إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 26-07-2005, 03:02 PM
سعد محيو سعد محيو غير متواجد حالياً
باحث لبناني
 
تاريخ التسجيل: Jul 2005
المشاركات: 3
فجر جديد ل " الدستوروية " العربية؟

فجر جديد ل " الدستوروية " العربية؟

هل بدأت المنطقة العربية ( والعالم الاسلامي ككل ) يقتربان من فجر عهد جديد تحل فيه مناخات ومؤسسات " الدستوروية " ( constitutionalism ) مكان الانظمة التوتاليتارية الراهنة ؟.
السؤال ، للوهلة الاولى ( والاخيرة أيضا )، قد يكون غريباً الى حد كبير، ومفارقا للواقع الى حد أكبر. فالانظمة العربية كلها تقريبا تنسف المفاهيم الدستوروية، من خلال التلاعب بنصوصها كما تشاء، او من خلال تعديلها وفق ما تشتهيه سفن الحكام. وهذا ينطبق على أنظمة الحكم الجمهورية الملكية. فالجمهوريون الحاكمون في سوريا عدلّوا الدستور ( بواسطة البرلمان نفسه المناط به الحفاظ على الدستور الجمهوري ) ليستطيع الابن وراثة الاب . وهذا دشّن في المنطقة العربية "عهداً دستورياً " جديدا يطلق عليه الان إسم غريب هو " الجمهوريات الوراثية " .وتتبذل الان جهود مكثفة مماثلة في دول جمهورية عربية أخرى للسير على الدرب السوري . فالرئيس اليمني علي عبد الله صالح قطع أشواطا كبيرة في تحضير إبنه ل " عرش الرئاسة ".
وبات محسوماً أن يرث سيف الاسلام القذافي أبيه معمر القذافي في سلطة الجمهورية الجماهيرية
ولا يزال إسم جمال مبارك مطروحا لأستلام " التاج الجمهوري " ، برغم الضجة الكبرى التي يثيرها هذا الامر . وإذا ما أضفنا الى هذه اللائحة الاوضاع الدستورية المجهضة في تونس و الجزائر( نسبيا ) والسودان والعراق وموريتانيا، لأكتملت امامنا صورة جمهوريات عربية لا علاقة لها لا من قريب او بعيد بالمبدأ الجمهوري الذي يقوم على حكم الشعب بالشعب وللشعب ، وعلى نفي حق الحكام بتوارث السلطة . هذا ناهيك عن إحترام باقي مفاهيم وقواعد القيم الدستوروية الاخرى.
وبدورها ، الملكيات العربية لا تتأخر كثيرا عن ركب الجمهوريات العربية في هذا المضمار :
فالملكيات المحافظة ( المغرب ، الاردن ، سلطنة عمان ) قطعت بعض الاشواط في مجال الاصلاحات الديموقراطية والليبرالية . لكن الاصلاحات الدستورية لا تزال في غرفة العناية الفائقة .
السلطة الحقيقية لا تزال في يد الملك واجهزة الامن. والبرلمان ، برغم تنوّعه الحزبي ، لا يزال سلطة لا تملك ولا تحكم . والتوازن بين السلطات الثلاث وسلطة الرقابة ، باقيان على حالهما كسلطات إسمية أو إفتراضية .

والملكيات " المتكوكة " ( من كويت ) ، مثل قطر والبحرين ، تحاول الان ان تحذو حذو الكويت في الطربق نحو ملكيات شبه دستورية، يكون للبرلمان فيها وجود في مراقبة الحكومة. لكن حتى الكويت نفسها لا يزال امامها مراحل قبل الوصول الى الاختمار الدستوري ، برغم الحيوية التي يبديها برلمانها الان.

معنى الدستوروية
هذه هي حقيقة أوضاع الحركة الدستوروية في المنطقة . وكما يبدو واضحا ، هي أشبه بغرفة مظلمة محكمة الاغلاق ، لا يبدو ان ثمة مجال لتسّرب بعض النور إليها . فمن أين ، إذا ، هذا التفاؤل بفجر دستوروي جديد ؟.
سنأتي الى هذه النقطة بعد قليل .لكن قبل ذلك ، وقفة أولاً امام ثلاثة مسائل تمهيدية مهمة الاولى، تعريف معنى الدستوروية والفرق بينها وبين الدستور . والثانية ، تجارب المنطقة العربية مع الدستوروية . والثالثة ، الظروف المحلية والدولية ، إضافة الى العوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، التي تحيط بالمستقبل العربي الدستوروي .

نبدأ مع النقطة الاولى .
الدستوروية ( Constitutionalism ) أضحت في العصور الحديثة مظهراً من مظاهر التطور السياسي في كل مكان. فالدول في معظمها تصطبغ ، او توحي بانها تصطبغ ، في أسسها وأشكالها وخطط الحكم فيها بشرعية تستمدها من دستور واضح المباديء يحتوي على طائفة من الاحكام المكتوبة . وهكذا فإن كل نظام جديد أو إنقلاب او ثورة معاصرة ، يحرص على أن يسن لنفسه دستورا مؤقتا او نهائيا يعتمد عليه لتوطيد نفسه . هذه الدستوريوية العصرية هي ، كما يقول الفقيه الدستوري الكبير الراحل إدمون رباط ، دستورية وضعية . بمعنى أن وضعها يتم بعملية عقلية مقصودة ، فيصدر على إثرها دستور خطي يلعب دور القانون الاساسي في حياة الدولة .
وهذا النوع من الدستور ، يختلف عن الدستور التقليدي ( القبلي أو الديني ) الذي تسير على هديه الدولة . إذ هو ينطوي على إيضاح لأهم مبادئها الاساسية ، من حريات عامة وحقوق شخصية ومناهج قومية وصلاحيات مقيّدة ، وأيضا على تنظيم لسلطاتها ووظائفها مع تحديد صلاتها في ما بينها وبين رعاياها. هذا الاتجاه إرتسمت معالمه في الدستور الاول من الدساتير الحديثة ، وهو دستور الولايات المتحدة الاميركية العام 1787 . فقد تجلت فيه اغراضه السياسية الهادفة الى ضمان إستمرار الحكم الذاتي في كل من الدول الثلاث عشرة الاعضاء في الاتحاد .
هذا في حين ان الدساتير الفرنسية الاولى إهتمت ( وبسبب جهاد الفرنسيين من اجل الحرية ) قبل كل شيء بتقييد سلطان الدولة ، لاسيما سلطان الملكية في الدستور الاول العام 1791 . وهذا يدل على أن ما من دستور يجري وضعه إلا ويكون منطويا على التأثيرات التي تعرض إليها ، ومتجاوبا مع التيارات السياسية والاجتماعية التي دفعته الى الصدور .

