعيد يتفاخر بنفسه بين حشد من الطفوليين المتطفلين،كان جريئا لحد الوقاحة، أخذ يقص عليهم مغامراته وحكاياه الحمراء، بتفاصيل مملة.
مر الصباح سريعا دون أن يستأذن بالانصراف من أحد، وأستمر سعيد باستعراض مغامراته أمام فوج جديد، كل من يأتي للقهوة أصبح يحاول ابتزاز سعيد الذي يأمر صبي القهوة في كل مرة بطلبية جديدة، وفي نهاية اليوم، يكون صاحب القهوة قد نال مالاً كثيراً من وراء زبونه المريّش.
فرغت القهوة من روادها، وبقي سعيد يمتطي كرسياً خشبية أنقرض جيلها، أقترب منه النادل الشاب، بعفوية وخجل:" عمي سعيد( تردد قليلاً) ليش دايمن بتحكي عن النسوان؟"
لم يكن سعيد يتوقع طرازا كهذا من صبي القهوة اليتيم، رد عليه: يا بني بعدك صغير، بكرة بتفهم …
ألح عليه ثانية وثالثة دون جدوى إلى أن أمره بالانصراف.
قرر الصبي أن يقنص الجواب بطريقة غير شرعية، أوصله دهائه لإحضار جهاز للتسجيل، ليضعه تحت طاوله سعيد المفضلة. استرق الهدوء وعمد للاستيقاظ قبل ولادة النهار، إلى أن وصل هدفه المنشود.
نفذ مهمته بنجاح، وانسل كما الأفعى من وكرها، وعاد أدراجه في مطبخ القهوة، تشاغل بصنعها كما الشاي واليانسون، وعينه على طاولة سعيد الذي لم تمض غير دقائق إلا وجاء معاقرها على عجل، تبعه بعض الطفوليين.
راحوا "يتهامسوا ويتلامزوا".
تشاغل الصبي بالتنظيف تحت الطاولة، ووضع يده على جهاز التسجيل، وفر بسرعة لمكان ثانٍ.
أخذ سعيد يتحدث لهم عن أسرار صنعته كما أطلق عليها، كان جريئا لحد أنه أسال لعاب الحاضرين.
فرح صبي القهوة لأن جهاز التسجيل كما يحلم، استطاع اقتناص ساعة من حديث لن يسمعه يوماً، بعدما انصرفوا قليلاً، هرع للطاولة وأخفى الجهاز في المطبخ، نجح في الفرار من رقابة معلمه، وأخرج الكاسييت(الشريط) من جهازه وأدخل الغنيمة في جيبه.
تمارض الصبي وطلب من معلمه سويعات للراحة، طار إلى غرفته، والتشوق يجتاح كل جوارحه، وما أن وصل إلى البيت إلا وقد وجد ما لم يكن يرجوه، مصيبة كبيرة بالنسبة له : الشريط أصابه التلف، ولم يكن يدون الحديث الممنوع عنه، تراجع عن تمارضه وعاد إلى القهوة، وأدعى أنه تناول بعض المهدئات وتحسن بسرعة.
كرر سعيد جلساته، إلى أن اختفى ذات يوم، سأل الصبي عن السر، فكان الجواب أن عروسا جديدة سيتزوجها سعيد.
داخل القهوة، وفي شوارع البلدة، أنتشر الخبر بسرعة شبكة الإنترنت العنكبوتية، وراحت الرسائل القصيرة تنهال على الهواتف النقالة للمراهقين.
" سعيد سيتزوج الخامسة، بعد أن طلّق الرابعة " و " عقبال المية إن شاء الله.. " و " سعيد سعيد يا عمي ".
النساء أيضا تقاطرن إلى منتدياتهن، ورحن يرددن الخبر.
هذه المرة سيتزوج سعيد ابن الستين سنة ويزيد والذي قال له الأطباء : أنت مصاب بالعقم، صبية صغيرة من بلد مجاور، يعاني والدها كثرة البنات والفقر، ووجد في سعيد ضالته الذي يقبل أن يكون صهره.
الصغار أيضا راحوا يرددون النبأ العاجل : سعيد الكبير سيتزوج اليوم، وهو الآن مصمود( يجلس على منصة) وعروسه في بيت جاره، أنقسم الأولاد لمجموعات، وتوجهت للعرس طمعاً في عطايا.
تزوج سعيد الذي قدم للبلدة من المهجر، ولم يكن أحد يعرف شيئا عن حياة الخاصة، إلا ما كان يبوح به لجلساء القهوة، لم تمر إلا أياما إلا وتحول سعيد لإنسان آخر.
سمع الجيران صراخ زوجته، وباتت حقيقته تتكشف أمامهم، وبدأ معدنه باللمعان. " ذاب الثلج، وبان المرج " هكذا قالت جارته أم محمد.
تدافع فضول الناس للتعرف على وجه سعيد الحقيقي، بالصدفة اجتمعوا و قريب لسعيد أذهلهم بأفعاله.
سعيد، رجل لا يصلح إلا أن يكون أجيراً، فهو شديد الظلم لنسائه، وكل من تورطت وجمهعا القدر به زوجة، كانت تتمنى الموت على العيش معه لحظة واحدة.
سميرة زوجته الأولى، أدمن على ضربها والتنكيل بها، إلى أن أجبرها ذات مرة على قلع أسنانها بطريقة بدائية: أجبرها على الرضوخ له، ووضع في فمها حبلا، وطلب منها إغماض عينيها، وإقفال فمها بإحكام ثم نزع بدوره الحبل بعنف.
تمام، ثاني من ابتليت به، كان لا ينام إلا قبل أن يمطرها بالشتائم، وذات مرة قدم إليها "بفوارغ(أمعاء ماشية) فاسدة " وأمرها بتنظيفها،خافته الرأي وألقتها في مكب النفايات القريب،وحينما عاد من سمره، سألها عما أحضره، لم تكذب عليه وأجابت : ألقيت بها في مكب قريب للنفايات، عندها جن جنونه، وأمرها بإعادتها وإعادة طهوها، " عمر ما حدا مات من هذا الحكي " !!
أما مصير سعاد فكان شقاء، فذات ليل قال لها نريد أن تصنعي لنا دجاجا، أجابته: لم يبق لدينا فأمس جاء أخي وتناول الغداء عندنا، أمرها بالذهاب في اليوم التالي لإحضار دجاجة من بيت أخيها، بدل التي أكلها !
في سوق المدينة شاءت الصدفة أن تجتمع مطلقاته الثلاث، وتمكنّ بواسطة إحدى الجارات التي كانت ترافق تمام من التعرف على بعضهن، وشرعن في طريقة أخرى للكشف عن فظائع " تعيس ".
توجهن لبيت أهل تمام وبدأن يكشفن أسرارا عن عقوباته وتنكيله، بدأت سميرة : كسر يدي لأنني اشتريت حليبا من نقود العيد التي حصلت عليها من أشقائي، وتناول الحليب بمفرده.
" أمرني بالاستيقاظ من الساعة الخامسة، ودق باب الجيران لطلب زيت ماطل كثيرا في شرائه، وأنهال علي بالضرب بعصا على أضلعي لأنني رفضت ذلك، وقلت له : لماذا لا نشتري الزيت يا سعيد " على هذا النحو قصت سعاد حكايتها وقالت : سرق كل مصاغي وباعه بحجة أنه سيبني بيتاً، وأنفق معظمه على القهوة ورفاقه.
قالت المضيفة تمام : فقط هددني بالقتل، لأنني نسيت ذات مرة أن أنظف له الحذاء البالي والذي حرص على أن يظل على حالته.
تمام ثانية : كان وحشاً.
سميرة : أعان الله على من تبتلي به.
سعاد : ما رأيكن لو رفعن عليه دعوى؟
. ترد تمام : تأخرنا كثيرا
تتذكر الجارة التي كانت ترافق تمام قصة مُعتّقة، فقبل أن يتزوج من ثلاثتهن، كان مرتبطا بامرأة أخرى لم تستطع تحمل عذابه، إذ دأب على إجبارها أن تحمل له كرسيا و تمشى إلى جانبه في شارع الحي، وفي كل محطة كان ينال التعب منه، يأمرها بوضع الكرسي أرضاً، فيجلس قليلا ثم يعود للبيت.
ماتت المسكينة من أفعاله، وقبل الأربعين راح يفتش عن عروس أو ضحية جديدة، يبتدع لها طريقة أخرى للعقاب.
رغم غناه وكرمه على رفاقه، كان يبخل على نفس، فملابسه قلما يبدلها، والماء لا يرافق جسده، وإذا ما اشترى لنفسه هنداما، فإن ذلك يصلح أن يكون خبرا عاجلا أو سبقا صحافيا.
الترقيع والتركيع الدائم، ملف يوليه سعيد لكل زوجة من أول أيامها، ومن تخطئ فالعصا لمن عصى.





































آلام بلا "مونتاج":

مسرحية بلا مهندس للديكور

ينجح المخرجون في خفض تكاليف أعمالهم المتلفزة الساخنة والباردة، لكنهم يقعون في خطيئة الكاميرا الخفية….

ذات شتاء، أخذت الأمور تتعقد وتسير في غير صالح سامية المرأة التي أنفقت عمرها في الهدوء واحترام الآخريين، لم يكن أحد يمس طرفها، فلديها طقوس يومية لا تعرف التوقف، ولا يعترف قاموسها بعطل نهاية الأسبوع أو مهام العمل والسفر إلى الخارج.
في الصباح تعلن انقلاباُ أبيض على الليل، فتصحو من موتها المؤقت قبل الشمس، تُصلي لخالقها وتبتهل، وتقرأ القرآن بتدبر، تتناول طعام الإفطار، تخرج لحديقتها. تتبادل بعدها أطراف الحديث مع شقيقها الذي يسكن قريبا منها، كانت سامية و كذا راجح، يتصفان ببعض السمات المشتركة فهما لم يتزوجا، هي منعت من ذلك، لأن العروض لم تتوافق ورغبة والدها، وهو آثر البقاء طليقاُ لأنه لا يحب الارتباط فهو دائم الترحال، وينفق وقته خارج البيت، يجالس رفاقه قليلاُ، يسبح في فضاء الحقول يتنقل كالعصافير، لا يدفع أي ضرائب أو التزامات. كان يقول: الحرية أن تعشق الحرية.
راحت الأيام تتآمر عليها كما راجح، كبرا وأخذ بصرهما يضعف، وشعرهما يشيب. انحنت ظهورهما وباتا يحتاجان لمن يعينهما.
بعد دخول راجح سن الخامسة والستين، تآكل جسده وأسرع الموت إليه تاركاُ سامية التي لها الكثير من الأشقاء المتناثرين كالعقد الذي انفرط، يحتلون كل الجهات ولا تسمح لهم الأيام بالالتقاء معا، فالمعابر والحدود الخارجية كما لها رأي آخر.
جاء شتاء سامية المسكينة بسرعة تسابق الضوء، أخذت الوحدة تقتطع أجزاء من قلبها وجوارحها، تسلل إليها أيضا الفقر، وصار البرد ينخر جسدها، لم تدر ما الذي يمكنها فعله لمواجهة كل هذا الطارئ.
فكرت بكل السبل لما يمكنها فعله، لم تعتاد يوماً على الاستدانة من أحد، وإن فعلت فلا تضمن الحياة ولا تستطيع العمل للوفاء بالمستحقات. قالت لنفسها: لو استعين بأخوتي، تراجعت قبل أن تكمل لأنهم لم يفكروا يوماً في مساعدتها.
جاءت إليها فكرة رهن أرض ورثتها من عائلتها، فهي أقصر الطرق للوصول إلى لقمة عيش كريم، إلى أن تتدبر أمورها بشكل نهائي. أنبلج الصباح وأخبرت وسيط محلي بموافقتها على صفقة الرهن الذي لطالما حلم بها شريطة أن لا يتم التنازل عن الأرض إلا بعد ثلاث سنوات.
اتفقا على كل التفاصيل الصغيرة والكبيرة وتسلمت دفعة أولى من المبلغ، وقررت إكمال الباقي قي غضون أسبوع.
سرت سامية لأنها ستعتمد على نفسها، وستشغل أموالها في التجارة علها تفك رهن الأرض وتحيا بمفردها، كون الجميع قد أقفل آذانه وعيونه وباتت الأفواه مجرد أعضاء لالتهام الطعام والشراب.
نامت بهدوء، والفرح يسيطر على مشاعرها، بعد أيام قليلة تسلل الخبر إلى مسامع أشقائها، الذين عارضوا الصفقة وأرادوا إيقافها بكل الوسائل خوفا من تبدد الثروة وضياعها، قال سمير" عندما ستموت ستصلنا كل ثروتها، لكنها إذا استمرت في صفقة الرهن، فإنها قد تعجز عن تأمين المال اللازم وسيخلق لنا شركاء من تحت الأرض..".
سألهم خالد: ما الذي نستطيع فعله للإيقاف الصفقة؟
قال مجدي: نتدبر أمورنا وندفع لها مالاً.
لم يوافقاه أخواه الرأي، وتذرعوا بأنهم لا يملكون سوى قوت يومهم.
أعاد مجدي: لماذا لم نفكر في البداية بمساعدتها؟
أمره أخواه بإغلاق فمه بشكل نهائي…
ألح غير مرة، وراح يعارض ما يفكران به. قالوا له: أغرب عن وجوهنا ولا تتدخل في الأمر.
عاد أدراجه، وهو يفكر في الدقيقة الواحدة في عشرات المسائل، وكأنه ذاكرة حاسوب دائمة، ولم يذق في تلك الليلة طعماً للنوم.
راح سمير وخالد يسرفان في التخطيط لما يمكن فعله.
لم يعيران انتباها لنشرات الأخبار التي كانت تشير لبدء العدوان على العراق، فلديهما شأن أكثر حيوية.
اتفقا على عقد لقاء آخر، في اليوم التالي تناقشا،تبادلا أطراف الحديث،قررا،خرجا للتنفيذ.
جرى ذلك كل في غضون نصف ساعة، وكأنها محكمة أمن الدولة بنسخة معدلة وراثياً، ستكون نقطة الانطلاق عند الحادية عشرة ليلاً، وسينفذ الحكم في الواحدة والنصف فجراً، أحضرا كفوفاً ووشاحاً ليشرعا في عملهما.
انطلقا في يوم الثلاثاء، أو الخامس والعشرين من آذار، اليوم السادس من عمر العدوان الأمريكي على العراق وقبل شهر من احتلاله، كان الطقس ماطراً بغزارة، وبالإمكان فعل كل شيء فالناس ينامون بهدوء لأن التيار الكهربائي سيغيب هذا المساء.
كسر سمير الباب بهدوء، ونال خالد من إجراءات الحماية المتواضعة التي تتخذها سامية، فأعدائها قلة ولم تعتقد يوما أن تهاجمها الذئاب. سارعا إلى مخدعها، كانت المفاجأة أنهما لم يلتقيان منذ ثلاث سنوات، وهما اليوم هنا للقاء بطعم آخر.
سارع خالد إلى جيبه وألقى كمية من المخدر بوجه أخته، وراح مجدي يبحث عن صندوق الوثائق، إلى أن عثر عليه، في هذه الأثناء كان مجدي قد شد الوثاق على رقبة سامية بطريقة توحي أنها أقدمت على قتل نفسها.
ألقيا نظرة وداع عليها وراحا يبتسمان لأنهما حققا ما أراده.
اختفيا وعادا إلى منزليهما كالبرق، كي لا يشعر مجدي بشيء.
جاء الصباح وقبله رتبا كل شيء، وخلدا للنوم، لم يستيقظا إلا وجرس الباب يقرع بعنف، فتحا الباب فإذا بمجدي يقول ببكاء: انتحرت سامية …. انتحرت سامية‍ !!
تظاهرا بدموع التماسيح، وحضنا بعضهم بعضا، وطارا إلى حيث كانا ليلاً، أتقنوا اللعبة، وساروا في موكب المغدورة بقلوب ضاحكة وعيون تنتحل الدمع ….
انقضت بسرعة ثلاثة أيام، حيث امتهنوا الحزن المؤقت ليعودوا أدراجهم ويتقاسموا انتصارا ضد شقيقة أدمنوا على ظلمها، فلم يسمحوا لها بالزواج ولا حتى الحياة، ووضعوا لها نهاية مأساوية أفرحت قلبيهما.…




























وجع في منتصف الدائرة:

فاطمة

كانت صاحبتنا تقول:زهرة السوسن تفر من وجهي أيضاً!!

