إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 22-10-2007, 02:25 PM
فريدرك إي. هايك فريدرك إي. هايك غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Oct 2007
المشاركات: 1
الفردانية: الحقيقيّة والزائفة

مختارات صحفية :

الفردانية: الحقيقيّة والزائفة


فريدرك إي. هايك

منذ القرن الثامن عشر ومنذ الثورة، كمصدر واحد مشترك، تدفّق نهران: الأول عمل على توجيه الناس نحو المؤسّسات، بينما قادهم الثاني نحو السلطة المطلقة.
الكسيس دي توكوفيل

-1-

إن تأييد أية مبادئ واضحة المعالم للنظام الاجتماعي يعتبر في وقتنا الحاضر تقريباً سبيلاً مؤكداً لجلب وصمة عار تتمثل في كون المرء يطبّق نظريات تجريدية غير عملية. لقد أصبح يُنظر إليها كعلامة للعقل المتصف بالتمييز وهو أنه في الأمور الاجتماعية لا يتمسك المرء بمبادئ ثابتة، بل يقرّر كلّ مسألة "حسب حالتها الموضوعية"؛ وأن المرء يسترشد بالمنفعة ويكون مستعداً لإيجاد حلول وسط بين الآراء المتعارضة. بالرغم من ذلك، فهنالك طريق للمبادئ تؤكّد فيها ذاتها، حتى لو لم يتم الاعتراف بها بشكل صريح، بل يتم فقط الإشارة إليها ضمنياً في القرارات الخاصة، أو حتى لو كانت موجودة فقط كأفكار غامضة حول ما يجب فعله من عدمه. بناءً على ذلك، فقد حدث أنه تحت شعار "لا فردانية ولا اشتراكية" فإننا في الواقع ننتقل بسرعة من مجتمع أفراد أحرار نحو مجتمع يتميّز بطبيعة جماعية بالكامل.

إنني لا أقترح فقط القيام بالدفاع عن مبدأ عام للتنظيم الاجتماعي، ولكنني سأحاول أيضاً أن أبيّن أن الكراهية تجاه المبادئ العامة، والأفضلية في التقدّم من حالة خاصة إلى حالة خاصة أخرى هي نتاج التحرّك الذي يقودنا، مع "حتمية السير التدريجي" من نظام اجتماعي يستند إلى الاعتراف العام بمبادئ معيّنة إلى نظام يتم فيه خلق الانضباط من خلال الأوامر المباشرة.
وبعد تجربة الثلاثين سنة الماضية، ربما لن تكون هنالك حاجة كبيرة للتأكيد على أنه بدون المبادئ، فإننا سننجرف مع التيار. إن الموقف البراغماتي الذي كان مهيمناً خلال تلك الفترة، والذي كان بعيداً عن تعزيز سيطرتنا على التطورات، قد قادنا في الواقع إلى حالة لا يرغبها أيّ شخص؛ ويبدو أن النتيجة الوحيدة لعدم اكتراثنا بالمبادئ هي أننا خاضعون لمنطق الأحداث التي نحاول عبثاً تجاهلها، والسؤال الآن هو ليس إن كنّا بحاجة إلى المبادئ لترشدنا، بل إن كانت لا تزال توجد مجموعة من المبادئ القابلة للتطبيق العام الذي يمكننا اتباعه إذا رغبنا في ذلك. أين يمكننا أن نجد مجموعة من القواعد السلوكية التي تمنحنا توجيهاً محدداً في حل مشاكل عصرنا؟ هل يمكن العثور في أي مكان على فلسفة متجانسة لا تزودنا فقط بالأهداف الأخلاقية، ولكن أيضاً بأسلوب ملائم لتحقيقها؟

إن حقيقة أن الدين ذاته لا يمدّنا بتوجيه محدّد في هذه الأمور تتجلّى في جهود الكنيسة لتطوير فلسفة اجتماعية متكاملة، وكذلك في النتائج العكسية تماماً التي يتوصل إليها العديدون من الذين ينطلقون من الأسس المسيحية ذاتها. وبالرغم من أن النفوذ الديني الآخذ في الهبوط هو دون شك أحد الأسباب الرئيسية في افتقارنا الحالي إلى التوجيه الفكري والأخلاقي، فإن إحياءه لن يقلّل كثيراً من الحاجة إلى مبدأ مقبول بشكل عام للنظام الاجتماعي. إننا ما زلنا نحتاج إلى فلسفة سياسية تتجاوز القواعد السلوكية التي يوفّرها الدين والأخلاق.

إن العنوان الذي اخترته لهذا الفصل يبين أنه بالنسبة لي فإنه يبدو أنه لا تزال هنالك فلسفة—مجموعة من المبادئ هي في الواقع موجودة ضمنياً في معظم التقاليد السياسية الغربية أو المسيحية، ولكن لا يمكن وصفها بعد الآن بشكل لا ينطوي على التباس من خلال أي مصطلح يتم فهمه بشكل فوري. لذلك، فإنه من الضروري إعادة تأكيد هذه المبادئ بالكامل قبل أن نتمكن من التقرير إن كانت لا تزال تخدمنا بصفة إرشادات عملية.

إن الصعوبة التي نواجهها لا تتمثّل فقط في الحقيقة المألوفة بأن المصطلحات السياسية الحالية هي غامضة بشكل سيء أو أن نفس المصطلح كثيراً ما يعني تقريباً العكس بالنسبة لمجموعات مختلفة. هنالك حقيقة أكثر جدّية إلى حد كبير بأن نفس الكلمة كثيراً ما تبدو بأنها توحّد الناس الذين يعتقدون فعلياً بمُثلٍ عليا متناقضة ومتضاربة. إن مصطلحات مثل "الليبرالية" أو "الديمقراطية" أو "الرأسمالية" أو "الاشتراكية" لم تعد في وقتنا الحاضر تمثل نظماً فكرية مترابطة. لقد جاءت لتصف مجموعات من مبادئ وحقائق ذات خواص وعناصر متغايرة تماماً عملت أحداث التاريخ على ربطها بهذه الكلمات، إلا أن لديها القليل من الأمور المشتركة عدا عن كونها أنه كان يتم تأييدها والدفاع عنها في أوقات مختلفة من قبل نفس الأشخاص أو حتى تحت نفس الاسم فقط.

لم يعاني أي مصطلح سياسي بشكل أسوأ مما عانته في هذا الشأن "الفردانية". إنه لم يتم فقط تشويهها وتحريفها من قبل خصومها إلى رسم كاريكاتوري لا يمكن تمييزه—ويجب أن نتذكّر دائماً أن المفاهيم السياسية التي أصبحت في وقتنا الحاضر متقادمة وغير صالحة يتم التعرّف عليها من قبل معظم معاصرينا فقط من خلال الصورة التي يرسمها عنها أعداؤها—بل تم استخدامها لوصف عدّة مواقف تجاه المجتمع تتمتّع بالقليل من الأمور المشتركة بينها كتلك التي لديها مع الأمور التقليدية التي تعتبر مضادة ونقيضة لها. وفي الواقع، عندما قمت، أثناء إعداد هذه الورقة بفحص بعض الأوصاف القياسية لـ"الفردانية"، فقد بدأت تقريباً أندم على أنني لو لم أقم أبداً بربط المثل العليا التي أثق وأعتقد بها مع مصطلح تم إساءة استعماله وعدم فهمه إلى حدّ بعيد. بالرغم من ذلك، فإنه مهما كان الشيء الآخر الذي قد تعنيه "الفردانية" إضافة إلى تلك المثل العليا، فهنالك سببان جيدان للاحتفاظ بمصطلح بالنسبة للرؤية التي اعتزم الدفاع عنها: لقد كانت هذه الرؤية معروفة دائماً بالمصطلح المذكور، مهما كان الشيء الآخر الذي ربما كانت تعنيه أيضاً في أوقات مختلفة، وإن المصطلح المذكور له ميزة تتمثّل في أن كلمة "الاشتراكية" قد تمّت صياغتها عن قصد لتعبّر عن معارضتها للفردانية.( ) وسأكون في الواقع مهتماً بالنظام الذي يشكّل البديل للاشتراكية.

-2-

قبل أن أقوم بشرح ما أعنيه بالفردانية الحقيقية، فقد يكون من المفيد لو قدّمت عرضاً عن التقليد الفكري الذي تنتمي إليه. إن الفردانية الحقيقية التي سأحاول الدفاع عنها قد بدأ تطوّرها الحديث مع جون لوك، وعلى الخصوص مع برنارد ماندفيل وديفيد هيوم، وحقّقت مكانتها الكاملة لأول مرّة في أعمال جوسيا تاكر وآدم فيرغوسن وآدم سميث، وفي أعمال معاصرهم العظيم إدموند بورك—وهو الرجل الذي وصفه سميث بأنه الشخص الوحيد الذي لم يكن يعرفه أبداً من قبل والذي يكان يفكّر في المواضيع الاقتصادية تماماً كما كان يفعل هو دون أن يحدث أيّ اتصال سابق بينهما.( ) وأجدها في القرن التاسع عشر ممثّلة بشكل كامل للغاية في أعمال اثنين من أكبر مؤرّخيها وفلاسفتها السياسييّن: الكسيس دي توكفيل واللورد آكتون.

إن هذين الرجلين يبدوان لي بأنهما عملا بشكل أكثر نجاحاً على تطوير ما هو الأفضل في الفلسفة السياسية للفلاسفة الاسكتلنديين وبورك والهويغيّين الإنجليز (أعضاء في حزب بريطاني مؤيّد للإصلاح) أكثر من أيّ واحد من المؤلفين الذين أعرضهم؛ في حين أن رجال الاقتصاد الكلاسيكيين في القرن التاسع عشر، أو على الأقل البنثاميّين (المنتمين للفلسفة السياسية والأخلاقية لجريمي بنثام، القاضي والفيلسوف الإنجليزي، 1748-1832) أو الفلاسفة الراديكاليّين من بينهم، قد وقعوا بشكل متزايد تحت تأثير نوع آخر من الفردانية ذات الأصول المختلفة.

إن هذا الجنوح الفكري والمختلف تماماً والذي يُعرف أيضاً بالفردانية يتمثّل بصفة رئيسية بمؤلفين فرنسيّين وغيرهم من المؤلفين القاريين (الأوروبيين)—وهي حقيقة تعود، كما أعتقد إلى الدور المهيمن الذي يلعبه المذهب العقلي الديكارتي (نسبة إلى الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت) في تكوينها. إن الممثلين البارزين لهذا التقليد هم الموسوعيون (المشاركون في وضع الموسوعة الفرنسية وغيرها) وروسو والفيزوقراطيون (أتباع المذهب الفيزوقراطي)؛ ولأسباب سنقوم بدراستها الآن، فإن هذه الفردانية العقلانية تتّجه دائماً نحو التطوّر إلى ما هو مضاد للفردانية، أي إلى الاشتراكية أو الجماعيّة.

