إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 08-02-2006, 12:19 PM
د.عمر القراي د.عمر القراي غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Feb 2006
المشاركات: 1
معنى الحيـــــاة ؟!

تعليق على كتاب الكاتب الروسي ثيودوثيس دوبزانسكي


الفصل الثالث
التطور والتجــــــاوز


بدأ الكاتب، هذا الفصل، بالحديث عن كلمة التطور، ومدلولاتها.. وكيف أنها أصبحت شائعة، واستشهد بعبارة سوروكين 1937 الذي أكد أن التطور قد أصبح» المقولة السائدة للإدراك العقلي" إذ أن» النظرة إلى الأشياء من منطلق أصولها وتناميها وتطورها هي رؤيتنا لكل شيء من الدين إلى البورصة. لقد تجذر هذا المنظور في عقولنا وأضحى على درجة من العمق بحيث لا يستطيع الكثيرون منا أن يتصوروا أي مدخل لا تاريخي او لا تطوري أو لا تناموي لدراسة أية ظاهرة» [1]..

وبالرغم من شيوع الكلمة، وكثرة استعمالها، إلا أن الكاتب يرى انه (ليس هناك تعريف عام مقبول لكلمة التطور) !! [2]..

ولكنه يعدل قليلاً، في التعريف الشائع، الذي يقول أن التطور هو "التغير المتواصل أي المستدام)، ليصبح في حالة التطور البيولوجي (التغير المتواصل عبر أجيال متعاقبة) [3]..

ينقل لنا الكاتب تعريف هكسلي 1955 الذي يقول "التطور عملية ذاتية الدفع وذاتية التحول وذاتية التجاوز، محددة الاتجاه زمنياً ولذلك فهو غير قابل للإلغاء، ويولد في مساره إبداعاً متجدداً وتنوعاً متزايداً وتنظيماً معقداً ومستوى أعلى للوعي وفاعلية عقلية واعية متصاعدة".. ولكنه لا يوافق على هذا التعريف، وذلك لأن حالات (الركود التطوري تبين أن التطور ليس ذاتي الدفع، التطور أساسا صيرورة تلمس، وهو صيرورة توجيهية في المرتبة الثانية فقط، وأحيانا يكون التطور تقهقر يا بدلاً من أن يكون تقدمياً، الانشطار التطوري»زيادة التنوع" يتكرر بدرجة التركيز التطوري نفسها» التغيير داخل المجموعة نفسها" وقد نشا الوعي والوعي بالذات، حسبما نعلم، في خط تطوري واحد هو الذي يقود إلى الإنسان) [4].

حدثنا الكاتب بعد ذلك، عن أن قصة الخلق، التي جاءت في سفر التكوين، في الكتاب المقدس. وذكر أنها لو أخذت وحدها، يمكن أن تفسر، وقد فسرت بالفعل، على أساس غير تطوري للطبيعة وللكون وللإنسان.. وقد سادت هذه الرؤية، غير التطورية، حتى تحطمت تحت تأثير الاكتشافات العلمية، في عصر ما بعد النهضة. ومع أن الكتاب المقدس- في رأي دوبزانسكي- لم ينكر كل تغيير، إلا انه يرى أن تقرير الأسقف اوشر، بان الكون قد بدأ سنة 4004 ق.م، أوحى بأنه لم يكن من الممكن للكون أن يتغير منذ بدأ الخليقة. على انه يبدو أن الكاتب، يعتبر رفض التطور من تفسيرات الكتاب المقدس، وليس من أصله، ولذلك يقول (تعد المسيحية من أكثر الأديان العظمى وعياً بالتاريخ، وهي بهذا المعنى تطورية. إنها تؤكد أن تاريخ البشرية والعالم ليس مجرد وهم وليس شراً لا خلاص منه. فالتاريخ هو مركبة الخلق. لقد كانت للعالم بداية وستكون له نهاية. وقد وقع حدث محوري في لحظة معينة من التاريخ إذ اتخذ الله هيئة إنسانية وعاش بين الناس. لذا فإن الإنسان يتموضع في مركز المعنى في التاريخ. وبكلمات تيليش 1963 فان التاريخ يتأكد في نداء الوعي الباطني المسيحي بطريقة تجعل الإجابة عن الأسئلة التي توحيها التباسات الحياة في بعدها التاريخي تكمن في رمز»مملكة الله" ولا يعني هذا بالضرورة عقيدة التطور التقدمي صوب حالة من الكمال، وفي الواقع فإن المسيحية ورثت عن اليهودية مبدأ السقوط المأساوي للإنسان من حالة كمال بدئي) [5].

يذكر دوبزانسكي، أن نظريات التطور الكوني اللاعضوي، ظهرت قبل نظريات التطور العضوي الحيوي. ويقف عند بدايات كتابة كانط 1755 في نظرية السديم الاولى، وما كتبه لابلاس 1796و1808 عن أن الشمس الأولية، كانت كرة من الغاز الملتهب، وقد انفصلت أجزاء من هذه الكرة بفعل قوى الطرد المركزي، فشكلت الكواكب والأقمار..
وخلص إلى أن النظريات الحديثة، يمكن أن تلخص في نظريتين : نظرية الثبات، وروادها بوندي وقولد وهويل ونظرية الانفجار الكبير التي ارتبطت لحد كبير بقاماو. أما فحوى نظرية الثبات، فهو أن الكون في حالة اتساع، وتمدد، وخلق مادة جديدة، يهدف لجعل كثافة المادة في الكون في حالة ثبات تقريباً كل الوقت. ولهذا فان مجرات عديدة، تتكون كل يوم، كلما نفدت طاقة نجوم قديمة، حتى يستمر هذا الثبات للكثافة الكونية. أما نظرية الانفجار الكبير، فإنها تفترض أن الكون نشأ قبل حوالي عشرة إلى خمسة عشر بليون سنة، وكانت البداية انفجار كبير بلغت حرارته بليون درجة مئوية. ومع أن مركز الانفجار ظل ملتهباً، وتكونت منه الشمس، إلا أن الأطراف بردت وتكونت من ذلك الكواكب والأقمار.

بعد هذا الإيجاز، ينتقل الكاتب إلى التطور البيولوجي، ويعتبره التطور الوسيط، في ثلاثي التطور، وهو: الكوني البيولوجي، الإنساني. ويعتبر دارون- رغم انه مسبوق بآخرين - المكتشف الحقيقي للتطور، لثبات نظريته في وجه الزمن. على انه يخبرنا بان النظرية الحديثة للتطور، لا تتطابق مع نظرية دارون، وان اتفقت معها فكرياً.. وذلك لأنها استفادت من اكتشافات العلم الحديث، خاصة علوم الوراثة، والأجنة، وغيرها.. فأصبحت أكفأ من نظرية دارون، في الدلالة على التطور، والمقدرة على وصفه، وربطه بشتى العلوم التي تؤثر على حياة الكائن الحي.

يلخص لنا الكاتب نظرية التطور، بصورة هو يسميها مقتضبة، على وعد أن يعود إليها، في إطار مختلف، في الفصل السادس. يرى الكاتب أن الفرضية الأساسية في النظرية، هي إن التطور يحدث بشكل رئيسي، من استجابة النوع البيولوجي لتحديات بيئته. وفي هذا الإطار، تمثل البيئات المتغيرة، أقصى التحديات، لان الطاقم الوراثي الذي تشكل استجابة لتحديات البيئة القديمة، ليس متوقع أن ينسجم تلقائياً، مع البيئة الجديدة. لقد تصور دارون أن الاصطفاء (الاختيار) الطبيعي، هو الطريقة التي تستجيب بها الكائنات الحيّة، لتحديات البيئة. لكن الفهم الجديد الناتج عن علم البيولوجي الجديد، يقرر أن المادة الخام للتطور، هي الجينات المغايرة، التي تنتج عن الطفرات الوراثية. إن الخاصية المذهلة للطفر الوراثي، هي غموض عملية تواؤمه. الطفرات تظهر، بغض النظر عن كونها أو أنها يمكن أن تكون مفيدة، في مقابل ظهور الطفرة المناسبة، في وقت ومكان الحاجة لها. في الحقيقة معظم الطفرات ضارة.
إن الطفور وحده، دون أن يضبط بالاصطفاء الطبيعي، لا يقود إلا إلى التدهور، والاضمحلال والانقراض. وحتى يشرح لنا الكاتب العلاقة بين الاصطفاء (الاختيار) الطبيعي، والطفرات الوراثية، يشبه الاصطفاء (الاختيار) الطبيعي بالمنخل، لأنه يحجز الطفرات القليلة المفيدة، ويدع الضارة الكثيرة تمر.
لكنه يعتقد أن هذا التشبيه مضلل، لأنه يغفل الجنس وتفاعل الجينات. وذلك لأن الممارسة الجنسية، ينتج عنها توالد توليفات، من الأطقم الوراثية، المتغايرة، المتجددة، التي تنشأ أصلاً كطفرات. هذا التوليف، أهم بكثير من مجرد دمج الوحدات المستقلة، وإعادة دمجها.. إذ أن التواؤم، غالباً ما يعتمد، لا على الطفرة في حد ذاتها، وإنما على النسق الوراثي، الذي توجد فيه. فالطفرة التي تكون مفيدة، في توليفة جينية معينة، قد تكون ضارة في سواها. بناء على هذا، يعتبر الكاتب، أن مثال المنخل، ليكون صحيحاً، يجب أن يكون منخلنا غير عادي، يبقي الحبيبات أو يلفظها، لا على أساس حجمها فقط، بل يأخذ في الاعتبار، خصائص كل الحبيبات الأخرى الموجودة. نحن، إذن، لا نحتاج إلى منخل، وإنما جهاز اتصال الكتروني دقيق (سبراني) [6]،

ينقل للكائن الحي، معلومات عن حالة البيئة. هذا الجهاز، أيضاً، يجعل التغيرات التطورية الآتية، متسقة مع السابقة (لذلك يحتوي الطاقم الوراثي للنوع الحي على سجل لبيئاته السابقة وعلى بصمة بيئته الراهنة. إذن فالهبة الوراثية التي تنتج ليست "موزايكو" من الجينات التي تحتفظ كل منها بتأثيرها المستقل، بل هي نسق متكامل، لا يتأهل للبقاء إن لم تتوافق أجزاؤه مع بعضها البعض) [7].