الدستوروية ، إذا ، بمعناها العلمي والوضعي ، هي من صنع الغرب ومن مظاهر تطور دوله السياسي والفكري . في الغرب ، سيما في إنكلترا والولايات المتحدة وفرنسا وبولندا ، ظهرت الفكرة الدستورية الحديثة بفعل العوامل الاقتصادية والاجتماعية ، وبتأثير النظريات الفلسفية والسياسية ، فتشكلّت فيها الانظمة الدستورية على إختلاف انواعها من برلمانية ورئاسية ونيابية ومجلسية عقب ثورات وإنقلابات متتابعة ، الى ان إنتشرت الاصول الدستوروية ونظرياتها من هذه الدول الثلاث الى كل انحاء أوروبا اولا ثم الى بلا العالم قاطبة .
وهكذا لم يعد تقريبا الان أي دولة في العالم خالية من دستور .
هذا لا يعني أن الدول خارج اوروبا كانت دولا غير خاضعة لانظمة هي بمثابة الدساتير المنظمة لحياتها السياسية . هذه الدول كانت تنصاع ، كما الدول الغربية قبل إنبثاق الحركة الدستوروية فيها، الى قواعد وتقاليد . فأحكام الشريعة في الدول الاسلامية ، وسائر الاحكام في الدول الاسيوية ، كانت تتولى وظيفة دستورية بالمعنى القانوني لهذه الكلمة.

بيد ان الدستوروية المعاصرة إختلفت إختلافا بيّنا عن هذه الاحكام الدستورية في مجالات عدة ، منها منح الاولوية للقوانين الوضعية المدنية على الأحكام الدينية ، وبالتالي الفصل بين الفضاءين السياسي والديني ؛ الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية وخلق الاجهزة والمؤسسات التي تشرف على هذا الفصل المتوازن ؛ ضمان الحقوق الانسانية الاساسية لمواطني الدولة في مواجهة السلطة التنفيذية ، بحكم قوة القانون لا بفعل عدالة الحاكم ؛ وأخيرا ، تنظيم العلاقات بين الدولة بكل مؤسساتها والمجتمع طبقاته بما يعكس الواقع الحقيقي لموازين القوى بينهما .
بإختصار، الدستوروية في العصر الحديث عنت تعريفا وجود حكومة أو سلطة محدودة ، مقيّدة بالقوانين ، وعرضة للمساءلة والمحاسبة من قبل سلطات أخرى توازنها .

التجارب العربية
هذا عن نشأة الدستاتير والدستوروية في العالم . ماذا الان عن التجارب التاريخية الدستوروية في المنطقة العربية ؟
يفاجأ الكثيرون في الغرب حين يسمعون أن المنطقة العربية مرّت بمرحلة دستورية ، وليبرالية ، غنية للغاية. كما يفاجئون أكثر ، حين يعلمون أن ظروف نشأة هذه الظاهرة ، تشبه الى حد بعيد ظروف أو أسباب ظهورها في الغرب . ففي بولندا وأميركا وفرنسا ، التي نشأت فيها كما أسلفنا الدساتير الحديثة الاولى ، كان القادة السياسيون آنذاك يعملون في ظروف صعبة تشهد إنقسامات إجتماعية عميقة : أزمات مالية محبطة ، حكومة مركزية مشلولة ، وتهديدات دولية خطيرة .
وكل هذا دفعهم الى محاولة إعادة تشكيل مؤسسات بلادهم السياسية لجعلها أكثر فعالية وقدرة على الصمود أمام هذه التحديات الجسام ، عبر التطويرات الدستورية .
لكن الفشل كان من نصيب جهود القادة في هذه الدول الثلاث . فبولندا زالت من خارطة اوروبا طيلة قرن كامل. والدستور الاميركي في صيغته الأولى اظهر قصر نظر حين لم يستطع حل مشكلة العبودية بالطرق السلمية والسياسية فأدى ذلك الى حرب أهلية دموية . لكنه مع ذلك نجا من هذه التجربة ونجح في البقاء. والدولة الفرنسية نجت ، فقط من خلال التخلي عن بعض مبادئها الجمهورية المتضمنة في دستور 1791 .
وبالمثل ، واجهت حكومات الشرق في تونس العام 1861 ، وإسطنبول في 1867 ، والقاهرة في 1882 ، أزمات مشابهة لتلك التي واجهها الاميركيون في فيلادلفيا العام 1787 وفي باريس ووارسو العام 1791 . فقد حاول الاصلاحيون تعزيز الحكومات المركزية الضعيفة المهددة بالمخاطر الخارجية، والقيود المحلية ، والازمات المالية. لكنهم لم يكونوا أكثر نجاحا من زملائهم الغربيين . فالدستور التونسي بقي لثلاث سنوات فقط ، وبالتأكيد لم يفعل شيئا لمنع ضم تونس في النهاية الى ممتلكات الامبراطورية الفرنسية. والدستور العثماني علّق بعد حياة فعلية لم تدم سوى سنتين إثنتين . والقانون الاساسي المصري كان حتى أقصر عمرا ، وهو علّق في السنة نفسها على يد الجيش البريطاني الغازي التي كتب فيها .
بيد أن هذا الفشل ، لم يعن مسح الظاهرة الدستورية والليبرالية ، التي كانت في الواقع لا تني تراكم تجاربها وإصلاحاتها في المنطقة طيلة عشرات السنين . ففي الدولة العثمانية ، بدأت المحاولات الاولى مع السلطان سليم الثالث ( حكم 1780- 1807 ) ثم مع مصطفى الرابع ( 1807 – 1808 ) لإصلاح الدولة والمجتمع المحافظين بشدة. وبرغم فشل هذه الأصلاحات ، واصل السلطان عبد المجيد ( حكم 1839- 1861 ) المحاولة . وهذا أسفر عن عهد " التنظيمات " الشهير الذي تضمن إصلاحات ليبرالية في حقول القانون والادارة والتعليم والاقليات.
بيد ان الاهم في هذه الجهود كان الدستور الذي أعلنه السلطان عبد الحميد الثاني ( حكم 1876- 1909 ) في 1876 ، والذي أضطر الى إعادة العمل به العام 1908 بعد تجميده ، على إثر الثورة الدستورية ل " تركيا الفتاة " .

هذا الانقلاب الدستوري خلق أجواء فرح لم يسبق لها مثيل في الشرق الاوسط الاسلامي .
. فالجماهير الفرحة من الاتراك ، والعرب ، واليهود ، واليونانيين والصرب، والبلغار والارمن ، نزلت الى الشوارع مقبلة بعضها البعض ومتعهدة بأخّوة دائمة . الدستور كان قد روّج له على انه العلاج السحري الشامل والفوري لكل امراض الامبراطورية التي برزت خلال الحقبة الاوتوقراطية ، بما في ذلك حتى الارهاب الذي شنّته الاقليات القومية المطالبة إما بالاستقلال التام أو بالحكم الذاتي من داخل الامبراطورية .