ولأن النوع الأول من الفردانية هو وحده المتماسك والمترابط، فإنني أطالب بتسميته بالفردانية الحقيقية، في حين ربما يتعيّن اعتبار النوع الثاني بأنه مصدر للاشتراكية الحديثة، وهو ذو أهمية كالنظريات الجماعية الصحيحة.( )

ليس بوسعي أن أقدّم توضيحاً للفوضى السائدة حول معنى الفردانية أفضل من حقيقة أن الشخص الذي يبدو بالنسبة لي من أعظم ممثّلي الفردانية الحقيقية، وهو إدموند بورك، يتم تمثيله عادة (وحقاً) على أنه الخصم الرئيسي لما يُعرف بـ"فردانية" روسّو، والذي كان يخشى أن تعمل نظرياته بسرعة على إذابة رابطة الشعوب البريطانية (الكومنولث) "لتتحوّل إلى غبار ومسحوق الشخصية الفردية".( ) كما أن مصطلح "الفردانية" ذاته قد تم إدخاله لأوّل مرّة إلى اللغة الإنجليزية من خلال ترجمة أحد أعمال ممثّل آخر من كبار ممثّلي الفردانية، وهو دي توكفيل، والذي يستعمله في كتاب الديمقراطية في أمريكا لوصف موقف يستنكره ويرفضه.( ) وبالرغم من ذلك، فإنه ما من شكّ في أن كلاً من بورك وتوكفيل يقفان في كافة الأمور الجوهرية بالقرب من آدم سميث الذي لا ينكر عليه أحد لقب الفرداني وأن "الفردانية" التي يعارضونها هي شيء يختلف تماماً عن فردانية سميث.

-3-
إذن، ما هي الخصائص والصفات الأساسية للفردانية الحقيقية؟ إن أوّل ما يجب أن يقال هو أنها في المقام الأول نظرية عن المجتمع ومحاولة لفهم القوى التي تحدّد حياة الإنسان الاجتماعية، وفقط في الحالة الثانية فإنها مجموعة من الحقائق العامة والمبادئ السياسية المستمدّة من هذه الرؤية عن المجتمع. إن هذه الحقيقة بحدّ ذاتها يجب أن تكون كافية لدحض أكثر حالات سوء الفهم العام سذاجةً، وهي: الاعتقاد بان الفردانية تفترض (وتبني حججها على فرضية) وجود أفراد منعزلين أو مكتفين ذاتياً، بدلاً من أن تبدأ بأناس يتم تحديد كامل طبيعتهم وصفاتهم من خلال وجودهم في المجتمع.( ) ولو كان ذلك صحيحاً، ففي حقيقة الأمر لما كان لديها أيّ شيء تساهم به في فهمنا للمجتمع. ومع ذلك، فإن حجتها الأساسية هي حجّة مختلفة تماماً؛ وهي تتمثّل في أنه لا يوجد سبيل آخر تجاه فهمنا للظواهر الاجتماعية سوى فهمنا لأعمال الفرد وتصرّفاته الموجّهة نحو الأشخاص الآخرين والتي تسترشد بسلوكهم المتوقّع.( ) إن هذه الحجة أو الذريعة موجهة في المقام الأول ضد النظريات الجماعية الصحيحة المتعلقة بالمجتمع والتي تدّعي بأنها قادرة بشكل مباشر على فهم وإدراك العناصر الاجتماعية المتكاملة كالمجتمع، وخلافه، بأنها كيانات فريدة من نوعها تتواجد بصفة مستقلة عن الأفراد الذين يشكّلونها. ومع ذلك، فإن الخطوة التالية في التحليل الفرداني للمجتمع موجّهة ضد الفردانية العقلانية الزائفة والتي تقود أيضاً إلى الجماعيّة العملية. ويتمثّل الجدل في أنه عند اقتفاء الآثار المشتركة لتصرفات الفرد، فإننا نكتشف أن العديد من المؤسسات التي تعتمد عليها المنجزات البشرية قد ظهرت وأنها تعمل بدون عقلٍ مصمّم وموجّه؛ وأنه كما عبّر عنها آدم فيرغوسن، "إن الشعوب تعثر بشكل مفاجئ على مؤسسات هي في الواقع نتاج العمل البشري ولكن ليس ثمرة التصميم البشري"؛( ) وأن التعاون العفوي للأشخاص الأحرار كثيراً ما يخلق أشياء أكبر من أن تتمكّن عقولهم الفردية من إدراكها بشكل كامل. وهذا هو الموضوع الكبير لكلّ من جوسيا توكر وآدم سميث، ولآدم فيرغوسن وإدموند بورك، وهو الاكتشاف الكبير للاقتصاد السياسي الكلاسيكي الذي أصبح الأساس لتفهمنا ليس فقط للحياة الاقتصادية، ولكن أيضاً لمعظم الظواهر الاجتماعية الحقيقية.

إن الفرق بين هذه الرؤية التي تأخذ في الاعتبار معظم النظام الذي نجده في الشؤون البشرية كنتيجة غير متوقعة للتصرّفات الفردية وبين الرؤية التي تتعقّب كامل النظام الذي يمكن اكتشافه حتى التصميم المتعمّد، يتمثّل المفارقة الكبيرة الأولى بين الفردانية الحقيقية للمفكّرين البريطانيّين في القرن الثامن عشر وبين ما يعرف بـ"فردانية" مدرسة ديكارت.( ) ورغم ذلك، فإن جانباً واحداً فقط من فرق أوسع كذلك بين رؤية تقدّر بوجه عام وبشكل منخفض نوعاً ما المكانة التي يحتلها العقل في الشؤون البشرية، والتي تؤكّد بأن الإنسان قد حقّق ما حقّقه بالرغم من حقيقة أنه فقط موجّه جزئياً بواسطة العقل، وأن عقله أو تفكيره الفردي محدود للغاية وغير تام، وبين رؤية تفترض أن العقل (Reason)، بحرف استهلالي كبير (R)، متوفّر دائماً بشكل كامل ومتساوٍ لجميع البشر وأن كلّ ما يحقّقه الإنسان هو نتيجة مباشرة لسيطرة عقل الفرد، وبالتالي يخضع له. وقد يقول المرء أيضاً أن الأولى هي نتاج وعي وشعور مرهف للقيود المفروضة على عقل الفرد والذي يحثّ على موقف يتّسم بالتواضع تجاه العمليات الاجتماعية المغفلة والمجهولة الهويّة والتي يقوم الأفراد من خلاله بالمساعدة في استحداث أشياء تفوق ما يعرفونه، في حين أن الثانية هي نتاج لاعتقاد مبالغ فيه في طاقات عقل الفرد ولاحتقار تبعي لأي شيء لم يتم تصميمه بوعي من قبله أو ليس مفهوماً له بشكل تام.

إن المقاربة المضادة للعقلانية والتي لا تعتبر الإنسان بأنه كائن عقلاني وذكي للغاية، بل تعتبره كائناً غير عقلاني ومعرّض للخطأ إلى حدّ كبير جداً، حيث يتم تصحيح أخطائه الشخصية فقط من خلال عملية اجتماعية تهدف إلى صنع ما هو الأفضل من مادة ناقصة وغير مكتملة للغاية، ربما تكون أهمّ سمة مميّزة للفردانية الإنجليزية. ويبدو لي بأن هيمنتها في الفكر الإنجليزي تعود بدرجة كبيرة إلى النفوذ والتأثير العميق الذي مارسه برنارد ماندفيل، والذي تم بواسطته صياغة الفكرة المركزية بوضوح لأوّل مرّة.( )

ليس بوسعي أن أوضّح بشكل أفضل المفارقة في موقف "الفردانية" الديكارتية أو العقلانية من هذه الرؤية من أن أقتبس مقطعاً شهيراً من الجزء الثاني من مقال حول المنهج. إن ديكارت يجادل بأنه "نادراً ما يكون هنالك مثل هذا الكمال في أعمال تتكوّن من عدّة أجزاء منفصلة يكون قد تمّ استخدام أيادٍ مختلفة في وضعها، كتلك التي يتم إنجازها من قبل شخص مؤهّل واحد." ويستمر بعد ذلك ليوحي (بعد أن يستشهد بشكل هام بحالة المهندس الذي يقوم برسم خططه) بأن "تلك الأمم التي تنطلق من حالة شبه همجية وتتقدّم نحو الحضارة والمدنية بخطوات بطيئة تكون قد حدّدت قوانينها بشكل متتابع، وأنه إذا كانت مفروضة عليها من خلال مجرّد التجربة المتعلقة بالضرر الناجم عن جرائم ومنازعات معيّنة، فإنها تكون بهذه العملية مملوكة لمؤسسات أقلّ كمالاً من تلك التي تكون، منذ بداية ترابطها كمجتمعات، قد قامت بتعيين أحد المشرّعين العقلاء." ولكي يدفع بهذه النقطة تجاه بلده، يضيف ديكارت قائلاً أنه حسب رأيه فإن "سبب تفوّق سبارتا (الإغريقية) لا يعود إلى تفوّق كلّ قانون من قوانينها بحد ذاته... بل إلى الوضع الذي أنشأه شخص واحد بمفرده، حيث توجّه الجميع للاعتناء بهدف واحد."( )

قد يكون من الأمور المثيرة تعقُّب بشكل أكبر هذه الفردانية المرتبطة بالمجتمع أو نظريات "تصميم" المؤسسات الاجتماعية، ابتداءً من ديكارت وعبر روسّو والثورة الفرنسية وهبوطاً إلى ما يعتبر حتى الآن الموقف المميّز لمهندسي المشاكل الاجتماعية.( ) إن المخطط المذكور سيبيّن كيف أثبتت العقلانية الديكارتية، وبإصرار، بأنها عقبة خطيرة في طريق فهم الظواهر التاريخية وأنها مسؤولة إلى حدّ كبير عن الاعتقاد في القوانين الحتمية للتطوّر التاريخي والإيمان الحديث بالقضاء والقدر المستمد من هذا الاعتقاد.( )
ومع ذلك، فإننا جميعاً هنا مهتمون بمعرفة إن كانت هذه الرؤية، رغم أنها تُعرف أيضاً بـ"الفردانية"، تتّخذ موقفاً ينطوي على مفارقة كاملة من الفردانية الحقيقيّة حول نقطتين حاسمتين. وفي حين أنه من الحقيقي تماماً بالنسبة لهذه الفردانية الزائفة أن "الاعتقاد في المنتجات الاجتماعية العفوية كان مستحيلاً من الناحية المنطقية بالنسبة لأي فلاسفة كانوا يعتبرون الإنسان الفرد بأنه نقطة الانطلاق ويفترضون بأنه يقوم بتشكيل المجتمعات من خلال اتحاد إرادته الخاصة مع غيرها في عقد رسمي،"( ) فإن الفردانية الحقيقية هي النظرية الوحيدة التي يمكنها الادّعاء بجعل تشكيل المنتجات الاجتماعية العفوية أمراً واضحاً ومفهوماً. وفي حين أن نظريات التصميم تقود بالضرورة إلى الاستنتاج بأنه يمكن جعل العمليات الاجتماعية تخدم الأهداف البشرية فقط إذا جرى إخضاعها لسيطرة عقل الإنسان الفرد، وبالتالي تؤدّي مباشرة إلى الاشتراكية، فإن الفردانية الحقيقية تعتقد، وعلى النقيض من ذلك، أنه لو تم ترك الناس أحراراً فإنهم كثيراً ما يحقّقون أكثر مما يمكن لعقل الإنسان الفرد أن يصمّمه أو يتوقّعه.