يطرح الكاتب، السؤال التالي: هل التطورات الكونية والبيولوجية والإنسانية صيرورات منفصلة أم أنها أجزاء وفصول أو مراحل لتطور كوني واحد ؟ وفي الإجابة على السؤال، يقول (ببساطة شديدة فان الظواهر في المستويات غير العضوية، والعضوية، والإنسانية، تخضع لقوانين مختلفة خاصة بتلك المستويات. ليس ضرورياً أن نفترض عدم قابلية هذه القوانين للتعميم الاختزالي، لكنه ليس مجدياً أن نصف ظواهر المستوى الأعلى، بقوانين المستويات الأدنى) [8]

ولكن مع ذلك يرى الكاتب انه (من المؤكد أن هذه الأبعاد او المستويات ليست منفصلة تماماً عن بعضها البعض، بل هناك على النقيض من ذلك علاقات تغذية استرجاعية بين الحي وغير الحي وبين الإنساني والحيواني. ومع ذلك فالأبعاد المختلفة تتميز بقوانينها ووتائرها المختلفة التي يستحسن فهمها وفحصها في الإطار الذي ينتمي إليه كل منها) [9]..

يستأنس الكاتب برأي أحد الماركسيين هو بريزنت 1963 الذي يقول»حيثما نشأ، فلا بد أن المجتمع الإنساني جاء من العالم الحيواني، وقد كان العمل، صيرورة الإنتاج، هي التي جعلت من الحيوان البشري إنساناً»[10].

بعد ذلك، يحدثنا الكاتب، عن كيف أن ظهور نوع جديد تماماً، يعتبر تجاوز في التطور، يختلف عن الصورة المألوفة.. ويفسر كلمة (التجاوز)، بأنها تعني الذهاب إلى أبعد من حدود الإمكانية التي كانت مستخدمة، ولا تعني التجاوز بالمعنى الفلسفي، والذي يعني التعالي او السمو. ولشرح التجاوز يقول (لقد تجاوز التطور الكوني ذاته حينما أنتج الحياة. ومع أن العمليات الفيزيائية والكيمائية التي تجري في الأجسام الحية لا تختلف اختلافاً جوهرياً عن تلك التي تجري في الطبيعة العضوية، فإن أنماط هذه العمليات تختلف في الطبيعة العضوية عن غير العضوية. لقد تجاوز التطور غير العضوي حدود الأنماط الفيزيائية والكيمائية السابقة حين انبثقت عنه الحياة. بالمعنى نفسه فقد تجاوز التطور البيولوجي نفسه حين انبثق عنه الإنسان) [11].

وعن نشأة الحياة، يقول دوبزانسكي (يقدر عمر الأرض بحوالي بليوني سنة او أكثر. لقد نشأت الحياة أول مرة في ظروف بيئية مختلفة تماماً عن تلك القائمة الآن، ولا يمكن استعادة تركيب هذه الظروف صناعياً الآن إلا بصعوبة بالغة. لقد تكون الغلاف الجوي حينما بردت الأرض بروداً يكفي لتكثف بخار الماء وتكوين المحيطات، من غازات مثل الهايدروجين والميثان والامونيا وثاني أكسيد الكربون مع كميات اقل من النتروجين والقليل من الأوكسجين السائب. وقد تمت دراسة التفاعلات التي يمكن حدوثها في مثل هذه الخلائط دراسة واسعة في المختبرات، دلت على احتمال تكوين الفورمالدهايد وحامض الخليك وحامض السكسنك وحوالي عشرة حوامض امينية. هذه ومواد أخرى اشد تعقيداً ولا يتم تكوينها أساساً أو قطعياً الآن إلا في الكائنات الحيّة، نشأت وتراكمت في محلول مياه المحيطات الخالية تماماً من الحياة، جاعلة منها نوعاً من»حساء" المركبات العضوية. وكان ممكناً لهذه المركبات وفقاً لبونامبيروما 1965 أن تشمل البيورينات أدنين وقوانين والسكر الريبوزي والسكر الريبوزي الناقص الأوكسجين والنيوكلوسيدادينوسين. وهذه المركبات بالذات هامة على وجه خاص لأنها من بين مكونات الحمضين النوويين دنا DNA ورنا RNA [12].

يرى العلماء، الذين نقل لنا الكاتب آراءهم، أن هذه المكونات الصغيرة، تجمعت في جزئيات كبيرة، تستطيع استنساخ ذاتها، مثل»الدنا". على أن الاستنساخ الذاتي، وحده، لا يعتبر دليلاً، على أن النسق الذي قام به، حياً. ولكنه مع ذلك، يعتبر من الشروط الضرورية للحياة. والسبب في ذلك، كما يحدثنا دوبزانسكي، (لا يعني الاستنساخ الذاتي فقط أن النسق يبتلع مادة معينة من بيئته»طعام" ويحولها إلى شبيهه» توالد" وان يعني أيضاً أن أي تغيرات يمكن أن تحدث عملية الاستنساخ الذاتي طفرات، يمكن أن تنعكس بمرور الوقت في الوتائر النسبية لتردد الأنساق التي تغيرت والتي لم تتغير» اصطفاء طبيعي». بكلمات أخرى فان بداية الاستنساخ الذاتي تفسح المجال للتطور البيولوجي. يمكن لهذا التطور أن يكون متصاعداً رغم انه ليس بالضرورة أن يكون كذلك. فتطور هذا النسق يمكن أن يتوقف بسبب إنهاك البيئة أو لحدوث تغيرات تقلل من كفاءته»الانقراض". ويمكن لو ظهرت انساق الاستنساخ الذاتي مراراً، يكون معظمها قد ضاع دون أن يترك خلفاً. الذي يهم هو أن نسقاً واحداً على الأقل بقى و"ورث الأرض" بان أصبح نقطة بدء التطور البيولوجي) [13].

وبينما أرخ ظهور الحياة حدثاً ضارباً في القدم، نجد أن ظهور الإنسان يعتبر أمراً حديثاً، وعن ذلك يحدثنا الكاتب فيقول (عاش في شرق وسط أفريقيا والأجزاء الجنوبية منها خلال عصر البلايستوسين قبل مليون إلى مليوني عام على الأقل نوعان من الاسترالبيتكوس "الإنسان القردي الجنوبي" وهو جنس بشري "هومنيد" من عائلة الإنسان... وقد عاش في وقت لاحق في البليستوسين الاوسط عدة سلالات من الجنس هومو إراكتوس» الإنسان منتصب القامة" المتفق على انه سلف الإنسان الحديث، الإنسان العاقل» هومو سابينز". وقد وجدت بقايا الإنسان منتصب القامة في جاوة والصين وأفريقيا وربما اوربا أيضا. وقد عاشت في عصر الثلج الأخير قبل حوالي مائة ألف سنة تقريباً فصائل إنسان نياندرثال الذي ينتمي إلى نوع الهومو سباينز واحتل المساحة الممتدة من غرب أوربا إلى تركستان والعراق وفلسطين) [] وعن مدى تطور هذا الإنسان البدائي يحدثنا الكاتب قائلاً (وجدت أدوات حجرية خشنة مرتبطة ببقايا الاسترالبيتكوس في كل من شرق ووسط وجنوب أفريقيا. ويعد الكائن منتصب القامة الذي وجد في الصين أول من استخدم النار، كما دفن النياندرثاليون موتاهم) [15].

ولما كان بروز الإنسان من الحيوان، أمراً عظيماً، فقد رأى بعض العلماء فيه، تدخلاً إلهياً.. فقد ذكر الكاتب أن والاس، الذي شارك داروين في اكتشاف دور الاصطفاء الطبيعي في التطور، اعتقد أن عقل الإنسان بثته فيه قوى غيبية. واعتقد لاك1975 الشيء نفسه، فقال "على المسيحي الذي يقبل مبدأ أصل الإنسان التطوري عن طريق الاصطفاء الطبيعي أن يتحفظ بشأن خصائص الإنسان الروحية ونوازع الخير والشر فيه التي لم تنتج عن هذا التطور وإنما هي ذات أصل غيبي"[16]..

ومن النماذج البارزة في هذا الاتجاه، برونر1952، والذي ينقل لنا الكاتب رأيه، في العبارة التالية "يتميز الهيومانوم –الإنسان- بشيء ما تفقده الحيوانات الأخرى تماماً، يعبر عن نفسه ذاتياً بالروح وموضوعياً بخلق الثقافة. انه بعد لا وجود له في البيولوجيا، قانون المعايير، القدرة على إدراك المعنى والحرية والمسؤولية" [17].

وإذا تجاوزنا التطور البيولوجي، فان التطور الفكري، يثير تساؤلات أكثر تعقيداً. يخبرنا الكاتب، أن العلماء قد لاحظوا أن الإنسان حيوان منتصب القامة، يسير على قدمين، ودماغه كبير، أذا ما قيس بنسبة جسده. ولاحظوا انه قادر على اللعب، وعلى التفكير المجرد، وعلى الضحك، وتأليف الرموز، واستخدامها، وتعلم اللغة، والتمييز بين الخير والشر، والشعور بالتقديس والتقوى. ولكن كيف، ومتى نشأت هذه القدرات، أثناء انحداره من أسلافه الحيوانيين ؟ يعتقد الكاتب انه يستحيل علينا أن نقرر في ذلك. ثم يشير إلى جدل العلماء، حول ما إذا كان اكتساب القامة المنتصبة، والمهارة اليدوية، سابقاً أو لا حقاً لاستخدام الآلات وصنعها. وكذلك يمكن أن تثار نفس الأسئلة، حول القدرة على التفكير الرمزي، وتأليف الرموز، والتوارث الثقافي. ورغم اعترافه بصعوبة هذه الأسئلة، إلا أن الكاتب يقرر أن الناتج ينمو مع الأداة، والأداة تنمو مع الناتج. فالأيدي، التي تحررها القامة المنتصبة من المشي، تكون أقدر على تنمية براعة معالجة الأدوات. لكنه يرى في نفس الوقت، إن القامة المنتصبة، ليست ضماناً لان تستخدم الأطراف الأمامية في معالجة الأدوات. وضرب مثلاً بالكنجارو، الذي رغم انتصاب قامته، لا يستخدم أطرافه الأمامية التي لا يستخدمها للمشي، في لمعالجة الأدوات. وفي المقابل، هناك بعض القرود تستخدم أيديها في معالجة الأدوات، رغم عدم انتصاب قامتها. على أن الخلاصة، في كل الأحوال حسب رئي الكاتب، هي أن اضطراد استخدام الأدوات، يمنح ميزة اصطفائية، لتطور المشي على قدمين، والعكس صحيح.