وهكذا فقد إعتقد اليونانيون والارمن ان مجرد تعاونهم مع " تركيا الفتاة " ، سيجعل النظام الجديد مستعدا لتلبية كل مطالبهم. لقد بدا للجميع في لحظات أن اجواء التوتر والعنف التي إندلعت في السنوات السابقة في طريقها الى الزوال ، وان الجميع سينال حقوقه عبر الدستوروية وسيتم الحفاظ على الامبراطورية .هذه الامال تعززت حين صدرت في 2 و3 آب 1908 المراسيم الامبراطورية التي تعّدل المادة 113 من دستور 1876 والتي كانت تعطي السلطان صلاحيات أوتوقراطية .
وهذا ما سمح بحل الشرطة السرية ، وإجبار باقي قطاعات قوى الامن على العمل وفق الدستور ، ومنح كل العثمانيين الحقوق القانونية المتساوية بغض النظر عن الدين .لا أحد بعد الان سيعتقل أو يسجن بدون مبرر ، وإقتحام البيوت بات ممنوعا إلا بقرار من المحكمة ووفق القوانين المرعية. بات في وسع الجميع السفر الى الخارج لأي هدف كان ومن دون الحصول على إذن خاص ، ولم يعد في وسع الحكومة دراسة ورقابة المطبوعات بشكل مسبق .

وقدمت وعود أخرى تتخطى دستور 1876 : لم يعد في وسع الحكومة الاطلاع على الرسائل الخاصة والمطبوعات المرسلة بالبريد . التعليم والدراسة باتتا حرة من دون أي قيد او شرط . الموازنة يجب أن تنشر سنويا . وفي 16 آب 1908 أصدرت الحكومة برنامجا مفصّلا يعد بالاصلاحات المالية وبإعادة تنظيم الادارة والقوات المسلحة وموازنة الميزانية وتطوير الاقتصاد . التعليم والعلم سيشجعان وسيكون في مقدور المسلمين وغير المسلمين الانضمام الى الجيش .
اما الميزات الخاصة التي تمتع بها الاجانب في الامبراطورية بفعل الامتيازات فستنهى من خلال إتفاقات مع القوى الاجنبية ومن خلال إصلاح الحكومة بشكل يسمح للاجانب بالحصول على حقوقهم . هذا إضافة الى أن الميزات الخاصة التي حصلت عليها الملل Millets ( القوميات والطوائف ) ستلغى بالتدريج طالما ان كل الرعايا من كل الاديان سيحصلون على الحقوق نفسها والوضعية القانونية نفسها .

وتلا هذا البرنامج سلسلة كاملة من التدابير والاجراءات ، منها إطلاق سراح السجناء ، وألغاء المحاكم العرفية وتقليص البيروقراطية . وفي هذه الاثناء ، ومع وجود حرية صحافة وحرية تشكيل أحزاب بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ الامبراطورية العثمانية ، إنتشرت الصحف والاحزاب السياسية إنتشار النار في الهشيم . وقد تم تحويل جمعية الاتحاد والترقي التي كانت القوة المحركة لانقلاب 1908 الى حزب ، كما شكل الامير صباح الدين حزبا آخر هو حزب الاتحاد الليبرالي العثماني .هل كان يمكن لهذا الربيع الدستوري أن ينقذ الامبراطورية العثمانية ، التي كانت تسير على طريق الانحدار منذ أكثر من قرنين ، من مصيرها المحتوم؟ كلا ، يجيب الباحث البريطاني ساتنفورد شو في كتابه " تاريخ الامبراطورية العثمانية " . التجربة الدستورية هذه كانت بدات تنهار حتى قبل إندلاع الحرب العالمية .إذ أن تركيا الفتاة كانت تنقصها الفطنة السياسية والخبرة في الحكم . كانت مهمة رجال هذه المنظمة صعبة وشاقة : تحويل دولة عاجزة متخلفة الى دولة قوية حديثة قادرة على مواجهة تحديات العصر . ومما زاد من تعقيد الامور العداء الذي كانت تبديه الدول المجاورة للاتراك ، وتفاقم مطالب الشعوب غير التركية التي كانت تتألف منها الامبراطورية . لم يكن للشبان الاتراك ان يتوقعوا اي عون من هذه الفئات .

بعد ثلاثة أشهر من إنقلاب 1908 الدستوري الناجح ، إغتنمت النمسا الفرصة السانحة ، فرصة الفوضى والبلبلة ، وضمت اليها البوسنة والهرسك .وأعلنت بلغاريا إستقلالها التام . وفي 1911 و1912 وجهّت أيطاليا ، بفعل شهوتها الاستعمارية المستجدة والضغط الديموغرافي فيها ، قواتها نحو شمال إفريقيا وإحتلت طرابلس الغرب وبنغازي في ليبيا . وكان احد الضابطين اللذين أنيطت بهما مهمة الدفاع عن ليبيا هو مصطفى كمال ( الذي سيصبح لاحقا اتاتورك مؤسس الدولة التركية الحديثة ) . في هذه الاثناء عقدت الدول البلقانية السلافية الثلاث صربيا والجبل الاسود وبلغاريا حلفا في ما بينهم ضد أسيادهم السابقين الاتراك ، وإنضمت اليهم لاحقا اليونان التي كانت أستولت على مدينة سالونيكا .

وفي السنة التالية ( 1913 ) أدى التحالف بين صربيا وبلغاريا الى تقاسم مقدونيا العثمانية ، مما أسفر عن حرب جديدة في البلقان أدت الى خسارة الامبراطورية العثمانية لكل ممالكاتها الاوروبية ، حتى ان مدينة أدريانوبل المجاورة لأسطنبول ذات المركز الاستراتيجي والتجاري والتي كانت في يوم ما مقر السلاطين من سنة 1366 الى 1453 سقطت بيد القوات البلغارية وظلت زمنا تحت سيطرتها . في الوقت ذاته ، وقعت إضطرابات وإنتفاضات هزّت أركان الامبراطورية من البانيا حتى جنوبي شبه الجزيرة العربية . كان جوهر القضية التي أثارت هذه المتاعب مطالبة الشعوب باللامركزية الدستورية ورفضها إعتبار اللغة التركية لغة البلاد الرسمية . ففي شهر أبريل 1909 حدثت تظاهرات في أرمينيا أدت الى وقوع مذابح مروعة في أضنة والاماكن المجاورة لها .

وفي القسم الشرقي من الاناضول هاجم الاكراد جيرانهم الاتراك ورد الاتراك بهجوم معاكس . وأسفرت إضطرابات في اليمن إستمرت حينا عن إرغام الباب العالي على إعلان إستقلال البلاد العام 1912 . وفي السنة التالية عقد المؤتمر العربي الذي طالب باللامركزية الدستورية للولايات العربية. كان التمثيل العربي في لجنة الاتحاد والترقي التي إنبثقت من تركيا الفتاة ضعيفا . وكانت احداث سبتمبر 1908 قد شجعت العرب الى درجة انهم شّكلوا في أسطنبول منظمة الاخاء العربية- العثمانية بهدف حماية الدستور الليبرالي وتوحيد كل شعوب الامبراطورية في ظله ، وتطوير المقاطعات العربية على قدم المساواة مع المقاطعات الاخرى .