راحت "طلقات" الشمس غير الصديقة كعادتها تقاضي فاطمة من طرف واحد دون أن تتيح لها فرصة الدفاع عن النفس، أو محاولة الركون لمحام ربما يحاول إنصافها. في كل يوم أخذت بشرة وجهها الملائكي تتحول لصحراء، اسمرت واصفرت وتلونت واخشوشنت.
كان منظرها يبعث على الحسرة، إذ انتقلت للعيش من بيت والدها لزوج أقل ما يمكن نعته بأنه رديء، عرفت القراءة والكتاب وأكملت الثانوية العامة من دون فائدة، فجمالها وتفوقها راحا ضحية تسرع والدها في تزويجها-لحاجة في نفس يعقوب- من شاب لم يعرف يوماً معنى الخصوصية لحواء، وعلى العكس تماما راح يمعن في إجراءات قهرها، وتعذيبها، تشارك هو وفقره وقلة حيلته في الإطاحة بفاطمة قلبها وجسدها وضحكتها الرشيقة التي لم تكن في السابق تغادر وجهها الدائري المبتسم في طبيعته.
جفت الضحكات،وتبخرت نعومة اليدين، ولم يعد بوسعها الاعتناء ولو للحظة واحدة بشعرها الناعم …، تبددت كل أشيائها الخاصة وصارت مجرد حليف مكره للشقاء. الجميع هناك في مؤسسة الزوج شرعوا بإكمال المؤامرة،أم رفعت الظالمة والمتسلطة، العانس سمر ذات اللسان السليط، الصغار أشقاء الزوج الذين وجدوا الفرصة سانحة للاستيلاء على بعض ما اصطحبته فاطمة من بيت والديها. أدمنت فاطمة التعب الإجباري، ولم تمتلك أي خيار لإسقاطه والانعتاق من تبعاته…
ذات نهار ربيعي فرت في استراحة من أعمال زراعية لا تقوي عليها، واختارت الجلوس أمام بركة صغيرة تجمعت فيها مياه المطر المتأخرة والناعمة، نظرت إلى وجهها فلم تتعرف على نفسها،كل الملامح تغيرت، التجاعيد تسللت إلى وجهها، الرموش نال التعب من عافيتها، العيون عرف الاحمرار طريقه إلى حورها، أشياء كثيرة أخرى أصبحت لفاطمة أخرى.
لم تتمالك نفسها وراحت دموعها تنساب لتعكر صفو الحوض المائي الصغير، ولتنتشر فيه دوائر وخطوط أدخلتها أيضا في متاهة جديدة، أعادت انتشار حركة يدها لمسح دموعها الغالية، تفاجأت بكف خشن، صبغ بأعشاب وعرفت الخدوش معبرا لها في داخلها …
سألت فاطمة اليوم نفسها : ما الذي جرى؟
كررت : لماذا تنازل عني والدي؟
أجابت نفسها : هل لأن أمي توفيت، وحلت مكانها عروساً جديدة.
لماذا …؟
متى … ؟؟
وهل سأموت وأنا على هذا الحال ؟
هل هناك نساء مثلي ؟
ماذا عن الأزواج، هل كلهم بهذه المواصفات والمقاييس ؟؟
هل أستحق كل هذا الإذلال ؟؟
من … ؟
أين … ؟
متى أيضا … ؟
أسئلة عملاقة كلها لم تتعثر في إجابة تشفي جراح قلبها ونفسها. ثانية حاولت استذكار مقاطع من الفظاعات التي تعرضت لها :
في يوم السبت الأسود : حاول زوجي تركي في أرض بعيدة والعمل في قطاف الزيتون بمفردي …
ذات أحد الدامي، قالت لي والدة زوجي عليك أن تذهبي لإزالة الأعشاب، نحن اليوم منشغلون ولا نستطيع الخروج من البيت !
بعد ظهيرة الاثنين المتواطئ : كان علي أن أُغربل بمفردي أيضا كمية كبيرة من القمح توطئة لزراعاتها، بقيت ضحية للجوع، وأصبت بالإنفلونزا.
الثلاثاء الشؤوم : بقينا طوال النهار جوعى ونحن نجني ثمار البندورة في سهل بعيد.
في نهار أربعاء قتيل، طُلب مني أن أعتني بقطيع الماشية وتجهيز متطلباته، ثم الخروج للعمل الذي استمر حتى هبوط الظلام.
لم يبتسم لي أي يوم خميس، حتى أن يوم ولادتي الأولى كان جافاً لأنني أنجبت بنتاً، لم يرق للكثيرين مشاهدتها.
انهالت عليها زوجة والدها، بعد الوضع وبالكاد استأذنت آلام المخاض بالرحيل، لماذا كل هذه الحلوى؟ "تساخرت " أيضاً: حلوان البنات ليست كالصبيان.
أعادت روي "أطنان" وجعها التي انسكبت عليها، كل يوم كان من الواجب عليها العمل على ثلاث جبهات : المزرعة و البيت والأولاد.
ضحكت من نفسها بقهر، بعدما تذكرت التدخل السافر من حماتها، سمعت ذات ظهيرة ماطرة أوامرها لزوجها : عليك أن تنجب المزيد من الأولاد كي تظل مسيطراً على زوجتك التي تقول إنها متعلمة.انتبه لنفسك ولأموالك، عليك زيادة مساحة الأرض التي ستزرعها في الموسم القادم، فزوجتك لا زالت صبية وبوسعها العمل " والشغل يمّا مش عيب !!" شو رأيك تشتري "شوية غنم زيادة "، أنت معيل، وبحاجة للمال، وزوجتك في الشتاء والربيع ليس عليها شيء….
غادرت فاطمة استراحتها التي طالت قليلاً، وما أن عادت إلى مكان العمل، أطلقت والدة زوجها سيلاً من الشتائم : لماذا كل هذا التأخير؟
"وبعدين معك … ومين أبوك، مهو باعك بعروسته …" انبجست عيناها بكاء وفرت من المكان، قاصدة أطفالها، وصلت إلى البيت.بدأت بتحزيم حقائبها، وأرادت اصطحاب أطفالها في خطوة احتجاجية على الظلم المسلط عليها، وصلت إلى منزل والدها.
طرقت الباب :ردت زوجة الأب المُدللة التي احتلت عرش والدتها وصارت تتنعم بكل أشيائها، خير إن شاء الله، زعلانة … ليش، وين ناوي تقعدي، بيتنا ضياق، وسيزورنا أهلي اليوم ويقيمون عندنا أسبوع ….!!!
والدها كان منشغلاً بتدخين النرجيلة، لم يحرك ساكناً فهو أعلن تنازله عن الحكم لصالح عروسه الجديدة، اكتفى بالقول :المَرْة لجوزها يا با وخلّي عقلك برأسك.
سألها :هل تردين أن تسببي لنا الفضائح على آخر الزمن !!
"أمك ماتت، الله يرحمها، ومافيش حدا يدلل!!!"
لم تجلس في بيت والدها، وكان العطش يطاردها منذ أن عادت من مزرعة زوجها بعد السباب والشتائم الذي طالها من حماتها … قررت العودة احتراماً لذكرى أمها.
ما أن عادت تجر أذيال الخيبة، إلى بيت زوجها، إلا وقد هبط الظلام، لم تدر أن شيئا كارثيا ينتظرها، بفارغ الصبر : بالطبع كل الحقائق حرفتها الوالدة، ولم يعد بإمكان فاطمة الدفاع عن نفسها، وسيكون من الواجب عليها السكوت، أكمل الزوج تكسير ما تبقى لها من كرامة.
كان متمرداً، ولم يوفر شيئاً، أستنفذ كل الشتائم الموجودة في قواميس الرعاع، وراح يتوعدها بالمزيد من الإجراءات العقابية.
قال لها : سيتعين عليك الاستيقاظ طيلة الموسم الحالي من ساعات الفجر الأولى، وسأتأخر أنا وإذا ما قدمت إليك، يتعين عليك إنجاز أعمال كثيرة. القطاف، إزالة الأعشاب، تعبئة المحصول، إعداد الإفطار ….!!!
بكت بقلبها، وأظهرت تماسكاً بدا على عيونها وجوارحها، خلدت لنومها المر وهي تفكر بطريقة للخلاص من الحياة.
قالت لنفسها: ماذا لو تجرعت كأسا من سموم زراعية، وانتهيت من قصتك السيئة؟
أجابت نفسها:وماذا عن كومة اللحم هذه، بالإشارة لأولادها ؟؟
قررت الانتصار لنفسها، والذهاب إلى محامٍ عله يعيد لها القليل من الحقوق المسلوبة والكرامة المُداسة.
لم يكن أمامها سوى التمارض، في اليوم التالي وإظهار أقصى درجة من الألم، مرت الخطة على ركني وذهبوا إلى العمل، أنسلت من فراشها وسارعت في إعداد نفسها، طرقت باب جارتها وألحت عليها ترك أطفالها الثلاثة لبعض الوقت، عادت للبيت وأرادت تدبر أمرها وتوفير القليل من المال، لم تجد من سبيل سوى بيع أغلى ما ورثته عن أمها من حلي ثمينة.
هرعت إلى المدينة القريبة، باعت حليها، وفتشت عن محام عله يخلصها من قيود أثقلت أيديها وجرحت جراحها.
داخل مكتب المحامية سمر في وسط السوق المركزي، دار الحوار التالي:
لماذا يا فاطمة كل هذا الصبر؟
الأطفال يا أستاذه..
وماذا عن والدك؟
بأسف ومرارة : باعني وتزوج من فتاة تصغره بأربعة عقود!
أرجوك يا فاطمة أن يظل الموضوع سراً إلى أن نحدد موعد الجلسة …
تهز رأسها ومعها القليل من الدموع: أريد أن أحس بأنوثتي وأسترد كرامتي.
غادرت فاطمة المدينة وهرعت إلى بيت زوجها الذي أشتم رائحة الموضوع: كان ينتظرها في البيت،وما أن وصلت إلا وانهال عليها بالضرب، والشتائم جرياً على العادة.
استطاعت أن تخفي الموضوع، فقد اشترت دواء للتمويه، قالت لها: لماذا لا ترحم ولا تدع رحمة الله تنزل علينا!!!
مضى شهر، فإذا بتبليغ من المحكمة يطالب الزوج بالمثول أمام المحكمة بعد غد، لم يكترث بالموضوع،الذي سخر منه ومزق الورقة، حتى من دون النظر في محتوياتها.
في المحكمة، نظر القاضي في الأوراق المقدمة له، وقرر تأجيل القضية لحين قدوم الزوج.
أعادت المحكمة إجراءاتها، في الجلسة الثانية غاب الزوج أيضا، فهذه المرة كان منشغلا بجمع أمواله، ولم تصله الدعوة إلا بعد انعقاد الجلسة.
صار اليأس يتسلل إلى فاطمة التي شعرت بأن المحكمة لن تفعل لها شيئا،وعليها الانتصار لنفسها، قررت الهروب إلى المدينة، فقد شجعتها المحامية وتعاطفت معها لغرض الاعتماد على نفسها والتوجه لشقيقها الذي عاد من سفره وبدأ يزاول مهنة الطب.
كان اللقاء الأول الذي جمعهما حاراً، حتى أن حسن بكى في كل مقطع ألم أشارت إليه أخته.
وعدها بأنه سيعوضها عن الظلم الكبير الذي عاشته، وسيعلمها وسيهتم بأطفالها، وسيطلقها من زوجها الطاغية. تسارعت عجلة الأيام، وأصبحت فاطمة حرة طليقة. وباتت تساعد شقيقها في عيادته، تنظم مواعيده، وتدخل مرضاه إلى غرفته،وتربى أطفالها الذين تخلى عنهم والدهم.








وجع متأصل:
ربيع أسود

"وسط الشتاء، يشرع الربيع في النمو، وتبدأ مؤامرة الألوان بدعوة علنية للحرب الظالمة…
بدأت الأرض تتجمل بمستحضراتها الخضراء الخالية من الأصباغ الصناعية، وهبط الربيع بحذر على المدينة الخائفة المـُخيفة التي بها من التاريخ ما يفوق عدد الساكنين. في كل ركن منها تنتشر غير رواية عن الظلم المنكهة برائحة التحدي.
كالعادة تعيد سميرة الانتشار لملفاتها التي تصر على إزعاج جدران ذاكرتها، باءت كل محولاتها للفرار بالفشل ولم يعد بالإمكان الاستمرار في إخفاء التاريخ والحاضر اللذين ارتبطا بفدرالية متينة هدفها فقط التشويش عليها قدر الاستطاعة.
ولدت سميرة في اليوم نفسه الذي توفيت فيه والدتها، قبل حفنة وثلاثين سنة عندما عرفت الأوجاع "كلمة المرور" إلى قلبها وجسدها، ولم تستأذنها بالدخول. لم يستطع جسدها المنهك مقاومة الإذلال المبرمج الذي راح يتحد مع مراحل حقد من جانب شريك حياة اختزل عمره في الاستبداد المعلن.
ما علق بذاكرة سميرة الدائمة وغير القابلة للتبخر كان فظيعاً. وحتى يوم رأت النور كانت النارُ تشتعل في قلب العائلة التي قفزت متماسكةً كلاعبة وثب عالٍ عن موت الأم وصرخات استغاثتها، للحديث عن جنس المولود غير المرغوب فيه. العائلات هنا ترى أن الإناث يجلبن النحس المنظم، لذا فالواجب يحتم على من تنجب أنثى تصويب أوضاعها، قبل أن تتعرض لإطلاق نار لا يتوقف من غير مصدر، ولا يقابل بالنقد أو الشجب من جانب "مجلس القوم" غير الانتقالي، الذي يشجع عليه بصورة غير مكتوبة.
حصلت سميرة على ما تعجز "الأقراص المدمجة والمرنة "عن تخزينه.كانت الوسيلة الوحيدة التي تساعدها في ذلك صحوة ضمير عمتها التي ابتليت بمصيبة أفقدتها الحركة، وحولتها لمجرد جسد لا يقوى على شيء.
قالت لها: لو نطقت جدران البيت الذي ترعرعت فيه لصرخت عليَّ أيضا.
في المدينة أو في زاوية عفنة من مستشفىً قديم تآكلت كل محتوياته وعبثت الفئران وجيوش الحشرات الزاحفة بهدوئه، انشغلت العمة والأب والجدة والصف الأول للعائلة الممتدة بمصيبة المولودة وتناست هموم الوالدة التي لفظت آخر أنفسها.
" بنت.. يا خسارة بنت !! " هكذا خرج الجميع بردة فعل لفت نظر الطبيب والقابِلة القانونية، اللذان ذهلا من اسِّودادِ الوجوه على قدوم سميرة، وفرارهم من الحزن على من ماتت وهي تنجبها.
صرخت الممرضة:"حرام عليكم، شو أنتُو مش بشر !!"
"وين قلوبكم يا ناس ؟!"
قال لهم الطبيب: المرأة لا تحدد جنس المولود، والمسؤول عن ذلك الزوج.
كرر لهم ذلك وحاول الشرح، لكن قلوبهم وعقولهم كانتا تسخر من الهراء الذي يستمعون إليه، ولم يغير ذلك مواقف الحاضرين.
حملوا أنفسهم والجثة الهامدة التي خسرت روحها، توجهوا للبيت، وافتتحوا بيت عزاءٍ والثرثرة الوقحة،كان البيت التضامني في ظاهره لأم سميرة، لكن واقع الحال أنه لقدوم من أنجبت !!
بعد رحيل الأم، وبقاء الرضيعة من دون أي مرجعية إنسانية، فتشت العائلة عن طرف ثالث يرعى مصالحها، ووقع الخيار على امرأة فقيرة عبث بها الزمن، وتركها تعاني وزوجها فقراً مركباً. اتفقوا على أن تكون رسمية المرضع إلى أن يشتد عودها لقاء أجرٍ ما. وبالطبع فاوض الأب العائلة المحتاجة وانتزع مبلغا من المال، بخلاف الاتفاق المبرم مع رب الأسرة الفقير!!هكذا قالت العمة المقعدة لسميرة وواصلت تجريعها المزيد من الحقائق المرة.
الزوج وكمعظم نظرائه قرر بسرعة إنقاذ نفسه من الوحدة، قبل أن تمُحى صرخات نزاع أم سميرة مع الموت من ذاكرته، وبعد أسابيعَ فتش عن عروسٍ ….
سألت سميرة نفسها بعد أن كبرت وفهمت الدنيا: لماذا يتزوج الرجال بهذه السرعة بعد رحيل زوجاتهم ؟؟
بحثت عن جواب شافٍ ظل طليقاً عن شفتيها.
أجابت نفسها بعد يأس حاد: انهم رجال، ويصنعون ما يحلو لهم ولا يتلفظ أحد بأي حرف….
في السنة الأولى وبعد نكسة العام 1967، كانت بطاقة والد سميرة قد أضيفت إليها أحرف جديدة لمولودة ثانية،كرر التجربة بعد سنتين ونصف، فإذا بأنثى أخرى.
وبحلول رمضان عام 1973، امتزجت صرخات طفلة بريئة بحرب تشرين ونشوة فرحها المبالغ فيه. واستنسخت الأحداث نفسها مرتين أخريين.
قال الزوج لنفسه كما لزوجته : أصبح اليوم لدينا خمس بنات، وكأنه نسي سميرة أو تناسها، نريد ولياً للعهد ….في كل مرة من "الجولات" الخمس كانت العائلة تفتح بيتاً للعزاء، يشبه النسخة الأولى لسميرة باسم والدتها.
لم يحركوا أي ساكن، وحتى أم البنات الخمسة أدمنت شعور عائلة زوجها، وكان اهتمامها المركزي يضعف مرة تلو الأخرى ببناتها…
حملت أواخر السبعينات في أحشائها ما يشرح صدر العائلة، التي وإن تساقط الثلج عليه سيأسره السوادُ من شدة ما يختزن فيه من حقد أعمى العينيين. أخيرا جاء مالك ليثلج صدر العائلة ويدخل البهجة إليها.
في اليوم الذي صرخ فيه الرضيع الأول، سال دم ثلاث ذبائح، ووزعت الأم أجود أنواع الحلوى التي لم يكن أحد يعرف طعمها إلا في المواسم، وقررت الجدة منح كل واحدة من بناتها ومن تفرع عنهن شيئا من ذهب خالص كمكرمة فرحة بقدوم الملك. أما الأم فنالت ما يوازي نصفي الحِلي التي تلقتها في يوم زفافها.
الصغار في الحي الجاثم في المدينة العتيقة تقاطروا نحو المنزل طمعا فيما يفرحهم، وأعلنوا في دهاليز أعماقهم المريضة عن عيد ثالث يحمل اسم مالك، لأنهم "تبغددوا" كثيراً وتنافسوا على التقاط نقود معدنية ألقت بها الجدة وسط كومتهم وراحوا يتصارعون على صيدها….
شُج رأس محمد ابن الحلاّق أبي وسام.
تشاجر سمير مع علي ابن كريم الجزّار.
تعرضت قدم سمير لكدمات ورضوض.
استطاع ساري جمع "تحويشة" كبيرة، قال إنه يريد شراء عَجلة فيها.

كعادة الأب،لم تحظ سميرة بأي شيء، فالجدة تنظر إليها على أساس أنها سبب البلاء، إذ فتحت الباب على مصراعيه ومنحت الإناث تأشيرات دخول لمنزل حفيدها الوحيد، الذي كانت تأمل في أن يبقى حصيناً أمام الإناث.
تقول العمة المقعدة لسميرة التي أعلن عليها حظراً من العائلة: ذات مرة نال المرض من مالك الأمر الذي أدى لحالة تأهب قصوى-تفوق اللون الأحمر الذي تندثر دولٌ قبل استخدامه-داخل العائلة.
الأب أسرع إلى الطبيب، الهاتف لم يكف عن الرنين، الجدة فتشت عن أعشاب طبيعية جرت العادة أن تخزنها للطوارئ، العمة غير المتزوجة والراوية المقعدة توجهت لصديقتها الممرضة، الأم راحت تبكي، الشقيقات الخمس لم يذقن طعما للنوم؛ لأنهن أصبحن يشعرن بحجم التمييز الهائل الذي يتعرضن له.
حضر الطبيب في المساء ليكتشف أن العائلة تبالغ في الأمر، فالمسألة لا تعدو كونها نزلة برد خفيفة، وستقتلها المسكنات في صباح اليوم التالي. قال الطبيب بجرأة: لم أشاهدكم في السابق بهذا القلق، وفي الغالب لم ترسلوا في طلبي عندما كانت البنات يصبن بأكثر مما أصاب مالك.
ذكّرهم : كنتم تفضلون الانتظار للصباح، وتأتون للعيادة بلا أي علامة للقلق..!!لم يعرفوا إجابةً، واحمرَّت وجوههم قليلاً، لكنها سرعان ما عدت إلى سابق عهدها.
ما أن كبر مالك إلا وأصبح الخوف يتضاعف عليه دقيقةٌ بعد دقيقةٍ، أرسلوه لأرقى روضة للأطفال، حرصوا على توفير كل شيء له دون أن يطلب بنفسه، أقاموا له الدنيا ولم يقعدوها…. وفي كل لحظة كان مالك يكبر فيها، زادت طقوس التمييز وتسللت إلى المدرسة الخاصة التي لم يعرفها أحد من اخوته البنات.
قرر الأب تأمين حياة ولده باكراً، فشيد له منزلاً على اسمه وهو في السابعة، وضع له المال الطائل في المصرف بولايةٍ والدته. أما سميرة فلم تكن تحظى سوى بـ "عيدية متواضعة" مرتان كل سنة، وحتى أولادها الذكور لم ينالوا أي دلال استثنائي أو غيره من جدهم العاشق للصبيان.
صارت سميرة تشعر بالظلم الهائل الذي يطاردها، ولم تكف عن استفزاز والدها وتذكيره بطريق التفافي بخطر ما يفعله، فمالك له ست شقيقات وهن أيضا من دم والدهن، ولهن الحق كما هو.
مرة تلو الأخرى، راح صدر الأب يضيق ذرعاً بنقد سميرة المبطن والجريء أحياناً، قال لها ذات عيد أضحى: سَجلتُ كل ما أملك باسم مالك…!!
ذهلت سميرة، وردت عليه بالقول: هذا عين الظلم… هذا حرام …
قال : أين الحرام؟ أنت في بيت زوجك ولا توجد عليك أي التزامات.
أكثرت جداله، وأعادت الحياة لجزء من الماضي، وفي النهاية رد بعنف: أنا حُر، وهذه آخر مرة تشاهدينني في بيتك!!!
ترك المنزل غاضباً، وأوفى بقطيعته وأقام الحواجز الاجتماعية، وكأنه نافس المحتلون في بناء جِدارهم العنصري.
مرت أعياد وأعياد إلى أن سمعت سميرة بما صنعه مالك بوالده،فعندما وصل لسن العشرين كان قد تزوج بمساعي والديه. ونزولاً عند رغبة زوجته قرر الهجرة إلى كندا، فباع كل ما نقل إليه من عقارات، ولم يبقِ إلا خجلاً على منزل العائلة، الذي رهَنهُ باتفاق طويل الأجل.
وبالطبع لم يُعلم والديه بقراراته، فقد اعتاد على تجرّعِ الحرية كمن يشرب الماء المعدني، وسافر خلسة، وما أن دقت هذه الحقائق أبواب أذن الأب إلا سقط أرضا ونالت منه جلطة دماغيه نقلته بسرعة إلى مقبرة المدينة التي لا تبعد كثيراً عما كان يعرف يوماً بمنزله….
















