أما المرحلة الثانية فقد نجحت المرأة خلالها باختراق التابوهات الاجتماعية وأن تكون شريكاً للرجل في بعض الأدوار واستعادت خلالها المرأة جزءا من هويتها الفردية الفكرية والاجتماعية خلافاً لصورتها النمطية التقليدية التي رُسِمَت لهذا "المخلوق العجيب".
وكان هذا بفضل انتشار تعليم المرأة الكمي وفرص العمل التي أتيحت وإن كانت محدودة. فصار للمرأة بطاقة هوية يكتب بها اسمها وتحمل صورتها وتتقاضى راتباً شهرياً نظير جهدها وتفكيرها.
وساهم في هذا التحول عوامل أخرى مثل الظروف الاقتصادية والتحول في ثقافة المجتمع من مجتمع تكافلي إلى مجتمع رأسمالي وفردي.
المرحلة الثالثة والتي دشنها الملك عبدالله بتكريم الدكتورة خولة الكريع هي مرحلة المرأة السعودية القيادية والريادية والعالمية كما أن هناك إرهاصات لهذه المرحلة تمثلت بعدد من القرارات التي أعطت المرأة هذا الضوء، فكانت مديرة جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن وبعدها كانت نائبة وزير التربية والتعليم أمثلة تشير إلى المرحلة الثالثة لمسيرة المرأة السعودية وتنبئ بميلاد هذه المرحلة.
تجدر ملاحظة الحضور الرسمي للدولة في المرحلتين الثانية والثالثة، كما تجدر ملاحظة أن هذه المراحل التي أراها لها بدايات وليس لها نهايات، فقد استمرت المرحلة الأولى حتى مع دخول المرحلة الثانية وهكذا المرحلة الثالثة دخلت مع بقاء المرحلة الأولى والثانية وخاصة الثانية.
أريد أن أتوقف عند دلالات تتويج الدكتورة خولة الكريع بهذا الوسام الوطني الرفيع من زوايا وأبعاد مختلفة.
فمن الواضح أن ما أوصل هذه المرأة إلى هذه المكانة محليا وعالميا هو طموح مشتعل لا يتوقف عند الصدمة الأولى، وإلا فكيف يمكن لنا أن نفهم أو حتى نتخيل أن مستوى التعليم العام عندنا هنا يمكن أن يأتينا بامرأة تفكر وتهتم بما فكرت به واهتمت خولة الكريع لولا طموحها الشخصي؟
ثم ما هذه الجرأة العظيمة التي تجعل امرأة سعودية تنخرط في دراسة مرض، أكثرنا يخاف حتى أن يسمع اسمه، فضلاً عن أن يحترف دراسته والإبراز فيه والتميز به لولا إرادة قوية ورباطة جأش جعلتها في الصفوف الأمامية؟ وكيف لامرأة أن تحترف العمل في مشفى، في الوقت الذي كثير من بنات جنسها، لا يتجرأن على مراجعة الطبيب كمريضات خوفاً وقلقاً ورعباً من بيئة المشفى وطقوس التعاطي مع الأطباء، فضلاً عن نبأ الإصابة بمرض كهذا لولا الإرادة الحديدية التي تمتلكها الدكتورة خولة والإصرار والعزيمة التي لا تقبل القسمة على 2؟
كيف استطاعت الكريع أن تحقق طموحاتها الدراسية والعملية فيما أخفق كثير من جيلها والجيل الذي قبله ممن حملن ذات الطموحات وبحجم الإرادة والعزيمة، لولا أن الدكتورة الكريع قد وُلِدت ونشأت في بيتٍ وضمن أُسرة فهمت هذا الطموح وحضنته وفتحت له آفاقا رحبة وذللت أمامه الصعوبات بل ربما أن هذه الأسرة أسهمت مباشرة في بلورة هذا الطموح ووفرت له بوصلة ليصل ولا يتعثر أو يقتل هذا الطموح كما قَتَلَت أُسَرٌ كثيرةٌ طموحاتِ بناتها وأبنائها؟
إحدى الدلالات التي استوقفتني في تتويج الدكتورة الكريع، هي مؤسسة محلية عالمية (مشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث) الذي يغص بالعديد من الأطباء والباحثين والأخصائيين من جنسيات شتى فهو بحق مختبر عالمي بامتياز، فقد هيأ المجال لبنات وأبناء الوطن الأكفاء دونما تمييز، وقد نبغ فيه العديد من المبرزين السعوديين دونما تمييز وإلا فكيف أعطى هذا المشفى الفرصة لهذه المرأة النابغة فرصتها في إجراء دراساتها وأن تكون كبيرة علماء أبحاث السرطان وتقود فريقاً علمياً يتبنى برنامجا بحثياً فريداً يستهدف التعرف على البصمة الوراثية لدى مرضى السرطان وهو برنامج رائد وفريد من نوعه.
أقول كيف أعطى هذا المشفى هذه المرأة الفرصة وهي المرأة البسيطة، القادمة من أسرة بسيطة من مدينة سكاكا في منطقة الجوف، شمال السعودية؟
ختاما... إذا كان عدد سكان المملكة من النساء حسب مصلحة الإحصاءات العامة سنة 2006 يناهز تسعة ملايين مواطنة، فكم عدد النساء اللاتي عرفن بقصة نجاح خولة الكريع وهيفاء المطيري وحياة سندي ؟
وكم عدد اللاتي بدأن في إعداد العدة لمحاكاة تلك النماذج؟ وهل يكفي نجاح ووصول 1% من هذا العدد في محاكاة نماذج العالمات السعوديات لتعزيز وترسيخ المرحلة الثالثة في مسيرة الحركة النسائية السعودية وتحويل المملكة إلى واحة علمية حقيقية ومختبر عالمي؟
وفي هذه الحالة، هل مؤسسات المملكة الأكاديمية والبحثية والصحية والصناعية جاهزة لهذا العدد وتلك المرحلة؟