لكن وبعد الثورة المضادة التي قام بها السلطان عبد الحميد العام 1909والنكسات العسكرية المتتالية التي تعرضت لها الامبراطورية ، فرضت تركيا الفتاة اجراءات امنية مشددة حظر أحدها كل الجمعيات التي تشكلها مجموعات غير تركية . وهكذا أغلقت منظمة الاخاء ، وأضطر القوميون العرب الى العمل تحت الارض. أولى هذه الجمعيات كانت القحطانية التي حلت بعد سنة واحدة من قيامها .
وفي باريس قام سبعة طلاب عرب بينهم جميل مردم ، رئيس وزراء سوريا لاحقا ، بتأسيس جمعية العربية الفتاة بهدف الحصول على الاستقلال العربي من الاتراك ومن أي حكم أجنبي آخر .
وقد كبرت هذه الجمعية وفي 1913 نظمت في باريس مؤتمرا حضره 24 موفدا ، 11 منهم مسيحيون ، جاءوا اساسا من سوريا والعراق ولبنان . وقد أعرب المؤتمر عن الرغبة العامة بالبقاء داخل الامبراطورية العثمانية بشرط منح العرب الحكم الذاتي ، وشدّ دت على أهمية منع القوى الاوروبية من التدخل في هذا الشأن .

في العراق تأسست جمعية وطنية أخرى هدفها الاستقلال عن الاتراك وإقامة حكومة مستقلة ، ضمت في صفوفها أكثر من 100 ضابط والعديد من الاعيان المحليين .
وفي آذار 1913 عقد مؤتمر دستوري عراقي في المحمرة في إيران للتخطيط لأستقلال العراق والمناطق العربية الاخرى . وفي نوفمبر من العام نفسه اجرى الوطنيون العراقيون إتصالات بالامير عبد العزيز آل سعود ( لاحقا الملك ) الذي أعرب عن تعاطفه معهم ، لكنه أبلغهم عدم قدرته آنذاك على دعمهم . في هذه الاثناء ، أسس عزيز المصري ، وهو ضابط عربي سابق في الجيش العثماني ، منظمة العهد التي تشكلت بمعظمها من الضباط العرب وغالبيتهم من العراق . وقد إنتشرت فروع من المنظمة في بغداد والبصرة وقيل ان أعضاءها ناهزوا الاربعة آلاف . وفي كانون الثاني 1914 أعتقلت سلطات تركيا الفتاة المصري وإتهمته بمحاولة إقامة مملكة عربية مستقلة في شمال أفريقيا ، وبتلقي رشاوي من الايطاليين خلال حرب طرابلس 1911 . حكم على المصري بالاعدام ، لكن أطلق سراحه في النهاية بتدخل من السفير البريطاني لدى إسطنبول بناء على طلب اللورد كيتشنر الحاكم البريطاني لمصر .

الظاهرة التي تجب ملاحظتها في كل هذه التطورات التي أنفجرت خلال العرس الدستوري في 1908 وبعده ، هو أن القوميين والاسلاميين العرب ( حتى العام 1914 على الاقل ) لم يكونوا في وارد المطالبة بالاستقلال عن الامبراطورية العثمانية .وبرغم ان الادبيات القومية العربية اللاحقة في منتصف القرن العشرين باتت تطلق على الحقبة العثمانية إسم الاحتلال التركي ، الا أن العرب بوجه شامل تقريبا لم يعتبروا الاتراك محتلين . إنهم أطلوا عليهم بصفتهم جزءا من الروح الحضارية- الامبراطورية الاسلامية التي كان العرب هم مؤسسوها الاوائل . وهذا ما جعل العديد من المفكرين العرب يطلقون على الامة العربية إسم " أمة الدعوة " ( الى الاسلام ) وعلى باقي المسلمين " امة الاستجابة " ( للدعوة الاسلامية ) . وبالتالي ، لم يكن عرب 1908 في وارد التفكير بالانفصال عن إسطنبول ، خاصة في ظل المخاطر الاوروبية التي تتهدد الجميع .
هذه نقطة .
وثمة نقطة أخرى لا لاتقل أهمية .المشاعر القومية العربية في تلك الحقبة لم تكن قد نضجت بعد .
فبرغم الاصلاحات التحديثية التي أدخلها محمد على باشا والاصلاحات الاخرى التي تقدمت بها الحكومة العثمانية ثم حكومة تركيا الفتاة ، الا ان هذا لم يتبلور آنذاك في أشكال قومية .
كان المصري والسوري واللبناني ( المسلم ) والمغربي يعرف نفسه على أنه مسلم أولا ثم من سكان منطقة الشام او بغداد او بيروت او الرباط ثانيا .

اما فكرة الانتماء الى قومية عربية فكان موجودا فقط على أساس ثقافي- لغوي و شعوري . وكل هذا على عكس ما كان يجري في الاجزاء التركية من الامبراطورية العثمانية ، حيت بدأ التفاعل مع الفكر القومي الاوروبي بشكل أقوى بكثير مما حدث في الدول العربية ، والذي كانت جمعية تركيا الفتاة ثم حركة كمال اتاتورك القومية تجسيدا كاملا له . كل ما كان يريده العرب هو نظام دستوري جديد يكفل حقوقهم القومية والقانونية في إطار الدولة العثمانية .

تونس ومصر
الى هذه التمخضات الدستورية في الدولة العثمانية ، كانت تجري تجارب لا تقل اهمية في تونس ومصر. الحركة الاصلاحية في تونس دشّنها الباي أحمد ( حكم 1837 – 1855 ) ، الذي ألغى العبودية ، وإن كانت جل إصلاحاته تركّزت في مجالي الجيش والادارة. وقد قام خلفاؤه الباي محمد ( حكم 1855- 1859 ) ومحمد الصادق ( حكم 1859-1882 ) بمتابعة المسيرة . ففي 1861 ، أصدر هذا الاخير أول قوانين دستورية في العالم العربي ، وشكّل مجلسا تشريعيا . كما نفّذ كبير الورزاء خير الدين التونسي إصلاحات دستورية عدة. بيد ان ورود هذه التجربة الدستورية إنقصفت كما أشرنا مع قدوم الاحتلال الفرنسي المباشر العام 1881 وفق معاهدة باردو . في مصر وبقية المشرق العربي ، في هذه الاثناء ، كانت تولد حقبة ليبرالية كاملة تتمحور هي الاخرى حول القيم الدستوروية منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى فترة قصيرة ما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية .
كان هدير هذا العهد الصادح بالحقوق الدستورية والحرية يزداد قوة مع التطورات الجسام التي كانت تحدث في المنطقة آنذاك ، من تآكل الدولة العثمانية الى أفولها النهائي مع نهاية الحرب العالمية الاولى ، وصولا الى سقوط الدول العربية ، الواحدة تلو الاخرى ، بين براثن الاحتلال الاوروبي .