أوجاع زاحفة:
ثعالب…

على ضفاف الأنهار تكثر الأفاعي الوقحة، ولا تعترف بتنظيم النسل…


في كل ركن من الحي، كان لحلول العيد لون استثنائي، لكن بالنسبة لسهى فالمعنى مؤلم إلى بالغ المرارة، اعتادت منذ نعومة أظفارها أن تفرح بقدومه، فهو موسم للتجديد، وللحلوى والنقود والفساتين.
كانت تسرح وتلهو وتجوب الحي على رجل واحدة، وتعمد لطقوس احتفالية تنكبُ على ممارستها، وتحرص على استغلال كل دقيقة من الوقت الثمين، في ليل العيد كانت تتمنى لو أن العيد يؤجل لليوم التالي، خشية من أن تخسره بسرعة.
عينا سهى وقلبها كانا يقظان طوال الليل، فالفستان الأحمر والحذاء الجديد يستوطنان فوق وسادتها، وعلى الأقل ترافقها الكثير من الحسابات الوهمية،سأحصل في الغد على خمسة عشر دينارا. سيمنحني أبي ثلاثة دنانير،وسترفع عطايا عمي الرصيد إلى عشرة،والباقي من جدتي وخالي.
هكذا كانت حساباتها،وفق استذكارها الذي يحمل أيضا وصفا لكل دقيقة كانت تمر،في الصباح تنطلق فعاليات اللهو مع رفيقات الحي بعد الحصول على العطايا،يتخلل ذلك مقارنات للتعرف على صاحبة الحظ الأسعد،وبالطبع تحل سهى أعلى القائمة،وكانت رفيقاتها يطلقن عليها " المحظوظة".
أخذ الزمن يتآمر مسرعا على طفولتها،وراحت خريطتها الخاصة تتبدل لصالح مرحلة جديدة كلها التزامات وهموم ومسؤوليات، استدار وجهها، وازدادت نعومتها وتوسعت عيونها، تماما كما تغيرت كل أركانها.
تزوجت من تاجر ميسور الحال ضحكت له الدنيا، وأصبحت تنتظر طفولة صغارها كما يأسرها الحنين لتلك الأيام الميتة من صغرها البريء. يوما بعد يوم راحت تكتشف الكثير.
تبدلت اهتماماتها في العيد،ونقلت بعضا من شقائها في أيام الطفولة لفلذات كبدها،وأخذت عشية كل محطة عيد تصنع الكعك وتهتم بكل شيء يلفت نظر من يزور منزلها.
صارت سهى تستقبل ولدها وأخوالها وأبن عمومتها، بدلا من البحث عنهم الذين ظل يرافق صباها لفترة ما. وذات مرة راحت تطلق العنان لأفكارها بعد اقتحام المشهد ذاته في كل عيد لعينيها. تبدأ التفاصيل بزيارة عائلية لا تعرف المسار إلى منزل سهى غير مرتين في كل سنة،يشرع الزائرون في ارتشاف قهوتهم ويتغامزون تمهيدا للخلاص من أسر المضيفين بلمح البصر،يسبق ذلك" تنسيق اجتماعي " لمن سيدفع،ويتحدثون بلغة الأرقام،وما أن ينفك قيدهم،يغيبون وطيفهم عشرة اشهر عن ناظري سهى.
أدركت سهى أن لقب " وليه" صار يندرج عليها،وباتت عبئاً على أقربائها، فقررت وضع نهاية لهذه المسرحية.
قبل ثلاثة أشهر من العيد، انتكبت سهى، إذ سرق حادث سير مروع زوجها أكرم الذي كان يعالج آثار ضربة قاصمة أتت على تجارته بأكملها بعدما ابتاع صفقة كبيرة من الأرز تبين لاحقا أن التلف تسلل إليها من المصدر الذي استغل ثقة كريم به.
سادت غيوم الحزن على سهى التي أمطرت دموعا، واتشحت سواداً، فهي ستتحول لأب وأم ومدبرة منزل وسيتحتم عليها التفكير بطريقة شريفة لتأمين العيش لأسرتها.
كانت تتوقع في أعماقها أن يمد والداها وأخوتها يد عون لها، فهي من لحمهم ودمهم،وسيضعونه وأولادها اليتامى في حدقات عيونهم.تريثت كثيرا قبل إصدار حكم نهائي على ذويها،وراحت أمام نفسها تختلق لهم الأعذار،فربما سيشرعون في ذلك قريبا…
تعاقبت الأيام وانقضت،دون أن يحرك أحد ساكنا.قبل العيد بأيام راح بعض المحسنين يحاولون مساعدتها بالقليل من المال الذي لا يصنع شيئا أمام وحش الجوع والغلاء الفاحش،أو القليل من اللحم الذي تسيطر عليه الدهون والعظام.
أهلها المنتمون إلى الطبقة الوسطى أو أكثر بقليل، ظلوا بدورهم يمارسون السلوك ذاته،وصار العيد كما كان اليوم المخصص لمنح هبة صغيرة" للولية " أو الأرملة حديثة العهد.
راح قلب سهى يتكسر كالصورة الرقمية التي يأسرها الشتاء والمنبعثة من طبق فضائي نال الصدأ منه. وما زاد الطين بله،تلقيها عروضا بالزواج من غير أرمل،طمعا في جمالها. كان جوابها الوحيد: بعد كريم لن يلمسني أحد..
اتجهت سهى إلى العصامية، فعمدت لتأسيس فرع للمصنوعات اليدوية،بالتعاون مع امرأة تتشابه معها في اللفظ القاسي الذي يلصقه المجتمع بمن يرحل زوجها.
أخذت مصنوعاتهن تغزو السوق،وتسجل نجاحا باهرا.كبر المصنع وأزداد عدد عاملاته، وتوسعت ألوان إنتاجه،وبالمقابل ارتفعت طلبات الزواج من سهى التي ظلت على عهد زوجها وذكراه.
كبر أبناؤها وانتقلوا من مقاعد المدرسة إلى الجامعة، وهم بشموخ يعتزون بوالدة حرمت نفسها من النوم في ليلها والراحة في نهارها.
كانت سهى تدرس أطفالها ليلا،وتواكب عملها نهارا،وبالكاد كانت تعرف طريقا للراحة والتنعم بمغريات الدنيا.
صار حبها لأحمد وساجدة وسمير تتضاعف،فهم أمانة في عنقها،بعد أن تخلى عنهم كل من يعرفهم.
لم تكن سهى تتوقع زيارة كالتي حدثت ذات شتاء إلى مصنعها،فقد ظهر شقيق لأكرم يدعى أن هذه الأملاك تعود له، ويريد حصتها فيها.
أدعى أنه يمتلك وثائق الملكية.
وقال أنه سيباشر في إجراءات قضائية لاستعادة نصيبه.
وسيفكر في اصطحاب أحمد وساجدة وسمير للعيش معه،لأنه بات يخشى عليهم من الضياع.
تملك سهى الذهول،وأغمى عليها.
صاحت شريكتها هدى بأعلى صوتها: أين كنت يا سيدي وزوجة أخيك وأولاده يبيتون جوعى ؟
أين كان قلبك وسهى تعمل عشرين ساعة في اليوم؟
"هل تعرف أشكال أولاد أخيك أو أسمائهم "؟
أنصرف من هنا وأسأل عن كفاح زوجة أخيك يا ….…..
أصفر وجهه وأحمر خجلا،وعاد يجر أذيال الخيبة، ولم يفكر في مجرد تقديم اعتذار على ما بدر منه.
هرعت هدى إلى برّاد الماء، وسكبت القليل على وجه سهى،إلى أن عادت إلى وعيها والدموع تقتطع مساحات وجهها الباسم.
قالت: مش حرام اللي بصير يا هدى.‍؟
وين قلوب الناس؟
حرام عليهم…
الله يجازيهم …
ردت هدى:انصرف ولن يعود، فقد قلت له:سأتصل بالشرطة في المرة التالية،إذا دخلت إلى هنا.
جمعت سهى حطام قلبها، وواصلت تحديها،وضحك قلبها لأول مرة مع رنين الهاتف الذي أخبرها بنجاح ابنها أحمد بتفوق في جامعته.
قال لها عبر الهاتف: سأصنع لك السعادة يا أمي،وسأنسيك كل هذه الهموم التي طاردتك.
أجابت:سأواصل عملي إلى أن أموت يا أحمد.
انقلبت الدنيا، وقدم إليها شقيقها الأكبر عثمان، بكي لها فقره الذي نتج قلة تدبير وإسراف. لم تستطع غير مساعدته، وقالت لها:أرجو أن تغسل قلبك،وتتذكر الماضي….
فكرت في الحصول على ما فقدته من أرث والدها الذي حرمت منه بطريقة أخرى،فذهبت لوالدها واتفقت على شراء قطعة من الأرض تمهيدا بناء منازل لأولادها،وافق الوالد بسرعة،وقرر أن يستمر في التآمر على سهى،وعلى جناح السرعة،منح نجله عثمان وكالة دورية تنازل بموجبها عن أملاكه له،وخدع سهى،في بيعها أرضا بصورة صورية،وقبض نقودا بدل بيع وهمي،إلى أن اضطرت اللجوء إلى القضاء لانتزاع حقوقها.
في استراحة الغداء،جلست هدى وسهى في مطبخ ورشتهما المشتركة،قالت سهى لصديقتها: لا أدري لماذا كتب علي كل هذا الشقاء؟
هل لأنني امرأة؟
أم لأنني وحيدة ؟
أم لأن الذئاب لا يكتفون بفريسة واحدة؟
حاولت هدى التخفيف من نقمة سهى: وقالت المهم أنك صنعت نجاحاً، وطاردت الذئاب التي أرادت اصطيادك والإيقاع بك، وهذه ضريبة النجاح.
ضحكت ضحكة قسرية، وردت: ليت الرجال الذين يفقدون زوجاتهم، يصنعون القليل مما نصنعه نحن، وذهبت كل إلى شأنها.
في الطريق إلى البيت، سمعت سهى زغرودة تنطلق من بيت مجاور، سألت عن السبب، فوصلتها الإجابة: رزق الله فلانا وليا جديدا للعهد. ضحكت، والقهر يهددها، لا نتمنى أن نكون رجالا، كي لا نصبح ذئاباً!!



























دموع في قبضة الجلاد :


قضبان وشوق

لا تعترف القضبان العمياء بالقلوب المثقوبة شوقاً…

كان الذَنبُ الوحيد الذي رُميت صفاء باقترافه أنها عشقت القلم والكراس، منذ اليوم الأول الذي عرفت فيه دفء مقاعد مدرستها الصغيرة. صارت الأيامُ تتآمر على نفسها، إلى أن أوصلتها إلى الجامعة. فغرفتها المتواضعة امتلأت جدرانها بشتى أنواع الشهادات والأوسمة وكلها كانت تنطق: صفاء الطالبة الأولى، المهذبة، المجتهدة، الذكية، وفي نهاية كل واحدة تجيء عبارة: نتمنى لها التقدم والازدهار والنجاح الباهر…
أسرعت صفاء لدراسة الصحافة، المهنة التي عشقتها، فهي تريد دخول بلاط صاحبة الجلالة، أو السُلطة الرابعة كما كانت تستمع إلى أحاديث من سبقها في المهنة بسنوات.
راحت تُوثق كل ما يمُكن أن يساعدها بعد دخول سوق عمل لا يعترف وفق تصورها وما تعلمته إلا بالأقوياء في مهنتهم. شَهِدت اغتيال الرئيس الجزائري محمد بوضياف وهي في السنة الأولى من دراستها، وكتبت عن إعلان المبادئ الفلسطيني –الإسرائيلي الذي لم يخرج لها والدها من سجن منزوع الشمس والحرية، ووثقت حكايات عشرة شهداء سقطوا في انتفاضة النفق عند أبواب بلدتها.
كان الشوق يجعلها تطير حلماً وفرحاً، كي تصل إلى يوم التخرج، وبعدها تحقق أمنية والدتها في مشاهدتها صحافية تستوطن الشاشة الصغيرة، وتتحدث عن المعاناة التي ذاقتها، فوالدها أسيرٌ منذ أن كانت في السادسة من عمرها، تعرفت عليه من خلف أسلاك شائكة، لم تنعم بقبلته أو حتى بمصافحته المستقلة، وبدأت تنسج علاقتها به بالصورة والكلمة والحُلم.
ذات لقاء أكل الزجاج والمعدن حرارته العالية، أخبرت صفاء والدها برغبتها الجارفة في أن تصبح صحافية،فلعلها تستطيع نقل معاناته للآخر، وتكون شاهدة على حرمانٍ غير مشروع من أب اقتطعت القضبان أجزاء طويلة من حريته الحمراء، وتُقدم جزءا من مَعروف لزهرة قلبها وسَيّدة روحها التي كانت في كل يوم تؤكد لها أن الأمومة شيء لا يمكن الإطاحة به إن كثُرت الانقلابات العسكرية والاجتماعية و غيرها في بيوت الأرض.
تخرجت بتفوق وامتياز، ولم تسعفها إمكاناتها من إكمال تعليمها العالي فراحت تجوب مؤسسات مدينتها وغيرها أملا وطمعا مشروعاً في وظيفة،لم ترغب بالهجرة، فأوضاع أسرتها المُقلصة والمتباعدة لا تسمح بذلك.
انهالت عليها عروض للعمل خارج الوطن، وجافتها الفرص في بلدها الذي أحبته، لكن من فيه حاولوا فصلها عنه.
في كل مرة تسأل فيه صفاء عن مصير طلبها، تكون الإجابة: إذا ما حدث جديد فسنتصل بك، ولا زلنا نحتفظ برقم هاتفك( يخرج المسؤول الطلب ويكرر لها الرقم 1243456،بريدك الإلكتروني مخزن في حاسوبنا safai@job.com)… ولا عليكِ !!
بعد ستة أشهر، بدأت أحلام صفاء بالتبخر، تسللت إلى المدينة البعيدة تطلب مراجعة مسؤول رفيع بعد أن علمت أن من تخرج بعدها بمواصفات أقل، سَبقها للعمل في المؤسسة ذاتها.
دقت باب المسؤول،قائلة: صباح الخير.
كان منشغلاً بهاتفه، وتجانبه لوحة ذهبية كُتب عليها:"خُلقنا للعطاء كما السنابل".
فرغ من مهاتفته غير ذات الصلة بالعمل ورد بشهوة:" صباح النور يا أَمر".
امتعضت من الإجابة.
سألته عن طلبها.
أجاب: معنديش فكرة!!
صفاء:كيف هذا وقد سلمتك الطلب بيدي!
يتظاهر بالنسيان والانشغال.
تُلح ثانية.
يسيل لعابه قائلا: "عمق المساعدة، من عمق التسهيلات!!"
تتعرف بذكائها أنه يريد إشباع غريزته الحيوانية، فترد بتوبيخ : أخرس، يا قليل الأدب!!
تخرج غاضبة، وتعود لبلدتها.
في الحافلة، تتقابل فجأة بصديقتها التي توظفت في المؤسسة ذاتها، تظاهرت صفاء أنها كانت في زيارة لصديق والدها المقرب، ولم تذهب في شأن وظيفي كما في كل مرة.
سرقت صفاء من علا سر توظيفها السريع.
" ضَحكتُ للمسؤول،والناس ما بيَاكلوا بعض…!!"
تضطر صفاء لمكاشفتها بالحقيقة، وتقول: "تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها."
تعقب صديقتها: نحن اليوم في عصر العولمة يا صديقتي، والناس تغيروا. تقرر مقاطعتها، وتبحث عن مكان شَاغر في الحافلة…
تعود إلى المنزل بوجه توغَل الحزن فيه لتنثرُ لوالدتها أجزاء مما حصل معها…تطبع والدتها قُبلة على جبهتها، وتَضمها إلى حضنها…
يقترب موعد الزيارة،وتتهيأ صفاء لنسيان ما حل بها،وتذهب للقاء والدها الذي تُباعده عشر سنوات عن الحرية، يسألها عن تطورات وظيفتها، تدعي أنها وُعدت خيراً، تكمل إرسال مقطوعات شوقها لوالدها، بقَالب صحافي تطور عن كل مرة، يتبادلان البكاء، وتقطعه صافرة تأمر بانقضاء الزيارة ….
تتأثر سماح بما حدث، وتعود وأمها لتنكب على إفراغ حزنها إلى كراس يومياتها.
الأربعاء،26 شباط 1997:
" بعد تسعة عشر يوماً من رحيل عيد الفطر، الذي لم يكن سعيداً، فأنت يا أبي لا زلت مكرهاً على البقاء في زنزانة كنت تقول لي في اقتباس عن ثَوّريٍ راحل: سَأُقبلُ أرض زنزانتي لأنها جزءاً من أرض وطني…
لست ادري لماذا أمطر فؤادي في زيارتك هذه دمعاً مدراراً.
أبي العزير، الغائب-الحاضر، أرجو أن تسامحني لأنها المرة الأولى التي أُكره فيها على ممارسة الكذب عليك.
ستُسرُ يوماً لأنك باق في القلب، ورسمك يطوق عنقي، ويقترب في عقد غال صنعته أناملك من قلبي ليظل حارساً على نبضاته."
تفتش صفاء في اليوم التالي عبر شبكة الإنترنت عن فرصة ما، يضحك لها الحظ لأول مرة في حياتها،تتعاقد مع صحيفة كبرى يحلم بها كل من تسلّق إلى الصحافة أو تَعلمها.
تسرع إلى أمها،لتلقي إليها بالخبر السار، لم تكتمل الفرحة، إذ سرقتها نوبة قاتلة كلفتها البقاء وحيدة لانتظار والدها، كما فعلت الأم مثلما راحت الذئاب تتهامس عليها….
أصبح قلب صفاء متنازع عليه بين أحزان والدها وانتظار والدها الذي راح المرض يطارد عافيته بعدما علم بموت شريكة حياته التي انتظرت غيابه.
أصبح الفرح يحتاج لإذن خاص كي يدخل قلبها المكسر، راح ليلها محتل بأحلام قاتمة، وفي كل ليلة تكتب في يومياتها:" عندما فرغت من بناء مسكني ضربه الزلزال..."
قبل شهر من استرداد والدها لحريته، سافرت إلى صديقه الحميم الذي ألح عليها المكوث إلى جانب ابنته، وما أن عادوا إليه لانتظار صاحبه الغائب إلا ووجدوا اللصوص قد سرقوا كل ما يمكن الانتفاع منه...!!