وفي مضمار التطور الفكري، يتعرض الكاتب للغة. ويقرر أن لغة الحيوان، تختلف من لغة الإنسان، رغم أن كليهما يخدمان وظيفة الاتصال. وفي توضيح الفرق، يعتمد على دراسات هوكيت 1959 وآشر 1964، وما قدماه من شرح، بان نداءات الحيوان، او إشاراته تقصي بعضها البعض تبادلياً. بمعنى أن الحيوان قد يستجيب لأحد المواقف، بواحدة او أخرى من ذخيرة نداءاته، أو قد يبقى صامتاً، بينما اللغة الإنسانية منتجة، بمعنى أن الإنسان يصدر الفاظاً، لم يحدث أن صدرت عنه أو عن غيره، وهي مع ذلك مفهومة لمن يعرف تلك اللغة. والإنسان يستطيع أن يتحدث عن أشياء ليست في نطاق رؤيته، وعن الماضي، والمستقبل، وعن الأشياء المتخيلة. يرى الكاتب أن للغة الإنسانية، أيضاً، خاصية ثنائية التنميط. فهي تتكون من وحدات "فونيمات" ليست ذات معنى إذا أخذت بمفردها، ولكنها تستخدم لتكوين ألفاظ ذات معنى. أن تعلم الإنسان اللغة خاصية متوارثة بيولوجياً، ولا يستطيع الشمبانزي أن يفعل ذلك، رغم مقدرة حنجرته، على إصدار كل الأصوات الضرورية. هذا العجز سببه -حسب رأي دوبزانسكي- غياب بعض الآليات الذهنية اللازمة. وأيضاً اللغات الإنسانية تتألف من ألفاظ، يبنى معناها اجتماعياً بالاتفاق.

يرى الكاتب، أن التطور البيولوجي، قد تجاوز نفسه في الثورة الإنسانية، التي برز بها الهيومانوم "الإنسان العاقل". ولكن كان هذا محل جدل، وريبة. فالذين يرون وجود فجوة لا تسد، بين الهيومانوم، وحالة ما قبل الإنسانية، يرتابون حتى في وجود البداءات، التي يمكن أن ينشأ منها الهيومانيوم، في الحيوان. والذي يفوت على هؤلاء الذين يعتقدون في الفجوات التي لا يمكن عبورها، هو أن الجدة النوعية، للحالة الإنسانية، هي جدة النمط وليست جدة مكوناته. ولهذا، فان التجاوز لا يعني أن قوة أو طاقة جديدة، هبطت من لا مكان، وإنما يعني أن شكلاً جديداً من الوحدة، والانسجام قد برز للوجود. ومع أن إنكار وجود مكونات الهيومانوم في الحيوانات لم يعد ممكناً، إلا أن إنكار وجود التركيبة الكاملة، لتلك المكونات ما زال ممكناً. ومع ذلك، يرى الكاتب ألا يسقط هذا الاعتبار، ويحدثنا عن دراسات، أثبتت قدرة بعض الطيور والثدييات، على تشكيل مفاهيم غير لفظية مجردة مثل العدد. فقد استطاع غراب، أن يختار الصحن الذي وضع عليه الطعام، من بين خمسة صحون، ميزت بينها نقاط ملونة من نقطتين إلى ستة نقاط بالترتيب. فبعد تدريب، استطاع الغراب أن يلتقط الصحن الصحيح، بعد أن عرضت عليه اللافتة التي تحوي ذلك العدد، من بين لافتات أخرى. يلاحظ الكاتب، أيضاً، أن للنحل رقصات رمزية، يشير بها إلى مكان الطعام.. ولكنه يقول بأنها بالطبع لا تملك أية خاصة، من خواص اللغات الإنسانية. كما يعرض الكاتب إلى أن الحيوان يقوم باللعب مع صغاره، في عملية تأهيل لهم، للاضطلاع بدور في المستقبل. وهذا يشبه لحد كبير، ما يقوم به الإنسان. أكثر من ذلك، أن بعض القردة والنسانيس، يمكن تدريبها على الزخرفة بالألوان، وإنتاج جماليات تضاهي لوحات كبار الفنانين. يذكر الكاتب في هذا الصدد، كيف أن كثير من علماء السلوك الحيواني، تحدثوا كثيراً عن وجود بوادر سلوكية، أخلاقية، لدى الحيوانات، مثل التعاون، والإيثار، والتضحية، وغيرها.. ولكن الكاتب يرى أن هذه يصعب إثباتها بصورة لا تقبل للجدل.


الإشكالية التي يتعرض إليها الكاتب في خاتمة هذا الفصل، هي قضية الصدفة. يتساءل الكاتب : هل يمكن الاعتقاد بان الهيومانوم، نشأ عن طريق تراكم سلسلة من المصادفات؟ يورد الكاتب، اعتراض كايكوس 1958، الذي يقول فيه» الاصطفاء اللوتري لا يفي بالغرض. الطفورية فشل مزدوج. أن أصل الأنواع لا يمكن أن يعزى للصدفة وحدها، حتى بعد أن يصححها الاصطفاء الطبيعي»[18] ويذكر أن غيره من العلماء،اعترضوا اعتراضات بليغة مماثلة.. ولكنه يرى أن كثير منها، يعزى إلى سوء فهم كلمة»الصدفة" أو»العشوائية». فمع أن الطفرات الوراثية، لا تنشأ حيثما وحينما تكون هناك حاجة لها، ولا تحدث الطفرات المفيدة فقط، إلا أن الطفرات ليست عشوائية. وهو يرى أنها ليست عشوائية، لان ماهية الطفرة التي تحدث في جينة معينة، تحددها بنية تلك الجينة. ثم ان الطفرات ليست التطور، وإنما هي المادة الخام، التي يوجهها الاصطفاء الطبيعي، لتحقق التطور.

أن دوبزانسكي يرى أن الاصطفاء الطبيعي ليس صدفة، إلا بمعنى أن معظم الطواقم الوراثية في عشيرة ما، لا تملك تمييزاً مطلقاً بالنسبة للطواقم الوراثية الأخرى، وإنما تتميز عليها تمييزاً نسبياً فقط، بالرغم من عبارة "الأصلح" في العبارة "البقاء للأصلح". فالاصطفاء الطبيعي، يعتبر محققاً لو أن أنجب طاقم وراثي مائة فرد، مقابل تسعة وتسعون ينجبها حاملو طقم آخر، يختلف في وجود جينة طافرة بعينها. فيما عدا ذلك، فالاصطفاء الطبيعي، عامل مضاد للصدفة. ويرى دوبزانسكي ان الاصطفاء الطبيعي (يمنح معنى تكيفياً للفوضى النسبية لتوليفات الجينات الطافرة التي لا حصر لها. وهو يفعل ذلك دون أن تكون له إرادة أو قصد أو بصيرة [19] "إدراك للمستقبل").

القضية الأخيرة، التي تعرض لها الكاتب باقتضاب شديد، ووعد أيضاً أن يبحثها في الفصل السادس، هي إشكالية الحتمية. ففي سؤال طرحه أتكن 1964 وهو: ما هو الشيء الذي امتلكه أسلاف الإنسان دون سائر الحيوانات الأخرى فمنحه القدرة على حل ضائقته التطورية ؟ يجيب دوبزانسكي بان نمط التكييف الإنساني، كان احتمالاًً من عدة احتمالات توفرت لأسلافنا البعيدين.. والنمط الذي يتبعه أي من الخطوط التطورية المختلفة للثدييات العليا، ليس مقرراً سلفاً. لقد كان اختراعاً تطورياً، ولم يكن حتمي الحدوث. يقرر الكاتب أن هناك تفسيران للتطور: يرى احدهما أن كل التغيرات التطورية التي حدثت، كان حدوثها مقدراً حتماً بالصورة التي حدثت بها. ويرى الرأي الآخر أنه ربما كان هناك عدة طرق مختلفة، لحل مشكلة التواؤم في نفس البيئة. وأن أي طريقة من هذه الطرق، استعملت في التطور، استطاعت أن تهرب من الحتمية. وإنما بسبب عدم الحتمية هذا، يجد الكاتب نفسه متشككاً في الاعتقاد، بأنه على افتراض وجود حياة في أجزاء أخرى من الكون، إنها ستكون مثل صورة الإنسان، أو السوبرمان الذي يشبه الإنسان العاقل. وهو لهذا يشارك العالمان سمبسون 1964 وبلوم 1965 الرأي بان هذا الأمر ليس فقط موضع شك، وإنما هو غير محتمل، للدرجة التي تعني الرفض بالنسبة لأي نظرية علمية. هذا موجز للفصل الثالث أرجو أن يكون وافياً.

أول ما تجدر الإشارة إليه، هو أن التطور هو الحركة الحسية، والمعنوية، أو قل الجسدية، والفكرية، لتحقيق الكمال المطلق.. ومن هنا كان عملاً سرمدياً لا ينتهي !! وهو سنة الله، التي قال عنها جل من قائل (سنة الله التي خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً)..هو سنة الله، بمعنى انه هو الموجه للقانون الطبيعي، الذي سير الوجود، ثم سير الحياة. وإلى هذا المعنى، ترد الإشارة بقوله تعالى (كل من عليها فان* ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام)!! وفان يعني متقلب في الصور، متغير، وإلا فان الفناء بمعنى النهاية ليس هناك!! ونحن حين نفنى، لا ننتهي، وإنما تبدأ حياتنا، في حيز جديد، نكون فيه أكثر تطوراً، لزيادة وعينا، بواقع حالنا.. قال تعالى عن ذلك (وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد * ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد * وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد * لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد).. وإنما بالبصر الحديد، ترى المشاكل بوضوح، وتواجه على وجه أفضل.. وإلى كون التطور إنما يسيرنا إلى الله في إطلاقه، أشار تبارك وتعالى بقوله (وان إلى ربك الرجعى) وقال أيضاً (وان إلى ربك المنتهى)!!