والمثير هنا أن الليبراليين العرب ، وهم النغمة السائدة في أنشودة تلك الحقبة ، لم يهتموا كثيرا بالبحث بالفلسفة الليبرالية أو بأصولها ، بل فهمومها كما يريدون أن يفهموها : نداء للحرية المطلقة كما كانت في اوروبا القرن الثامن عشر ، ولم يلتفتوا الى ما طرأ عليها من تطورات لاحقا بفعل الثورة الفرنسية مع شعارها المشهور " لا حرية لاعداء الحرية " . كانت الدستورية والليبرالية هي التعويذة التي رأى فيها المثقفون والمفكرون الحل الشافي الكامل لكل أمراض المجتمعات الاسلامية " اللامعقولة واللاإنسانية " . لا بل كان الليبرالي العربي أكثر تعصبا بما لا يقاس للحرية من زميله الاوروبي ، لان المجتمع الذي يعيش فيه يتناقض حرفا بحرف مع المفهوم الليبرالي .
وعلى أي حال ، تميّز الليبرالي العربي عن غيره بميزتين :
الاولى ناتجة عن دفاعه عن الحرية ضد خصومها داخل مجتمعهم. وهذا ما دفعه الى القول بأن الاسلام في صميمه دعوة الى الحرية . كل شيء في الحياة الاسلامية يناهض الحرية ليس من الاسلام الحقيقي . والثانية هي إرادة تأصيل الحرية في عمق المجتمع والتاريخ الاسلاميين . ولذلك فهو لا يشاطر رأي جون ستيورات ميل وغيره القائل بان دعوة الحرية محددة تاريخيا بعهد النهضة الاوروبي . لكي تنتشر الافكار الليبرالية في المجتمع الاسلامي ، لا بد من إستحضار الابطال الاسلاميين . وهكذا يصبح أبو حنيفة ( الفقيه الاسلامي القديم ) بطل الحرية والتسامح ، كما يعتبر أبو ذر الغفاري ( أحد صحابة النبي محمد ) من أبطال الديموقراطية الاشتراكية .

الشكل الذي إتخذته هذه الموجة الليبرالية العارمة شمل كل أشكال التعبير الصحافية والادبية والقانونية والدينية كافة . إنها رأت الحرية في كل مناحي الحياة . وهذا ينطبق على المصلحين الاسلاميين كمحمد عبدة وعبد الرحمن الكواكبي وخير الدين التونسي ، كما على الكتاب العلمانيين كلطفي السيد وطه حسين وحسين هيكل وطاهر الحداد . يقول رفاعة الطهطاوي ، البطل الفكري لمرحلة محمد على باشا ، " الحرية الطبيعية هي التي خلقت مع الانسان وإنطبع عليها ، فلا طاقة لقوة بشرية على دفعها من دون أن يعد دافعها ظالما " . ويقول المفكر الاصلاحي السوري عبد الرحمن الكواكبي : " الحرية هي شجرة الخلد وسقيها قطرات من الدم المسفوح.
ويكتب لطفي السيد " خلقت نفوسنا حرة ، طبعها الله على الحرية .فحريتنا هي نحن .. هي ذاتنا ، ومقوم ذاتنا هي معنى ان الانسان إنسان . وما حريتنا الا وجودنا ، وما وجودنا الا الحرية " . اما المفكر التونسي خير الدين التونسي ، فهو إعتبر أن كل شيء يناهض الحرية ، لا يمت الى الاسلام في شيء : " الحرية والهمة الانسانية اللتين هما منشأ كل صنع غريب غريزتان في اهل الاسلام مستمدتان مما تكسبه شريعتهم من فنون التهذيب " .

ويفّسر الكاتب المغربي عبد الله العروي هذه الظاهرة بقوله : " في حين كان جون ستيوارت ميل يفقد التفاؤل الذي ميّز أساتذته في القرن الثامن عشر ، كان الكتاب العرب في العهد الليبرالي يتغنون بالحرية وكفى . يرفعون شعارها ولا يتصوّرون أن تكون هي مشكلة عوض ان تكون حلا لجميع المشاكل. والسبب في هذا الاهمال إجتماعي، لا علاقة له بنباهة الافراد وحّدة أذهانهم
. كان المجتمع الاسلامي في حاجة الى نشر دعوة الحرية أكثر مما كان في حاجة الى تحليل مفهومها . ومن هنا نشأت خصوصية علاقة المفكرين بالليبرالية " . .

جنبا الى جنب مع مشروع الدستوروية و الحرية ، كان مفكرو العصر الليبرالي يرقصون على إيقاع نغمة واحدة : التقدم . التقدم في كل شيء . التاريخ نفسه حركة تقدمية الى الامام ، وبالتالي من يريد ان يسير في تيار التاريخ ، يجب ان يكون تقدميا . يقول الكواكبي : " إذا رأينا في أمة أثار حركة الترقي هي الغالبة على أفرادها ، حكمنا لها بالحياة . ومتى رأينا عكس ذلك قضينا عليها بالموت " . لا بل رأى محمد عبدة أن العدل هو الذي يحدد شريعة الله لا العكس : " أن امارات العدل إذا ظهرت بأي طريق كان فذلك شرع الله " . لقد أصبحت الدستوروية دين النخبة الجديدة المتعلمة ، وأصبح التقدم مبدأ عاما .

لا بل بات العلمانيون والدينيون يتبارون حول مباديء من اكثر تمشيا مع حركة التاريخ المنطلقة الى أمام. لكن ، إذا ما كان التقدم حتميا ، فالسؤال البديهي حينذاك هو : لماذا العرب او المسلمون تأخروا وتقدم غيرهم ، ثم كيف يمكن للعرب أن يتقدموا ثانية ؟. هذا كان سؤال ما اتفق على تسميته حقبة النهضة العربية ، وهو نفسه العهد الليبرالي- الدستوري . لكن ثمة من يمّيز بشكل قاطع بين النهضة وبين الحداثة . فبرأيه الحداثة تجري بشكل تلقائي ويومي ، وتتجّسد في إنتقال أنماط السلوك والحياة والانتاج الغربية دون تمييز الى المجتمع العربي .
لكن ليس جميع هذه الانماط دلائل حقيقية على الحضارة ، أي النهضة التي هي نظرية للولوج الى الحضارة فتحدد اولويات وتصيغ إستراتيجيات للعمل الجماعي ، كما تشير الى الاختيار بين الجوهر والعرض في الحداثة وبين الصالح والطالح فيها .النهضة هي نظرية لعقلنة الحداثة الداخلة حتما في الحياة العربية ، وهدفها ان تعني ، اضافة الى المعايير العقلية ، المعايير الاجتماعية ( وحدة الجماعة ) وأخلاقية ( نجاعة القيم الانسانية ) .