الوجع الثالث عشر:
خيانةٌ كخط الاستواء

عند خط الاستواء المصاب بالوهم، يتلذذون في ارتشاف الشاي الحار، ويضحكون بابتسامات مصابة بالعقم…

… "ومن يعتقدُ أن العمرَ يقف حجر عثرة في وجه أحلامي" شعار سري كان أبو فتحي يردده في أعماقه، بعد أن وقع في حبائل الغرام في سن مراهقة متأخرة. كان بارعاً جداً في اختلاق الأعذار لغيابه المتكرر، " والله يا أم فتحي تأخرنا اليوم في الشغل"،"عِنا مشروع بِدو شويِّة(قليلاُ) تعب"، " لا تنتظروني على الغداء "…
اعتادت أم فتحي والعائلة التي تتشكل من ثمانية أعضاء على ذرائعــه و أجبرت على تصديق تبريرات أبو فتحي التي صارت تتمدد وتتقلص كالمعدن الرخيص.
فتحي وشادي وسمير وعلي فدوى وشذى وسمر وعلياء، أصغرهم يتجاوز السادسة عشرة، وأكبرهم متزوج وله ثلاث أبناء، ينتظرون في بعض الأحيان جدهم وما يرافقه من عطايا، وربما هذا سر انشغال هؤلاء الصبية بمواعيد حضور الجد أبو فتحي أو اعتكافه في العمل، وفق ما أعتاد على التستر وراء شعار كهذا.
بعد أن رجع أبو فتحي من الكويت مكرهاً، بفعل الغزو العراقي لها في آب العام 1990، حيث كان يعمل في أحد مصارفها العريقة، فتش عن عمل يليق بسنه المتقدمة، فهو ليس ابن الأمس، وقد أكل الدهر عليه وارتشف القهوة، كما كان يُعرِّفُ على نفسه.
أسس مكتباً استشارياً بمشاركة مجموعة من المتقاعدين، وأصحاب الباع الطويل في شؤون المصارف، ومن هم على دراية بشكل كبير بلغة الأرقام والحسابات وسط المدينة.
كان المكتب يشرح الصدر برأي معظم زائريه، لأنه يحتل قلب المدينة، ويجانب مجموعة من مكاتب منظمات دولية تنشط لمساعدة المنكوبين كما ينشط بعض أفرادها في ملء جيوبهم بدعوى: "المُهَمَّشونَ أولاً، نحو حياة ديمقراطية، المشاركة في بناء منظومة مدنية راقية…."
أبو فتحي، اعتاد بداية المطاف، أن يُبرّمجَ وقته بشكل ميكانيكي:الساعة السادسة والنصف صباحاً يصحو من موته المؤقت، يجُـَمِعَ جسده المحطم، ويرتشف قهوة الصباح على شرفة منزله القَصري المطلة على عمارة مجاورة، ثم يهرع إلى المطبخ لتناول العسل والخبز الأسمر، لأنها الوجبة التي تصنع الصحة وتحافظ على رشاقة الجسد. وهذه العادة تمسك به بعض أولاده، وانقلب عليها آخرون، وسأم تكرارَ ترديدها سمير المعجب بالجبن السويسري والخبز الفرنسي…
ينطلق أبو فتحي، للعمل السابعة والربع، وكأنه موعد دقات"بج بن" اللندني، لا أحد في البيت أو الحي أو المكتب يتذكر يوماً واحداً تأخر فيه أبو فتحي عن عمله ولو لدقيقة واحدة، بل على العكس،كان في بعض الأحيان يُبَكر في القدوم ويسابق عمال النظافة المتحمسين.
يمتطى ركوبته الإلكترونية البيضاء ذات النوعية الثمينة، يرتدي بدلته الكمونية المحببة، يحمل حقيبة تضاهي في جودتها حقائب الوزراء ووكلائهم ومن تشبه بهم، يلبس أيضا نظارة شمسية يقول إنها هدية من أحد الشيوخ الذين خدمهم وصادقهم في غربته الطويلة.
يصل لمكتبه الأنيق، يفتتحه قبل الفَرَّاش، ويضع جدول أعماله، ويقترح مهمات لشركائه الذين اعتادوا على توجيهاته المثمرة، يطلب البنك المركزي للتعرف على نشرة المال، يقرأ الصحيفة ويركز على عناوينها الاقتصادية، يتبادل أطراف الحديث من عملائه ومندوبيه، يتفحص الصادر والوارد، يعيد الاتصال ثانية بالبنك ويأمر بتجهيز القهوة السَّعودية التي يسرفُ في تقديمها للضيوف والزبائن.
يخرج قليلاً إلى السوق، يتفحص بعض القضايا، ثم يعود إلى قواعده غانماً.
على الساعة الحادية عشرة والنصف يعقد اجتماعاً للموظفين، يعطي توجيهات ويتبادل أحيانا الضحكات معهم، ويطلب من أبي رشيد فرَّاش المكتب إسماعه نكتة جديدة تُضحك أعماقه الصحراوية. يكرر طلب فكاهات من طراز خليجي كتلك التي لم يرددها دائماً: في واحد و كّل محامي، طلع من عنده جعان" وبخاصة في أيام حصد المزيد من الأرباح.
الثانية ظهراً يعود للبيت يتناول الغداء مع العائلة، يخلد قليلاً إلى الراحة، يكرر الذهاب "لوجبة عمل" مسائية يطلق عليها : الدسمة والتي تجلبُ الرزقَ الوفير.
يتابع ما شرع به في الصباح، يتأكد من إنجاز الموظفين لواجباتهم، يعود في السادسة إلى البيت، يتصل بسمير كي ينتظره في المدخل الرئيس للمنزل، لأنه سيخرج كما في كل مساء خميس في مشوار رياضي. يسيران قليلاً ويعودان لحفلة سمر عائلي ويَستقبلونَ أو يُستقبلون، ثم يموت النهار ويخلد في العاشرة تماماً لنومه.يكره الإصغاء سوى لنشرات الأخبار الاقتصادية، ولايهتم مطلقاً بالسياسة التي يتهمها بمن أخسرته الكويت وعملها ومالها.
وفي الصباح التالي تتكرر الاسطوانة التي لا تتوقف…
بقي أبو فتحي على هذا الحال إلى أن وقع في غرام غير متوازن مع فتاة شقراء اعتاد على رؤيتها كل يوم وهو يرتشف القهوة. حاولت الحسناء الفرار منه لكن أناقته وأسلوبه ولسانه العذب أوقعها في المصيدة أيضا.
هند الشقراء في عمر فدوى، فهي بالكاد أنهت من دراسة إدارة الإعمال، وبدأت تبحث عن وظيفة.
وصلت ذات يوم إلى مكتب أبي فتحي،لم يصدق ما يُشاهده، فكأن هنداً قادمة من سويسرا، بدأ بملاطفتها ووعدها بوظيفة قبل أن يخبرها بعشقه لها في زيارة ثانية.
طرأت تغيرات كثيرة على حياته، لم يعد يلتزم بالمواعيد، راح يتأخر عن البيت ويختلق الأعذار لتبرير ذلك أمام أم فتحي… مر الملعوب بسرعة الضوء على الزوجة المسكينة، وراحت تبحث عن شيء يحبه كي يتناسى هموم العمل لحظة قدومهِ.
بدأ أبو فتحي يفتش عن أصباغ الشعر والعطور الباريسية الجديدة، ولم يبخل في هداياه على هند التي قرر أن يشغلها سكرتيرة له.
تطور هيامه بها، وانجرفت هي الأخرى وراءه. فهند تعَذبت مع خطيبها قبل أن ينفصلا لأنه لم يوفق في إسعادها، فمتطلباتها كثيرة.
قالت لنفسها:من الممكن استغلال أبي فتحي، والثراء عبر الزواج منه، فأيامه قليلة، وسأصبح مالكة لعقارات وسأشتري سيارة مرسيدس.
لم تكمل هند بلورة مُبادرتها "السياعاطفية " إلا واستيقظت من حلمها، وقررت أن تُنهي هذا الملف.
في غير مرة،كانت تقف أمام المرآة، وتخاطب نفسها: ما الذي سأستفيده، وكيف يمكنني القبول بزواج سري؟
وتُكررُ : بماذا سأُخاطبه فهو أكبر من أبي بخمس سنوات! وماذا لو َعرف أهلي بالحكاية؟؟
حملت هند خطتها إلى أبي فتحي، وارتأت إبلاغه بالحقيقة. طرقت بابه في صباح اليوم التالي وأعادت إليه ما قدمه لها من هدايا، وأخبرته بأنها ستعمل في البنك من الغد.
انهارَ : ليش يا هند … أعاد العبارة كثيراً؟
أكدَّ لها انه على أتم الاستعدادِ لبيع كل الدنيا مقابل حبها!
لم تعر كلامه اهتماماً.
طالبها بأن يظلَ صديقها في المرحلة الحالية، وألا تتسرّعَ في قرارها، لأنه سيموت لو خرجت من حياته ….
عاد إلى البيت محزوناً على غير مرحه.
سألته زوجته :خيرْ، سلامتك يا أبو فتحي...
ما الذي حَدث؟؟
ألف سلامِة أن شاء الله.
شو صار…شو ؟؟
تظاهر بالإعياء، واستعاد جزءاً من عافيته بعد أن أخبره شريكه عمران الناجي هاتفياً بارتفاعٍ كبير في أسعار الأسهُم التي اشترياها في الصباح.
في صالة الجلوس المستديرة مهدت أم فتحي لحديثها بألف قصة وقصة، بعد إلحاحِ فدوى عليها بإشعارِه بتطور عاطفي أقتحم حياتها، فزميلها في العمل، أراد معرفة رأيها في الارتباط معه بحياة زوجية…
والله يا أبو فتحي كبرنا كثير.
يرد: هاتيِ من الآخرْ.
فدوى
يقاطعها بانفعال: ما لها؟؟
سلامتك، تخبره بالموضوع، يعود إليه انفعاله.
بغضب: معِناش بنات بتجوَّز هيك، أنا بحب الصَّح!!
أنكسر قلب فدوى، وبات الخوف ينزلق إليه فالأيام تمر، ولم يطرق أحد الباب لأنها متواضعةٌ في جمالها.
حاولت الأم ثانية، دون جدوى.
ف ي المرة الثالثة أبلغته بخوفها من أن تتحول فدوى لعانس كعمتها، التي تسكن اليوم وحيدة، ولا أحد يكلف نفسه حتى بمجرد السؤال عنها…
تمسك أبو فتحي بموقفه.
قررت فدوى زيارة والدها في مكتبه، في مرة هي الأولى منذ أن كانت في الثانوية العامة.اشترت له هدية، وحاولت التقرب منه، عله يشعر بمجريات أعماقها ويرِقُ قلبه لها.
دخلت المكتب، كان الموظفون قد انصرفوا ولم يبق سوى والدها، قبل الدخول عليه استمعت إلى مهاتفته لهند،كان الوالد فيها على درجة كبيرة من الإِذلال،لم تستمع إليه فدوى أبداً وهو بوضعيةٍ كهذه كقطة تموء وتستدر عطف صاحبها، إذ اعتادت على ثِقتِه العالية بنفسه وعزَّته وُشموخهِ ورصانةٍ عقله.
تعمدت أن تقطع المكالمة وتفاجئه، فلم تعد تتحمل المزيد من تَكّسرِ رسمه الجميل في عقلها وقلبها.
قدِمت إليه، وحاولت تَقبيله.
صرخ عليها: كيف دخلتِ إلى هنا، ولماذا ؟
ادعى أن ما سمعته غير صحيح، هددها بالمعاقبة إذا ما عَلم أحدٌ بما عرفتهُ اليوم وأصرَّ على رفضه فكرة زواجها من زميل العمل، ما لم يراعِ إجراءات الزواج المـُتبعة.
أبدى عاطف كل استعداد لمتطلبات أبي فتحي، فالمهم أن تكون فدوى عَروسه. حضرت الجاهة إلى منزل أبي فتحي، الذي أستصغرها ووضع العقبات في طريق إنجاحها.
قال : المهرُ المقدم ثمانية آلاف دينار، والمـُؤخر عشرون ألفا!!
اعتقد والد عاطف أن زواج كهذا سيجلب للعائلة وجع الرأس، فقال: الله يخلى لك بنتك، والزواج قِسمة ونَصيب..
استأذنَ بالانصراف هو والجاهة الطويلة العريضة، ولم تستأذن الأحزان في التوغل إلى قلب عاطف وفدوى.
اعتكفت أياماً في غرفتها، ولم تعد تحتمل مشاهدة والدها العاشق الذي يحلل ويحرِّم ويُشرّع كما يحلو له.
نشب بعد الهزيع الأخير من الليل البارد في أعماقها "منولوج" قاسٍ، لم يخل من بكاء وعويل.
قالت: لماذا ُيحلّل والدي لنفسه الحب ويحرّمه عليَّ؟
هل هذه معاني الأبوَّة؟
متى سأموت؟
لو كنت أنا هند، ما الذي سيحدُث؟
هل أخبر أمي بالحقيقة؟
سأتصل بهند في الصباح، وأهددها بفضح أمرها إذا استمرت في السماح لوالدي بالاتصال بها؟
كيف سيكون رد فعل والدي، لو علم بأنني السبب؟
سأفتش عن العدل فربما أجده في الكتب؟
أتمنى الموت..
اختارت الصمت، وانتظار النزاع مع الموت الرحيم كما رددت في قلبها، وبقيت على هذا الحال إلى أن فاتها القطارُ الذي لا ينتظر أحداً، وتحولت لنُسخة طبق الأصل عن عمتها كاملة، أما والدها فظل ذليلاً لحب هند التي سافرت إلى فرنسا، وتزوجت من رجل أعمال يصغر أبا فتحي بنصف عمره.…




























أوراق صفراء:

يوميات وقحة

لا تفلح صفحات الأجندة في الوقاية من نقص المناعة المصاحبة للحروف العرجاء…

اعتاد مروان على الوقاحة، وصارت عنده كالخبز.لم يكن ينام قبل أن يمارس طقوسا ًمنها، يبدأ نهاره في اللهو والعبث، وما أن تأتي والدته لإيقاظه كي يذهب إلى مدرسته إلا ويشتبك معها ويتمترس تحت الغطاء: اليوم مزاجي معَكر ولا أريد الذهاب لأي مكان!!
كان مروان مسرفاً في اغتيال وقته في العلن، تبدأ لياليه في العاشرة وتستمر حتى الرابعة فجراً. اعتاد على ذلك النهج منذ أن أصبح مشروع ذكر، وساعده تفوقه في العمر على أخوته، وغياب والده الذي يعمل في الخارج ولا يشاهده إلا مرة كل خمس سنوات.
فشل في اجتياز الثانوية العامة، كان مولعاً بالتسكع في الطرقات باحثاً عن فرصة يغذي بها بصره. ولم يتوان عن فعل كل ما يمكن فعله للفت انتباه الجنس الناعم.
كان مروان على دراية بآخر صرعات قص الشعر، وألوان الجل الجديدة، و "الأفلام الثقافية" كما يسمونها هو ورفاقه، لم تسلم منهم الصحف الصفراء، فباتت صغيرة بنظرهم لأنهم يتفوق عليها في ألسنتهم فقط، وراح مروان يقول لرفاقه :أصلح أن أكون " رئيس تحرير" لنسخة عربية من " البلي بوي".
كوّن ومجموعة من المنحرفين شبكة لمثيلي الجنس، راحوا يمارسون عملهم في عمارة مهجورة وسط المدينة. حاولوا أيضا البحث عن مصدر يروج السموم، غير أن ضائقة سوادهم الأعظم كانت لا تسمح لهم بامتلاك ثمن علبة السجائر، فقرروا تأجيل الموضوع لحين الاستطاعة.
حاولوا الاعتداء على أحد المصارف إلا أن يقظة الحارس افتضحت أمرهم ففروا هاربين. اتفقوا على أسلوب آخر للسرقة يمول ممارساتهم.
ادعى مروان في اتصال مع والدة أنه يود فتح متجر لبيع الهواتف النقالة، وافقه الوالد بسرعة ظناً منه أن ولي عهده قد عاد إلى رشده.كانت المفاجأة أن هذه الخطوة لم تكن سوى مخطط من سامر لإيجاد مكان شرعي لممارسة ما يحلو لهم دون أية مضايقات من أي كان.
استغلوا وكرهم لمعاكسة الفتيات تارة، وللاستمرار في إشباع غرائزهم غير الشرعية. وابتدعوا طرائق جديدة لقتل الوقت، وأسرفوا في سهرهم والتخطيط لحملاتهم الصفراء. حاولوا الإيقاع بفتاة كل ما ارتكبته أنها قدمت لشراء بطاقة هاتف. لم تفسح لهم المجال وأمطرتهم بالشتائم نقلت ما حدث لأخوتها الذين قدموا إليهم وعاقبوهم بطريقتهم الخاصة.
في كل لحظة كان ينحدر في صفراوية سلوكه، لم يكن هناك أحد يردعه عن إكمال برنامجه الإباحي، وظل طليقاً دون أي قيد أو رقابة.
خرج بعد أن وصل التاسعة عشرة بموال الزواج، أُكرهت الأم على قبول ذلك بعد استشارة والده البعيد للخلاص منه.كانت تقول لنفسها:ربما يرجع لمروان عقله إذا ما تزوج. فتشت الأم عن عروس مناسبة،أعياها ذلك فالكثير ممن سمع عن مروان نفر منه ورفض قربه، فمن يلقى أبنته في النار !
ناضلت الأم كثيرا فالرفض أصابها بنوبة إحباط، وأشعرها بأنها فاشلة في كل شيء والدليل البكر مروان الأكثر برودة من الثلج.
عثرت أخيرا على بنت من إحدى القرى يعانى والدها تضخما في عدد الأبناء. فهو متزوج من أربع نساء، وبالكاد يتعرف على أسماء أولاده. وافق بسرعة لأن ابنته ذات السادسة عشرة ستتيح المجال أمامه لتقليص نفقات والتزامات صارت تتفوق عليه يوماً بعد يوما، كما سيتلقى مبلغاً لا بأس به من المال لقاء ما سيقتطعه لنفسه من المهر.
جرت مراسم العرس وكان مروان يقول لرفاقه: سأجرب الزواج، فهو مسألة لا تختلف عن انتقاء بنطالا من النوفيتيه، وإذا لم تعجبني المسألة فسأغيرها…!
لم تقف مؤتمرات مروان الصحافية عند هذا الحد بل تجاوز الخطوط الحمراء.
مر شهر على زفافه، وراح يطور صفرارويته، ظلت المؤتمرات على حالها وتطورت في تقنياتها. فمروان قائد الجوقة بات شاهداً مجرباً.
نقل لأصدقائه كل أسرار الحياة الزوجية الخاصة، ولم يكن يفرق بين خاص وعام، تمادى كثيراً وأثر ذلك على زوجته مروة.كان يقدم لهم كشف حساب بلياليه الحمراء، ولا يبخل لهم بالحديث عن أيام حيض زوجته…
تحول بيته اللصيق بمنزل عائلته لمزار،كان يبالغ في دعوة رفاقه إلى بيته، وطبعاً يثكل كاهل زوجته بطلبات الشاي والقهوة. طوّر الزوج خدمات الضيافة بتقديم مشروب روحي سبب نزاعا بينه ومروة المسكينة.
راحت مروة تنصحه بالعودة لرشده والاهتمام بالعمل. في كل مرة كانت السخرية عنواناً للتغذية الراجعة من زوج شاب لا يفهم شيئاً من الدنيا غير نصوصاً إباحية ومصطلحات لا يتداولها إلا الرعاع.
لم يكن مروان بحاجة إلى وقت كبير من جانب رفاقه لتحويل منزله لعلبة ليل صغيرة، يمكن أن تسعدهم في الفرار من مسؤولياتهم وهمومهم وتعيد ذكريات محل الهواتف النقالة الذي لم يعمر طويلاً. رد بالإيجاب وراح يطور من همجيته وسلوكه الحيواني.
أحضر سامر الأقرب إلى قلب مروان مشروباً معتقاً سرقه من حانوت المدينة. وأتفق مع ثلاثة أخريين على إسكار مروان في بيته حتى الثمالة، فعلوا ذلك وخططوا لاغتصاب مروى. حاولوا تنفيذ ذلك وقاومت مروة باستماتة للدفاع عن شرفها. تظاهرت بالموافقة وادعت أنها ستُحضر لهم ضيافة خاصة.
تسللت إلى المطبخ ووضعت وعاء الطهي على نار الموقد. سكبت زيتاً في الوعاء تساقطت عليه القليل من الدموع، و ناضلت كي توصله لأعلى درجة غليان.
خرجت إليهم، فيما زوجها يخلد في ثمالته، ويصدر حديثا جنسياً خالصاً، رشقت سامر ومن معه بالزيت الذي آتى على وجوههم، وفرت إلى والدة زوجته.
كان منظرها محزناً، الدموع تقتلع عيونها والخوف يملأ قلبها الأبيض.