ومع أن التطور في جملة الحال تقدم، إلا انه ليس تقدماً في خط مستقيم.. وإنما هو حركة موجة بين سفح وقمة. ففي السفح هبوط من القمة، ولكن ريثما تحتشد الموجة لقمة جديدة. فالأمم قد تتقدم، وتشيد الحضارات، ثم تنحدر، ويجئ من هم اقل تقدماً، ولو كانوا لاحقين في الزمن.. وإلى هذا المعنى، أشار تبارك وتعالى بقوله (أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ؟! كانوا اشد منهم قوة واثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) !! وكما أن الأمم قد تتقهقر في التطور، فكذلك الأفراد قد يرتدوا في سلم التطور، معنوياً وحسياً.. وإلى الردة المعنوية، أشار تبارك وتعالى بقوله (أولئك كالأنعام بل هم أضل سبيلاً) !! وإلى الردة الحسية أشار تعالى بقوله (يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزّلنا مصدقاً لما معكم من قبل ان نطمس وجوهاً فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولاً) وهذا النكوص هو ما يتفق مع عبارة دوبزانسكي (وأحياناً يكون التطور تقهقرياً بدلاً من أن يكون تقدمياً...) [20]

حين تحدث دوبزانسكي عن بداية الحياة كما جاءت في الكتاب المقدس، قال أنها فسرت تفسيرات تتعارض مع التطور، ولكن ذلك لم يمنعه من أن يعتبر المسيحية تطورية، فيقول (تعد المسيحية من أكثر الأديان العظمى وعياً بالتاريخ، وهي بهذا المعنى تطورية....) !![21]

والحق أن المسيحية تحدثت عن الخلق المكتمل، ولم تتحدث عن التطور، وهذا ما جعل رجال الدين المسيحي، والمسحيين المحافظين، يعتقدون بان الإيمان بنظرية الخلق الإلهي، يتعارض مع نظرية التطور، حتى بلغ هذا الصراع، في دولة مثل الولايات المتحدة الأمريكية، أن يمنع تدريس نظرية التطور، في مختلف مراحل التعليم في بعض الولايات !!

لقد تحدثت المسيحية، عن أن الخلق تم في ستة أيام، وفي هذا إشارة إلى التطور.. ولكنها إشارة بعيدة، لا تضاهي ما قررته من الخلق المباشر.. جاء في سفر التكوين (في البدء خلق الله السموات والأرض. وكانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الله يرف على وجه المياه. وقال الله ليكن نور فكان نور. ورأى الله النور انه حسن. وفصل الله بين النور والظلمة. ودعا الله النور نهاراً والظلمة دعاها ليلاً. وكان مساء وكان صباح يوماً واحداً. وقال الله ليكن جلد في وسط المياه. وليكن فاصلاً بين مياه ومياه. فعمل الله الجلد وفصل بين المياه التي تحت الجلد والمياه التي فوق الجلد. وكان كذلك ودعا الله الجلد سماء. وكان مساء وكان صباح يوماً ثانياً.
وقال الله لتجتمع المياه تحت السماء إلى مكان واحد ولتظهر اليابسة. وكان كذلك. ودعا الله اليابسة أرضاً. ومجمع المياه دعاه بحاراً. ورأى الله ذلك انه حسن. وقال الله لتنبت الأرض عشباً وبقلاً يبزر بزراً وشجراً ذا ثمر يعمل ثمراً كجنسه بزره فيه على الأرض. وكان كذلك. فأخرجت الأرض عشباً وبقلاً يبزر بزراً كجنسه وشجراً يعمل ثمراً بزره فيه كجنسه. ورأى الله ذلك انه حسن. وكان مساء وكان صباح يوماً ثالثاً. وقال الله لتكن أنوار في جلد السماء لتفصل بين النهار والليل. وتكون لآيات وأوقات وأيام وسنين. وتكون أنوار في جلد السماء لتنير الأرض. وكان كذلك. فعمل الله النورين العظيمين.
النور الأكبر لحكم النهار والنور الأصغر لحكم الليل. والنجوم. وجعلها الله في جلد السماء لتنير الأرض ولتحكم على النهار والليل ولتفصل بين النور والظلمة. ورأى الله ذلك أنه حسن. وكان مساء وكان صباح يوماً رابعاً. وقال الله لتفض المياه زحّافات ذات نفس حيّة وليطر طير فوق الأرض على وجه جلد السماء. فخلق الله التنانين العظام وكل ذوات الأنفس الحيّة الدبّابة التي فاضت بها المياه كأجناسها وكل طائر ذي جناح كجنسه. ورأى الله ذلك انه حسن. وباركها الله قائلاً أثمري وأكثري واملأي المياه في البحار. وليكثر الطير على الأرض وكان مساء وكان صباح يوماً خامساً. وقال الله لتخرج الأرض ذوات أنفس حيّة كجنسها بهائم ودبّابات ووحوش أرض كأجناسها. وكان كذلك.

فعمل الله وحوش الأرض كأجناسها والبهائم كأجناسها وجميع دبّابات الأرض كأجناسها. ورأى الله ذلك انه حسن.
وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا. فيتسلطون على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى البهائم وعلى كل الأرض وعلى جميع الدبّابات التي تدب على الأرض. فخلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه. ذكر وأنثى خلقهم. وباركهم الله وقال لهم أثمروا وأكثروا واملاوا الأرض وأخضعوها وتسلطوا على سمك البحر وعلى طير السماء وكل حيوان يدب على الأرض. وقال الله إني قد أعطيتكم كل بقل يبزر بزراً على وجه كل الأرض وكل شجر فيه ثمر يبزر بزراً. لكم يكون طعاماً. ولكل حيوان الأرض وكل طير السماء وكل دبّابة على الأرض فيها نفس حيّة أعطيت كل عشب أخضر طعاماً. وكان كذلك. ورأى الله كل ما عمله فإذا هو حسن جداً.
وكان مساء وكان صباح يوماً سادساً. فأكملت السموات والأرض وكل جندها. وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل. فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل. وبارك الله اليوم السابع وقدسه. لأنه فيه استراح من جميع عمله الذي عمل الله خالقاً...) [22]

ولم يكتف الكتاب المقدس، بعدم ذكر التطور، بل ذكر تواريخ تؤكد، وأعمار للأنبياء يفهم منها، أن بداية خلق الإنسان كانت قريبة.. ومع انه ليس هناك تحديد، في الكتاب المقدس، للوقت الذي بدأ فيه خلق الإنسان، أو خلق آدم أبو البشر، إلا انه قياساً للأحداث المفصلة في العهد القديم، وبعض التواريخ، وأعمار الأنبياء، يمكن تجميع هذه المعلومات لتقدير وقت بدء الإنسان. على أن هذه التقديرات، أدت إلى اختلافات في التفسير، ففي (التفسير الحرفي والذي كان آشر رئيس الأساقفة أفضل دعاته» توفى عام 1656 م» وعلى أساس حساباته وضعت التواريخ التي حددها في حاشية بعض ترجمات الكتاب المقدس. وهذه النظرية تأخذ التواريخ المذكورة لمولد وممات الآباء كما هي بالإضافة للفارق الزمني بين مولد كل واحد من الآباء ومولد الذي يليه، مجموعاً إلى عمر آدم عند مولد شيث يكون المجموع الكلي 1656 عاماً من الخليقة إلى الطوفان، 290 عاماً من الطوفان إلى مولد إبراهيم وذلك بناء على ما جاء في التوراة العبرية "الماسورية".... نظرية الاسرات: وتزعم أن الأرقام الكبيرة لأعمار الآباء الأولين أنما تشير إلى المدد التي سادت فيها أسرة كل منهم، فمثلاً رقم 930 عاماً لآدم، أعقبه 912 عاماً لشيث وهكذا تتجمع هذه الأرقام لتغطي آلاف السنين....

يزعم البعض أن وحدات الزمن في العصور القديمة للإنسان كانت تختلف عنها الآن، وان وحدة الزمن كانت أصلا دورة القمر، وبذلك تكون حياة متوشالح 969 دورة قمرية، أي 969 شهراً، أو ما يزيد قليلاً عن ثمانين عاماً بحسابنا الآن) [23].

وبناء على هذه التقديرات التي جاءت في الجدول الزمني لدائرة معارف الكتاب المقدس فان آدم قد خلق عام 3901 ق.م وان نوح قد ولد عام 2845 ق.م وإبراهيم ولد عام 1955 ق.م ويعقوب 1795 ق.م ويوسف ولد عام 1704 ق.م وموسى 1528 ق.م وداؤود 1041 ق.م[24].

فإذا كان آدم، الذي ورد في الكتاب المقدس، هو أول إنسان، كما يظن سائر المسيحيين وسائر المسلمين، فان علماء الكتاب المقدس أنفسهم، يشعرون بالمفارقة في هذه التواريخ، لأنه (بناء على أكثر التقديرات والاعتبارات الجيولوجية و الانثروبولجية تحفظاً أن هذا الحساب لا يتسع للحقائق المعروفة عن عمر الأرض ولا عن عمر الإنسان على الارض ولا عن التواريخ الثابتة. بل ان المنهج المتحفظ في تحديد الأزمنة للبروفسير بريستيد يجعل أول تاريخ ثابت في تاريخ مصر هو بالتحديد بداية التقويم الشعراني» على أساس ظهور نجم الشعرى اليمانية» هو 4241 ق.م أي انه يسبق التاريخ الذي حدده آشر لخلق العالم بمائتي عام. بالإضافة إلى انه في ذلك العهد كان هناك أساس فلكي لحساب الزمن، مما يعني أن عصراً من الثقافة كان قد مضى بالفعل...