إن هذه المفارقة أو المغايرة بين الفردانية الحقيقية المناوئة للعقلانية والفردانية الزائفة العقلانية تتغلغل في فكر المجتمع بكامله. ولكن، بما أن النظريتين قد أصبحتا معروفتين بنفس الاسم، وجزئياً لأن رجال الاقتصاد الكلاسيكيين في القرن التاسع عشر، وعلى الخصوص جون ستيوارت ميل وهيربرت سبنسر، كانوا متأثرين تقريباً بالتقليد الفرنسي بقدر تأثّرهم بالتقليد الإنجليزي، فقد أصبح يُنظر إلى كافة أنواع المفاهيم والفرضيات الغريبة تماماً عن الفردانية الحقيقيّة كأجزاء جوهرية من عقيدتها.

لعلّ أفضل توضيح للمفاهيم الحالية الخاطئة لفردانية آدم سميث وجماعته هو الاعتقاد الشائع بأنهم ابتكروا بعبع "رجل الاقتصاد" وأن استنتاجاتهم قد تم إفسادها من خلال فرضيتهم المتعلقة بسلوك عقلاني تماماً أو بوجه عام من خلال سيكولوجية عقلانية زائفة. وبالطبع، فقد كانوا بعيدين جداً عن افتراض أي شيء من نوع واحد. وسيكون أقرب إلى الحقيقة القول بأن الإنسان في نظرهم كان بطبيعته كسولاً ومتراخياً ومسرفاً ومتلافاً، وأنه فقط بقوّة الظروف أصبح من الممكن جعله يسلك بطريقة اقتصادية أو بعناية وحرص لتكييف وسائله مع غاياته. ولكن، حتى هذا سيكون غير عادل بالنسبة للرؤية المعقّدة والواقعية للغاية التي اتخذها أولئك الأشخاص حول الطبيعة البشرية. وبما أنه أصبح من الأمور المألوفة حالياً أن يتم السخرية من سميث ومعاصريه بسبب سيكولوجيته الخاطئة من الناحية الافتراضية، فقد أغامر بالرأي أنه بالنسبة لكافة الأغراض العملية فإننا ما زلنا نتعلم عن سلوك الأشخاص من ثروة الأمم أكثر ممّا نتعلمه من معظم البحوث الحديثة الأكثر طموحاً حول "سيكولوجية المجتمع".

بالرغم من ذلك، فقد يكون أن النقطة الرئيسية التي يُمكن أن يُثار حولها شك ضئيل هي أن قلق سميث الرئيسي لم يكن إلى هذا الحدّ حول ما قد يقوم الإنسان بتحقيقه من حين لآخر عندما يكون في أفضل حالاته، بل أنه يجب أن تكون لديه فرصة ضئيلة بأقل قدر ممكن لممارسة الأذى عندما يكون في أسوأ حالاته. ومن النادر الادعاء بشكل كبير للغاية بأن الميزة الرئيسية للفردانية التي كان هو ومعاصروه يدافعون عنها تتمثّل في أنها نظام يستطيع الأشرار بموجبه ممارسة القدر الأدنى من الأذى. إنه نظام لا يعتمد لتفعيله على قيامنا بإيجاد أشخاص صالحين لإدارته، أو على أن يصبح جميع الناس أفضل ممّا هم عليه حالياً، بل إنه يستفيد من الناس بكلّ ما فيهم من تنوّع وتعقيد مفترضين، والذين يكونون أحياناً صالحين وأحياناً أشراراً، وأحياناً أذكياء وغالباً ما يكونون أغبياء. لقد كان هدفهم يتمثّل في نظام يكون من المستطاع بموجبه منح الحرية للجميع، بدلاً من تقييدها، كما كان يريد معاصروهم الفرنسيّين، "للصالحين والعقلاء."( )
وفي الواقع، فقد كان الهمّ الرئيسي لكبار المؤلّفين الفردانيّين يتمثل في إيجاد مجموعة من المؤسسات التي يمكن أن تحثّ الإنسان، بمحض اختياره ومن خلال الدوافع التي كانت تحدّد سلوكه العادي، على المساهمة بقدر الإمكان في احتياجات جميع الآخرين؛ لقد كان اكتشافهم يتمثّل في أن الملكية الخاصة كانت توفّر مغريات ضمن مدى أوسع كثيراً مما كان مفهوماً حتى الآن. ومع ذلك، فإنهم لم يجادلوا بأن هذا النظام غير قادر على تحقيق تحسينات أخرى، وبدرجة أقل أيضاً، وكما تبيّن أحد التحريفات الحالية لحججهم، فقد كانت هناك "انسجام طبيعي للمصالح"، بصرف النظر عن المؤسسات الإيجابية. لقد كانوا أكثر من مجرّد كونهم مدركين للمصالح الفردية أو الشخصيّة وكانوا يؤكّدون على الحاجة إلى "مؤسسات جيدة التنظيم"، تقوم فيها "قواعد ومبادئ المصالح المتنافسة والمنافع القابلة للمساومة،"( ) بالتوفيق بين المصالح المتعارضة دون منح أية مجموعة بعينها السلطة لجعل رؤاها ومصالحها تهيمن دائماً على رؤى ومصالح جميع الآخرين.

-4-
هنالك نقطة واحدة في الفرضيات السيكولوجية الأساسية يتعيّن دراستها بشكل أوسع نوعاً ما. وبما أن الاعتقاد بأن الفردانية تستحسن وتشجّع الأنانية البشرية هو أحد الأسباب الرئيسية لكره العديد من الناس لها، وبما أن الارتباط الحاصل في هذا الشأن ينشأ عن صعوبة فكرية حقيقية، لذلك يجب علينا أن نفحص بعناية معنى الفرضيات التي تصنعها. وبالطبع، لا يمكن أن يكون هنالك شكّ بأنه في لغة كبار المؤلفين في القرن الثامن عشر فقد كان "حب الإنسان لذاته" أو حتى "مصالحه الأنانية"، هي التي كانوا يمثّلونها بصفتها "المحرّك الشامل"، وأنهم بهذه العبارات كانوا يشيرون في المقام الأول إلى موقف أخلاقي كانوا يعتقدون أنه سائد بشكل واسع. ومع ذلك، فإن هذه العبارات لم تكن تعني الأنانية بالمعنى الضيّق للاهتمام فقط بالاحتياجات الفورية لإنسان واحد بعينه. إن "الذات" التي كان من المفترض أن يعتني الناس بها وحدها، كانت من الناحية الطبيعية تشمل عائلاتهم وأصدقائهم؛ إنها ما كانت ستُحدث أيّ فرق في الجدل فيما لو تضمنت أيّ شيء كان الناس يهتمون به فعلاً.

إن ما هو أهم من هذا الموقف الأخلاقي إلى حدّ بعيد، والذي قد يُعتبر بأنه قابل للتغيير، يتمثّل في حقيقة ذهنية لا مفرّ منها ولا يمكن لأي شخص أن يأمل تبديلها والتي هي بحدّ ذاتها أساس كافٍ للأحكام النهائية التي استنتجها الفلاسفة الفردانيون. إن هذا هو التقييد الدستوري لمعرفة الإنسان ومصالحه، إن الحقيقة في أنه لا يمكنه معرفة أكثر من جزء ضئيل من المجتمع بأسره، وبالتالي فإن كلّ ما يمكن أن يدخل في حوافزه يتمثل في الآثار المباشرة لأعماله أو تصرفاته في المجال الذي يعرفه. إن كافة الفروق المحتملة في المواقف الأخلاقية للناس لها أثر ضئيل فيما يتعلق بأهميتها للتنظيم الاجتماعي، بالمقارنة بحقيقة أن كلّ ما يستطيع عقل الإنسان أن يدركه بشكل فاعل هي الحقائق الموجودة في الدائرة الضيّقة التي هو مركزها؛ وأنه سواء كان أنانياً بشكل كامل أو كان محبّاً للغير بشكل مثالي، فإن الاحتياجات البشرية التي يمكن أن يعتني بها بفاعلية تشكل تقريباً جزءاً ضئيلاً من احتياجات جميع أعضاء المجتمع. لذلك، فإن السؤال الحقيقي هو ليس إن كان أو يجب أن يكون الإنسان موجّهاً بواسطة الحوافز الأنانية، بل إن كان بوسعنا أن نسمح له بأن يسترشد في أعماله بتلك النتائج المباشرة التي يمكنه معرفتها والاعتناء بها، أن إن كان يتوجب عمله على فعل ما يبدو ملائماً لشخص آخر يُفترض أنه يمتلك فهماً أكمل لأهمية هذه الأعمال للمجتمع ككلّ.