طرقت الباب بجنون…
أم مروان:"خير شو صاير؟؟"
أجابت بالبكاء.
أعادت الأم السؤال..
ردت مروة: اسألي ابنك!
تكرر الأم رغبتها للتعرف على حقيقة ما جرى.
مروان يا عمتي.
ماله.
تعالى وشوفي بعينك..
تخرج الأم ومروه إلى المنزل، وتشاهد ابنها الثمل، والأربعة المحترقة وجوههم يحاولون فعل شيء بعد أن أقفلت الباب عليهم.
تفاجئوا بأم مروان، وفروا على جناح السرعة. عرفت وجوههم وفهمت كل الذي حدث. بصقت على ولدها، وطردته من المنزل، أقفلت بابه واصطحبت مروى إليها.
قالت وكأنها اعترفت بخطيئتها: من اليوم أنت مثل بنتي، وسأضعك في عيوني. أخبرت زوجها بما حدث. كثيراً
رد قائلاً:خرجت من الدنيا بلا أبناء.
حاول ثانية تحميلها المسؤولية، صرخت في وجهه كبركان مندفع: "تعال شو، بدك مصيبة أكبر من هيك؟!"
تعثر فمه ولم يعرف بماذا يجيب.
بعد حفنة من الأيام، ألقت الشرطة القبض على مروان وسامر، وهما يسرقان أحد الشقق السكنية.


اتصل مروان بوالدته ليعلمها بما حدث وهو يبكي طالباً توكيل محامٍ.
ردت الأم: مروان مات من زمان و أقفلت السماعة….




































وجع ثلاثي الأبعاد:
الصمت الحرام
صار الصمت كعلبة سجائر!!
استعدَ حمدان في ربيع العام 1990 لدخول القفص الذهبي، وراحت والدته تفتش عن المرشحة لنيل لقب "صاحبة النصيب" التي ستكون زوجة ابنها البكر، جابت أم حمدان عشرات الأماكن، في كل مرة كانت تتملكها الحيرة ولا تدري هل تصلحُ من تقف أمام ناظريها عروساً لولدها الذي يمكن اعتباره ظاهرة على الأقل من كثرة الدعاية التي حظي بها.
استهلكت كل الأوصاف النبيلة، ولم تبق أي نعت يتصل بالرجال يتنعم بحريته، وكأن كل التعابير لا تصلح إلا لحمدان.
في كل يوم كانت تنهال على مضيفيها بطائفة أوصاف لا نهاية لها:الجميل، الشجاع، المؤدب، الغَيوّر، الحَنون، الكريم، الشهم، الذكي…..
امتلكت مَقدرةً عالية في تحريف الحقائق، فالقرد بعين أُمه غَزَال وتوصلت في خريف العام نفسه لمن رشحتها دخول بيت ولدها.
بعد كل جولة تستهلك الكثير من الطاقات، تستمع الأم لردة فعل ولدها:
_فاطمة قصيرة وأنا طويلٌ، ولا تُناسبني.
_ليلى والدها يعمل في مهنة مُتواضعة، ولا أريد التَقربَ منه.
_شعر صفية أسود، وأنا أحب الشعر الأشقر.
_كوثر سمراء، وأنا أريد زوجة حينما تشرب الماء يظهر من زَورِها‍..
_سميرة فقيرة ونحن أغنياء يا أمي.
_يقولون أن أحد أشقاء عالية كفيف، وأخاف أن تنجب أطفالاً مثله، إذا لا أريدها يا أمي.
_عرفت أن سعاد كانت مخَطوبة منذ عامها الأول لأبن عمها، وابن العم بِنَزل عن ظَهر الفرس…
أخيراً اصطادت الصّـِنارة رُقية ابنة أبو حسيب من القرية المجاورة، فرح حمدان وأمه وأشقاؤه الخمسة، وأختاه الاثنتان.
فهي ممشوقة الطولِ، مؤدبة، بيضاءَ، خَجولة، صامتة، نجحت في اختبار الفحص:فأسنانها قوية، وسمعها مرتفع، ونظرها حاد، ومكتنزة الصدر أيضاً، وهذه الشروط التي أوصى بها العريس المُدَلل.
في هذه المناسبة تذكرت أم حمدان زوجها الذي قَتلهُ المرض قبل ستِ سنوات، وكم كانت تتمنى وجوده في هذه اللحظة.
عَلّلت نسوة الحي ثلاثة أيام، وفَرِحنَ بعرس حمدان.في يوم الجمعة عرف العُرس طريقا لبيت العائلة، غَنّوا وأَكلوا وشَرِبوا وشارَكهم أهالي الحي في حفلتهم …
تعرف حمدان إلى رُقية، وبات بعد أيام قليلة من زواجه يحدد لها قائمة الممنوع والمسموح:
أمرها بمساعدة والدته في أعمال البيت، فقالت له:"على راسي من فوق."
أخبرها بواجبها في خدمة أخوته،لم تبد معارضة.
طلب منها مساعدته في الحقل، فعملت أكثر منه.
حذرها من عواقب الإسراف، فهزت رأسها.
نهاها عن مخالفة أَوامرَ والدته،فأطاعته.
يوماً بعد يوم، صارت رقيه تكتشف حظها العاثر، وانخِداعها بحمدان، كان زوجاً ظالماً. ولم يَبخل بعرض عَضلاته أمامها، وراح يهددها بالضرب إذا ما خالفت أوامره مهما صَغُرت.
في الشتاء، وبعد شهر من الزواج، سرق حمدان كل ما تملك من حِلّيٍ، حتى خَاتم الزواج لم يسلم من القَرصنة وذهب ضحية جشع حمدان!
في اليوم التالي، قال الطاغية لزوجته:"أنا أخذت الذَهب،وبعته،فلم يعد يلزمك،العرس خِلص،وأنا اشتريته بمالي…!!"
لم تدر بماذا تخاطبه، فقالت له:"أنا واياك واحد يا حمدان."
هدَدّها بأن معرفة أهلها بالموضوع ستسبب لها وجع رأس لا نهاية له، فردت:"ما بصير إلا كل خير."
بدأت تتعرف على طباعه الأصلية:كان لصاً، بخيلاً، وقحاً، عنيفاً، عفناً، قذراً، متستراً بالدِين في مواقف تخدم مصالحه…
رزقا بمولودهم الأول ساري بسرعة، وراح وجع رقية يتضاعف، في ليل مظلم اشتدت أوجاعُ الرضيع فَراح يصرخ بكل قواه، أشعلت الأم قنديل الكاز لرؤية ساري ولمداواته، في صباح اليوم التالي عقد الزوج محكمة عسكرية للزوجة والتهمة: المبالغة في إشعال القنديل، وبالتالي تصاعف استهلاك الوقود، وهذا يتطلب المزيد من المال!
في نهاية المحكمة السريعة، قرر الزوج ضرب رقية، بتهمة الإهمال وعدم المحافظة على أموال زوجها‍..حاولت الدفاع عن نفسها وتوضيح ما حدث،لم يمنحها الفرصة وتمَادى في الاعتداء عليها.
استغلت بعد يومين انشغاله بطقوسه، فقد كان يحُصي نقوده في اليوم أربع مرات؛ خشية أن تكون رقية قد تصرفت بشيء.حملت ساري وفرت إلى بيت والديها.
استغربت أمها من سرعة شجارها وزوجها، ألحت عليها "كَسر الشر" والعودة إلى بيت زوجها، استجابت لضغوطات الأم ورجعت من حيث أتت.
كان حمدان في انتظارها،وقرر أن يلقنها درساً سيظل يُطاردها، اجتمع بإخوته وادعى أنه أكتشف أن جناً يستوطن جسد زوجته، ولا بد من تخليصها منه، وبذلك قال في نفسه:نعاقبها ولا أحد يستغرب ما نفعل.
نالت الفكرة إعجاب أخوته، قال مؤيد:أكيد رايح الناس يشجعوننا !
قرروا توجيه ضربات حادة على رجليها، فلعل ساكنها المختلق يفرُ،وتنفتح أبواب الرزق للعائلة.
أجبروها في البداية المبيت خارج المنزل، وضعوا الصُبّار على جسدها، قبل أن ينهالوا عليها بالضرب.
لم تصمد فهربت ثانية برفقة ساري إلى أهلها، أعلمتهم بما حدث فحاولوا التحقق من صحة ما جرى،لم تمهلهم أوجاع ابنتهم الوقت فصرخاتها راحت تعلو يوماً بعد يوم، تشكلت في أعماق رقية صدمة نفسية، باتت تحَتم عليها التحول إلى زَبونةٍ للأطباء النفسيين.
كانت ضائقة أبو حسيب المادية في ذروتها،لم يكن أمامه سوى بيع قطعة أرض كي يعالج ابنته فزوجها لم يكلف نفسه حتى مجرد السؤال، وولدها أيضا، يحتاج لمستلزماتِ وأدوية.
تفاقمت أوجاع رقيه، ولم تعد أُمها تتحمل ما يجري، إلى أن وصلت إليها السكتة القلبية،حزنا على الزهرة التي ذبلت..
ظل أبو حسيب يُكابد إلى أن شفيت ابنته، استغل حمدان تعلق زوجته بابنها ساري، فقرر تهديدها بين العودة إلى المنزل أو التخلي عن ساري، أكرهت ثانية على التوجه إلى الجحيم بأرجلها.
لم يتغير شيء عن السابق، وعلى العكس راح الطاغيةُ يصعد من إجراءات حقده،قرر هذه المرة الزواج من أُخرى. قالت الأم متضامنةً :"الضُرة مُرّه"،و عقد العزم على إعادة الرُوح إلى فريتهِ القديمة حول عودة الجن لجسد رقيه، التي تعرضت لوجبة إضافية من التنكيل، قررت بعدها الفرار لوالدها برفقة ساري الذي كبر وسماح التي رأت النور قبل عام.
توجه ساري إلى مدرسته، لكنه لم ينعم بدفئها غير أيامٍ معدودات، فكل الأوراق الثبوتية في يد والده، الذي لم يفرج عنها، وظل ساري بلا مدرسة وبلا شهادة ولادة.
عادت الضائقة النفسية إلى الأم، وأخذت هذه المرة روح والدها.
صار على رقية الدمج بين معاناتين : وفاة والديها قهراً بسببها.
قالت لنفسها:ما العمل الآن؟
ردت :طلب الطلاق.
فكرت بالقول:المحكمة، فربما تعيد إليَّ أولادي؟
استعانت بأخيها الوحيد الذي راح الفقر يطارده، لكن وهن القضاء أدخلها في دوامة.
صار الزوج يتنعم بمال رقية الذي سرقه، وراح يتصنع و يتذرع بالفقر وسوء الحال.
احترف الاستجداء، والقِمار، واللُصوصية وادعى أن ساري بحاجة إلى عملية زراعة قلب، كي يجمع المزيد من المال وبالسرعة القصوى.
حرص حمدان على تبديل أمكنة ممارسة مهنته، إلى أن جمع أموالاً طائلة.
على الجانب الآخر أضاف الفقر فقراً آخر إلى رقية وساري وسماح، كانت تمر أيام وهم لا يذوقون غير الخبز الممزوج بشاي السكر القليل،نَسِيَ ساري المدرسة مثلما نسي طعم اللحم لولا حلول العيد.
صار الفقر يتمادى على العائلة، ولم يعد باستطاعة الأم متابعة علاجها، قالت لنفسها: سأسجن في البيت، ولن أشاهد أحداً …
تآكلت رقية إلى أن مات جسدها بالهزال، وتوفيت بالضبط في سكتة قلبية بنسخة ثالثة كالتي ألمت بوالِديّها.
وبقي ساري وسماح لتيه الصحراء…
































وجع ورقيب:
حنان تحت الحراسة
في منتصف الطريق، يتحول حليب الأم إلى سلع زرقاء وصفراء ممنوعة…

اصطدمت كرمل وهي تقرأ في مكتبة مدرستها بنص أعاد استفزاز جراحاتها، لم تجد غير البكاء الذي أصبح اعتيادياً في حياتها، فهو كما كانت تكرر: مثل الماء الذي نحتاج لارتشافه كل لحظة..
لم يكن النص المقصود سوى أشعاراً تألقت في استهداف مقتلها" أحن إلى خبز أمي وقهوة أمي ولمسة أمي…"، التفت إليها صديقتها المقربة شذى ومسحت لها دموعها، قائلة: كفى يا كرمل!
تعود "كرمل" أدراجها إلى ما يمكن تسميته بالبيت تجاوزاً، والدها يمضى كل نهاره وراء مشغله الصغير في إصلاح ما أفسدته أيدي الناس من أدوات منزلية، وهي لا تكاد تنسى حكايتها المرة.
تقول لشذى في كشف لأسرار حياتها: ولد أبي العام1957، ونشأ في أزقة مخيم، ثم هاجر إلى بلد عربي وبدأت معالم قصتنا بالتشكل. إذ أسرع القدر إلى جدتي ولحقت به جدي بعد ثلاث سنوات، وبقي أعمامي الأربعة وعمتاي يتناولون الشقاء كالطعام.
كان والدي حكيم عادياً إلا أن الألم الذي تكبده حوله لإنسان مختلف، فبعد وفاة والديه أخذ عمي الأكبر يتحكم به وبأخواته وشقيقتيه، لدرجه أن راح يأمرهم بفعل كل شيء لخدمته.
و ذات ليل قاتم، أنكسر قنديل البيت الذي استولى عليه عمي الأكبر، فأُمر والدي بالقراءة على ضوء مصباح الشارع والبرودة الملعونة تقتص منه والمطر يحاول التدخل في محتويات كتبه.
شذى مقاطِعة: وهل استطاع النجاح؟
نعم، وكان متفوقاً.
كان والدي مولعاً بجمع نباتات الطبيعة الطبية، وأخذ في تصنيفها،لكن شقيقه طارد أحلامه ومنعها من النمو بحرية،ليضطر أبي لاحقاً إلى حياة تشرد طالت خيوطها لعشرة سنوات قضاها في رعي الأغنام وأعمال الأسمنت الشاقة، قبل أن يُهاجر إلى لبنان، ليلتحق بصفوف المقاومة.
تعرف أبي على أمي فاطمة التي عشقتها كثيراً، وراحوا يؤسسون بيتاً وعالماً جميلاًلم يرق للعاصفة إلا العبث به.
بعد سنة من زواجهما، حملت أحشاءُ والدتي جسدي الصغير.
كان والدي تمنى من الله أن لا يرزقُه إلا بابنة، لشدة ما رأى في حياته، فلم يرغب في أن يصدر مأساة لغيره.
و لا زالت محطات استغراب الطبيب الذي قال له إنها المرة الوحيدة في حياته التي يشاهد فيها رجلاً يبتهل إلى الله بأن يُرزق بأنثى، وكم كان شعور ذاك النطاسي السمين وأبيض البشرة والشعر غريباً في اللحظة التي قال له والدي، إذا رزقني الله بولد فسأتركه في المستشفى‍!
وبعد لحظات صدح صوتي في ممرات المشفى فيما كانت الحرب مشتعلة ولا يكاد الناس يستمعون إلا أصوات القذائف وسيارات الإسعاف، ولا تشتم أنوفهم غير رائحة الموت الأسود الممزوجة بالثلج الناصع.
أصاب والدتي حمى النفاس، مثلما أكتشف أبي والأطباء حالة مستعصية من الأمراض العصبية تحتل جسدها، وصارت تحتاج لجرعات منتظمة من الأدوية.
انتقلا إلى شمال لبنان هرباً من الحرب، وأنا في أيامي الأولى، وسط جو ثلجي قاس في برودته مرتفع الحرارة بفوضى حربه،لم يكن أحد من معارفنا أو جيراننا يرغب بمساعدتنا نظراً لحال أمي، راح أبي ينتظر أسابيع إلى أن افتتحت الطريق إلى دمشق من الثلوج فطِرنا باحثين عن طبيب.
أجبر والديّ على التحول لإنسان آخر، فاعتكف طوال شهر لرعاية أمي وأنا في كل احتياجاتنا، وبدأ يستمع إلى دعوات الجيران للتخلص من أمي والإلقاء بها بعيداً، والزواج من أي واحدة بمجرد إشارة، فالمهم أن يتخلصوا من أمي المريضة
ثانية تنهمر الدموع من كرمل، وتحاول شذى إيقافها عن الكلام والتحدث في شأن آخر.
تصر هي على المتابعة وتستأنف الأخرى محاولات كبح لسانها عن النطق، ولا تفلح في ذلك…
رفض أبي أمي، وأستمر في رعايتها إلى أن طرأ تدهور آخر على صحتها أستوجب نقلها لأحد مشافي الأمراض العقلية، وهناك قرر الأطباء حجزها، لأنها حالة ميؤوس منها ومن المستحسن الحجر عليها.
رفض أبي ذلك، وواصل رعايتها، وأخرجتها من المشفى على مسؤولية وبدأ ثانية في رحلة أكثر تعقيداً، إلى أن عرف الشقاء طريقه إليها.
كان والدي لا يذوق طعم النوم، وصار في النهاية يتعاطى حبوباُ مهدئة لهول ما شاهده، وعاشه من تفاصيل وضغوطات.
وعقب أربع سنوات خرج شقيقي "كميل" إلى الحياة في عملية قيصرية، بيد أن الأطباء قالوا أنه لن يعيش غير عشر سنوات وسيهلك، فهو منغولي ويعاني إعاقات متشعبة. وفي سنة 1990 جاء "سليم" إلى الدنيا.
تحاول كرمل الفرار من ذاكرتها والتوقف عن استذكار السيرة والمسار التي حفَّظَها لها والدها، فتفشل في ذلك لأنها تفتش عن مساحة حرة للبوح، فربما استطاعت الكلمات قتل الغليان المتصاعد في أعماقها.
تشد الرحال من جديد إلى الماضي فتنهال على شذى: قرر أبي الرجوع إلى البلد الذي هاجر منه، وأصبح زبوناً في سجونه وأقبية تحقيقه،ولم يكن يحمل أي وثيقة سفر.
على حين غرة قدم عشرة رجال واقتادوه معهم، شرعوا بتعذيبه وخيروه بين الترحيل إلى بلده برفقة أطفاله الثلاثة أو القبول بالتعامل معهم،لكن رفضه أدى إلى ترحيل والدتي إلى بلدها العام 96.
طاردتنا السلطات، مثلما اتفق الفقر على الاقتصاص منا، فلم نعرف خلال عشر سنوات سوى الفلافل والحمص، ونسينا أصناف الطعام.
رجعنا إلى وطننا، وبدأنا في حياة عذاب بنسخة ثانية عمل في مهن شائقة، وأكرهنا على العيش في شيء يشبه المنزل، كان بيتنا عبارة عن محل تجاري قديم بعرض ثلاثة أمتار، وبطول ستة، قام والدي بتقسيمه لثلاث أجزاء، واستحدثت غرفتي نوم ومطبخ،وكنا ننام على رفوف كأسرة السجون.
استمرينا في ذلك المكان سبع سنوات، وحرمنا من كل شيء،كان التفاح والموز والشوكولاته واللحم والآيس كريم وغيرها أعداء لنا.
تمسح دموعها بنفسها، وتتجاوز أحزانها، لتقول من جديد: في سنة 96 دفعت ضغوط الأقارب أبي للزواج، ماطلهم ورفض في البداية لكن إلحاحهم أجبره على ذلك.
دخل في زواج لم يكن إلا أسمياً فلم يرغب بالإنجاب، وراح يتفنن في اختلاق الذرائع الكثيرة عن سبب عدم حدوثه.
كان يقول لنفسه: إذا ما أنجبت أطفالاً، فسأتسبب لهم بمزيد من المعاناة، وسأجعل أولادي غرباء ومضطهدين من جانب زوجة والدهم. ومن هنا اشتعلت نار المشاكل من جديد.
في سنة 2003، قدم الجيش إلى بيتنا وأسروا أبي؛ اعصبوا عينيه وأوثقوا يديه وانهالوا عليه بالضرب، اقتطعت حريته لثلاثة أشهر، وحاولوا نفيه من جديد…
في نهار مرتفع الحرارة، اخترقت ثلاث رصاصات أمعاء أخي سليم وكاد يموت لولا لطف الله.
لتسع سنوات جاهدنا في البحث عن أمي التي لم نشاهد طيفها، ولم نستمع إلى صوتها، ولم ننعم بلمستها، كما غاب عنا حنانها، وفي النهاية توصلنا لها عبر صديق والدي الذي زار لبنان وفتش عن عنوانها.
تحدث البكاء عبر الهاتف، وباتت المصيبة تنمو بسرعة، فمن نصغي لصوتها لا يمكننا أبداً التمتع بالنظر في عينيها أو الاقتراب من حنانها.
تنهال كرمل بأسئلة على شذى التي لا تدري بماذا تنطق، وتكتفي بالبكاء….
إذا تخرجت من الثانوية العامة ودخلت الجامعة، فلا أدري كيف سأنال شهادة وأنا بلا هوية؟
وماذا عن تنقلي ؟
عندما يوقفني جنود الحواجز وقطاع الطرق، ماذا سأقول لهم؟
هل سأجد من يوظفني؟
كيف سأقابل أمي؟
هل سأقابلها فعلاً؟
طوت كلماتها، بصوت خافت: أنا بين خيارين الموت أو الموت..