ومن الملاحظات المثيرة على الطريقة الحرفية في حساب الأزمنة، أنها تجعل نوحاً يعيش إلى أن بلغ إبراهيم سن السبعين، كما تمد عمر سام حتى تجعله معاصراً ليعقوب) !! [25]

المسيحية إذن -على اتفاق يكاد يكون تاماً بين جميع فرقها- تتعارض مع المفهوم السائد لنظرية التطور، فما هو موقف الإسلام ؟! الاسلام يقع على مستويين : المستوى العقيدي، وعمدته التفسير، وهو يمثل عموم الفهم السائد حتى الآن، وهذا لا يختلف كثيراً من المسيحية، في هذه القضية.. والمستوى العلمي من الإسلام، وعمدته التأويل، وهذا يتفق مع التطور، ويمثله الفهم الذي طرحه الأستاذ محمود محمد طه. أما الفهم التقليدي، فقد جاء فيه (روي عن ابن عباس وغيره أن أول ما خلق الله عز وجل الماء وكان عرشه عليه. فلما أراد أن يخلق أخرج من الماء دخاناً فوق الماء سماه سماء. ثم أيبس الماء فجعله أرضا واحدة ثم فتقها فجعلها سبع أرضين في يومي الأحد والاثنين. وخلق الأرض على حوت والحوت هو الذي ذكره الله سبحانه في القرآن في قوله» ن. والقلم وما يسطرون" والحوت في الماء والماء على الصف والصف على ظهر ملك والملك على صخرة والصخرة على الريح... فاضطرب الحوت فتزلزلت الأرض فأرسى الله عليها الجبال فقرت الأرض... وخلق الجبال فيها وخلق أقوات أهلها وشجرها وما ينبغي لها في يومي الثلاثاء والأربعاء...فكان ذلك الدخان من نفس الماء حين تنفس فجعلها سماء واحدة ثم فتقها فجعلها سبعاً في يومي الخميس والجمعة... ثم بعث الله جبريل ليأتيه بطين منها فقالت : أعوذ بالله منك أن تنقصني. فرجع فلم يأخذ شيئاً، وقال : يا رب أنها عاذت بك. ثم بعث الله ميكائيل فقالت له مثل ذلك فرجع ولم يأخذ شيئاً. فبعث الله ملك الموت فعاذت بالله منه. فقال : وانأ أعوذ بالله أن ارجع ولم أنفذ أمره. فاخذ منها تربة سوداء وحمراء وبيضاء. فلذلك خرج بنو آدم مختلفين في الألوان وسمي آدم لأنه اخذ من أديم الأرض... وتركه حتى صار طيناً لازباً يلزق بعضه ببعض أربعين سنة ثم تركه حتى انتن وتغير أربعين سنه.. ثم صوره وتركه بلا روح من صلصال كالفخار حتى أتى عليه مائة وعشرون سنة... قال المسعودي : وما ذكرناه من الأخبار في مبدأ الخليقة هو ما جاءت به الشريعة ونقله الخلف عن السلف والباقي من الماضي. فعبرنا عنهم على حسب ما نقل إلينا من ألفاظهم ووجدناه في كتبهم...) [26]

وهكذا نرى أن الشبه، بين بدأ الخليقة في المسيحية وفي الإسلام، بفهمه التقليدي السلفي، كبير. وتبقى بعض الفروق سببها اختلاف الزمن، وتطور العقل البشري، مما جعل رسالة الإسلام أكثر منطقية ودقة في التعبير، ومن تلك الفروق أن المسيحية، اعتبرت قصتها جزء من الكتاب المقدس، بينما اعتبرها الإسلام شروح للكتاب، وآراء تقبل الجدل.. ولقد اتفقت المسيحية والإسلام، على أن الخلق تم في ستة أيام، وذكرت التوراة إن الله استراح من عمله في اليوم السابع !! أما في القرآن فقد قال تعالى (ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب) أي لم يصيبنا تعب. وهذا تصور لله، أرقى من تصور التوراة، الذي جعله تعالى يتعب من العمل، كما يتعب أحدنا، ويحتاج للراحة !! ومن تميز الإسلام على المسيحية، انه ذكر التطور بالنص فقال تعالى (مالكم لا ترجون لله وقاراً * وقد خلقكم أطوارا).. وفيما عدا ذلك، فان الصورة في المسيحية وفي الإسلام التقليدي، قريب من قريب.. ولقد ورد في المسيحية وفي الإسلام، أن آدم خلق في مقام رفيع في الجنة، ثم رد عنه بسبب الخطيئة.. وإلى ذلك أشار دوبزانسكي بقوله (وفي الواقع فإن المسيحية ورثت عن اليهودية مبدأ السقوط المأساوي للإنسان من حالة كمال بدئي) [27]..

أما في الفهم العلمي للإسلام، فان قصة الخلق هي القصة التي يدور حولها القرآن، في مجمله، وفي تفاصيله، واليها الإشارة بقوله تعالى (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن...). وإنما كانت أحسن القصص، لأنها قصة الإنسان، وليس في الوجود الحادث غير الإنسان، في طور من أطوار تطوره.. ولأنها سيرة الإنسان نالت هذه المكانة، وبها أصبحت أكمل القصص، فكل قصة سواها، هي دون مداها، لأنها جزء منها..

لقد صدر الوجود، عن الله سبحانه (هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم). وكونه الأول، فان الشيء الثاني، لا بد أن يكون قد جاء منه، فان الله لم يخلقنا من العدم، لأنه ليس هناك شيء اسمه العدم، قبل الله ولم يكن هناك شيء اسمه العدم، بجانب الله، ليخلق منه !! فلم يبق إلا أن الله تبارك وتعالى، خلقنا من نفسه، ما دامت البداية هي وجوده سبحانه وتعالى.. ولقد نعى الله على المشركين، ظنهم بأنهم خلقوا من العدم – من لا شيء - فقال تعالى (أم خلقوا من غير شيء ؟! أم هم الخالقون؟!) وإلى كوننا خلقنا منه تبارك وتعالى، الإشارة في قوله (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة) !! ولقد ذكرت في الحلقة الماضية، لماذا لم نعد نقبل تفسير المفسرين، بان النفس الواحدة هي نفس آدم !!

وإنما جرى الخلق بالتنزل، فتنزلت الذات العليّة من الإطلاق إلى القيد، في مرتبة العلم، ثم تنزل العلم للإرادة، ثم تنزلت الإرادة للقدرة، وبالقدرة برزت المخلوقات في عالم الملك (عالم التجسيد)، بعد أن كانت في مستوى العلم، في عالم الملكوت (عالم الأرواح).. في قمة الملكوت برز الإنسان في أكمل صورة، وإلى ذلك، الإشارة بقوله تعالى (ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) أي في اقرب صورة للكمال.. ولكن الإنسان الكامل، رد من أعلى عالم الملكوت، إلى أسفل عالم الملك، وعن ذلك قال تعالى (ثم رددناه أسفل سافلين).. ولقد ذكر بعض المفسرين، أن أسفل سافلين هي قاع الأرض السابعة، ولكنها تعني أحقر صور المادة، وهي ذرة غاز الهايدروجين، فإنها هي التي أحدثت الانفجار الذري الذي ظهرت به الاكوان. ولقد كان مركز الانفجار ملتهباً، ثم بدأت إطرافه البعيدة تبرد، وتتشكل في مادة، وإلى هذه المرحلة، الإشارة في حديث دوبزانسكي حين قال (لقد تكون الغلاف الجوي حينما بردت الأرض بروداً يكفي لتكثف بخار الماء وتكوين المحيطات، من غازات مثل الهايدروجين والميثان والامونيا وثاني أكسيد الكربون مع كميات اقل من النتروجين والقليل من الأوكسجين السائب). وإلى بخار الماء هذا الإشارة بقوله تعالى (ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض اتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين) وفي الماء الذي تكثف برزت الحياة (وجعلنا من الماء كل شيء حي)، وهي إنما برزت في الماء المخلوط، بكل هذه الغازات وبالتراب، حتى تحول إلى طين مختمر، ظهرت فيه جرثومة الحياة.. وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً * إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً) فالنطفة الأمشاج هنا، هي قطرة الماء المخلوطة بالتراب، وبالغازات المختلفة، والتي فيها تكونت الخلية النباتية، ثم الخلية الحيوانية، وإلى كوننا نحن البشر، كنا في تلك المرحلة الإشارة، بقوله تعالى (والله أنبتكم من الأرض نباتاً) !! أو يقول(سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون) !! ثم في مرحلة متقدمة، من التطور، نجد النطفة الأمشاج تعني ماء الرجل المخلوط ببويضة الأنثى، فان الإنسان يحكي في رحم الأم، رحلته كلها في التطور، مختصرة في تسعة أشهر!! وهو لم يصل إلى هذه المرحلة، إلا بعد أن تقلب عبر سلالات كثيرة، من الأحياء، التي عج بها الماء والطين.. وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار مكين) !! ومن مستوى النبات، تطور الإنسان إلى أدنى الحيوانات المائية، ثم الزاحفة، ثم الثديات ذوات الأربعة أرجل، ومن هذه جاء الإنسان يمشي على رجلين، بعد تطور وئيد وطويل. ولقد حكى الله تعالى كل هذه المراحل، في آية واحدة، وذلك قوله (والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير) !! والإشارة إلى التطور في الآية، إنما تلتمس في انهم جميعاً، من أصل واحد هو الماء.. ولقد تقلبت الحياة، زمناً طويلاً في الصور، قبل أن يجئ الإنسان، العاقل، المكلف.. وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى (هل أتى على الإنسان حيناً من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً؟!)..(وهذه الحياة البدائية، التي سبقت حياة الإنسان على الأرض، أو قل هذه الحياة، التي لم تبلغ طور التكليف، فتكون حياة إنسانية، هي حياة الحيوان، في مختلف صورها، سواء كانت في الماء، أو في اليابس، أو في الجو، وهي حياة تسير على قانون واحد، هو قانون الغابة» القوي يأكل الضعيف"، وهو ما اسماه دارون قانون تنازع البقاء، وهو قانون يعيش الحي فيه احمر الناب والمخلب أو يموت، وإلى ذلك الإشارة، بقول الملائكة في الآية "وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟! قال إني أعلم ما لا تعلمون" فقول الملائكة» أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء» مبني على ما ألفوا من صنيع سكان الأرض،على ذلك العهد، وقول الله "إني أعلم ما لا تعلمون" مبني على علمه تعالى أن الكتاب قد بلغ أجله، وان التنازع بين أحياء الأرض قد آتى أكله، وان الحيوان، السوي، الذي يكون النقطة الفاصلة بين الحيوانية والإنسانية، قد اكتمل، وان موعود الله بنفخ روحه في هذا الحيوان السوي قد وجب. ولذلك قال تعالى في المعنى المتقدم من الآية السابقة» وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من صلصال من حمأ مسنون * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين» !!