ومع هذا التمييز يصبح بالامكان توجيه سهام النقد الحاد للنهضويين الذين إنحازوا الى الحداثة على حساب النهضة ، والذين قادهم تقديس العلم الى رفض التراث بإعتباره مرادفا للقدم والتأخر .
وهكذا كتب المصلح المصري سلامة موسى " إن اعظم العقبات التي تؤخرنا في مصر كما تؤخر كثيرا من أمم آسيا واوروبا بعد الاستعمار ، هي هذه الرواسب من الثقافات والتقاليد والغيبيات الفرعونية والبابلية وأمثالها التي أنحدرت ألينا . ولا دواء هنا الا العلم الذي هو نار كاوية تحرق جميع الرواسب وتبدد عفنها هباء " . .ويرى الكاتب السوري برهان غليون أنه بين هذا الموقف المعادي للتراث وبين رفض الذات والتماهي مع الاخر ، لم تبق الا خطوة واحدة ، وقد قطعها الاديب المصري طه حسين ففتح في إيديولوجية التقدم العربي بابا لن يغلقه احد بعده أبدا. باب يؤدي الى القول : نحن لا شيء واوروبا او الغرب هي كل شيء . يقول طه حسين ان مستقبل مصر مرهون بأخذها مثل الحضارة الانسانية وبالفضائل المدنية والديموقراطية كما مثلّها الغرب .

وعلى مصر ان تصبح جزءا من اوروبا ، وان تسير سيرتهم في الحكم والادارة والتشريع : " علينا ان نصبح اوروبيين في كل شيء ، قابلين ما في ذلك من حسنات وسيئات " . وبين الشرق والغرب ليس عليها أن تختار الا الغرب ، لان تاريخها أرتبط دوما باليونان .هذه النقلة من النهضة الى الحضارة ، إذا ما جاز التعبير ، جاءت على الارجح ردا على إستمرار تدهور المجتمعات العربية والاسلامية برغم محاولات الاصلاح العديدة قبل قرنين ، ورغبة في حرق المراحل للوصول الى " التقدم " . وهذه في الواقع كانت حصيلة منطقية : فإستمرار التأخر برغم المناخات الكاملة لمقولات التقدم ، تعني أن ثمة خللا هنا .

وطه حسين وزملاؤه ربما وجدوا أن عبيء التراث هو هذا الخلل فقرروا القطيعة معه . ومن الان فصاعدا ستكون القطيعة هي الهدف . يكتب الكاتب المصري زكي نجيب محمود : " نريد اليوم من ينهض ليقتل قابيل الزراعة ، حتى يخلي المكان لمرحلة ثالثة هي مرحلة الصناعة الالية .
الصناعة التي لا تحتاج من الانسان الى عضلات ذراعه فتدور العجلات وتؤدي الالة سائر الشوط كله . ولو تحقق التحّول على هذا النحو ، لانتقل الانسان من فكر الى فكر ، ومن حياة الى حياة .
من أخلاق ومعايير الى أخلاق ومعايير . إنه ينتقل من ثقافة الكلمة الى ثقافة التشكيل الذي يغيّر بها وجه الارض ويحاول بعدها أن يبدّل وجه السماء واجرامها ، على الاقل من خلال إزاحة السحر عنها ". لقد أصبح التراث ( أي التراث الاسلامي ) هو العقبة التي يجب إزالتها لأفساح الطريق أمام عجلة التاريخ . وهذه محصلة كان مصطفى كمال اتاتورك ، مؤسس تركيا الحديثة ، قد سبقهم اليها . لكن الفارق شاسع هنا : فاتاتورك ، وبسبب إمساكه بزمام السلطة ، أرفق النظرية بالممارسة وشن معركة لا هوادة فيها على رموز التراث وأشكاله كافة من خلال إستخدام سلطة الدولة .

هذا في حين أن المحدثين العرب كانوا يعيشون على هامش سلطة الدولة ، فوجدوا أنفسهم في صراع غير متكافيء مع المجتمع التقليدي وممثليه .ماذا الان عن أراء أرباب عصر النهضة في المباديء التي إستندت إليها المجتمعات الغربية ، خاصة الدستوروية منها ؟ .

1-حول مبدأ فصل السلطات الروحية عن المادية :
فصل الروحي عن المادي لدى المسلمين كان اصعب بكثير مما هو الحال عند المسيحيين الذين ميزوا باكرا بين " ما لقيصر لقيصر وما لله لله " ، هذا في حين ان الاسلام كان متداخلا في الحياة العملية . لكن هذا لم يمنع الليبراليين من الدعوة الى الفصل بين المجالين .
اهم الليبراليين العرب الذين أثاروا ضجة لدعوتهم فصل الدين عن الدولة كان الشيخ الازهري علي عبد الرازق ( 1888- 1966 ) . ففي العام 1925 نشر كتابه " الاسلام ومباديء الحكم ) الذي أكد فيه ان الاسلام ينص على ضرورة فصل الدين عن الدولة . وهذا ما تسبب في محاكمته وعزله وطرده من المحاكم الشرعية .

2- دور الدين :
الليبراليون العرب المسيحيون كانوا اكثر جرأة من زملائهم المسلمين ليس فقط في مهاجمة رجال الدين بل أيضا في إخضاع الدين نفسه لتفسيرات المكتشفات العلمية الحديثة. وبين هؤلاء كان اللبنانيون سليمان البستاني ،فارس الشدياق، اديب أسحق وشبلي الشميل. قاسم أمين ( 1865-1908 ) أبرز دعاة تحرر المراة في مصر ، اكد ان القرآن لا يتضمن حقائق علمية ودعا الى الفصل بين العلم والمنطق وبين الدين والايمان .ة
بيد أن ليبراليا آخر هو لطفي السيد رفض المقولة بأن التعليم المدني يمكن في بعض الحالات ان يكون أكثر فعالية من الدين في معالجة امراض المجتمع ، وهو أصّر على إسناد كل التعليم الاخلاقي على الدين ، بدون تحديد هوية هذا الدين .

3-الفرد :
أضخم معركة فكرية في تاريخ الاسلام كانت تلك التي دارت حول القدرية والجبرية .
وقد كان المعتزلة من اوائل التيارات الفلسفية التي شدّدت على حرية الفرد في الاختيار ومسؤوليته . وهذا نهج سار عليه ايضا كل الليبراليين العرب . فالكواكبي يدين بشدة استسلام شعبه للقدر الاعمى ، وقاسم امين يكون علمانيا بالكامل حبن يصّر على أن استقلال الانسان هو أهم عامل أخلاقي مؤد الى تطوره وكذا السوري محمد كرد علي الذي يشيد بتعلمّ المسلمين من الغرب قدرة كل فرد على كسب حقوقه وتغيير شروط حياته.