وجع رقمي:

شيطان

الشياطين تستخدم الهواتف النقالة الفاخرة والرخيصة على حد ٍ سواء!!

على عجل أمسك سعيد هاتفه الخليوي وطلب مركز الشرطة، في المرة الأولى كان الخط مشغولاً، وفي الثانية كانت الخدمة غير متاحة، وفي التالية تقطع الصوت لضعف جهاز الشحن، وأخيراً أفلح في صيد من كان على جهة الخط الثانية.
ألو : أنا واحد مجنون من خلة السهلة…
مسؤول المقسم في مخفر الشرطة :ماذا تريد؟
سعيد وقد غير نبرة صوته:قتلته وسرقت ماله، ويقفل الخط ويهرب إلى بيته.
مين ووين( أين)؟ ومين أنت؟
كان سعيد منشغلاً بالنظر إلى شاشة هاتفه الوقح، ويتمنى أن يكمل مكالمته قبل نفاذ ميزانيته الشحيحة.
في منتصف الطريق يضع هاتفه في جيب شفيق المختل عقلياً، ويفر بعيداً…
يعود إلى البيت يفتش عن طعام يملأ به معدته الجرباء، ويغفل الانتباه للشق الذي طرأ على قميصه بفعل محاولات أخيه الدفاع عن نفسه.
في داخل المطبخ تنتبه زوجته إلى الطارئ على قميصه الذي لا لون له، ويجتاحه العرقُ المركّز.
سألت بتطفل عالٍ: مال قميصك يا سعيد؟
يتلعثم قليلاً لأن فمه كان محشواً بورق العنب- النائم في المطبخ من أمس- المحبب إلى قلبه،ويمضي في الإجابة: علق بمسمار.
يخلع قميصه،و يستلقي في غرفة نومه، ولا يستيقظ إلا على جرس الباب وصرخات نسوة الحي : أخوك كامل.. كامل مات يا أبو وسيم.
نسوة لبعضهن:يقولون أن كامل مات في قلب القهوة.
أخريات : كيف،شو صار؟
متى حدث ذلك؟؟
أم كريم :بيقولوا انهم خنقوه…
يسترق السمع من خلف النافذة و لا تبدو على سعيد علامات الاستغراب، ويعود لإكمال نومه، فزوجته خرجت للمدينة وأولاده في المدارس والعمل.
يتسلل النبأ إلى مأمور الشرطة، ويشرع بفحص المكالمات الواردة هذا الصباح.
موظف الحاسوب مذعوراً : الرقم لأخيه!!!
يتخفى المأمور في زي بائع خضروات جوّال، ويقترب من منزل سعيد.
يدق الباب: يا أهل الدار….
يهرع إليه سعيد: ماذا تريد ؟
معي أن أردت بطيخاً وعنباً…
يسرق المأمور المتخفي بعضاً من صوت سعيد ويشك أنه هو الذي أخبره في الصباح عن جريمة القتل..
يسأله عن سر الصراخ في الحي: يتظاهر بأنه نائم منذ الصباح، فالمرض يطارده، ولا يعرف ما الذي جرى بالتحديد….
يعود البائع المأمور أدراجه، وتستعصي المسائل عليه.
يأمر دورية بجلب سعيد والتحقيق معه.
تأتي الدورية، وتجد بأن سعيداً يشارك في جنازة شقيقة، ويمتهن البكاء أيضاً….
في الجنازة، يسرب سعيد خبراً بأن هاتفه الخليوي قد سرق منذ يومين، فيرد عليه أبو علي وفؤاد وشوكت أبو فادي: شاهدنا هاتفاً مع المجنون شفيق …
في المساء، تأتي الشرطة وتطلب إخراج الجثة لتشريحها، لأن زوجة كامل طالبت بذلك…
في مركز الطب العدلي يكتشف الطبيب أن كامل مات خنقاً، وليس كما راجت الشائعات أن سكتة قلبية قضت على روحه، لأنه تعرض في أيام عمره لجلطتين خرج منهما " كالحصان " كما قالت زوجته في بيت العزاء…
تفتح التحقيقات، وتتعقد لأن المجنون راح ينادي في الحي: قَتَلتهُ.. قتلته …. وسرقت التلفون.
يضطر المأمور، لعدم توافر الأدلة تسجيل الجريمة ضد مجنون.
بعد انقضاء اليوم التالي، يقترب سعيد من زوجته ويخبرها بالسر: قتلته وارتحنا من غلبته، وستصبح أرضه كلها لنا فلا أولاد له، وزوجته ستهجر المنزل لبيت أهلها في المدينة، وسيخلو لنا الجو ….
الزوجة مستغربة قليلاً: كيف؟
سعيد: كان الأمر سهلاً، وضعت يدي في عنقه وهو نائم في قهوته قبل أن يصحو الديك، وحاول الدفاع عن نفسه وطعني بسكين، ولم يقوى على ذلك، فقد فارق الحياة، تسّتقطعُ الضحكات المشتركة حوارهما، ويمضيان للنوم واللهو…
تتذكر الزوجة الهاتف الخليوي، فيكشف لها الغمامة، وضعت في جيب المجنون شفيق، وسرقتُ مالأ من كامل ووضعته في جيبه…، "والمجنون بظل مجنون يا أم وسيم …"
تهم أم وسيم في احتساب الثروة التي ستنتقل لها ولزوجها وأولادها،تقول: سنبني بيتاً جديداً، سنزوج وسيم ونسيم في يوم واحد، سنعلم علياء القانون كما تتمنى.
في اليوم التالي، تعيد نشر أمنياتها وترتيب أولوياتها: تزويج الأولاد أهم، فتعليم أصفهان، ثم بناء فيلا كبيرة في رأس جبلنا الذي لا يشاركنا فيه أحد…
تسرع الأيام، وتأخذ تجاعيد الوجوه بالاتساع، وترحل زوجة كامل إلى المدينة، وثم تهاجر إلى حيث شقيقها الوحيد في ألمانيا. وتبدأ المخططات بالتنفيذ، يتزوج نسيم ووسيم، وتتعلم أصفهان القانون ويعلو البيت الكبير في الجبل الذي لا شركاء فيه، ويموت أبو وسيم بسرطان الدم، وتبقى الزوجة وحيدة …
تعود أصفهان من دراسة القانون في السويد، وتبدأ بالبحث في ملف موت عمها، تسأل والدتها عن التفاصيل،فتقول لها : قتله المجنون، وسرقه ماله، مثلما سرق هاتف والدك في اليوم ذاته.
تكرر ثانية :من أين سُرق هاتف والدي –رحمه الله-؟
وفي أي توقيت حدث هذا؟
تستغرب الأم من أسئلة أبنتها وتقول لها: روحي اسألي المجنون…
تكف أصفهان عن محاولاتها هذه أمام والدتها، وتحاول البحث عن الحلقة المفقودة، تفتش عن زوجة عمها و تعثر أخيراً على عنوانها، لكنها تتأخر كثيراً، فإكرام توفيت قبل ثلاث سنوات ….
تنازلت أصفهان عن مساعيها، فكل الأبواب أقفلت في وجهها، وشعرت بأن سراً كبيراً يكمن وراء قتل عمها …
تعاقدت مع مكتب المحامي عادل الأعمش مأمور الشرطة السابق، وانتبها لفطنتها العالية، تعرفا مع الأيام إلى بعض و حدث ما توقعه، حينما ألحت بالنقاش والبحث عن ثغرة ما في قضية عمها المغدور كامل.
أخبرها بنتائج التحقيق، وبتنكره في هيئة بائع للخضراوات،وأشار للاتصال الهاتفي من مجهول،قال باستعجال :قتلته.
كان ذكاء والد أصفهان، أنه أعلن لأصدقائه قبل أيام من الجريمة عن فقدان الهاتف النقال،وارتدى قفازات وهو يطيح بحياة شقيقه الوحيد.
عادت إلى البيت ورأسها يصارعها، اقتربت من والدتها مدعية تناسي الجريمة، وراحت تبحث في علاقة والدها بأخيه، اضطرت أم وسيم للكذب،ف هي أصبحت على يقين من ابنتها بأن المتستر على جريمة يناله نصيب من العقاب.
قبل أن تصل أصفهان إلى الحقيقة ألمت نوبة شبه قاتلة والدتها، واقتطعت صوتها وحركتها إلى حيث اللاعودة…،واستمر اختفاء الحلقة المفقودة…













دموع مزدوجة:
سطور عرجاء
هناك من يمتهن الانحراف المعياري ويمضي…


صراع !!
تنافست ثلاثة فصائل تسعى للحرية، على تبني الشهيد محمد الذي نال الرصاص الأعمى منه، قبل أن يجف دمه.
الروايات تكاثرت كبكتيريا لا تعترف بتنظيم النسل، والأصوات تعالت، والملصقات الكبيرة المدبلجة وسواها ملأت الجدران، التهديدات عاشت في المكان...
المجتهدون والمحللون لم يلتفتوا إلى الجانب الإنساني للضحية، الذي ترك أطفالاً وزهرات، سيحتاجون بل جدال لمن يتنافس على رعايتهم، ويمسح دموعهم !!
"النسوان"...
اللفظ العامي الدخيل على اللغة الذي يشير إلى النساء، يأتي على هذه الهيئة" نسوان"، ولا أحد يعرف من أخترعه.
في حي ما بالمدينة، يطلق الفتى سمير، هذا النص:" النسوان بدهن.......".
تسأله أخته: من أين تعلمت هذه الكلمة؟؟
يجيب عليها: سمعت الناس "بيحكوها" في الشارع...!!
مراقبون لا يجيدون استخدام "الكالكوليتير"!!
في الحي الممتد، تنهمك طائفة من فاقدي العمل والمنطق، بمهمة الرقابة السلبية على زيد وعمر وفلانة وعلانة، فيشهر أحدهم ورقة مليئة بالتواريخ للذين دخلوا القفص الذهبي هذا العام والعام السابق، وبجانبها ورقة بأسماء المواليد الجدد...
يتكهن أحدهم: فلان تزوج قبل ستة أشهر، و جاءه اليوم ولد، ماذا يعنى ذلك؟؟
يدقق الرفاق، فيكتشفوا أن المراقب، لا يجيد التعامل بأرقام "الكالكوليتير" الأجنبية، فقرأ تسعة بدل ستة..
نتمنى أن تتكاثر الرقابة و المساءلة في زوايا أخرى من المدينة لمسائل عميقة وجدية، تبتعد عن "هضم" الأعراض، وإنتاج الإشاعات....
تعليق أعرج!
عادل، موظف من الفئة المتوسطة في إحدى المؤسسات التي شهدت تعديلاً في هيئتها القيادية، سمح لامرأة بتسلم منصب رفيع فيها.
يسأله زميلهن رأيه بالتغيير الحاصل في مؤسسته، ومدى تحمسه لوصول امرأة لمنصب رفيع.
يأتي رده : لا أستطيع يا صاح، أن أتحدث إلي مسؤولتي الجديدة كما أشاء، فهي امرأة...!

بلسم عفن
كانت الأم تضمد في المستشفى جراحات صغيرها، الذي طاردته الحروق. أراد الصغير استخدام دورة المياه، فأكتشف والده أن الماء شحيحة، والرائحة تستوطن المكان.
تمنت علا الصحافية المتدربة ،وهي تعود زميلاتها، لو اخترعوا جهاز تسجيل للرائحة، كي نثبت ذلك. ولا يخرج مسؤولاً ما بعد النشر ليقول لها: أنكم تبالغون، فالنظافة من الإيمان، ولا تحتاج لفلاسفة....
تجارة!
في السيارة العمومية، يتوجه أحدهم بسؤال لجاره الطارئ عن الأفضل بين فروع الثانوية العامة، يرد عليه، فيكمل القصة: أمس عقدن قران الصبي، العروس في السادسة عشرة، متفوقة وجميلة وبنت ناس... يكمل: " …." ستكلف خمسة آلاف دولار!!!






















أوجاع غضة:
براءة مغدورة

البعض يفضلونها هشة، لممارسة استعبادهم!!