لقد أضاف رجال الاقتصاد إلى التقليد المسيحي المقبول والمتمثّل في أنه يجب أن يكون الإنسان حراً في اتّباع ضميره في الأمور الأخلاقية لكي تتّسم أعماله بأيّة فضيلة الحجة الأخرى المتمثلة في أنه يجب أن يكون حراً في استخدام معرفته ومهارته بشكل كامل، وأنه ينبغي السماح له بالاسترشاد باهتمامه بالأشياء الخاصة التي له معرفة بها والتي يعتني بها، إذا كان سيقّدم مساهمة كبيرة للأغراض العامة المتعلقة بالمجتمع بقدر ما يستطيع فعله. لقد كانت مشكلتهم الرئيسية تتمثّل في كيفية جعل هذه الهموم المحدودة، والتي كانت في الواقع تحدّد تصرفات الناس، بأن تصبح مغريات فاعلة تجعلهم يساهمون طوعياً وبقدر المستطاع في الاحتياجات الواقعة خارج نطاق رؤيتهم. إن ما فهمه رجال الاقتصاد لأول مرّة هو أنه في الوقت الذي تطوّر فيه السوق فقد كان أسلوباً فاعلاً لجعل المرء يشارك في عملية أكثر تعقيداً واتساعاً ممّا يستطيع أن يفهمه وأنه تم حمله من خلال السوق على المساهمة "في أهداف لم تكن جزءاً من غايته." لقد كان تقريباً من المحتم أن يستخدم المؤلفون الكلاسيكيون في شرح وجهة نظرهم لغة كان مصيرها سوء فهمها، وبالتالي فقد اكتسبوا سمعة مفادها أنهم كانوا يمجّدون الأنانية. ولكننا نكتشف السبب بسرعة عندما نحاول إعادة صياغة الحجة الصحيحة بلغة مبسّطة.

فإذا وضعناها بشكل مختصر من خلال القول بأن الناس يسترشدون، بل يجب أن يسترشدوا، في تصرفاتهم بمصالحهم ورغباتهم، فإن ذلك سيُساء فهمه أو تحريفه فوراً إلى وجهة النظر الخاطئة بأنهم يسترشدون أو يجب أن يسترشدوا بشكل حصري باحتياجاتهم الشخصية أو مصالحهم الأنانية، في حين أن ما نعنيه هو أنه يجب السماح لهم بالكفاح من أجل ما يعتقدون أنه مرغوب فيه.

هنالك عبارة مضلّلة أخرى يتم استخدامها للتأكيد على نقطة هامة، وهي الافتراض الشهير بأن كل شخص هو أدرى بمصالحه. وبهذا الشكل، فإن وجهة النظر لا تكون جديرة بالتصديق أو ضرورية لاستنتاجات الشخص الفرداني. وتتمثّل القاعدة الأساسية لحجّته في أنه ما من أحد يمكن أن يعرف من الذي يعرف على أفضل وجه وأن السبيل الوحيد الذي نستطيع بموجبه أن نكتشف ذلك هو من خلال عملية اجتماعية يتم فيها السماح لكل شخص بأن يحاول ويرى ما يمكنه فعله. إن الفرضية الأساسية، هنا وكما في أيّ مكان آخر، تتمثّل في التنوع غير المحدود للمواهب والمهارات البشرية والجهل التبعي لأيّ شخص بمفرده لمعظم ما هو معروف لجميع أعضاء المجتمع الآخرين ككلّ. أو، إذا وضعنا وجهة النظر الأساسية هذه بشكل مختلف، فإن العقل البشري، مع حرف استهلالي كبير لكلمة عقل (Reason)، لا يتواجد بصيغة المفرد بالشكل الذي يتم فيه تقديمه أو توفيره لأي شخص معيّن بالطريقة التي يبدو أن الأسلوب العقلاني يفترضها، بل يجب اعتبارها كعملية متداخلة بين الأشخاص يتم فيها اختبار مساهمة أي شخص وتصحيحها من قبل الآخرين. إن هذا الجدل لا يفترض بأن جميع الناس متساوون في مواهبهم وقدراتهم الطبيعية، وإنما فقط بأنه ما من شخص مؤهل لاجتياز الحكم النهائي على القدرات

التي يمتلكها شخص آخر أو السماح له بممارستها.
لعلّي أذكر هنا أنه فقط لأن الناس هم في الواقع غير متساوين، فإننا نستطيع أن نعاملهم بشكل متساوٍ. ولو كان جميع الناس متساوين تماماً في مواهبهم وميولهم، لكان يتوجب علينا معاملتهم بشكل مختلف لكي نحقق أيّ نوع من التنظيم الاجتماعي. ولحسن الطالع أنهم ليسوا متساوين؛ وأنه فقط بفضل ذلك فإن التمييز في المهام والواجبات لا يحتاج إلى تحديده بقرار تحكّمي من خلال إرادة تنظيمية معيّنة ولكن، بعد استحداث مساواة رسمية في القواعد المطبقة بنفس الطريقة على الجميع، فإننا نستطيع أن نجعل كلّ فرد يكتشف المستوى الخاص به.

هنالك كلّ الفرق في العالم بين معاملة الناس بالتساوي ومحاولة جعلهم متساوين. وفي حين أن الأولى تمثّل حالة مجتمع حرّ، فإن الثانية تعني، كما وصفها دي توكفيل، "شكل جديد من العبودية."( )

-5-

تستمد الفردانية أيضاً استنتاجها العملي الرئيسي من خلال إدراك وجود قيود على معرفة الفرد ومن حقيقة أنه ما من إنسان أو مجموعة صغيرة من الأشخاص يمكنها أن تعرف كلّ ما هو معروف لشخص ما. ويمثل الاستنتاج المذكور في: طلبها المتعلق بتقييد شديد لكافة القوى القسرية أو الحصرية. ومع ذلك، يتم توجيه معارضتها فقط ضد استخدام القسر والإكراه لإحداث تنظيم أو ترابط، وليس ضد الترابط بحدّ ذاته. وبعيداً عن كونها مضادّة للترابط الاختياري، فإن قضية الشخص الفرداني تستند، وعلى العكس من ذلك، على وجهة النظر بأن الكثير ممّا هو حسب رأي العديد من الناس يمكن استحداثه فقط من خلال التوجّه الواعي يمكن تحقيقه بشكل أفضل عن طريق التعاون الاختياري والعفوي للأفراد. لذلك، يجب على الفرداني الثابت على مبدأه أن يكون متحمساً للتعاون الطوعي—حيثما وكلما كان ذلك لا ينحدر إلى إكراه الآخرين أو أن يؤدي إلى تولي صلاحيات أو سلطات حصرية.

وبالطبع، فإن الفردانية الحقيقية هي ليست الفوضوية التي تُعتبر مجرّد نتاج آخر للفردانية العقلانية الزائفة التي تعارضها. فهي لا تنكر ضرورة السلطة القسرية، إلا أنها ترغب في حصرها—حصرها في تلك الحقول حيث تكون لا غنى عنها لمنع الإكراه من قبل الآخرين ولكن تعمل على تخفيض الإكراه بمجمله إلى الحدّ الأدنى. وفي حين أنه من المحتمل أن يكون جميع الفلاسفة الفردانيين متّفقين على هذه الصيغة أو المعادلة العامة، فإنه يجب الاعتراف أنهم لا يقدّمون دائماً معلومات كافية حول تطبيقها في حالات معيّنة. إن عبارة "سياسة عدم التدخّل" التي أسيء استعمالها كثيراً وأسيء فهمها كثيراً، وكذلك المعادلة الأقدم منها وهي "حماية الحياة والحرية والممتلكات" لا توفران مساعدة كبيرة. وفي حقيقة الأمر، فإنه بالقدر الذي تميل فيه كلّ منهما إلى الإيحاء أنه باستطاعتنا أن نقوم فقط بترك الأمور كما هي، فقد تكونان أسوأ من عدم وجود إجابة؛ وبالتأكيد فإنهما لا تخبراننا عن مجالات الأنشطة الحكومية المرغوبة أو الضرورية أو بعكس ذلك. ومع هذا، فإن القرار حول ما إن كانت الفلسفة الفردانية تستطيع أن تخدمنا كمرشد عملي، يجب أن يعتمد في نهاية الأمر على حقيقة ما إن كانت ستمكّننا من التمييز بين وجود وعدم وجود جدول أعمال (أجندة) لدى الحكومة.

إن بعض القواعد العامة من هذا النوع والتي تتّسم بقابلية واسعة للتطبيق تبدو لي بأنها تنبع مباشرة من المعتقدات الأساسية للفردانية: فإذا كان كلّ شخص سيستخدم معرفته ومهارته الخاصة لغرض تعزيز الأهداف التي يعتني بها، وإذا كان، بهذا الفعل أو العمل، سيقوم بمساهمة كبيرة قدر الإمكان في الاحتياجات التي تفوق مدى إدراكه ومعرفته، فإنه من الضروري بشكل جليّ، أولاً، أن تكون لديه مساحة واضحة ومحدّدة من المسؤولية، وثانياً، يجب أن تتوافق الأهمية النسبية له والمتعلقة بالنتائج المختلفة التي يستطيع تحقيقها مع الأهمية النسبية للآخرين فيما يتعلق بآثار عمله أو فعله الأكثر بعداً والمجهولة بالنسبة له.

ولنأخذ أولاً مشكلة تحديد مجال من المسؤولية ونترك المشكلة الثانية لوقت لاحق. فإذا كان لا بد للإنسان بأن يظلّ حراً في استخدام معرفته أو مهارته بشكل كامل، حينئذٍ يجب أن لا يأخذ تحديد مجالات المسؤولية شكلاً يتم بموجبه تعيين أهداف خاصة له يتوجب عليه أن يحاول تحقيقها، إذ أن ذلك سيفرض واجباً معيناً بدلاً من تحديد مجال المسؤولية. كذلك يجب أن لا يأخذ شكلاً يتم بموجبه تخصيص موارد معيّنة له منتقاة من قبل سلطة أو جهة ما، حيث أن ذلك يعمل تقريباً على سحب الخيار من بين يديه بقدر ما يفرض مهام وواجبات معيّنة. وإذا كان على الإنسان أن يمارس مواهبه الخاصة، فيجب أن يكون ذلك نتيجة لأنشطته وتخطيطه بأن مجال مسؤوليته قد تحدّد. إن حلّ هذه المشكلة التي قام الناس بتطويرها تدريجياً والتي تسبق تاريخ نشوء الحكومة بالمعنى الحديث للكلمة يتمثل في قبول المبادئ الرسمية، وهي "قاعدة ثابتة ومستقرّة للعيش معها، بحيث تكون متاحة لكل شخص في المجتمع المذكور"( )—من القواعد التي تعمل، قبل كلّ شيء، على تمكين الإنسان من التمييز بين ما هو لي وما هو لك، والتي يستطيع من خلالها هو ورفاقه أن يتحقق من مجال المسؤولية المتعلقة به وتلك المتعلقة بشخص آخر.