أسباب التعثر
في أوائل الثلاثينات ، بدأت الحقبة الدستورية الليبرالية بالتراجع رويدا رويدا ، وتفقد جاذبيتها السابقة . وقد قيل الكثير لتفسير هذه الظاهرة . لكن كان من الواضح أنه لا يمكن الاعتماد على تفسير واحد فقط ، بل يتطلب الامر رزمة من الاسباب التي تتطابق مع الظروف التاريخية التي مرت بها الحقبة :
1-أولى هذه الاسباب واهمها أن الحركة لم تستطع أن تتحقق في برنامج سياسي قابل للتطبيق ، ولا هي إستطاعت أن تكون السلطة في الدول العربية التي كانت نشطة فيها . صحيح ان حزب الوفد المصري نجح في حقبة من الزمن في تبني بعض المقولات الدستورية وإعتبر نفسه الابن الشرعي لها . لكن هذه النزعة التمثيلية كانت تتآكل مع الزمن بسبب الاعيب السياسة وفسادها .

2-كانت الحركة الليبرالية مضطرة ان تعمل في ظروف بالغة الصعوبة . فهي ، من جهة ، منتمية في معظمها الى غرب النهضة الذي عرفته وتأثرت به ، وهي ، من جهة اخرى ، كانت تعيش تحت وطأة غرب آخر يأخذ شكل الاستعمار والسيطرة والقمع . وبرغم ان الحركة الليبرالية السياسية نجحت في عهد زعيمها الوطني المصري المتّصلب سعد زغلول في الدمج بين شعاري الديموقراطية والاستقلال ، الا ان عدم نجاحها في إنتزاع الاستقلال الكامل ، جعلها تلعب في النهاية في ملعب السيطرة البريطانية على السلطة والقرار . وهذا امر تكرر في لبنان وسوريا والعراق ، وإن كانت الحركة الوطنية في هذه الدول لم تصل الى درجة النضج الليبرالي التي وصلتها في مصر ( في البداية على الاقل ) .

3- وثمة سبب ثالث اورده برنارد لويس : " كون الحركة الليبرالية مقتصرة على نخبة متغربنة صغيرة تنقصها قاعدة الدعم الشعبي في المجتمع ككل . هذا الرأي قد يتضمن بعض الظلم على هذه الحركة . صحيح أن بعض اطرافها إندفع بحماسة الى مواقف إستعدى فيها الاكثرية الدينية عليه ، لكن الصحيح أيضا أن الحركة الليبرالية العامة سيطرت على المناخات الفكرية والسياسية والثقافية لاكثر من 50 عاما . وبالطبع ، لن تتمكن هذه الحركة من فعل ذلك إذا ما كانت أقلية معزولة لا قاعدة حقيقية لها في المجتمع .

4-وهناك تفسير رابع تقدم به الكاتب المصري محمد حسنين هيكل .فبرأيه ان " المشروع التنويري لعصر الخيديوي اسماعيل في القرن التاسع عشر في مصر ، كان العصر الذي تبدت فيه بشائر التعليم وبشائر العمران والاهتمام بالفنون وبشائر أنشاء صحافة عربية. وقد انتهى هذ المشروع التنويري بالغزو البريطاني سنة 1882 .
كما ان التجربة شبه الليبرالية التي اعقبت ثورة 1919 في مصر ، وبصرف النظر عن الظروف والملابسات التي أحاطت بها ، فأن هذه التجربة بدأ ضربها بكتيبة دبابات بريطانية أحاطت بقصر عابدين وأرغمت ملك مصر يوم 4 فبراير 1942 على تكليف رئيس وزراء معين بتشكيل الحكومة .
وهكذا فان التكليف جاء بإملاء دبابة .
على أي حال ، هذه الحقبة الدستورية – الليبرالية إنتهت في مطالع خمسينات القرن العشرين ، حين وصلت برزت على الساح تيارات إيديولوجية قومية عربية وإسلامية إدارت ظهرها للاولوية الدستورية والليبرالية ، ويممّت وجهها نحو أولوية التنمية الاقتصادية وشعارات التحرير والتوحيد القوميين .

الداخل والخارج
نأتي الان الى المسألة الثالثة : العوامل الداخلية والخارجية ، التي تحيط بالمستقبل العربي الدستوروي .في دراسة مهمة لشيرين هانتر ، مديرة برنامج الاسلام في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ، ثمة تعريفات محددة لهذه العوامل التي كانت ، ولا تزال تعيق تقدم الدستوروية والحداثة في العالمين العربي والاسلامي ، أهمها :

الانظمة الاقتصادية :
السمة الاساسية في غالبية الدول الاسلامية هو الدور الكاسح الذي تقوم به الدولة ، والضعف الكاسح للقطاع الخاص. وبالتالي ، فسيطرة الدولة على الحياة الاقتصادية للمجتمع ، يدفع ميزان القوة لصالح سلطة الدولة ضد المجتمع . والحصيلة : دول قوية ومجتمعات ضعيفة. وهذا ما يمكّن الاولى من رفض المطالب بإصلاحات دستورية تتضمن المشاركة السياسية والمحاسبة والمساءلة .

القوة الزائدة للمؤسسات العسكرية :
معظم الدول العربية والاسلامية ، مثلها مثل دول العالم الثالث الاخرى ، تعيش تحت سلطة المؤسسات العسكرية التي تمارس نفوذا كبيرا في المجالين السياسي والاقتصادي . ويمارس هذا النفوذ إما مباشرة من خلال وجود ضابط او ضابط سابق في السلطة ( مصر ، تونس ، باكستان ) ، او من وراء الكواليس ( تركيا، الجزائر ).
أسباب صعود قوة العسكر عديدة ، لكن اهمها دورهم في تحقيق الاستقلال ، وضعف التشكيلات الاجتماعية الاخرى. وقد ادى تحالف العسكر مع أجهزة الاستخبارات واللاعبين الاقتصاديين المحليين غير المستقلين عن جهاز الدولة ، الى توطيد اللاتوازن الراهن في علاقات الدولة والمجتمع ، وبالتالي الى ضعف النزعة الدستوروية .

العوامل الاجتماعية والاقتصادية :
الانتشار الواسع للفقر ، والامّية ، والظروف الصحية السيئة ، والفروقات الكبيرة في الدخل ، واللامساواة بين الجنسين ، يعيق الى حد كبير التطور الدستوري والديموقراطي في كل الدول الاسلامية ، بإستثناء مالي وبنغلادش. هذه الظروف تعتبر تربة خصبة لنشوء الافكار المتطرفة الليبرالية ، ولتراجع مفاهيم التعددية والدستورية لصالح تعزيز سطوة
الدولة .