تصاعدت حرارة أيام الربيع بخلاف العادة، وأخذت رائحة البيت الذي لم يسمح القهر بإكمال تشييد جدرانه تتطرف نحو الأسوأ.
من النافذة منزوعة الزجاج يمكن لسمير أن يشاهد أطفال الحي يسرحون ويمرحون، ولم تحتاج رائحة موائد الشواء لوثيقة سفر حتى تعكر صفّوه أكثر فأكثر، أما شاشة التلفاز التي كان يسترق النظر إليها من بيت أم طلال فلها حكاية أخرى، إذ تعمق حسرته وضيق ذات يد عائلته وتجبره على تمنى الموت الذي لا يعرف عنه سوى اسمه…
كان سمير ينفق أوقاتاً طويلة خلف تلك النافذة القذرة، ويحاول إخفاء دموعه عن والدته، فصديقيه حاتم وعلي الآن في الصف السابع، و تتسرب الأنباء في الحي عن تفوقهما، فقد أفسح لهما بإكراه الفرصة للظهور.
لم تعترف الأيام الوقحة بذكاء الطفل صاحب الوجه الدائري الأبيض، سريع الاحمرار خجلاً فالسرطان الذي وجد في جسد والده مساحة للاسترخاء والتمدد، كان يُغذى بسجائر "التوباكو" الرخيصة التي يجود بها صديقه الأكتع.
كان أبو سمير وعليان الذي طارده العقم ينفقان الساعات الطوال في إحراق ما يصنعانه يدوياً، ووحدها النوافذ المكسرة كانت تشفع لسمير ولوالدته ولأشقائه فرصة لاستنشاق الهواء، فالبيت صغير، وتعني زيارة عليان فرض حالة طوارئ في المنزل، أو إعلان أقصى حالات الاستنفار، وتنفيذ الصمت الإجباري، لأن ضحكات الأب وخليله أهم من ممارسة عفويتهم.
كانت مهمة أم سمير تتعقد و تزداد خلال الزيارة وفيها، فهي المطالبة بتوفير الهدوء و كأسين من الشاي الأسود الفقير من السكر والمنكهات، وهو طلب يتكرر مرة في إثر مرة.
عليان، طويل القامة وقصير النظر لم يعترف يوماً باللباقة، فمهمته فقط تنحصر بإشباع شهوة السجائر التي يحاول عبرها تعويض خسارته لعاطفة الأبوة.
راحت الزيارات تطول، وسمير والعائلة تُبدي النقمة على " ثقيل الدم" كما أطلقوا عليه. فحين يدنو سلطان النوم الذي لا يعترف بالهدنة للصغار تجبر الأم على إلهائهم بقصص خرافية ينسجها خيالها المصاب بالفقر.
صعد السرطان من هجماته على الجسد النحيل لأبي سمير، و أرتفع منسوب السعال الذي صار يزداد قبحاً وسماكة يوماً عن يوم.
ذات صباح تحلق سمير وأمه وأخوته الخمسة حول والدهم، فهذا النهار هو اليوم الثامن والعشرون من رمضان، وهذا يعنى أن العيد الضيف سيذّكر العائلة بفقرها، لم تجرؤ الأم على طلب أي شيء، وكذا الأطفال الذين راحت أنوفهم تتضايق من راحة التبغ النتنة التي تستوطن ملابس والدهم وتعشعش في أنحائه.
رامي، الأصغر للعائلة كان ينوي الإلحاح في طلب ملابس جديدة أسوة بأولاد الجيران، لكن ثورته سرعان ما أخمدها كلام والده المختلط بالسعال والوجع وطرقات الباب.
توقع الجميع أن يكون الطارق عليان فلا أحد يتسلل إليهم سواه، كانت المفاجأة أن رجلاً يلف شواربه على وجهه السمين، ويسبقه كرشه يقف وراء الباب كثير الثقوب.
لم يجلس فالمكان لا يسمح بذلك،وسرعته تشكل جزءا من لقبه.
أخرج الزائر المفاجئ صوتاً غليظاً: "مسى الخير يا أبو سمير، أنا منصور ابن عم عليان، عليان صاحبك.."
الوالد بلهفة: أهلاً وسهلاً تفضل تفضل، شو أخبار عليان "الييييوم"…
منصور: عليان بخير، بس أنا مستعجل..
أبو سمير ومعه السعال: خير إن شاء الله.
يلقي منصور إليه بعينه من التبغ الحار وينصحه بتجريبه، فهذه من صديقة المصاب بالإنفلونزا والذي يخبره بغيابه لفترة انقضاء المرض.
أبو سمير: "شششكراً…"
منصور: بدي سمير بكرة يساعدني….
الأم مقاطعة: وين ؟
يأمرها زوجها بالسكوت، ويقول له: خذه الولد ولدكم ياعمي!
تحمرّ خدود سمير الخجول بسرعة البرق، ويصاب بالذهول.
منصور: بدنا بكره واحد يساعدني" علينا طلبية كبيرة شويه،ما أنتو عارفين البير وغطاه".
أبو سمير: ماشي يا عمي "منصصصصور"، الله يعطيك العافية….
يتفقان على التفاصيل، ويأتي الصباح الباكر مسرعاً، فالدخول إلى هناك يحتاج للتهريب والالتفاف عن الحواجز العسكرية ودوريات الشرطة التي تلاحق من تسميهم "مهربين".
تودع الأم ولدها، وتلتمس منه العذر فلم تستطع توفير زوّادة له، وتنهال عليه بحفنة من الوصايا، وتدعوا الله أن يحفظه من " أولاد الحرام" وشرهم...
يخرج منصور من جيبه ورقة نقدية خضراء ويضعها في يد سمير، التي لم تلمس مبلغاً مماثلاً في حياتها، لم يصدق ما يشاهده ويطير فرحاً….
يحُـَمّل منصور سمير في عنقه كيساً كبيراً مليئا بالألبسة، وفي كل يد من يديه الصغيرتين كمية إضافية، يصل ومنصور إلى السيارة، يجلسان يجانب السائق، ويطير سمير فرحاً فهذا المشهد الطارئ على حياته، فالمرة الأخيرة التي ركب فيها سمير مركبة كانت في المدرسة عندما كرّمه المدير برحلة بدل تفوقه.
أخذ السائق يعبث بمؤشر المذياع طمعاً في اصطياد خبر يبل به ريقه هذا الصباح، وينقله لرفاقه كعادته، فهذا موسم الغزو الراقي للكويت وفي كل لحظة يمكن سماع الجديد، فيما منصور ينقل للفتى شروط العمل ويفشي له بعضاً من أسراره…
يتردد الصغير في البداية، لكنه سرعان ما يجبر على المتابعة، فالنقود الخضراء و صعود السيارة و الساندويش اللذيذ من "الشاورما" التي تقتحم جوفه للمرة الأولى كلها تبخر الرفض.
ينزلان من الحافلة، ويلتفان عن الحاجز، ويدخلان المدينة ذات الأبنية العالية والشوارع الواسعة والمركبات الفارهة.
يتملك الفتى الكثير من الذهول، فهذا المكان نظيف وبناياته عاليه، ولا تحتاج الشقق فيه لنوافذ أو طلاء، الأطفال من أبناء جيله يتوجهون بهدوء لمدارسهم، ملابسهم متناسقة وبالكاد غادرتها المكواة، حقائبهم جديدة وبالتأكيد جيوبهم مكتنزة بالنقود.
ذكرت كل هذا المشاهد سمير بالفقر وبضائقة عائلته، و بدأت تتشكل في أعماقه المكسرة أسئلة أكثر تعقيداً من براءة أيامه الغضه.
يلتقط سمير أسرار الصنعة بسرعة، ويتعرف للطرقات في زمن قصير، مثلما يحفظ عن ظهر قلب عنوان الشقة الصغيرة التي يسكنها منصور خلسة، فالذكاء لا زال في جعبته.
كانت الشقة الفاخرة بنظر منصور ذات نوافذ وطلاء وأثاث لم يشاهده سمير إلا في بيوت الجيران، ثانية راح يتحسس الجدران والنافذة، ولم يصدق أن بوسعه التنعم بحمام ساخن من " الدُش" ، والاستلقاء على سرير ناعم، و فتح ثلاجة صغيرة توفر الماء البارد للأفواه العارية عطشاً.
كان منصور ماكراً، وصار يستغل سمير يوماً بعد يوم.
كانا يخرجان من الصباح ويعودان مع انتصاف الليل، وحينما يفكر سمير بأسرته كان يقابل بجواب: شو عمو اشتقت للفقر، ويمطره بقول مأثور ومبتور يفوق ذكاء سمير ( حطوا الجنية بسبع قصور...)!!
في اليوم الأول من وصوله للعالم الجديد، بدأت الشمس تقتص من جسده الأبيض، فهي لا تمنح الظل ولا تميز الصبية عن سواهم، أخذ يمسح العرق المنساب على جبهته بقميصه اليتيم، فهذا الأزرق الداكن حصل عليه هدية من لجنة المدرسة لتفوقه في مادة الرياضيات.
لم يستطع القميص استيعاب العرق المنساب من جبهته الطرية، وغير العرق خصائص ما يرتديه سمير.
فتش عن زاوية يمارس ففيها شيئاً من أحزانه، وابتسم له الحظ بسرعة، فهاهي الحديقة العامة خالية من الرواد في مثل هذا الوقت وبوسعه التمتع بأحزانه كما يحلو له.
لم تشفع له الدموع في تغير شيء، فينتظره يوم شاق، وإن فشل في الاختبار فسيعاقبه منصور لا محالة.
مرت الأيام كسحلفاة عرجاء، وراحت الدموع تتبخر شيئاً فشيئاً من عينيه، وصار قلبه منجماً للانكسار، لم يدر ما الذي يمكن فعله في هذه المحنة، فكر عشرات المرات في الفرار، لكن حادثة فجر الأحد الشهيرة تذكره بمخاطر الفشل، ففي ذلك اليوم الخماسيني أستيقظ منصور على محاولة سمير للإطاحة بقفل الباب، وتبع ذلك ضربات متفرقة في حسده المنهك من حزام منصور.
اختلطت الأوراق ولم يعرف سمير الطريقة المثلى للخلاص، وبخرت الأيام قراره بالهرب، وأصبح مكرهاً على القبول بواقعه الجديد..
بعد أكثر من شهرين عادا إلى بلدتهما في إجازة قصيرة بفعل العيد، وفكر منصور في سمير ليقوم بإقناع المزيد من الفتية في القدوم معهما.
وصل سمير إلى البيت، وعاد للفقر، استقبلته أمه وأخوته بحرارة عالية، فهذه المرة الأولى التي يغيب فيها عن البيت فيما صحة والدة تراجعت كثيراً..
بسرعة بدأ سمير يوزع الهدايا، نالت أمه نصيباً من المال، وعرفت أفواه أخوته طعم الحلوى بعد طول غياب، وكانت هدية والده علبة سجائر حمراء من نوعية فاخرة وفق وصيته.
شجعت العائلة سمير على العمل، باستثناء أمه، لكن خوفها من زوجها وفقرها دفعها للصمت..
فتش الفتى عن رفاقه، فلم يجدهم، لأنهم منهمكون في التحضير لامتحانهم النهائي الذي سيطل برأسه بعد انقضاء العيد، وراحت الحسرة تطارده على ما فاته من دفء المدرسة.
صار يتذكر مدرس الرياضيات الذي كان كثير التنبؤ له بمستقبل باهر، وأيدى المزيد منن الشوق للقلم وللامتحانات التي كانت تكرر تفوقه، فهو أول من ينهي الاختبار وبالطبع كانت أوراقه خالية من أي خطأ، وإن صغر.
انقضت الإجازة بسرعة، وكَـثُرَ سَواد عـُمال منصور، إذ قَدِم هذه المرة أربعة من أولاد الجيران الذين يطاردهم الفقر.
وصلوا المدينة وتفاعل الثلاثة مع المكان المستجد على قاموسهم، بالطريقة ذاتها التي عاشها صاحبهم، طاروا فرحاً وعلت ضحكاتهم قبل أن تتحول لدموع.
قرر منصور توزيع العمال بطريقة جديدة، فلا بد من باعة متجولين عند مفترقات الطرقات، والحاجة تستدعى وجود من ينظف السيارات، ومن الممكن التفكير بمساعد للميكانيكي "الخواجا" الذي يساعده في توفير الشقة.
وزع المعلم السمين الوظائف على أصحابها، استغنى عن سمير ووضعه عند إحدى مفترقات الطرق، وأوقع الحظ العاثر أكرم في ورشة الميكانيك، وعرفت أيدي إبراهيم الصغيرة مواد تنظيف السيارات، وبقي سامح يلف على البيوت فالخجل بعيد عنه، وينجح في استجداء العطف و يحافظ على أسعار موحدة لبضائعه.
اخشّنت أيدي أكرم، وتسللت الألفاظ السوقية للسانة، وبدأ يعرف الكذب والغش، وراح ينفذ أوامر معلمه بسرقة بعض الأشياء الثمينة من مركبات الزبائن.
صار إبراهيم كأطفال الشوارع، وبدأت عادات دخيلة كثيرة تنمو في أعماقه، وراحت الرجولة المبكرة تغري سامح لسرقة النظرات، فهنا الكثير مما يمكن سرقته، وتؤهله "مهنته" للعب هذا الدور، ولا يمكن لأحد أن يشك في ذلك…
عرف منصور أن والد سمير قد توفي، لكنه تلكأ في إيصال الخبر لولده…
في الليل كان الرفاق الأربعة يفتحون ملف عودتهم لبلدتهم وعائلاتهم مع منصور، لكن خوفهم منه جعلهم يتراجعون في اللحظة الأخيرة.
في كل لحظة تشكل في أحشائهم حواراً رباعياً ، و"منولوجاً"، لكن تنفيذ القرار ظل في الظلمة.
تعقد الحوار في أفئدة الأربعة، وصاروا يتطرفون حينما يستذكرون الذي حل بهم وبطفولتهم، فأحلام سمير بأن يصبح طبيباً أصبحت سراباً، وأمنية أكرم بأن يدخل جامعة فرنسية لتعلم الفن والنحت تلاشت أيضاً، وأصاب الإحباط إصرار سامح على إكمال دراسته في جامعة القاهرة التي شاهدها خلسة ذات مرة في تلفزيون أم طلال الملوّن، ولن يكون بالإمكان استئناف آمال إبراهيم في أن يصبح رياضياَ يمثل وطنه في منافسات كأس العالم بكرة القدم التي يسمع بنتائج نسختها الأخيرة الجارية في إيطاليا من صديقه الذي عرف بيتهم التكنولوجيا منذ فترة طويلة.
كان منصور عدوا لأحلام الأطفال، وإذا ما سمعهم يتحدثون بهذا الشأن طلب منهم الحلم بالمال وبالتخطيط لزبائن الغد وأعماله.
في تذّكر ماضي منصور يعرف أهالي الحي، أنه كان صاحب الترتيب الأخير في صفه، ورَسب أربع مرات متتالية، وبمواصفات لا تخلو من كسل وخصال غير حميدة، أكتسبها من والده.
أخذ الشتاء يقسو شيئاً فشيئاً، وعرف البرد سر الوصول للقلوب الصغيرة، وذات نهار أشرقت شمسه على استحياء، وقف سمير عند إحدى المفترقات التي اعتاد على تسويق منتجاته فيها، كان في داخل المركبة الزرقاء أربعة شبان، أسرعوا لإيهام الطفل برغبتهم في الشراء، وأخبروه بأنهم سيوفرون له فرصة عمل محترمة، سار به إلى بيت مهجور.
في أحشاء المنزل، تخلوا عن إنسانيتهم وتناوبوا على اغتصابه والتنكيل به وفروا هاربين بعد أن وثقوا فعلتهم الشنيعة بكاميرا الهاتف المحمول.
تصاعد بكاء سمير و سمعه الجيران، واستدعوا الشرطة التي استجوبت سمير وتحدث عن كل ما يعرفه، في هذا النهار أيضاً وقبل أن تصل الشرطة للشقة أصاب أكرم حادث عمل أستدعى نقله للمستشفى، وبسرعة عرف الأطباء أن الإعاقة كانت ستلتصق بجسده الصغير لولا لطف الله.
سجن منصور، وعاد الصغار إلى بلدتهم، كان في استقبال سمير صاحب القلب المكسور دموع والدته، و استوطنت الحسرة بيوت رفاقه.
في قاعة الصف التاسع حيث كان من المفترض أن يكون سمير ورفاقه يتنعمون بدفء المقاعد الدراسية، طلب معلم اللغة العربية من الأطفال الحديث عن اتفاقية حقوق الطفل، فاليوم هو الخامس من نيسان أو يوم الطفل الفلسطيني، رد عليٌ صديق سمير الذي كان يشاركه الاجتهاد : لماذا يا أستاذ نذهب بعيداً، لنتحدث عن سمير وأصحابنا.…
في اليوم التالي عاد التلامذة إلى مقاعدهم، وشرعوا في عرض ما كتبوه، قرأ علي موضوعة الذي حمل عنوان: نحن لسنا رجالاً، وتوسل خالد في سطوره الكبار بالقول: دعونا نعيش طفولتنا، فيما اختار عادل عبارة: "لا تستغلونا" للإشارة إلى عمالة الصغار، وأعترف كريم بأن شقيقه الجامعي هو الذي اقترح عليه عنوان: " أعطونا الطفولة نحن لسنا رجالاً كي نعمل"، وتناوب الآخرون لقراءة مقاطع من نصوصهم البريئة…




















الوجع التائه:
نصوص متمردة.....

التمرد يحتاج لمناطق غير محايدة، ولبارود عفن…
شخصية"مهمة"جداً....
يخرج رئيس الجلسة من حقيبته" السمسونايت"ورقة صغيرة مكتوبة باللغة الأجنبية، يطلب من معاونه الأسمر أن يقرأها له. فهو ترك المدرسة منذ حفنة من السنوات، ولم يكن شغوفاً بمدرسه اللغة الإنجليزية الأسمر، وصاحب الشعر المجعد.
والرئيس فارع الطويل، ابيض البشرة، هو اليوم في منصب مهم، يوقع ويقرر ويخطط ويدعي أنه من حملة "في، أي، بي" من الفئة الأولى.
ينهمك في نقاش تنموي، ويخطط لدخول الألفية الرابعة من أوسع الأبواب.
عند تصفح أوراقه الصفراء، يكتشف المرء حجم المهارات العالية التي يجيدها، فهو من "أهل الحل والعقد" في مسألة البحث عن جديد القنوات" المشفرة" الرقمية، ويحفظ مقدمات الاتصال الدولي، ويخزن في "مفضلة" حاسوبه الشخصي" بمساعدة صديق" عناوين لعشرات المواقع "المهمة" على شبكة الانترنت.
اعترافات صفراء
تزوج عدلي في شهر آذار من "أميرة"، ابنه صالح الطاهر، في مكان ما من وطن ممزق. في الليلة العاشرة راحت آلات موت صناعي ثقيلة، تبدد ما تبقى من سكون لليل بارد.
استفاق عدلي من نومه، وأدرك أن القيود ستلتف حول عنقه، فالمسألة مسألة وقت. وقد قرأ منذ أسبوعين اعترافات إبن الجيران وصديقه المقرب سامر.
جهز نفسه بسرعة ونبه عروسه. لم تمض غير ثوان يتيمة إلا وانهالت طرقات وأصوات مرتفعة على الباب القرميدي. مجموعة من قطاع الفرح، سرقوا العريس واقتادوه إلى ظلمة مجهولة.
في غرفة المحقق السمين، والقادم من بولندا الباردة. انحرفت الاسئلة عن مسارهان وتصاعد العنف والشتم ، وأستهلك"روني" الألفاظ الصفراء من لسانه العفن.
دخلت الخوف لقلب عدلي الصغيرن ولم يدر ما الذي حدث له. يداه مثلا تضاعف حجمهما، وجهه تحول للون أزرق، لم يعد يشعر برجله المنى.
في سجل المحقق الأقرع، قرأ المحامي للعائلة لا ئحة الاتهام، ومجموعة الاعترافات...
قبل أن يكملا، ذهل من معلومات مفصلة وثقت في اللائحة عن تفاصيبل ليلة العمر، تبدل لونه ولم يصدق ما يسمع...
في الحي، عرف الشاب الأصفر سمران، تفاصيل الملف، واستمتع بقراءة تفاصيل ليله العمر للشاب الذي اختطف منه الفتاة التي كان يحبها من طرف واحد، ورافق ذلك حاجة لإعادة الاستحمام غير مرة في مياه باردة....



مونيكا و الشاطر حسن....
سأل حسن والدته، بعد أن صار يقرأ ويربط بين كل حرف تعلمه في سنين مدرسته الثلاث الأولى عن خبر قرأه في جريدة: مونيكا تعود من جديد....ماذا حدث لبهذه المرأة، وما قصتها مع الرئيس بيل كلينتون.
تفاجئت الأم من السؤال المبكر لشاطرها حسن، ولم تدر بماذا ينبغي عليها الإجابة.
صمت قليلا ثم قالت: كانا شركاء في بقالة لبيع الذرة الصفراء، قبل أن يصبح الرئيس رئيساً. ووقعت بينهما خلافات مادية...

مرهم وسياسي
صار رفعت يتلون كحرباء مراهقة، في كل يوم يبدل جلده السياسي والاجتماعي. عرف اليسار واليمين وانقلب على الوسط، وأسس طريقاً ثاتلثاُ، واقترب من التيار العلماني، ثمن قلب عليه الطاولة، رفض التطبيع، ثم هام في مبادئ النضال اللاعنفي.
دعم التطرف، ولم يلبث إلا وأن انقلب على رأيه. في عمله كان ينتقد زوجته لأن كذا وكذا، ويتفاخر بتحرر أولاده وابنتيه.
منى مثلاً أعجبت بالسفر إلى بلاد بعيدة، وصارت تعشق الأفكار اللامعة والجديدة، وصفاء هامت بالتطبيع و السباحة.
في يوم قائظ، أخرجت صفاء علبة مرهم مستوردة، وراحت تلاطف جلدها، وتناقش رفاقها حول بركة في فندق أقيم على أرض خالها المسروقة.
أحلام
كانت أحلام ذات الربيع الثاني عشر ترتدي تنورة قصيرة ذات منشأ تركي، وكان ساقاها طويلين. صعدت إلى سيارة الأجرة، وجلست بجانب شاب أصفر.
سعت في كل لحظة لإحداث امتداد للتنورة السوداء لتغطية القليل من بيضها الثلجي.

راح السائق أيضا يسترق النظر من مرآته، قبل أن تتكلم أحلام بصوتها الطفولي( عمو عندك إذا بتسمح...).




الدقيقة الستون:
كان ومشتقاتها.......

لكان أخوات غير شرعيات أيضاً!!

كان سعيد يدير مؤسسته المالية الصغيرة، وكانت ثقافته لا تسعفه أن يفهم سر العلاقة الثنائية بين الغيمة والمطر....
أصبح مثقال بين عشية وليل رجل أعمال، سألته مره سكرتيرته: هل تعارض الذين وقعوا على البرتوكول الاقتصادي مع جيراننا، رد عليها: أي برتقال تقصدين....!!
أمسى "البندو" فقيراً لدرجة أنه نسى لون النقود، في الطريق على المصرف شاهد بطاقة اعتماد على الأرض، أمسكها وأودعها سلة القمامة...
أضحى علي غنياً بين عشية وليل، فأبتاع خزنة للنقود، وضع كل ماله فيها، ولم يستطع التعاطي معها، فصار يشتم صانعها...
بات أهل الحي يدركون أن الشائعة التي تلاحق سمراء، هي صنيعة أولاد الحي، لكن الألسن استسهلت "مضغ" لحمها ودمها وتفاصيلها...
ظلت مروة تكتب مذكراتها الطفولية، إلى أن قرر والدها تزويجها من ابن عمها، في سن الخامسة عشرة وحفنة من الشهور. في بيت الزوج أمرها العريس بتمزيق كراساتها، والسبب أنه لا يجيد قراءة النثر!!
ليس في الحانوت الذي يملكه شوقي العلي غير علب تبغ رخيص، والقليل من "منشطات" محلية الصنع. في يوم حار تسلل صبية إلى الحصن، كما كانوا يسمونه، فتشوا عن مال، فلما لم يجدوه، أضرموا النار في التبغ المحلي،و ارتشفوا القليل من خلطة سمراء، ظنوها حلوى....

ما زالت الألسن العرجاء في المؤسسة الحكومية تتفنن في "صناعة" كلام وقح، هو يقول: أمس مسكوا ابن عليان....، وزميله يضيف: هذا كلام قديم، اليوم شاهدوا أحمد يخرج من بيت الجارة... يقحم ثالث نفسه: "شو جاين تبيعوا مي بحارة السقاية"، قبل ساعة ألقوا القبض على صافي في دكان أبو طلعت متلبساً...
ما فتيء أنصار الحزب الأبيض في الطعن بالمرشحة المستقلة، علياء، حتى قال أحدهم: سأتزوجها وسينجح حبيبنا أبو علي!!!
ما برح المسافرون في البحث عن وثيقة السفر المفقودة لأبي راجح، حتى وجدوها في حقيبة ملابسه، كانت المفارقة أنها منتهية الصلاحية، وممزقة التأشيرة، وفي صفحتها الثالثة كتب أبو راجح قيمة الدين الذي ينتظر سداده من يعقوب النجار....
ما انفكت عيون قاسم في البحث عن مواقع ساخنة في شبكة الإنترنت،بعد يومين من "فرمته" الحاسوب الخاص بوالده، أكتشف مهندس الصيانة سر عشق قاسم للمكوث وحيداً في غرفة والده أثناء غيابه...





