إن المغايرة الأساسية بين حكومة تعمل بموجب قواعد ويتمثّل غرضها الرئيسي في إبلاغ الفرد عن مجال مسؤوليته التي يجب عليه أن يشكّل حياته الخاصة بموجبها، وبين حكومة تعمل بموجب أوامر تفرض واجبات معيّنة، قد أصبحت تنطوي على ضبابية عالية في السنوات الأخيرة بحيث أصبح من الضروري دراستها بشكل أوسع قليلاً. إنها تشمل على اقلّ تقدير التمييز بين الحريّة بمقتضى القانون وبين استخدام آلية التشريع، سواء كانت أو لم تكن ديمقراطية، لإلغاء الحرية. إن النقطة الجوهرية لا تتمثّل في ضرورة وجود مبدأ إرشادي معين وراء أعمال وتصرفات الحكومة، ولكن في أنه يجب أن تقتصر الحكومة على جعل الأفراد يتقيّدون بالمبادئ التي يعرفونها والتي يمكنهم أخذها في الاعتبار في قراراتهم. وهي تعني كذلك أن ما يمكن أن يفعله أو لا يفعله الفرد، أو ما يمكن أن يتوقع بأن رفاقه سيفعلونه أو لا يفعلونه، يجب أن لا يعتمد على بعض النتائج البعيدة وغير المباشرة التي قد تنشأ عن أفعاله وتصرفاته، ولكن على الظروف المباشرة والتي يمكن التعرّف عليها في الحال والتي قد يكون من المفترض بأنه يعرفها. ويجب أن تكون لديه قواعد تشير إلى الأوضاع النموذجية التي يتم تعريفها بمفهوم ما يمكن أن يكون معروفاً للأشخاص الفاعلين ودون أيّ اعتبار للآثار البعيدة في الحالة المعيّنة—إنها القواعد التي لو تمّ التقيّد بها بانتظام، فإنها ستعمل في معظم الحالات بشكل مفيد—حتى لو لم تفعل هكذا في المثل القائل "القضايا الصعبة تصنع قانوناً سيئاً".

إن أكثر المبادئ شيوعاً والذي يعتمد عليه النظام الفرداني يتمثّل في أنه يستخدم القبول الكلّي للمبادئ العامة كوسيلة لخلق النظام في الشؤون الاجتماعية. إنه على العكس من تلك الحكومة التي تعتمد على المبادئ عندما يوحي، على سبيل المثال، برنامج أو مخطط حديث يتعلق باقتصاد مسيطر عليه "بصفته المبدأ الأساسي للتنظيم... أنه في أية حالة خاصة، فإن الوسيلة التي تخدم المجتمع بشكل أفضل يجب أن تكون هي السائدة".( ) إنه تشويش وإرباك خطير أن نقول ذلك عن أيّ مبدأ عندما يكون كلّ ما هو مقصود هو أنه ليس المبدأ ولكن فقط المناسبة النفعية هي التي يجب أن تسود؛ وذلك عندما يعتمد كل شيء على ما تقضي به السلطة بأنه يمثّل "مصالح المجتمع". إن المبادئ هي وسيلة للحيلولة دون حدوث صدامات بين الأهداف المتعارضة وليست مجموعة من الغايات الثابتة. وإن خضوعنا للمبادئ العامة ضروري لأنه لا يمكننا الاسترشاد في تصرفنا العملي بالمعرفة والتقييم الكاملين لكافة النتائج أو العواقب. وطالما أن الناس لا يتمتعون بمعرفة كاملة، فإن السبيل الوحيد الذي يمكن من خلاله منح الحريّة للفرد يكمن في تلك القواعد العامة لتحديد المجال الذي يكون فيه القرار عائداً له.

ولن تكون هنالك حرية إذا لم تكن الحكومة مقتصرة على أنواع معينة من التصرّف ولكنها تستطيع استعمال سلطاتها في أية سبلٍ تخدم غايات معيّنة. وكما أشار اللورد آكتون منذ زمن بعيد: "كلما تم اعتبار أيّ هدف محدّد بمفرده كغاية قصوى للدولة، سواء كان ذلك الهدف هو ميزة لإحدى الطبقات أو أمن أو سلطة البلاد، أو السعادة العظمى لأكبر عدد من الناس، أو دعم أية فكرة تأملية أو نظرية، فإنه من المحتّم أن تصبح الحكومة في ذلك الحين حكومة مطلقة".( )

-6-
ومع ذلك، فإذا كان استنتاجنا الرئيسي يتمثّل في أن النظام الفرداني يجب أن يعتمد على فرض مبادئ مجرّدة بدلاً من اعتماده على فرض أوامر محدّدة، فإن ذلك أيضاً سوف يترك مسألة نوعية القواعد العامة التي نريدها مفتوحة. إنه يحصر ممارسة السلطات القسرية في الغالب في أسلوب واحد، ولكنه يسمح أيضاً بمجال غير محدود تقريباً للإبداع البشري في تصميم مجموعة القواعد الأكثر فعالية؛ وبالرغم من أنه يجب اكتشاف أفضل الحلول المتعلقة بالمشاكل المادية والملموسة في معظم الحالات من خلال التجربة، إلا أن هنالك الشيء الكثير الذي يمكننا أن نتعلّمه من المبادئ العامة للفردانية فيما يتعلق بطبيعة ومحتويات هذه القواعد المرغوبة.

وهنالك في المقام الأول نتيجة طبيعية هامة حول ما سبق ذكره، وهي أنه طالما أن القواعد سوف تستخدم كمعالم للأفراد في وضع خططهم الخاصة، فيجب تصميمها بطريقة تضمن بقاءها لفترات طويلة. ويجب أن تكون السياسة الليبرالية أو الفردانية بشكل جوهري سياسة طويلة الأمد؛ إن الأسلوب الحالي في التركيز على آثار أو نتائج قصيرة الأمد وتبرير ذلك بحجة "أنه في المدى البعيد سنكون جميعنا قد فارقنا الحياة"، يؤدي حتماً إلى الاعتماد على أوامر يتم تعديلها لتتوافق مع الظروف المعيّنة في تلك اللحظة، بدلاً من القواعد الكامنة في شكل أوضاع نموذجية.
بالرغم من ذلك، فإننا نحتاج إلى مبادئ الفردانية الأساسية، كما أننا نحصل منها على مساعدة أكثر تحديداً إلى حدّ بعيد ممّا نحصل عليه من بناء نظام قانوني ملائم. إن السعي لجعل الإنسان يساهم، من خلال متابعة مصالحه الشخصية، بقدر الإمكان في احتياجات الأشخاص الآخرين لا يقود فقط إلى المبدأ العام لـ"الملكية الخاصة"؛ ولكنه يساعدنا في تحديد ما يجب أن تكون عليه محتويات حقوق الملكية فيما يتعلّق بمختلف أنواع الأشياء. ولكي يأخذ الفرد في الاعتبار، عند اتخاذ قراراته، كافة الآثار المادية التي تسبّبها تلك القرارات، فإنه من الضروري صنع "مجال المسؤولية"، الذي كنت أتحدّث عنه، بطريقة تجعله يتضمّن بأكمل قدر ممكن كافة الآثار المباشرة الناتجة عن أعماله على القناعات التي يستمدها الآخرون من الأشياء الموجودة تحت سيطرته. ويتم إجمالاً تحقيق ذلك من خلال المفهوم البسيط للملكية بصفتها الحق الحصري في استعمال شيء معيّن تكون فيه الآثار المنقولة أو ما يسمّيه المحامون بـ"الممتلكات المنقولة" هي المعنيّة. ولكنها تثير مشاكل أصعب إلى حد كبير فيما يتعلّق بالأراضي، حيث أن الاعتراف بمبدأ الملكية الخاصة يوفّر لنا مساعدة ضئيلة للغاية إلى أن نعرف بدقّة ماذا تتضمّن ملكية الحقوق والواجبات. وعندما نلتفت إلى تلك المشاكل ذات النشأة الأكثر حداثة، كالتحكّم في الهواء أو الطاقة الكهربائية، أو المخترعات والمبتكرات الأدبية والفنية، فإنه ما من شيء أقلّ من العودة إلى الأساس المنطقي للملكية سيساعدنا في تقرير ماذا يمكن أن يكون في لحظة معيّنة مجال السيطرة أو المسؤولية بالنسبة للفرد.


ولا أستطيع هنا أن أسير أبعد من ذلك نحو الموضوع الساحر المتعلق بإطار قانوني ملائم لنظام فرداني فعّال أو الدخول في نقاش حول المهام التكميلية المتعدّدة، كالمساعدة في نشر المعلومات وفي استبعاد الشك أو عدم اليقين الذي يمكن تجنّبه بشكل حقيقي،( ) والذي قد تقوم الحكومة من خلاله برفع كفاءة العمل الفردي بشكل كبير. وإنني أذكرها فقط للتأكيد على أن هناك المزيد من المهام (غير القسرية) للحكومة من وراء مجرّد فرض القانون المدني والجنائي، والتي يمكن تبريرها بالكامل، على المبادئ الفردانية.


بالرغم من ذلك، لا تزال هناك نقطة واحدة تم تركها، والتي سبق لي أن أشرت إليها، إلا أنها هامة لدرجة أنه يتعيّن عليّ أن أعطيها المزيد من الاهتمام. إنها تتمثّل في أن أيّ نظام فرداني قابل للتطبيق يجب أن يتم صياغته وتشكيله بطريقة لا تكون فيها فقط المكافآت النسبية التي يمكن أن يتوقعها الفرد من الاستخدامات المتنوعة لقدراته وموارده متوافقة مع المنفعة النسبية لنتيجة جهوده نحو الآخرين، بل أيضاً أن تكون هذه المكافآت متوافقة مع النتائج الموضوعية لجهوده بدلاً من استحقاقاتها الذاتية. إن السوق التنافسية بشكل فعّال تلبّي هذين الشرطين.

ولكن إحساسنا بالعدالة فيما يتعلق بالوضع الثاني كثيراً ما يثور على قرارات السوق المجرّدة من الشعور الشخصي. ورغم ذلك، إذا كان يتعيّن على الفرد أن يكون حرّاً في الاختيار، فإنه لا بد له أن يتحمّل مسؤولية الارتباط بالاختيار المذكور وأنه نتيجة لذلك يجب مكافأته ليس بناءً على صلاح أو فساد نواياه، ولكن فقط على أساس قيمة نتائج ذلك على الآخرين. لذلك، علينا أن نواجه الحقيقة المتمثلة في أن المحافظة على حريّة الفرد لا تتوافق مع تلبية كاملة لآرائنا حول العدالة التوزيعية أو الإفرادية.