والنفخ من روح الله هنا، معناه الذكاء اللماح، الذي انماز به الإنسان عن الحيوان، وعليه انبنى التكليف، وبه وجب التشريف، وهذا نتيجة مباشرة للصراع بين الحي وبيئته، وهو ما اسماه دارون بتنازع البقاء، وهو بعينه ما اسماه الله تعالى» بالابتلاء" في الآية الكريمة» انا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً»... ونطفة أمشاج لها معنيان يستقيمان مع ما أسلفت القول فيه، من أن هناك خلقتين للإنسان: خلقة بدأت من الطين بحيوان الخلية الواحدة، ثم تطورت في المراقي المختلفة، حتى بلغت طور الإنسان.. وخلقة تحدث كل يوم، حيث ينسل الناس أناساً كاملين.. فنطفة أمشاج معناها في الخلقة الأولى ماء مختلط بطين.. فان النطفة في الأصل الماء النظيف، والمشج والمشيج، الشيء المختلط بعضه في بعض، ولذلك قلت أن نطفة أمشاج، معناها ماء مختلط بالطين، وهو ما نشأت منه حياة الحيوان، ذي الخلية الواحدة، وفي الخلقة الثانية فان معنى نطفة أمشاج ماء الرجل وماء المرأة) [28].

فالإنسان قد ظهر قبل حوالي مليوني عام، كما نقل لنا دوبزانسكي، وفي تقديرات أحدث من ذلك، ورد انه ظهر قبل ستة ملايين سنة، فقد جاء:

A team of scientists led by an anthropologist at University of California – Berkeley has discovered the fossilized remains of what they believe is humanity's earliest known ancestor, a creature that walked the wooded highlands of East Africa nearly 6 million years ago. [29]

هذا الإنسان البدائي،الذي اكتشف النار، وعاش في الكهوف، سبق آدم أبو البشر بزمن طويل.. وقد جاء آدم أبو البشر، عالماً، ونبياً، وصاحب رسالة لذريته من بعده. وإذا تجاوز تقدير وقته، ما ورد في الكتاب المقدس، وهو حوالي ستة ألف سنة، فانه لن يتجاوز ذلك بكثير.. ولعل ما أدى لهذا اللبس، حتى في تفسير الأديان، هو أن هناك الإنسان الأول، الذي خلق كاملاً أو يكاد في الملكوت، و هو أبو الخليقة كلها، لأنه حين رد إلى أسفل سافلين، برزت عنه جميع الخلائق بالتطور.. وهذا لم يكن آدم أبو البشر الحاضرين، وإنما آدم مرحلة متقدمة منه، في طريق الرجعى.. والرجعى إنما تكون إلى الله (وان إلى ربك الرجعى) حيث سقط الإنسان من مستوى الكمال. وهذا ما يجعل التطور يطرد،ولا يقف حتى عند مستوى البشر الحاضرين [30].

وعن بداية الكون، يشرح لنا دوبزانسكي النظريتين الشهيرتين : نظرية الانفجار العظيم، ونظرية التمدد، من غير أن يرجح واحدة على الأخرى.. ولقد كان الانفجار الذري هو البداية، وتبعه التمدد، الذي نتج عن ما أشار إليه دوبزانسكي من قوة الطرد المركزي. والعلماء لا يعرفون شيئاً قبل الانفجار الكبير فهو عندهم البداية.

In the beginning, there was nothing at all. This is a very difficult concept, and one which causes a great deal of misunderstanding among many people who have heard of the idea of the ‘Big Bang' the creation of the Universe as we know it in some vast explosion of matter and energy. From our everyday experience, we know what a big bang is like- a concentration of matter, triggered by some energetic process, blasting outward into space. Even many astronomers, I suspect, have as their own personal image of the Big Bang the explosion of a star “a supernova” magnified by as great a degree as their imaginations will allow.

But before the Big Bang of creation, there wasn't even any empty space. Space and time, as well as matter and energy, were created in that ‘explosion' and there was no ‘outside' for the exploding Universe to explode into, since even when it was only just born and beginning its great expansion, the Universe contained everything including all empty space…And not just space but its counterpart, time, the other facet of the space-time fabric. The flow of time as we know it also began with the Big Bang so that it may be literally meaningless to ask what happened ‘before' the Big Bang-perhaps there was no ‘before'! [31]

وعن نشأة الكون وتمدده يحدثنا الأستاذ محمود محمد طه، في وقت سابق للدراسات الفلكية الحديثة، بعد أن ذكر الانفجار الكبير قائلاً (ثم أخذ هذا الغاز يتكاثف، ويتراكم، مكوناً بذلك بلايين المجرات، التي تحوي كل مجرة منها بلايين الشموس، ومن كل أولئك يتكون عالمنا الحاضر.. ونحن لا نكاد نرى بعيننا المجردة، إلا مجرة واحدة، هي ما نسميه» بمجر الكبس"، وهي وشاح يلف نظامنا الشمسي لفاً، نرى بعضه، ويغيب عنا في الجانب الآخر من الأرض بعضه. ويقع اقرب شموس هذه المجرة إلينا، على بعد 20 ألف سنة ضوئية. والسنة الضوئية مسافة مقدارها 6 مليون مليون ميل. ونحن بواسطة المنظار الفلكي، نرى مجرات على بعد بليوني سنة ضوئية، وبعبارة أخرى، إنا نرى هذه المجرات بالضوء الذي غادرها إلينا قبل بليوني سنة !! ومعلوم أن الضوء يسير بسرعة 186 ألف ميل في الثانية الواحدة، ومع ان هذا المنظار الفلكي، الذي يرينا الشموس على بعد بليوني سنة، هو أقوى منظار يعين العين البشرية على الرؤية البعيدة، إلا أن الفلكيين المعاصرين لا يرونه كافياً لسبر أغوار الفضاء، وينتظرون من المنظار اللاسلكي "منظار الراديو"، الذي يسجل الموجات الصوتيه المنبعثة من المجرات، التي قد تبعد منا نحو خمسة أو ستة بلايين سنة، أن يحل محل المنظار الحاضر، ليعطي فكرة أدق عن العوالم، التي تحيط بنا.. وحتى هذا لا يحسب شيئاً ذا بال، في هذه الأكوان الرهيبة، التي تكون عالمنا العجيب !! وهذا العالم العجيب، ما نشهده منه وما يغيب عن شهودنا، ولا يشهده إلا الله "ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم"، يؤثر في حياتنا اليومية تأثيراً مباشراً.

وهذه الذرّة البدائية الأولية، التي بتفتتها، ثم تجمعها وتكاثفها، كونت العوالم المرئية وغير المرئية، لا تزال تتفتت، وتتناثر، وتنشأ منها النجوم، وترسل في الكون الضياء.. فان دراري السماء، تتناسل كما تتناسل ذراري الأرض، ويتسع الفضاء لنسلها، كما تتسع الأرض لنسل أحيائها..واستمرار تفتت هذه الذرّة البدائية، يعلل الملاحظة التي توصل اليها الفلكيون المعاصرون، وهي أن الكون لا يزال يتسع إلى اليوم وتتباعد نجومه... وداخل هذا النطاق المشرق المضروب حولنا، يوجد عالمنا الصغير الذي نسميه النظام الشمسي. وهو يتكون من أسرة صغيرة، قليلة، ضئيلة، هي أسرة الشمس من الكواكب السيارة، وهي عطارد، والزهرة، والأرض، والمريخ، والمشتري، وزحل، واورانس، ونبتون، وبلوتو.. ويبعد أقصاها، وهو بلوتو، عن الشمس مسافة 3670 مليون ميل. بينما أقرب نجوم النطاق المشرق، المضروب حولنا، إلى الشمس يبعد بمسافة 26 مليون مليون ميل !! وتطور حياتنا في هذا النطاق، تحكيها الآية التي ذكرتها آنفاً، بنفس القدر الذي تحكي به هذه الآية، خلق الأكوان جميعها، وتلك الآية هي قوله تعالى "أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون* وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجاً سبلاً لعلهم يهتدون* وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً وهم عن آياتنا معرضون* وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون".

ولقد أجمع الفلكيون، في الوقت الحاضر، أن الأسرة الشمسية من الكواكب السيارة، كانت جميعها كتلة واحدة مع الشمس، ثم حصل أن نسلت عنها، وأخذت مداراتها حولها، وبردت على أقدار متفاوته، وفقدت نورها، أو القدر الذي كانت تملكه، عندما كانت جزءاً من أمها الشمس، وأصبحت لا نور لها، إلا ما تعكسه على صفحتها، من نور الشمس.. ويكاد يجمع الفلكيون، على أن انفصال الأرض عن الشمس، حصل قبل حوالي خمسة بلايين سنة. ومن وقتها، أخذت تبرد، وتتهيأ للحياة، ببروز تربتها، ومياهها، ومناخها، الذي كان يغلب عليه، مركبات غاز الهيدروجين، كبخار الماء مثلاً، وقد ظهرت الحياة بين الماء والطين...) [32].