العوامل الخارجية :
ساهم الغرب في تأخر الدستوروية العربية والاسلامية بطرق عدة : إقامة حدود تعسفية بين الدول وقسمة المجتمعات ؛ التشويهات الاقتصادية خلال الحقبة الاستعمارية وربط تطور الدول بحاجات المركز الاستعماري ؛ تشويه الثورة الفكرية والدستوروية في هذه المجتمعات ؛ التأثير السلبي لحرب الباردة على هذه الثورة الاخيرة ؛ واخيرا دعم الغرب الدائم للدول الاستبدادية في المنطقة بسبب مصالحه النفطية والاقتصادية والاسرائيلية .

فجر جديد ؟
كل هذه العوامل أدت ، ولا تزال ، إلى إعاقة الازدهار الدستوروي في العالمين العربي والاسلامي .
فكيف يمكن ، والحال على هذا النحو ، التفاؤل بفجر دستوروي جديد ؟ ثمة مصدران أساسيان يطلقان الآن إشارات تفاؤل ، برغم كل البحر المتلاطم للأنفجارات والازمات الراهنة في المنطقة :
الاول داخلي ، ويتمثّل في بدء إنحسار الاديولوجيات القومية والاسلامية الشمولية ، التي رفضت منذ منتصف القرن العشرين التوجهات الدستوروية- الليبرالية لصالح أفكار نخبوية- توتاليتارية ، وعودة الروح الى نزعات الديموقراطية وسيادة القانون وحقوق الانسان . وبرغم أن هذا لم يترجم نفسه بعد في شكل حركات سياسية قوية ، إلا أن الخطاب السائد الان في كل العالمين العربي والاسلامي بدأ يبعث الروح في المرحلة الليبرالية – الدستورية العربية الاولى في القرنين الماضيين .
والثاني خارجي ، ويتجّسد في قيام الولايات المتحدة أساسا، بعد احداث 11 سبتمبر 2001 ، بربط امنها القومي بمسألة الاصلاحات الدستورية و السياسية والاقتصادية في هذين العالمين .
لكن كيف ؟. هنا ثمة رأيان متشابهان تقريبا يتوقع ان يسيطرا على جدول اعمال أصحاب القرار الاميركيين والغربيين .
الأول هو لناثان براون ، بروفسور العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن الذي يركّز على الاتي :
1-قامت الانظمة العربية بسرقة كل ميكانيزمات المحاسبة والمساءلة من الدساتير ، مما شل تماما فعاليتها ، ووضعها في خدمة الدولة بدل المجتمع . وبالتالي ، يجب الضغط من اجل إعادة هذه الميكانيزمات .
2-هذا قد يعني إستيلاد الدستوروية الديموقراطية في العالم العربي من قلب البنى والوثائق الدستورية الحالية نفسها ، وتشجيع المؤسسات البرلمانية والقضائية الراهنة على التمرد على حكوماتها، كما يحدث الان في برلمانات الكويت وفلسطين ، وفي المحكمة الدستورية العليا في مصر .
3-الاعتماد على التجارب الدستورية العربية والاسلامية في القرنين الماضيين ، وأيضا على تراث الاحكام الشرعية الاسلامية ، لبلورة نهضة دستوروية جديدة.
4-عدم الخلط بين الديموقراطية او الليبرالية وبين الدستوروية . فالديموقراطية تتضمن السماح للمواطنين ببمارسة السلطة السياسية سواء بشكل مباشر او غير مباشر ، فيما الدستوروية تتضمن الترتيبات الايديولوجية والمؤسسية التي تعزز الحد من إستبداد الحكومة أو الدولة . المحاسبة الديموقراطية هي للشعب ، والمحاسبة الدستورية هي للقانون الاساسي ( الدستور ) .
ويلخّص البروفسور براون وجهة نظره بالكلمات المعبّرة الاتية : " الشرق الاوسط غنّي جدا بالدساتير ، لكنه فقير جدا بالدستوروية . ويجب العمل من الان فصاعدا على وضع الدساتير العربية في خدمة الدستورية العربية ".هذا الرأي ، الذي يعطي الاولوية في الاصلاحات للدستورية على الديموقراطية ، يحظى بموافقة تامة من أميركي بارز آخر هو فريد زكريا ، مدير تحرير دورية " فورين أفيرز ".
يكتب : " الليببرالية الدستورية تختلف نظريا وتاريخيا عن الديموقراطية . فهي لا تتعلق بالاجراءات لأختيار حكومة ، بل تنصب حول أهداف هذه الحكومة. وهو تسعى الى حماية إستقلالية الفرد وكرامته ضد القهر مهما كان مصدره ( الدولة ، او الكنيسة أو المجتمع ) . وهي تجادل بأن البشر لهم حقوق طبيعية لا نقاش حولها ، وبأن الحكومات يجب ان تقبل بقانون أساسي ( دستور ) يحد من سلطتها ويضمن هذه الحقوق ".

وتبعا لذلك ، يطالب زكريا الغرب بالدفع في إتجاه تحقيق رزمة حقوق دستورية للمواطنين العرب ، ومنحها الاولوية على شعار الديموقراطية . فالليبرالية الدستورية ، برأيه ، تؤدي حتما الى الديموقراطية. لكن الديموقراطية لا تؤدي بالضرورة الى الليبرالية الدستورية ، إذ يمكن ان تكون هناك ديموقراطية لا ليبرالية ، وبالتالي لا دستوروية .
* * *
هل هذه التفاؤليات في محلها ؟.
أجل ، وإن كان هذا سيتم على مدى غير قصير وعلى مراحل ، تبعا لظروف كل بلد عربي.
فعلى الاقل ، العوامل الدولية والخارجية ، والتي لعبت دورا كبيرا في ضرب براعم التجارب الدستورية والتحديثية العربية والاسلامية السابقة ، باتت ترى مصالحها الان في دعم أو على الاقل عدم إعتراض طريق التفتح السياسي الجديد في المنطقة.
وفي حال تبلورت نخب محلية سياسية وفكرية تفيد من هذه الظروف ، فإن الخيوط الاولى لفجر العهد الدستوري الجديد ستظهر للعيان بالفعل ، وستبدد أشعتها كل الهرطقات الدستورية الراهنة في المنطقة .
__________________________________________________ _______
رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
نحو شرق أوسط جديد.. بأهداف قديمة وآليات جديدة ابراهيم الطارق حوارات حول حوار الحضارات 0 04-08-2007 05:00 PM
اللاجئ البيئي مفهوم جديد : الكوارث البيئية خلقت الملايين من اللاجئين . ضياء غزاوي حوارات حول التنمية البشرية 0 10-07-2006 11:41 AM


الساعة الآن 02:26 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتدى حوارات الفاخرية @2011
Designed By csit.com.sa