-7-

وهكذا، بينما تقوم نظرية الفردانية بتقديم مساهمة محدّدة للأسلوب التقني لبناء إطار قانوني ملائم وتحسين المؤسسات التي نمت بشكل عفوي، فإن تركيزها ينصبّ بالطبع على حقيقة أن ذلك الجزء من نظامنا الاجتماعي الذي يمكن أو يجب جعله نتاجاً واعياً للعقل البشري، هو مجرّد جزء ضئيل من مجمل القوى الموجودة في المجتمع. وبكلمات أخرى، فإن حقيقة أن الدولة، وهي تجسيد لسلطة منظّمة بشكل متروّ وموجهة بطريقة واعية، يجب أن تكون فقط جزءاً صغيراً من النظام الأكثر ثراءً والذي نسميه بـ"المجتمع"، كما يجب على هذه الأولى (الدولة) أن توفّر فقط إطاراً يكون فيه للتعاون الحرّ (وبالتالي غير "الموجّه بشكل متعمّد") للناس الحدّ الأقصى من المجال.

وتترتّب على ذلك بعض النتائج الطبيعيّة التي تقوم عليها الفردانية الحقيقيّة مرّة أخرى في معارضة شديدة للفردانية الزائفة التي تعتمد على العقل. وتتمثّل النتيجة الأولى في أن الدولة المنظّمة بشكل متروٍ من ناحية، والفرد من الناحية الأخرى، هما بعيدان عن النظر كليهما بأنهما يشكلان الحقائق الوحيدة، وفي حين أن كافة التشكيلات والترابطات الوسيطة يجب قمعها عن قصد، كما كان هدف الثورة الفرنسية، فإنه يتم اعتبار العادات التقليدية غير القسرية للعلاقة الاجتماعية كعوامل جوهرية في المحافظة على العمل المنظم للمجتمع البشري. وتتمثّل النتيجة الطبيعية الثانية في أن الفرد، عند مشاركته في العمليات الاجتماعية، يجب أن يكون مستعداً وراغباً في تكييف نفسه مع التغييرات والخضوع للعادات التقليدية التي لم تنشأ نتيجة لتصميم ذكي قد لا يكون تبريره في اللحظة المعيّنة قابلاً للإدراك، والتي كثيراً ما تبدو له بأنها غير مفهومة وغير منطقية.

إنني لست بحاجة إلى ذكر الكثير حول النقطة الأولى. عن كون الفردانية الحقيقية تؤكد على قيمة الأسرة وكافة الجهود المشتركة للمجتمع والمجموعة الصغيرة، وأنها تؤمن بالاستقلالية الذاتية المحلية والترابطات الطوعية، وأن قضيتها في واقع الأمر تعتمد إلى حد كبير على فكرة أن الكثير من العمل القسري الذي تفرضه الدولة عادة يمكن إنجازه بشكل أفضل بالتعاون الطوعي، إن كلّ ذلك لا يحتاج إلى المزيد من التأكيد. ولا يمكن أن تكون هنالك مغايرة أكبر بالنسبة لذلك من الفردانية الزائفة التي ترغب في تفتيت هذه المجموعات الصغيرة إلى ذرات تفتقر إلى التماسك والتلاحم، سوى القواعد القسرية التي تفرضها الدولة والتي تحاول أن تجعل كافة الروابط الاجتماعية توجيهيّة بدلاً من استخدام الدولة بصفة رئيسية كوسيلة لحماية الفرد من انتحال وغطرسة القوى القسرية من قبل المجموعات الصغيرة.

وبنفس الأهمية تماماً بالنسبة لتفعيل المجتمع الفرداني كما هو الحال بالنسبة لهذه التجمعات الصغيرة من الناس، فهنالك التقاليد والعادات العرفية التي تتطوّر في مجتمع حرّ والتي، دون الحاجة لفرضها بالقوة، تؤسس قواعد مرنة إلا أنه يتم التقيّد بها عادةً، تجعل سلوك الآخرين قابلاً للتنبؤ به بدرجة كبيرة. إن الرغبة في الخضوع لتلك القواعد، ليس فقط طالما أن المرء يدرك سبب وجودها، ولكن أيضاً طالما لا توجد لدى المرء أسباب محدّدة تفيد عكس ذلك، هي شرط أساسي للتطوّر والتحسّن التدريجي لقواعد العلاقة الاجتماعية؛ كما أن الاستعداد بشكل عادي للخضوع لمنتجات أية عملية اجتماعية لم يقم أي شخص بتصميمها والتي قد لا يفهم أسبابها أيّ شخص، هي أيضاً شرط لا مفرّ منه إذا كان سيصبح من الممكن استبعاد عملية القسر أو الإكراه.( ) إن وجود عادات وتقاليد مشتركة بين مجموعة من الناس تمكّنهم من العمل معاً بسلاسة وفعالية، مع وجود تنظيم وإكراه رسمي بدرجة أقلّ كثيراً ممّا ستكون عليه أية مجموعة لا تتمتّع بمثل هذه الخلفية المشتركة، هو بالطبع أمر مألوف وعادي. ولكنّ نقيض ذلك، ورغم أنه مألوف بشكل أقل، قد لا يكون اقلّ صدقاً: وهو أنه ربما يكون من الممكن فقط الإبقاء على الإكراه في حدّه الأدنى في مجتمع عملت فيه العادات والتقاليد على جعل سلوك الإنسان قابلاً للتنبؤ به إلى مدى بعيد.( )

وهذا ينقلني إلى النقطة الثانية، وهي: وجود ضرورة في أي مجتمع معقّد تصل فيه آثار تصرّف أيّ شخص إلى مدى يتجاوز إلى حدّ بعيد مجال رؤيته المحتملة لخضوع الفرد لقوى المجتمع المجهولة وغير العقلانية فيما يبدو—وهو خضوع يجب أن لا يشتمل فقط على قبول قواعد السلوك بصفتها صالحة وشرعية دون فحص ما يعتمد في الحالة المعيّنة على التقيّد بها، ولكن أيضاً الاستعداد لتكييف نفسه مع التغييرات التي قد تؤثّر بعمق على حظوظه وفُرَصه والأسباب التي قد تكون غير مفهومة تماماً بالنسبة له. ويميل الإنسان العصري إلى الثورة ضدها ما لم يكن من المستطاع بيان أن ضرورتها تعتمد على "جعل السبب واضحاً وقابلاً للإثبات بالنسبة لكل فرد." ورغم ذلك، فإنه هنا فقط تؤدي الرغبة الشديدة لتوضيح الأمور القابلة للفهم على مطالب مضلّلة لا يمكن لأي نظام أن يفي بها. فالإنسان في مجتمع معقّد لا يستطيع الحصول على اختيار سوى بين تكييف نفسه مع ما يجب أن يبدو بالنسبة له بأنه القوى العمياء في العملية الاجتماعية وإطاعة أوامر أيّ شخص يفوقه نفوذاً. وطالما أنه يعرف فقط النظام الصارم للسوق، فقد يعتقد تماماً أن التوجيه الذي يتم بواسطة عقل بشري ذكي آخر هو الأفضل بالنسبة له؛ ولكن عندما يجرّب ذلك، فإنه سرعان ما يكتشف بأن الحالة رغم ذلك تمنحه على الأقلّ بعض الخيار، في حين أن الثانية لا تترك له أيّ خيار، وأنه من الأفضل أن يكون لديه خيار بين عدة بدائل كريهة من أن يتم إرغامه على واحد منها.

إن عدم الرغبة في تحمّل أو احترام أيّة قوى اجتماعية لا يستطيع المرء أن يدرك بأنها نتاج تصميم ذكي، وهو قضية هامة للغاية بالنسبة للرغبة الحالية في التخطيط الاقتصادي الشامل، يعتبر في حقيقة الأمر مجرّد مظهر واحد من حركة أكثر عمومية. ونواجه نفس النزعة في مجال الأخلاقيات والعادات المتّبعة، وذلك رغبةً في إحلال أساليب مصطنعة محلّ الأساليب الراهنة، وفي الموقف العصري بكامله تجاه عمليات تتحكّم في نمو المعرفة. إن الاعتقاد بأن فقط النظام الزائف للأخلاقيات أو اللغة المصطنعة أو حتى المجتمع المصطنع يمكن تبريره في عصر العلم، وكذلك المعارضة المتزايدة في الانحناء أمام أية قواعد أخلاقية لا تظهر منفعتها بشكل منطقي، أو التكيّف مع العادات المتّبعة التي يعتبر أساسها المنطقي غير معروف، هي جميعاً مظاهر لنفس الرؤية الأساسية التي تريد بأن تكون كافة الأنشطة الاجتماعية، وبطريقة يمكن تمييزها، جزءاً من خطة مترابطة واحدة. إنها نتائج ناجمة عن نفس "الفردانية" العقلانية التي تريد أن ترى في كلّ شيء نتاج عقل الفرد الواعي. ومع ذلك، فهي بالتأكيد ليست نتيجة للفردانية الحقيقية، وحتى أنها قد تجعل من إدارة نظام فرداني حرّ وحقيقي أمراً صعباً أو مستحيلاً. وفي الواقع، فإن الدرس الكبير الذي تعلّمنا إيّاه الفلسفة الفردانية حول هذا الموضوع هو أنه بينما قد لا يكون من الصعب هدم وتدمير التشكيلات العفوية والتي هي الأسس الحتمية والملازمة لحضارة حرّة، فإنه قد يكون فوق طاقتنا أن نقوم بطريقة متأنية بإعادة بناء تلك الحضارة حالما يتم هدم تلك الأسس.

-8-

إن النقطة التي أحاول شرحها تظهر بشكل واضح جداً من خلال التناقض الظاهري بأن الألمان، رغم اعتبارهم بصفة عامة بأنهم يميلون كثيراً إلى التعلّم، فإنه يتم وصفهم في أحيان كثيرة بأنهم فردانيون بشكل خاص. وضمن مدى معيّن من الحقيقة، فإن ما يُعرف بالفردانية الألمانية كثيراً ما يتم اعتبارها بأنها أحد أسباب عدم نجاح الألمان في تطوير مؤسسات سياسية حرّة. وفي المعنى العقلاني للمصطلح، وفي إصرارهم على تطوير شخصيات "أصلية" هي من كافة الوجوه نتاج لخيار الفرد الواعي، فإن التقليد الفكري الألماني يفضّل في الواقع "فردانية" معروفة إلى حدّ ضئيل في أماكن أخرى. إنني أتذكّر جيداً مدى الدهشة وحتى الصدمة التي أُصبت بها أنا نفسي حينما كنت طالباً شاباً في أول احتكاك لي بالمعاصرين من إنجليز وأمريكيّين عندما اكتشفت كم كانوا يميلون إلى التوافق مع كلّ ما هو خارجي وغريب عن العرف العام بدلاً من، كما كان يبدو لي طبيعياً، الاعتزاز بأن يكونوا مختلفين وأصيلين في معظم النواحي. وإذا كنت تشكّ في أهمية مثل هذه التجربة الفردية، فإنك ستجدها مثبتة بالكامل في منهج ونظام المدارس الحكومية الإنجليزية، كما تسجدها في كتاب ديبيليوس المعروف جيداً حول إنجلترا.( ) ومرّة بعد أخرى ستجد نفس المفاجأة حول هذه النزعة تجاه التوافق الطوعي وستراه مغايراً لطموح الشاب الألماني في تطوير "شخصية أصلية" تعبّر من كافة النواحي عمّا أصبح يعتبره ملائماً وحقيقياً. إن لهذا الإعجاب الشديد بالشخصية الفردية المتميّزة والمختلفة له، بالطبع، جذور عميقة في التقليد الفكري الألماني، وأنه من خلال تأثير بعض كبار مفسّريها، وعلى الخصوص غوته وفيلهلم فون هومبولت، فقد جعلت الناس يشعرون بها في أماكن تتجاوز ألمانيا إلى حدّ بعيد، كما تم بحثها بوضوح في كتاب الحريّة لمؤلف جيه. إس. ميل.