لخص لنا الكاتب نظرية دارون باختصار شديد في أنها تعتمد على أن تقرير دارون إن التطور يحدث بسبب استجابة الكائن الحي لتحديات البيئة. ولقد كان دارون يعتقد أن الاصطفاء (الاختيار) الطبيعي هو الطريقة التي تستجيب بها الكائنات الحيّة لتحديات البيئة. على أن الفهم الجديد القائم على علم الوراثة الحديث يرى كما يحدثنا دوبزانسكي أن المادة الخام للتطور هي الجينات المغايرة التي تنتج عن الطفرات الوراثية. إن مهمة الاختيار الطبيعي حسب رأي الكاتب هي أن يضبط الطفور بحجز الطفرات القليلة المفيدة وترك الطفرات العديدة الضارة تمر. لاشك في أن محاولة الكائن الحي في سعيه للتواؤم مع البيئة ذات اثر على تطوره العضوي. كما أن قانون الاختيار الطبيعي القائم على قاعدة البقاء للأصلح أمر محسوس لا يمكن إنكاره وإلى الصراع في البيئة وكونه السبب في إبراز الحواس جاء قوله تعالى (أنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً).. فكلمة»نبتليه» تشير إلى الصراع، في البيئة، و"سميعاً بصيراً" تشير إلى الحواس، التي برزت الواحدة تلو الأخرى، بحسب الحاجة إليها.. على أن الصراع في البيئة، والطفرات الوراثية في الجينات، ليست أمراً تلقائياً عشوائياً. وإنما هو موضوع مخطط، ومدبر، بدقة شديدة، على نحو تدبير المجرات، وسرعتها، ومقدار الجاذبية التي تشدها لبعضها البعض، والغازات التي تتفاعل في سطحها، وما يمكن أن تنتجه من نجوم جديدة. ولعل اكبر سلبيات نظرية دارون، إنها لم تر وراء الاختيار الطبيعي، القوة المدبرة له. وهو ما سنعرض له بتفصيل،عندما يناقش الكاتب تفاصيل النظرية، في الفصول اللاحقة.

لقد أثار دوبزانسكي سؤالاً جوهرياً هو: هل هناك قانون واحد للتطور، في المرحلة غير العضوية، والمرحلة العضوية، أم أن لكل مرحلة قانونها، يقول (ببساطة شديدة فان الظواهر في المستويات غير العضوية، والعضوية، والإنسانية، تخضع لقوانين مختلفة خاصة بتلك المستويات. ليس ضرورياً أن نفترض عدم قابلية هذه القوانين للتعميم الاختزالي، لكنه ليس مجدياً أن نصف ظواهر المستوى الأعلى، بقوانين المستويات الأدنى) [33]. والحق أن القانون واحد، لأن العقل الكلي الذي يقوم فيه ذلك القانون واحد. ولكن في كل مرحلة من مراحل التطور، يعبر القانون عن نفسه بطريقة مختلفة. يقول الأستاذ محمود (لقد حدثنا عن المراحل الأربع من نشأة الإنسان.. تحدثنا عن المرحلة الأولى، فقلنا : أن بدايتها في الأزل، حيث برز الإنسان في الجسد، في المادة غير العضوية – تلك التي نسميها اصطلاحاً ميتة – ونهايتها عند دخول المادة العضوية في المسرح.. وتحدثنا عن المرحلة الثانية، وقلنا: إن بدايتها عند ظهور المادة العضوية – تلك التي نسميها، اصطلاحاً حيّة -ونهايتها عند ظهور العقل.. ويتضح لنا، من هذا، أن الشبه كبير بين المرحلتين: الأولى والثانية، فهما معاً مرحلة الجسد الصرف، على اختلاف مستوياته، من ذرة بخار الماء، وإلى أعلى الحيوانات الثديية، ما خلا الإنسان.. وأما المرحلة الثالثة فهي تتميز عن المرحلة الثانية ببروز العقل من الجسد، وهو عنصر جديد وخطير.. وأما المرحلة الرابعة فهي تتميز من المرحلة الثالثة بدخول الحاسة السادسة، والحاسة السابعة في المسرح، وتلك درجة جديدة، من درجات الترقي، تصبح بها الحياة البشرية شيئاً جديداً، مختلفاً عما ألفنا من قبل.. ولذلك فإننا نستطيع أن نقول: أن لدينا ثلاث مراحل لنشأة الإنسان: مرحلة الجسد الصرف، ومرحلة الجسد والعقل المتنازعين، وأخيرا مرحلة الجسد والعقل المتسقين.. ولقد تطورت، إلى الآن، الحياة على هذا الكوكب في مضمار المرحلتين الأولى والثانية فهي قد كان تطورها الأول تطوراً عضوياً صرفاً، ثم لما بدأ بروز العقل، بفضل الله، ثم بفضل التطور العضوي الصرف، أخذت في تطورها الثاني وهو تطور عضوي-عقلي.. وهذا الطور هو الذي نعيشه نحن الآن، واني لأرجو أن نكون إنما نعيش في أخريات أيامه.. وسيجيء يوم قريباً، يصبح التطور فيه عقلياً صرفاً، في مقابل البداية بالتطور العضوي الصرف، الذي كانت به بداية الحياة..) [34]. فالإرادة الإلهية هي القانون الأساسي، المسير للوجود، والذي بالقرب منه، ودقة محكاته، تجئ القوانين الرفيعة التي تحكم حياة الناس. على أن دويزانسكي نفسه يقول (ومع ان العمليات الفيزيائية والكيمائية التي تجري في الأجسام الحية لا تختلف اختلافاً جوهرياً عن تلك التي تجري في الطبيعة العضوية.....) [35] ولكنه لا يقف عند مقولته هذه. فلو تدبر ما قال، لعلم إنما كان ذلك كذلك، لأن القانون في طبيعته واحد كما قررنا.

وعن كيفية تطور الإنسان من الحيوان، يستأنس الكاتب برأي بريزنت الماركسي الذي يقول (حيثما نشأ، فلا بد أن المجتمع الإنساني جاء من العالم الحيواني، وقد كان العمل، صيرورة الإنتاج، هي التي جعلت من الحيوان البشري إنساناً» [36] وهذا الرأي فصله أنجلز، وتبناه الماركسيون من بعده، وخلاصته أن الانتهاج وتقسيم العمل، والصراع الطبقي، هو الذي طور المجتمع البشري، وخلق الفكر الإنساني، وميز الإنسان عن الحيوان. يقول إنجلز :

According to the materialistic conception, the determining factor in history is, in the final instance, the production and reproduction of the immediate essentials of life. This, again, is of twofold character. On the one side, the production of the means of existence, of articles of food and clothing, dwellings, and of the tools necessary for that production; on the other side, the production of human beings themselves, the propagation of the species. The social organization under which the people of a particular historical epoch and particular country live I determined by both kinds of production: by the stage of development of labour on one hand and of the family on the other ….In the collision of the newly-developed social classes, the old society founded on kinship groups is broken up ; in its place appears a new society, with its control centred in the state, the subordinate units of which are no longer kinship associations, but local associations; a society in which the system of the family is completely dominated by the system of property, and in which there now freely developed those class antagonisms and class struggle that have hitherto formed the content of all written history. [37]

ومع صحة القول بالتداخل، بين تطور الأسرة وتطور الإنتاج، واثر ذلك على تطور عقل الإنسان، وصنع الحضارة إلا أن التأثير الأعمق والأصل، هو ما حدث في النفس البشرية، ثم انعكس على المجتمع.. فلقد أثرت البيئة على نفس الإنسان، ودفعته دفعاً ليخلق المجتمع ويطوره. لقد وجد الإنسان البدائي نفسه في بيئة تكتنفه بالعداوة. فقوى الطبيعة تتصرف وكأنها لا تحفل بموته أو بحياته. فالنيران تندلع في الغابات فتقضي عليه دون رحمة. والزلازل، والأعاصير، والفيضانات، تحطم كهفه ومسكنه. والحيوانات المفترسه تطارده لتأكله، وهو في فراره بحياته، لا يملك إلا أن يطارد حيوانات أخرى، يعتمد على لحمها كغذاء وجلدها ككساء. وهذا الصراع المرير، دفع الإنسان أن يسعى لحماية نفسه، بكل سبيل، ويحتال لذلك شتى الحيل. فاتخذ الكهوف يختبئ بها، وأعالي الجبال يحتمي فيها، واتخذ السلاح من الحجر، وصنع الحبال من لحاء الأشجار، والعصي من فروعها. ورغم أن هذا ساقه إلى الأدوات والعمل، وطور من عقله، إلا أن اكبر اختراع للإنسان البدائي، إنما هو المجتمع.. وهو من أجل أن ينشئ المجتمع، ويتعايش أفراده، ويتحدوا على عدوهم، أنشأ القوانين البدائية، التي قيدت شهوة الجنس ورغبة التملك. فأوقعت تلك القوانين، أقصى العقوبة على من يعتدي على نساء رجل آخر، أو من يسرق فأس أو سكين جاره. ومن هنا بدأ الكبت يقع على نفس الإنسان، وتوسع بذلك خياله، وزاد ذكاؤه حتى يتجنب تلك العقوبات الرهيبة. وبالإضافة للخوف من المجتمع، نشأ الدين في الأساس كخوف من قوى الطبيعة، التي عجز الإنسان من مقاومتها، ورسخت في نفسه رهبة دفعته للتذلل إليها، والتقرب لها، فقرب لها القرابين، وعبدها، ومن هنا نشأ الدين البدائي التعددي في الأرض، وفي مرحلة متأخرة من حيث الزمن، ألمت به أسباب السماء، فهذبته باديان التوحيد. لقد ربط الإنسان البدائي، بين رضا الآلهة ورضا الجماعة، فتعمق الكبت على الغريزة، لأنه علم أن الآلهة لا تغفل عنه، إذا غفل رقيب الجماعة. فالتزم بقانون الجماعة خوف الآلهه، ومن هنا نشأ الضمير، كرقيب على الفرد من داخله، أقوى من الرقيب الجمعي، الذي تمثله قوانين المجتمعات البدائية القاسية.هذا الكبت، الذي ضبط الغريزة، ووجه الشهوة، وبه بدأ الفرد يمارس حسن التصرف في الحرية، ويحتاط من الخطأ، هو الذي أنجب الذكاء البشري، وهو الذي ابرز الإنسان من الحيوان، في تطور وئيد. فالإنسان ارتفع من الحيوان وتميز عليه بهذه القيمة الخلقية، وليس بمجرد العمل، كما ظن الماركسيون.