فواصل كـ"الهمبورغر":
أقاصيص سريعة
يصلح " الهمبورغر لضحايا دارفور!!

هروب
في يوم الخميس، كانت عيون سعيد تؤجل قراءة " البؤساء" لليوم التالي، وفي نهار الجمعة ، دخل في تحدٍ مع نفسه، لكن الكهرباء انقطعت عن المنزل ، ففتش عن شمعة فلم يجد، في باقي أيام الأسبوع، اقتحم ضيوف غير مرغوب فيهم مكتبته متناهية الصغر وأطلقوا النار على رائعة فيكتور هيجو…
نكبة!
سمر، غضة وساذجة وناعمة ، فرحت بأنها ستركب طائرة، وستحضر مؤتمراً وستعيش في فندق خمس نجوم لأسبوعين. شرعت بسطحيتها تناقش من سرق أرض جدها، وبنى فوقها حانوتاً لبيع المنشطات الجنسية. في فترات الاستراحة، راحت سمر تستحم في الهواء الطلق، وتتدهن جسدها للوقاية من الشمس، بعد عودها إلى جامعتها قالت لبطانتها: تذكرت أرض جدي ومنزله وأحلامه ومفتاح بيته الحديدي…
حساب
كان طارق هائماً بالـ"الكالكوليتير"، في كل يوم يجري مئات العمليات الحسابية. فكر ذات مرة في إدخال الحساب على علاقته الزوجيةـ فصار يجمع عدد المرات التي يخلد فيها للنوم مع زوجته…
سفرة
لأول مرة منذ "حفنة" من السنوات، تجتمع العائلة على سفرة واحدة، يسرع أحمد لتوثيق الحدث بعدسته الرقمية، فيكتشف أن البطاريات الجافة قد استنفذت. يعود لمقعدة فيبدأ شجار على قطعة الأرض التي طالبت بها العمة منن تركة والدها…
ثلاجة سوداء
زحف الموت الصناعي للفقير علي، فأسرعوا به في إلى ثلاجة الموتى. بعد دقائق، اتجرت سيارة مفخخة أمام قصر الثري صوان. مات هو وعدد من حاشيته.
في شارع آخر وقع حادث مماثل تكدست ثلاجة الموتى، أعلن الصباح عن الوصول، فتوجه أهل الغني، لم يدققوا في الجثة،.. ثم قدم أهل الفقير، عرف ابنه خلال لحظة وداع أخيرة تمناها أن الجثة للثري الذي يعمل في خدمته. في الجهة المقابلة بكت هند والدها الثري لتكتشف أنه والد أحد خدمها…
تطرف
سالم ووصفي، عجوزان ففي سن متطرف، ذات نهار ركبا طبقاً لاقطاً انبهرا بقنواته ولم يشفرا قناة الشواذ، التي أدمناه وعاقراه. في سوق المدينة المعتم، قررا الدخول في دهليز أسود، ومارسا ما شاهدناه في الليل السابق كان أحدهم يرتدي ملابس إغراء ناعمة وحمراء، بعد انكشاف أمرهما أجبرهم المكتشف على السير بملابسهم الستاتية… ديمقراطية
أسرع الحفيد إلى جدة والده ، في يوم انتخابات عرجاء. هذه المرة هي الزيارة الأولى منذ العيد، حملها و كرسيها النقال، وتوجها لصندوق الاقتراع. في القاعة تصاعد سعالها، فأمر المشرف بسرعة معاملتها. كانت لا تعر القراءة، فاختار الحفيد ما يحلو له.
أعادوا العجوز إلى غرفتها عندما طلبت علبة الدواء وشربة ماء، قال الحفيد: بعدين..بعدين!
وفاء
عرف الموت الطريق لروح سعاد. كان زوجها يكثر الحديث عن الوفاء أمام زوجته، بعد أسبوع من رحيلها ، تزوج ثانية، وأعد تكرار الحديث عن الوفاء….
صحراء
صارت الأيام تنمو كخلايا مصابة بالتضخم، وكل هذا أصبح ينعكس على وجه صفاء. حتى سن الخامسة والثلاثين لم يكن هناك من طرق باب والدها. ذات نهار، قرر صفاء كتابة مذكراتها ولم تجد أنسب من عنوان" صحراء 35"…
نزاع
كان سارى يتابع بشغف وحزن، دراما دامية سرقت من عينه الصلبة قطرات دمع بالمجان. أسفل القصة التى لا تنتهى، راح شريط أحمر، يسرف فى بث أخبار هزليةً.
توقف الشاب عند نكتة صفراء تقول: مرة واحد..، فتشاجرت دموعه وشهوته، قبل أن يتبخر التيار الكهربائى من منزله غير المرخص..
فندق
في بهو الفندق الرخامي، تصاعدت حمى موظف الاستعلام، وهو يطارد في نظراته ثرياً غير حكومي وتاجر "حكى”، تحلق حوله فراشات ملونة، ويحاول آخرون الاقتراب من مجاله الجوى، طمعاً ونفاقاً وخوفاً.
في النهاية، يكتشف رجل الاستقبال مساحة الغباء التى تحيط به، فعند مقربة فندقه ذى النجوم الخمسة، تقف دورية جيش وقح، تأمر بالكشف عن البطون وإبراز أرقام البطاقات الشخصية!
شقاء
على حين غرة، قررت سعاد الإطاحة بشقائها متعدد الجنسيات. قالت سأكف عن الوصف، وسأفر من الشقاء بعيداً..
قبل أن تجف كلماتها، وقعت رهينة لغضب زوجها، الذي اتخذ قراراً بتوسيع عمله في زراعة نباتات حارة ذات شوك.

ليلى
سألت الصغيرة صفاء، بوجهها البريء، والدتها: لماذا بدّل خاطفو الصحافية الفرنسية فلورانس أوبنا، اسمها إلى ليلى؟
تلعثمت الأم، ولم تدر بماذا ستجيب صغيرتها. في النهاية جاءت الإجابة: ربما يا صغيرتي كان زعيم الخاطفين، لا يجيد نطق الأسماء الفرنسية..
عناوين
في المدينة، تتكاثر الشائعات كالبكتيريا العرجاء. على الشاب اليافع، خصص كراسة حمراء لتدوين أبرز الشائعات التي يسمعها:
ميس تحب سليم، وضاح يخون زوجته، امرأة من الحي المجاور قتلها والدها..، سمر تتحدث عبر الهواتف النقالة للشبان، عاملة المصنع سيتزوجها المدير لأنهما..
اكتشف على، أن ضحايا الألسن غالبيتهن من شقائق الرجال، وقرر صنع شائعة ذات رائحة ذكورية..
توثيق
في حي ما، نشبت في ظهيرة حزيرانية نكسوية عدة جبهات: سالم أطلق نيرانه على التاجر عدلي، وضاح استرق الخط الهاتفي لجاره، "البطل" كما يسمونه، أراد نهب المشفى الحكومي، لأن مديره رفض توفير مشروب "سفن أب" لشقيق المريض..
لم يجد سعد من يتشاجر معه، فتخاصم مع أعماقه الملتهبة..
صفقة
سامية، فتاة صغيرة ذات 16 سنة قمرية، إلا يومين، متفوقة فى مدرستها، ذات جمال، والدها يعانى الفقر ومشتقاته.
ذات نهار، طرق شاب لا زال يستخدم إبهامه في التعاملات الرسمية، طالباً القرب..
هلل الأب وكبّر فرحاً..
في الحافلة العمومية، راح والد الشاب يقول: تصوروا ستكلف "الـ.." ألف يورو وأكثر!!!

انتخابات
في منتصف الشارع الرئيس، شرع سامر في تثبيت ملصقات الدعاية الانتخابية للحزب البنفسجي، قبل يومين من الانتخابات المحلية.
في منتصف النهار، وقع سامر في حفريات لم تجد من يردمها، فكسرت رجله، فأرسل إلى المستشفى في سيارة إسعاف سارت كسلحفاة عرجاء، وعلى سرير الشفاء لم يجد المريض شربة ماء، وتأخرت حبات الدواء فى الوصول إليه، وشتمه الطبيب لسبب تافه..
ذئاب
اليوم: بعد ظهيرة يوم الخميس.
الحي: 13 شارع الوفاء.
الشخوص: شابان و"كلب".
التفاصيل: محاولة من "الكلب" غير المروض للانقضاض على عهدية.
الحبكة: تواطؤ سمير ومساعدته للكلب.
النهاية: قلب محطم، ومؤامرة، وأرباح بالجنيه الإسترلينى، وفنجان قهوة مستوردة.
مكافأة
حسين، شاب في الأربعينيات، صحافي حر، يعشق الكتابة كحبه للحُب.
في ظهيرة يوم قائظ، قال له رئيس تحرير مطبوعة: أنت رائع ككلامك العسل، لكن جيوب صحيفتنا" والسماء والطارق".
بدل حسين صاحب الشعر النادر إلى مجلة ثانية، قالت له مديرة المال: للأسف لا نستطيع صرف مكافأة لك هذا الشهر..
قبل أن تختتم كلامها، جاء ساعي شركة توريدات الضيافة، وطلبت المديرة ذاتها، كمية من الكستناء والفستق الحلبي للضيوف، وأطباق تعج بالبروتين وبعض المقبلات و.. و.. و..
صلابة
كان الأب منهمكاً في متابعة فيلم عربي غير ذي حبكة. بجواره جلس صافى الصغير، وهند الخجولة، قطعت دعاية تواصل الشاشة الصغيرة: ورقة نقدية لا تستطيع الدخول في آلة النقود، لأنها مرنة، فيما تنجح ورقة صلبة في المهمة، وتنتهي بجملة ذات خط أزرق مشتق من الحبة الزرقاء" العبرة بالصلابة".
يسأل صافى الأب عن معنى الدعاية، فيقول: إنه لشركة تنظيف!!












كلمات الواقع:
أدب آخر

للأدب مهمة أخرى، قد تكون ممنوعة …
سطر أول
سألت في صغري معلم اللغة العربية:"أيهما أهم السطور، أم الذي بينها"؟ كان رده: الكلمات فوق السطور المستقيمة أهم من مثيلاتها المكتوبة على ورق أبيض!
"هاري بوتر" و"طيبة المعولي"
تقرأ صحيفة السابع عشر من حزيران 2005، وتتوقف عند خبرين مستقلين الأول عن اكتساح رواية "هاري بوتر" بورصة الكتب في العالم، وتقتبس عن رويترز الخبر التالي:" جعلت رواية "هاري بوتر" من مؤلفتها رولينج أغنى إمرأة في المملكة المتحدة بثروة شخصية تقدر بنحو مليار دولار في العام 2004، وتوقعت سلسلة متاجر " ووتر ستون" لبيع الكتب أن يبيع الجزء السادس من مغامرات هاري بوتر وأصدقائه في مدرسة هوجوارتس لتعليم السحر ما يزيد على عشرة ملايين نسخة على مستوى العالم في الساعات الأربع والعشرين الأولى من طرحه في الأسواق.."
في النهار ذاته، تطالع السطور التالية:" أصدرت المحكمة الابتدائية في العاصمة العُمانية مسقط يوم( 13 تموز 2005) حكماً بالسجن سنة ونصف على البرلمانية السابقة والإعلامية طيبة المعولي، بتهمة انتهاكها قانون الاتصالات عبر نشرها مقالات على شبكة الإنترنت، انتقدت فيها انتهاكات حقوق الإنسان في بلدها" بين السطرين "حفنة من المفارقات" التي لا تحتاج لجيش نقاد يهتمون بتفكيك السطور للكشف عنها...
زوجان وسيارة
في يوم السبت، خرجت الزوجة( 30 سنة) في رحلة البحث عن مركبة توصل زوجها( 90 سنة تقريباً) من المشفى إلى البيت، في السيارة شاهد الرجل المريض أن زوجته، قد اشترت" حزمة" من الملوخية الخضراء.
سألها بشراسة: لمين هذا؟؟ ردت بهدوء: لنا، سنطبخة؟ قال الزوج: يا زنديقة، تقولين لا نملك النقود!
بوسع الصبية الذين استقلوا الحافلة العامة، تقديم نموذج نقدي عن "الثقوب" الاجتماعية التي تدفع المرأة ثمناً باهظاً لها، لكن الحيرة تتملكهم، فما سبب قبول شابة في الثلاثين على"دفن" نفسها في جحيم عجوز-مراهق....
عائلة خمس نجوم!
الأم: مصابة بالكولون والصدفيّة. الأب : تطارده البواسير، ويعاني مشاكل في الأنف والأذن والحنجرة، وفي رجليه تورم لا يعرف العلاج. الابنة: خطبها شاب أخفى عنها أنه مصاب بالسرطان، وحينما علمت بمرضه لم يطلقها إلا بعد دفع ألف دينار، وفي كشف الحساب بينهما: "أريد ثمن رغيف الساندويتش الذي اشتريته لك يوم الخطبة و...". بعد أيام من الانفصال مات الخطيب.... الابن الأكبر: فلسطيني بلا هوية أجبر على مغادرة وطنه، إلى صحراء عربية، ومنذ ثمان سنوات لا يعرف أحد من عائلته شيئاً عن أخباره. الابن الأصغر: دهسته دورية للاحتلال، فقد على أثرها الحركة، ثم تلاشى صوته، وبات اليوم أسيراً لسرير الشفاء، بلا صوت ولا حركة ولا أحلام.
أفراح!
أخرج علي من جيبه ورقة نقدية، وفرها في شهرين و أسرع إلى حانوت أبي شوقي.
أبتاع ألعاباً نارية، وأنتظر بفارغ الصبر حلول الليل. فهذا دليل على حبه ووفائه لشقيقته سهاد، التي حصلت على درجات عالية في امتحان الثانوية العامة.
أضلت إحدى المفرقعات الخطرة الطريق، وسارعت إلى وجهه مُطلقها.
في المستشفى عرفت أمه أن ولدها الوحيد، فقد جوهرته اليسرى، وسيصبح بعين واحدة، مثلما يعيش بلا أب منذ حفنة من السنوات!
أسود وأصفر!
تقرأ بيانا طويلاً غير منزوع من مصطلحات الشجب والاستنكار، ولا تدري إلى متى سنستمر في منح هذه المفردات حق الحياة.
يقول أصحاب النظرة الأولى أنهم يخشون من الأفكار السوداء، ويرد عليهم تيار مضاد: إننا سنحارب الرؤى الصفراء.
ينسى الفريقان أن بيتهما بجدران مثقوبة، وبلا أبواب و تياره الكهربائي مقطوع والماء فيه آسن والهواء ملوث والسماء مضطهدة....
و لا يغفل كل طرف عن إلغاء خصمه المقابل، وكأن الدنيا لا تتسع إلا للونين فقط.......
ذئب...
في سيارة الأجرة الصفراء، كان السائق يشعل بأعلى الصوت أغنية"رجب"، ولا يوفر أحداً من الجنس الناعم من شتم، أو نقد، أو استهزاء، أو تجريح، أو ملاحقة لهذه وتلك.
في داخل المركبة، يتنعم السائق بصوت أليسا وهيفاء، ويثبت صورا لنانسي ، وفي خارجها تطارد عينه فلانة وعلانة، وفي منتصف الطريق يشتم على الذي منح الرخصة لامرأة ذات حجاب تقود سيارتها بترو....
صفقة!
فر الأب من المنزل، لأن ابنه رفض أن لا يحضر له الدواء الأجنبي، وأختار عينة رخيصة شارف تاريخ استخدامها على الهلاك.
تذكر الهارب زوجته الراحلة، وصار يندب حظه ويتمنى زوال دنياه، فجسده ضعيف ، وجيوبه فارغة، والوحدة تلاحقه.
انشغل الجميع في البحث عنه، وفي منتصف الليل وجدوه يخلد إلى نوم غير هانئ، سأله حفيده: شو بتدلع يا سيدو، بدنا نجوّزك!!
الأولاد أولاً!
في الحي، انتشرت أنباء الثانوية العامة: علي حصل على معدل 60، وسالم من المتفوقين، وسعيد ابن أبو علي سيحظى بمنحة، وعادل رسب في ست مواد.
وابنة أبو يوسف الأولى على مدرستها، وابنة إبراهيم النجار معدلها 89 وستتزوج بعد يومين من ابن عمها الشاب الجامعي، وسلام ستدرس في الجامعة المفتوحة( جامعة تتبنى التعليم عن بعد)، أما شقيقها فسيسافر إلى عمّان لدراسة الهندسة، وعلا سعيدة الحظ ستدرس في بير زيت( جامعة قرب رام الله)....
دار أبو محمود " سيعَـلّلونَ" بالرقص والغناء والألعاب النارية، فرحاً بولديهما. أما عائلة نداء ففرحها بكاتم صوت، وعيب سماع فرحهم......
نقطة ولا سطور جديدة.









رد مع اقتباس
  #2  
قديم 27-09-2006, 12:17 PM
شروق أسعد
Guest
 
المشاركات: n/a
رد : فاطمة

قرأت فاطمة في الليل،
وفي الصباح قررت الرد.
القصص قرية منا*
اللغة مثل صفاء البحر في يوم لا ريح فيه*



التسلسل جميل*

بصراحة ما يميزك هو ذلك القرب من الناس والبساطة،


تفتش عن همومهم

وتضعها تحت المجهر.

وفقك الله

وشكرا للمنتدى
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 27-01-2007, 03:25 PM
عبد الباسط خلف عبد الباسط خلف غير متواجد حالياً
كاتب وصحافي فلسطيني
 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
الدولة: فلسطين
المشاركات: 1,513
Post رد : فاطمة

الأستاذ برهان سمير المحترم

شكرا لاهتمامك بفاطمة وأخواتها، وردا على استفسارك الذي ورد عبر البريد الإلكتروني، فالنصوص القصصية لم تنشر في كتاب.

شكرا
__________________
aabdkh@yahoo.com
00972599716509
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 29-01-2007, 03:22 PM
القاصدي وجدي
Guest
 
المشاركات: n/a
رد : فاطمة

البارحة قرات قصصك المعبرة، وتعرفت على بعض الأمثال الفلسطينية، وكأننا زرت بلدكم في فاطمة التي كتبت

شكرا
رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
قصة كفاح الحاجة فاطمة وحيد عبد العال حوارات حول المرأة .. حقوقها وحريتها 0 04-03-2007 07:07 PM
فاطمة قتلوها عام 1960 وفاتن لاقت المصير نفسه بعد 45 سنة.. عبد الباسط خلف حوارات حول المرأة .. حقوقها وحريتها 0 06-12-2006 12:20 AM
فاطمة أخرى وعشق فلسطيني جديد... عبد الباسط خلف حوارات حول المرأة .. حقوقها وحريتها 0 28-11-2006 12:16 AM
فاطمة نزال: حاولت إسعاف جريح فقتلها جيش الاحتلال عبد الباسط خلف حوارات حول المرأة .. حقوقها وحريتها 0 27-11-2006 11:28 PM
فاطمة وأمنياتها عبد الباسط خلف الحوارات العامة 0 15-08-2006 01:24 PM


الساعة الآن 02:15 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتدى حوارات الفاخرية @2011
Designed By csit.com.sa