إن هذا النوع من "الفردانية" ليس فقط أنه لا علاقة له بالفردانية الحقيقية، ولكنه قد يثبت أيضاً أنه عقبة خطيرة أمام العمل السلس لنظام فرداني. إنّ مسألة إن كان من المستطاع إدارة مجتمع حرّ أو فرداني بطريقة ناجحة إذا كان الناس هم أيضاً "فردانيين" بالمفهوم الخاطئ، يجب أن تبقى مسألة مفتوحة إذا كانوا هم أيضاً يعارضون بشكل طوعي مراعاة التقاليد والعادات المتّبعة، وإذا كانوا يرفضون الاعتراف بأيّ شيء لم يتم تصميمه بوعي أو لا يمكن إظهاره بوضوح بأنه عقلاني بالنسبة لكلّ فرد. وعلى الأقلّ فإنه من الأمور التي يمكن فهمها أن هيمنة هذا النوع من "الفردانية" كثيراً ما جعلت أصحاب النوايا الحسنة ييأسون من إمكانية تحقيق النظام في مجتمع حرّ، وحتى أنها جعلتهم يطالبون بحكومة دكتاتوريّة تتمتّع بالسلطة اللازمة لأن تفرض على المجتمع نظاماً لا تستطيع هي نفسها إنتاجه.

وفي ألمانيا، بصفة خاصة، فإن هذه الأفضلية للتنظيم المتأني والازدراء المقابل له بالنسبة لما هو عفوي وغير مراقب، كانت تَلقى دعماً قويّاً من خلال النزعة نحو المركزية التي أنتجها النضال من أجل الوحدة الوطنية. وفي بلد كانت فيه التقاليد التي يمتلكها هي تقاليد محلية بشكل أساسي، فقد كان النضال من أجل الوحدة ينطوي على معارضة منتظمة تقريباً لكل ما كان يعتبر بأنه نمو عفوي واستبداله بشكل مستمر بمبتكرات مصطنعة. إن ما وصفه حقاً أحد المؤرخين الحديثين بأنه "بحث يائس عن تقليد لم يكونوا يمتلكونه"،( ) وأنه كان يتعيّن على الألمان أن ينتهوا إلى استحداث دولة دكتاتورية قد تفرض عليهم ما كانوا يشعرون بأنهم يفتقرون إليه، ربما كان ينبغي أن لا يفاجئنا بالقدر الذي فعله.

-9-

وإذا كان من الأمور الحقيقية أن النزعة التدريجية نحو السيطرة المركزية على كافة العمليات الاجتماعية هي النتيجة الحتمية لمقاربة تلحّ على أنه يتعيّن تخطيط كل شيء بشكل منتظم يكشف عن نظام يمكن تمييزه، فإنه من الحقيقي أيضاً أن هذه النزعة تميل إلى خلق أوضاع لا يستطيع أيّ شيء سوى حكومة مركزية قوية تماماً أن تحافظ فيها على النظام والاستقرار. إن تركيز جميع القرارات في أيدي السلطة نفسها ينتج وضعاً تفرض فيه الحكومة على المجتمع الهيكلي الأشياء التي لا يزال يمتلكها والذي يكون فيه الأفراد قد أصبحوا وحدات قابلة للتبادل دون وجود أية علاقة محدّدة أو متينة أخرى تجاه بعضهم البعض سوى تلك التي تقرّرها المؤسسة التي تتمتّع بشمولية كاملة. وفي رطانة علماء الاجتماع المعاصرين، فقد اصبح هذا النوع من المجتمع يُعرف بـ"المجتمع الجماعي"—وهو اسم مضلّل إلى حدّ ما، لأن الصفات المميّزة لهذا النوع من المجتمع ليست ناجمة بهذا القدر عن مجرّد أعداد بقدر ما هي ناجمة عن الافتقار إلى أيّة هيكلية أو بنية عفوية عدا عن تلك التي يتم إجباره عليها من قبل مؤسسة حريصة، وعدم القدرة على تطوير مفاضلاتها، والاعتماد التبعي على سلطة تعمل بحرص على صياغته وتشكيله. إنه مرتبط بالأعداد فقط طالما أن عملية التمركز (التحوّل إلى المركزية) في الأمم أو الدول الكبيرة تصل بسرعة أكبر كثيراً إلى المرحلة التي تقوم فيها المؤسسة الحريصة بدءاً من القمة بكبح تلك التشكيلات العفوية المبنيّة على اتصالات أوثق وأعمق من تلك التي يمكن أن تتواجد في الوحدة الكبيرة.

وليس من الأمور المدهشة أنه في القرن التاسع عشر، عندما أصبحت هذه النزعات لأول مرّة واضحة بجلاء، فقد أصبحت معارضة المركزية أحد الهموم الرئيسية للفلاسفة الفردانيين. وتظهر هذه المعارضة بصفة خاصة في مؤلفات المؤرخين العظيمين اللذين سبق وأن ميّزت اسميهما على أنهما الممثلان الرائدان للفردانية الحقيقية في القرن التاسع عشر، وهما دي توكفيل واللورد آكتون؛ وهي تجد تعبيراً لها في تعاطفهما القوي مع البلدان الصغيرة ومع التنظيم الفيدرالي للوحدات الكبيرة. وهنالك أيضاً المزيد من الأسباب في الوقت الحاضر للاعتقاد بأن البلدان الصغيرة قد تصبح خلال وقت ليس ببعيد الواحات الأخيرة التي ستحافظ على مجتمع حرّ. وربما يكون قد فات الأوان كثيراً لإيقاف المسيرة الحتميّة للمركزية المتصاعدة في البلدان الكبيرة والتي قطعت شوطاً كبيراً في الطريق إلى إنتاج مجتمعات جماعية يظهر فيها الاستبداد في نهاية المطاف بأنه المنقذ والمخلص الوحيد. وإن كانت حتى البلدان الصغيرة ستنجو من ذلك، فإن الأمر سوف يعتمد على ما إن كانت ستبقى بمنأى عن سمّ القومية، وهي إغراء ونتيجة لنفس ذلك النضال من أجل مجتمع منظّم بوعي ابتداءً من القمة.

إن موقف الفردانية من القومية، وهي فكرياً ليست سوى توأم شقيق للاشتراكية، يستحق دراسة خاصة. وهنا أستطيع فقط أن أشير على الفرق الجوهري بين ما كان يعتبر في القرن التاسع عشر بأنه ليبرالية في العالم الناطق اللغة الإنجليزية وبين ما كان يعرف به في القارّة (أوروبا باستثناء الجزر البريطانية) مرتبط بشكل وثيق بانحدارهما من الفردانية الحقيقية والفردانية العقلانية الزائفة، على التوالي. لقد كانت الليبرالية بالمفهوم الإنجليزي فقط هي التي تعارض بوجه عام المركزية والقومية والاشتراكية، في حين أن الليبرالية التي كانت تهيمن على القارة كانت تؤيد الثلاثة معاً. ورغم ذلك، يجب أن أضيف أنه من هذه الناحية كما من نواحي عديدة أخرى، فإن جون ستيوارت ميل والليبرالية الإنجليزية التي نشأت منه في وقت لاحق ينتميان إلى التقليد القاري على الأقل بنفس القدر الذي ينتميان فيه إلى التقليد الإنجليزي؛ وإنني لست على علم بأيّ بحث أو دراسة أكثر توضيحاً لهذه الاختلافات الأساسية من النقد الصادر عن اللورد آكتون للتنازلات التي أجراها ميل على النزاعات القومية لليبرالية القارية.( )

-10-

هنالك نقطتان أخريان محل خلاف بين نوعي الفردانية اللتين يمكن أيضاً توضحيهما بشكل أفضل من خلال الموقف الذي اتخذه اللورد آكتون ودي توكفيل من خلال آرائهما حول الديمقراطية والمساواة تجاه النزعات التي أصبحت بارزة في عصرهما. إن الفردانية الحقيقية لا تعتقد فقط بالديمقراطية، بل يمكنها الادعاء بأن المُثل العليا للديمقراطية تنبع من المبادئ الأساسية للفردانية. ورغم ذلك، ففي حين أن الفردانية تؤكد بأن الحكومة بكاملها يجب أن تكون ديمقراطية، فليس لديها اعتقاد وهمي في الكفاءة والأهلية الكلية لمعظم القرارات، وعلى الخصوص فإنها ترفض الاعتراف بأن "السلطة المطلقة ربما تكون، بافتراض أن أصلها شعبي، شرعية بقدر الشرعية التي تتمتّع بها الحرية الدستورية."( ) إنها تؤمن بأنه في ظلّ أية ديمقراطية، وليس بأقلّ مما هو في ظلّ أيّ شكل آخر من الحكومة، فإن "نطاق الأمر المفروض بالقوّة يجب أن يكون ثابتاً ضمن حدود؛"( ) كما أنها تعارض بصفة خاصة كافة مفاهيم الديمقراطية الحالية الخاطئة الأكثر حسماً وخطراً—وهو الاعتقاد بأنه يجب علينا أن نقبل آراء الأغلبية كآراء صادقة وملزمة للتطوّر المستقبلي. وفي حين أن الديمقراطية تقوم على العرف القائل بأن رأي الأغلبية هو الذي يقرّر ويبتّ في العمل المشترك، فإنها لا تعني أن ما يمثّل في الوقت الحاضر العمل المشترك يجب أن يصبح هو الرأي المقبول بوجه عام—حتى ولو كان ذلك ضرورياً لتحقيق أهداف الأغلبية. وعلى العكس من ذلك، فإن التبرير الكامل للديمقراطية يستند على حقيقة أنه مع مرور الزمن فإن ما هو حالياً رأي أقليّة صغيرة قد يصبح رأي الأغلبية. وفي الواقع، فإنني أعتقد أن أحد أهمّ الأسئلة التي يتعيّن على النظرية السياسية أن تكتشف إجابة لها في المستقبل القريب يتمثّل في إيجاد خطّ لتعيين الحدود بين المجالات التي يجب أن تكون فيها آراء الأغلبية ملزمة للجميع وبين المجالات التي يتم فيها، وعلى النقيض من ذلك، السماح لرأي الأقلية بأن يسود، إذا كان باستطاعته إحداث نتائج تلبّي أحد مطالب الجمهور بشكل أفضل. وقبل كلّ شيء، فإنني مقتنع أنه في الحالات التي تكون فيها مصالح فرع تجاري هام معنيّة، فإن رأي الأغلبية سيكون دائماً هو الرأي الرجعي والمستقرّ وأن استحقاق المنافسة هو أنه، وعلى وجه الدقّة، يمنح الأقلية فرصة لكي تسود. وفي الحالات التي تستطيع فيها أن تفعل ذلك دون أية سلطات قسرية، حينئذٍ يجب أن يكون لها الحق في ذلك دائماً.