لقد تحدث دوبزانسكي، عن إشكالية قبول ظهور الإنسان من الحيوان، لدى البعض، بسبب ما يرونه من اختلاف بين الإنسان والحيوان. فملكة التصور المجرد، والتفكير، والمقدرة على استيعاب الرمزية، جعلت هؤلاء يشككون حتى في وجود صفات الإنسان في الحيوان، ولو جزئياً. وكنموذج للاختلاف الفكري طرح الكاتب موضوع اللغة واعتمد على دراسات هوكيت 1959 وآشر 1964، وما قدماه من شرح، بان نداءات الحيوان، أو إشاراته تقصي بعضها البعض تبادلياً. بمعنى أن الحيوان قد يستجيب لأحد المواقف، بواحدة أو أخرى من ذخيرة نداءاته، أو قد يبقى صامتاً، بينما اللغة الإنسانية منتجة، بمعنى أن الإنسان يصدر ألفاظاً، لم يحدث أن صدرت عنه أو عن غيره، وهي مع ذلك مفهومة لمن يعرف تلك اللغة. والإنسان يستطيع أن يتحدث عن أشياء، ليست في نطاق رؤيته، وعن الماضي، والمستقبل، وعن الأشياء المتخيلة.

ومع أن القول بان الإنسان أرقى، وأكثر تعقيداً، من حيث فكره، ومن ثم لغته، حق، إلا انه لا يعني أن الحيوان ليس لديه لغة. ولقد بدا الإنسان بمحاكاة أصوات الحيوان، أو قوى الطبيعة، ثم من اجل الاتصال، الذي يعمق روابط الجماعة، قيد بعض الأصوات، في مفاهيم تعارف عليها المجتمع، استطاع في مرحلة متأخرة، أن يقيدها بالرسم فجاءت الكتابة. فإذا كانت الحيوانات تطلق أصوات، ذات دلالات تعين على الاتصال، بين أفراد القطيع، كما قرر هؤلاء العلماء، فان هذه لغة، وان قصرت عن لغة الإنسان، وقصر الإنسان عن فهم دلالاتها. أما سليمان الحكيم عليه السلام، فقد كان يفهم لغة الحيوانات. ولقد قص علينا القرآن من نبأه، في قوله تعالى (وورث سليمان داؤود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير واتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين* وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون * حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون * فتبسم ضاحكاً من قولها وقال رب أوزعني أن اشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والدي وأن اعمل صالحاً ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين).. ولا يعني هذا أن النملة تكلمت باللغة العبرانية، وإنما أتت من الحركة والصوت، ما ألهم سليمان فهمه. ومهما يكن من أمر اللغة، وإنتاجها، والحاجة إلى التصور المجرد، والرمزية، لتفعيل مدلولاتها، فإنها نتاج تطور اجتماعي. وكلما ترقى المجتمع، وتعقدت أساليب حياته، تعمقت مدلولات اللغة، التي تعبر عن ذلك الواقع. ولما كانت حياة الحيوان، أبسط من حياة الإنسان، كانت لغته أكثر محدودية ومباشرة.

يطرح الكاتب، الجدل القديم، عن هل خلق الكون بالصدفة أم بتخطيط مسبق ؟ ولكنه لا يقف طويلاً عند هذا الموضوع، ويعد بأنه سيتطرق إليه بتفصيل في الفصول القادمة. وهو على العموم، لا يوافق على الصدفة المحضة، أو العشوائية التامة. وإنما يقبل العشوائية بتفسيره هو لها، ويعتقد أن كثير ممن رفضها، إنما رفضها بسبب فهم غير دقيق لمعناها. فالكاتب يرى أنه مع أن الطفرات الوراثية، لا تنشأ حيثما وحينما تكون هناك حاجة لها، ولا تحدث الطفرات المفيدة فقط، إلا أن الطفرات مع ذلك ليست عشوائية. وهو يرى أنها ليست عشوائية، لان ماهية الطفرة التي تحدث في جينة معينة، تحددها بنية تلك الجينة. ثم أن الطفرات ليست التطور، وإنما هي المادة الخام، التي يوجهها الاصطفاء الطبيعي، لتحقق التطور. أنه يرى أن الاصطفاء الطبيعي ليس صدفة، إلا بمعنى أن معظم الطواقم الوراثية في عشيرة ما، لا تملك تمييزاً مطلقاً بالنسبة للطواقم الوراثية الأخرى. ويرى أيضاً أن الاصطفاء الطبيعي (يمنح معنى تكيفياً للفوضى النسبية لتوليفات الجينات الطافرة التي لا حصر لها. وهو يفعل ذلك دون أن تكون له إرادة أو قصد أو بصيرة[38] "إدراك للمستقبل").
هذا ما قاله الكاتب، إلا أن القائلين بالعشوائية، يرون أن بنية الجينة نفسها، تتشكل عشوائياً، وما دام هي التي توجه الطفرة فالطفرة إذن عشوائية. ولعل دوبزانسكي يوافق على العشوائية، من حيث لا يدري، وذلك حين يقرر في ثقة، بان الاصطفاء الطبيعي حين يمنح التكييف، لفوضى الجينات الطافرة، إنما يفعل ذلك دون إرادة، أو قصد، أو إدراك للمستقبل، أي يفعل ذلك عشوائياً. والحق أن الدقة التي تنتظم الكون، من الدراري إلى الذراري، لا تدع مجالاً للصدفة أو لعدم القصد ودقة التخطيط والتنظيم. ويمكن أن نسوق الأمثلة على ذلك، حين يتطرق الكاتب للموضوع بتفصيل.
وإذا انتفت الصدفة، فان ذلك يعني الحتمية، لأنه يعني القصد المبيت، والقانون المحكم، الذي قام قبل وجود التطور، وكان الموجه له عبر المراحل المختلفة. يقرر الكاتب أن هناك تفسيران للتطور: يرى احدهما أن كل التغيرات التطورية التي حدثت، كان حدوثها مقدراً حتماً بالصورة التي حدثت بها. ويرى الرأي الآخر انه ربما كان هناك عدة طرق مختلفة، لحل مشكلة التواؤم في نفس البيئة. وان أي طريقة من هذه الطرق، استعملت في التطور، استطاعت أن تهرب من الحتمية. وبطبيعة الحال، فان وجود عدة خيارات لمسار التطور، لا ينفي الحتمية لأن الإرادة التي فرضت الحتمية، تطرح الخيارات كوسيلة من وسائل التربية وتعلم التواؤم مع البيئة. ولكن الخيار الذي يسير فيه التطور، هو المقدر سلفاً للنوع المعين، الذي ظن انه اختاره بمحض إرادته أو بمحض الصدفة.

إن ما يدل على الحتمية، هو معرفتنا بان للتطور غاية هي تحقيق الكمال. ولهذا ارتفع الوجود من مرحلة الغازات إلى مرحلة السوائل، إلى مرحلة الجمادات، ثم الخلية النباتية، فالخلية الحيوانية، فالزواحف والطيور والثدييات ثم الإنسان. والإنسان نفسه يتطور من جهل إلى علم، غايته تحقيق الكمال المطلق، وهذا هو السير السرمدي. وإلى هذا السير العظيم، وغايته المجيدة، أشار تبارك وتعالى بقوله (يا أيها الإنسان انك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه).. ومعلوم أن ملاقاة الله، إنما تكون بتخلصنا من نقائص صفاتنا، وتحقيقنا لكمالات صفاته.. وهذا لا يتأتى إلا بمنهاج في التعامل مع الله، وإنشاء علائق المحبة معه، والتعامل مع الناس بالخلق الرفيع. من أجل ذلك ذكرنا أن أهمية التطور، تكمن في استفادتنا من معرفة معنى حياتنا، وربطها بمصدرها، الذي عنه صدرت في سحيق الآماد.

د. عمر القراي


الهـــــوامش

[1] ف3ص1
[2] المصدر السابق
[3] المصدر السابق
[4] المصدر السابق
[5] ف3 ص2-3
[6] Cybbernetic
[7] ف3 ص5
[8] ف3 ص6
[9] ف3 ص7
[10] ف3 ص6
[11] ف3 ص7
[12] ف3ص8
[13] ف3 ص9
[14] ف3 ص11
[15] ف3 ص 12
[16] المصدر السابق
[17]ف3ص13
[18] ف3ص17
[19] هي الكلمة foresight في النص
[20] ف3ص1
[21] ف3 ص 5
[22] الكتاب المقدس. دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط. ص2-3
[23] وليم وهبة (محرر) : دائرة المعارف الكتابية. القاهرة: دار الثقافة. المجلد الرابع ص270
[24] المصدر السابق ص270-280
[25] المصدر السابق ص270
[26] المسعودي : مروج الذهب الجزء الاول ص 23-26
[27] ف3 ص2-3
[28] محمود محمد طه : مسودة لم تنشر 21 أكتوبر 1958
[29] David Perlman: San Francisco Chronicle July 12, 2001
[30] للمزيد من التفصيل عن موضوع التطور يمكن الرجوع إلى كتاب رسالة الصلاة للأستاذ محمود. الكتاب يوجد على العنوان الالكتروني www.alfikra.org
[31] John Gribbin (1981) Genesis: The Origin of Man and the Universe. New York: Delacorte Press. P. 5-6
[32]محمود محمد طه : مسودة لم تنشر 21 أكتوبر 1958
[33] ف3 ص6
[34] محمود محمد طه (1970) رسالة الصلاة –الطبعة الخامسة. أمدرمان ص27-28
[35] ف3 ص7
[36] ف3 ص6 333
[37] Frederick Engels, The Origin of the Family, private property, and the State. New York : international Publishers, 13thedition 1971. P5-6
[38] هي الكلمة foresight في النص.

*باحث وكاتب سوداني
المصدر موقع سودان للجميع http://sudan-forall.org
رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الحكومة الفلسطينية: الاحتلال معني بالتصعيد وتوتير الأجواء وليس بالتهدئة عبد الباسط خلف الحوارات العامة 0 14-04-2007 02:33 PM
و تلكم هي معنى الحياة ؟ بولفخاد نورالدين خدير الحوارات العامة 0 28-10-2006 03:31 PM
ما معنى أن تكون لبنانيا د.طارق أحمد البكري الحوارات العامة 0 12-09-2006 09:24 PM
مغامرة التأويل عبدالواحد عبدالقادر علواني مكتبة المنتدى 1 05-06-2006 02:18 PM
في معنى المثقف الديني محمد صلاح الدين الدندراوي الحوارات العامة 0 09-08-2005 10:27 AM


الساعة الآن 06:12 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتدى حوارات الفاخرية @2011
Designed By csit.com.sa