إنني لا أستطيع أن أُجمل هذا الموقف للفردانية الحقيقية تجاه الديمقراطية بشكل أفضل من الاستشهاد ثانيةً باللورد آكتون، حيث كتب يقول: "إن مبدأ الديمقراطية الحقيقية القائل بأنه لن يكون لأيّ شخص سلطة فوق الشعب، يتم تفسيره بمعنى أنه لن يتمكّن أيّ شخص من تقييد أو المراوغة في سلطة الشعب. إن مبدأ الديمقراطية الحقيقية، وهو أنه يجب عدم إكراه الناس على فعل ما لا يرغبون فيه، يتم تفسيره بمعنى أنه يجب عدم الطلب منهم أن يتساهلوا في الأمور التي لا يرغبونها. وإن مبدأ الديمقراطية الحقيقية بأن إرادة كلّ إنسان يجب أن تكون متحرّرة وغير مقيّدة قدر الإمكان، يتم تفسيره بمعنى أن الإرادة الحرّة للناس مجتمعين يجب أن لا تكون مقيّدة بالنسبة لأيّ شيء."( )

بالرغم من ذلك، فعندما نعود إلى المساواة يجب أن يقال على الفور إن الفردانية الحقيقية ليست مساواتية (لا تؤيد المساواة) بالمعنى العصري للكلمة. وهي لا ترى سبباً لمحاولة جعل الناس متساوين بشكل متميّز عن معاملتهم بطريقة متساوية. وفي حين أن الفردانية تتعارض بعمق مع كل امتياز فرضي ومع كل حماية، بواسطة القانون أو القوة، لأية حقوق لا تستند إلى قواعد يتم تطبيقها بالتساوي على جميع الناس، فإنها أيضاً تنكر على الحكومة الحقّ في تحديد ما يمكن أن يحقّقه الشخص القادر أو المحظوظ. وهي تعارض بشكل متساوٍ أيّ تقييد صارم للمنصب أو المركز الاجتماعي الذي قد يحقّقه الأفراد، سواء تم استخدام هذه السلطة لإدامة عدم المساواة أو لخلق المساواة. ويتمثّل مبدؤها الرئيسي في أنه لا يجوز لأيّ شخص أو مجموعة من الأشخاص أن تكون لديهم السلطة ليقرّروا ما يجب أن يكون عليه وضع أيّ شخص آخر، كما أنها تعتبر ذلك شرطاً أساسياً للحرية إلى حدّ عدم التضحية به لإرضاء إحساسنا بالعدالة أو لإرضاء حسدنا.

من وجهة نظر الفردانية، فإنه لا يبدو أن هنالك أيّ مبرّر أيضاً لجعل جميع الأفراد يبدأون على نفس المستوى وذلك بمنعهم من الانتفاع بالمزايا التي اكتسبوها دون جهد، كأن يكونوا قد وُلدوا لأبوين أكثر ذكاءً أو أكثر وعياً من المتوسّط العام. وهناك تكون الفردانية أقل "فردانية" من الاشتراكية، لأنها تعترف بأن العائلة هي وحدة شرعية بقدر ما هو الفرد كذلك؛ ويصدق الشيء ذاته بالنسبة لمجموعات أخرى، مثل المجتمعات المتعدّدة اللغات أو الدينيّة، التي قد تنجح بفضل جهودها المشتركة في الاحتفاظ لفترات طويلة بمستويات أعضائها المادية أو المعنوية بشكل يختلف عن بقيّة السكان. ويتحدّث كلّ من دي توكفيل واللورد آكتون بصوت واحد حول هذا الموضوع. وقد كتب دي توكفيل قائلاً، "ليس لدى الديمقراطية والاشتراكية أي شيء مشترك سوى كلمة واحدة، وهي المساواة. ولكن علينا أن نلاحظ الفرق: ففي حين أن الديمقراطية تبحث عن المساواة في الحريّة، فإن الاشتراكية تبحث عن المساواة في الكبت والعبودية."( ) وقد انضم إليه آكتون في الاعتقاد بأن "السبب الأعمق الذي جعل الثورة الفرنسية بأن تكون كارثية إلى حدّ كبير على الحريّة يكمن في نظريتها حول المساواة،"( ) وأنه "تمّ إضاعة أروع فرصة لم يتم منحها للعالم من قبل، لأن الانفعال لتحقيق المساواة قد جعل الأمل في الحريّة يصبح عقيماً."( )

-11-
سيكون من المحتمل الاستمرار لمدة طويلة في بحث ومناقشة المزيد من الفروق التي تفصل بين التقليدين المتعلقين بالفكر واللذين في حين أنهما يحملان نفس الاسم، إلا أنهما منقسمان بفعل المبادئ المتعارضة بشكل أساسي. ومع ذلك، يجب أن لا أسمح لنفسي بأن أنحرف إلى حدّ بعيد كثيراً عن مهمّتي في أن أعزو إلى مصدرها الارتباط أو التشويش الذي نتج عن ذلك وأن أبيّن بأنه يوجد تقليد واحد ثابت ومتماسك والذي، سواء كنتم تتفقون معي أم لا في أنه الفردانية "الحقيقية"، هو على أية حال النوع الوحيد من الفردانية التي أنا مستعد للدفاع عنها، كما أنني في الواقع أعتقد أنها النوع الوحيد الذي يمكن الدفاع عنه بثبات واستمرار. لذلك، دعوني أعود في الختام إلى ما ذكرته في البداية، وهو: أن الموقف الأساسي للفردانية الحقيقية يتمثّل في التواضع تجاه العمليات التي حقّق الجنس البشري بواسطتها أشياء لم يكن قد تمّ تصميمها أو إدراكها من قبل أيّ فرد، وأنها في حقيقة الأمر أكبر من القدرة العقلية للأفراد. والسؤال الكبير في هذه اللحظة هو إن كان سيتم السماح لعقل الإنسان بالاستمرار في النمو كجزء من هذه العملية، أم إن كان المنطق البشري سيضع نفسه في أغلال وقيود من صنعه هو.
إن ما تُعلّمنا إيّاه الفردانية هو أن المجتمع أكبر من الفرد فقط بقدر ما يكون حرّاً. وبالقدر الذي يكون فيه المجتمع خاضعاً للسيطرة أو التوجيه، فإنه يكون مقتصراً على قدرات الأفراد العقلية التي تتحكّم فيه أو توجهه. وإذا كانت فرضية القدرة العقلية الحديثة، والتي لا تحترم أي شيء لا يكون مسيطراً عليه بوعي من خلال التفكير المنطقي للفرد، لا تتعلم في الوقت المناسب أن يجب أن تقف، حينئذٍ يمكننا، كما حذّرنا إدموند بورك، "أن نكون مطمئنين تماماً بأن كلّ شيء من حولنا سوف يتضاءل تدريجياً حتى تتقلّص همومنا في نهاية الأمر وفقاً لأبعاد قدراتنا العقلية."
محاضرة فينلاي الثانية عشرة التي ألقاها هايك في الكلية الجامعية، دبلن، في 17 كانون الأول 1945، وجرى نشرها من قبل هودجز، فيجيس آند كومباني المحدودة، دبلن، وبي. إتش. بلاكويل المحدودة، أكسفورد، 1946.
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 22-10-2007, 06:31 PM
وحيد عبد العال وحيد عبد العال غير متواجد حالياً
عضو نشيط
 
تاريخ التسجيل: Jul 2005
المشاركات: 7,988
رد: الفردانية: الحقيقيّة والزائفة

بداية اصل كلمة الفردانية هي "" Indivi edualism "" وهي ذات قسمين " ضد " Indivi "

"والازدواج" "edualism ",, والترجمة العربية الحرفية للجزء الثاني من الكلمة وهي الاشتراكية الدارجة في لغتنا


.
وفي هذا المضمار :

يقول لويس دومون خلال دراسته عن الفردانية انه إذا توجب على الفردانية أن تظهر في مجتمع من نمط تقليدي فسينتج لظهورها تعارض مع المجتمع أي في شكل الفرد خارج العالم".ويحاول دومون أن يثبت أن هذا هو ما حدث في الغرب و بالتحديد في المسيحية. حيث يري دومون أن المسيحية ومنذ البداية أسست لمفهوم الفرد خارج العالم انطلاقا من مبدأ "الإنسان هو فرد في علاقتة مع الله" كما في تعاليم المسيح. وتقريبا كل من بحث في هذه القضية كان كذلك .

حيث معظمهم أوربيين ويونان . ومن المشاهد التي استشهد بها دومون في سياق بحثه. ذاك الهندي الزاهد حيث عزل نفسه في كهف عن المجتمع وسماه دومون بالفرد خارج المجتمع او العالم . حيث فضل الانعزال كي يحقق ذاته وفرديته ولكن خارج نمط الحياة الواقعية وحسب قول دومون . لم يؤثر الناسك او العابد علي من حوله . ولا من حوله اثروا عليه .

ومن هذا المنظور . وان كان لابد من بحث مسألة الفردانية في مجتمعنا كمجتمع عربي إسلامي. فقد يري المرء من المناسب طرحها من منظور سياسي لا ديني .
رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:58 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتدى حوارات الفاخرية @2011
Designed By csit.com.sa